شعراء ومبدعون في السجون



يقول تشارلز ديكنز: "إن العظيم بين الناس من كان عظيماً في شقائه وعظيماً في سجنه وعظيماً في قيوده" فلذلك تظهر مواهب كثيرين من المسجونين من وراء جدران سجونهم فيكون التضييق عليهم توسيعاً لمعارفهم، وتقلص جسومهم تمديداً في عقولهم.

وممن اشتغل في معتقله من العرب أبو منصور الأزهري الهروي اللغوي المتوفى سنة 980م لأنه أسر عند إحدى قبائل البادية وهو يطوف في أحيائها لتحقيق اللغة والوقوف على لهجات العرب، فاغتنم فرصة اعتقاله واستفاد أشياء لغوية كثيرة أضافها إلى كتابه (التهذيب) مما لم يكن ليخطر له في بال في غير الاعتقال، فجاء كتابه هذا ممتعاً في أكثر من عشر مجلدات.

*

ولما اعتقل ابن خلدون المؤرخ الشهير وضع كثيراً من أفكاره ورسائله لمؤلفاته المشهورة.

*

ولما سجن أبو إسحاق إبراهيم الصابئ الكاتب المعروف قال عضد الدولة بن بويه: "إن أراد الصابئ الخروج من سجنه فليصنف مصنفاً في أخبار آل بويه" فصنف الصابئ الكتاب "التاجي" وتأنق فيه حتى نمي إلى عضد الدولة أن صديقاً دخل عليه يوماً فرآه مكباً على عمله تسويداً وتبييضاً فسأله عما يشتغل؟ فقال الصابئ: "أباطيل أنمّقها وأكاذيب ألفقها" فأوغر هذا الكلام صدر الملك عليه حتى أمر بقتله تحت أرجل الفيلة، ثم شفع به أصحابه فاستبدل ذلك بنفيه.

*

وهكذا فعل الشيخ الرئيس ابن سينا في معتقله بقلعة فردجان فإنه صنف فيها كتاب الهدايات و"رسالة حي بن يقظان" و"القولنج" وغيرها.

*

ولما سجن المهدي العباس نديمه إبراهيم الموصلي لإدمانه الخمر اغتنم هذه الفرصة وتعلم القراءة والكتابة.

*

وكذلك فعل أبو الصلت أمية بن عبد العزيز الأشبيلي الأندلسي فإنه ألف في سجنه لما اعتقله الملك الأفضل في مصر كتباً ورسائل، منها "رسالة العمل في الإسطرلاب" و"كتاب الوجيز في علم الهيئة" و"كتاب الأدوية المفردة" و"تقويم الذهن" في المنطق و"الانتصار في الرد على علي ابن رضوان" في رده على حنين بن إسحاق في مسائله. وتفوق في الطب.

*

والشيخ أحمد بن تيمية الشهير سجن مدة في مصر ثم في قلعة دمشق وابتلي بالمحنة ولم يغير معتقده واشتغل بالتصنيف، فوضع مؤلفات ورسائل منها "تعاليق على تفسير القرآن" أوضح فيها ما التبس على طائفة من المفسرين، وألف في المسألة التي حبس لأجلها مجلدات عديدة. ولما منعوه عن الكتابة وحجزوا عنه القلم والدواة والقرطاس كان يكتب بالفحم على بعض الآنية ونحوها. وما زال في محنته صابراً على بلواه إلى أن توفي في السجن سنة 1327م.

*

وإسحاق بن خلف المعروف بابن الطبيب تعلم نظم الشعر في سجنه واشتهر به حتى مدح الملوك وتوفي سنة 844م.

*

ولما نفي المرحوم محمود سامي باشا البارودي إلى جزيرة سيلان مع عرابي باشا بقي في منفاه سبعة عشر عاماً فذاق العذاب ألواناً وأبدى جلداً حمله على تعلم اللغة الانكليزية وتعريب بعض الكتب عنها. وكان مع كل ذلك يمرّن قريحته في النظم والنثر فكاتب كثيراً من أصدقائه، ومن أبلغ ما أنشد نونيته المشهورة التي قال في مطلعها:

محا البين ما أبقت عيون المهى مني ، فشبت ولم أقض اللبانة من سني

عناءٌ ويأس واشتياق وغربة ، ألا شد ما ألقاه في الدهر من غبن

فإن أكُ فارقت الديار فلي بها ، فؤاد أضلته عيون المهى عني

*

لهذا نجد أن المصائب هي محك الرجال، حتى قال كاتب أميركي بهذا المعنى:"إن من أهم الذرائع الدافعة الإنسان إلى النجاح الفقر والتعب والصعوبة فلا تخف منها لأنها أفضل وسيلة لإحراز النجاح".

*

وبهذا المعنى قال الشعراء:

يؤدبك الدهر بالحادثات، إذا كان شيخاك ما أدبا

المعري

*

ولما أن تجهمني مرادي، جريت مع الزمان كما أرادا

وهوّنت الخطوب عليّ حتى، كأني صرت أمنحها الودادا

المعري

*

تعطي التجارب حكمة لمجربٍ، حتى تربي فوق تربية الأبِ

ناصيف اليازجي

*

ومن الشعراء من عانى الحبس والسجن والمنفى فأنشد أروع قصائده. فلما أسر الروم أبا فراس الحمداني نظم معظم ديوانه في مأسره، فمنه ما كتب به إلى أخيه أبي العشائر من أبيات:

نفى النوم عن عيني خيالُ مُسلمِ، تأوب من أسماء والركب نوم

وخطب من الأيام أنساني الهوى، وأحلى مذاق الموت والموت علقم

والله ما شببت إلا علالة، ومن نار غير الحب قلبي يضرم

فمن مبلغ عيني الحسين ألوكةً، تضمنها در الكلام المنظم

لذيذ الكرى حتى أراك محرمٌ، ونار الأسى بين الحشى تتضرم

وأترك أن أبكي عليك تطيراً، وقلبي يبكي والجوانح تلطم

وأظهر للأعداء فيك جلادةً، وأكتم ما ألقاه والله يعلم

وما أغربت فيك الليالي وإنها، لتصدعنا من كل شعب وتثلم

طوارق خطب ما تغب وفودها، وأحداث أيام تفذ وتتئم

فما عرفتني غير ما أنا عارف، ولا علمتني غير ما كنت أعلم

*

وكتب إلى والدته يشكو جراجه:

مصابي جليل والعزاء جميل، وظني أن الله سوف يزيل

جراح تحاماها الأساة مخافة، وسقمان بادٍ فيهما ودخيل

وأسر أقاسيه وليل نجومه، أرى كل شيء غيرهن يزول

تطول به الساعات وهي قصيرة ، وفي كل دهر لا يسرك طول

تناساني الأصحاب إلا عصابة ، ستلحق بالأخرى غداً وتحول

*

كان الملك المظفر محمود ابن الملك المنصور محمد ابن الملك تقي الدين عمر ابن شهنشاه قد حبس زكي الدين بن عبد الرحمن العوفي لأبيات قالها فيه أوغرت صدره عليه. فقال له: ما ذنبي إليك؟ فقال: قولك "وحسبنا الله ونعم الوكيل" في بيتيك وهما:

إن الذي أعطوه لي جملةً، قد استردوه قليلاً قليلْ

فليت لم يعطوا ولم يأخذوا، "وحسبنا الله ونعم الوكيلْ"

وذلك لأنه كان قد أجازه بألف دينار أنفقها في سفره معه. فأمر الملك المظفر بخنقه، فلما أحس بذلك قال:

أعطيتني الألف تعظيماً وتكرمةً، يا ليت شعري أم أعطيتني ديني

*

وكتب المتنبئ من سجنه:

كن أيها السجن كيف شئت فقد، وطنت للموت نفس معترف

لو كان سكناي فيك منقصةً، لم يكن الدر ساكن الصدف

*

ولما اعتقل ابن خلدون المؤرخ الشهير في سجن ملك المغرب نظم له ابن خلدون وهو مريض في سجنه ملحمة نحو مائتي بيت يستعطفه فيها، منها قوله في مطلعها:

على أي حال لليالي أعاتب، وأي صروف للزمان أغالب

كفى حزناً أني على القرب نازح، وأني على دعوى شهودي ذائب

وأني على حكم الحوادث نازل، تسالمني طوراً وطوراً تحارب

فسر بها السلطان وكان في تلمسان، فوعده أنه متى حل بفاس حل أسره ولكنه مات بعد خمسة أيام من وصوله إليها!

*

قال أبو زكريا يحيى بن هذيل الأندلسي في معتقله من قصيدة طويلة بليغة:

تباعد عني منزل وحبيب ، وهاج اشتياقي والمزار قريب

وإني على قرب الحبيب مع النوى ، يكاد إذا اشتد الأنين يجيب

*

من أشهر الذين نظموا في معتقلهم المعتمد بن عباد ملك الأندلس الذي خلع وسجن، فمن أقواله في قيوده وقد آلمته:

بكيت إلى سرب القطا إذ مررن ، سوارح لا سجن يعوق ولا كبل

ولم تك والله المعيد حسادةٌ  ، ولكن حنيناً أن شكلي لها شكل

فأسرح لا شملي صديع ولا الحشى ، وجيع ولا عيناي يبكيهما ثكل

هنيئاً لها إذ لم يفرق جميعها ، ولا ذاق منها البعد عن أهلها

وإذ لم تبت مثلي تطير قلوبها ، إذا اهتز باب السجن أو صلصل القفل

*

وكتب أبو دلامة إلى المهدي العباسي لما سجنه مع الدجاج لسكره:

أمير المؤمنين فدتك نفسي ، علام حبستني وخرقت ساجي

أقاد إلى السجون بغير ذنب ، كأني بعض عمال الخراج

ولو معهم حبست لهان هذا ، ولكني حبست مع الدجاج

*

ولما اعتقل حسام الدين الحاجري الإربلي الشاعر في قلعة إربل منقولاً من سجنه في قلعة خفتيد قال في اعتقاله:

أحبابنا أي داع بالبعاد دعا ، وأي خطب دهانا منه تفريق

لا كان دهر رمانا بالفراق فقد ، أضحى له في صميم القلب تمزيق

كانت تضيق بي الدنيا بغيبتكم ، فكيف سجن ومن عاداته الضيق

*

ونختم جولتنا مع أبيات سليم بك عنحوري شاعر الفيحاء الذي نظم في سجنه العديد من القصائد:

ما كنت أول طائر مترنمٍ ، حبسوه في الأقفاص للتغريد

وألوف أغربةٍ تطير نواعباً ، بين السماء وبين سطح صعيد

إن يحبسوا شخصي الضئيل فخاطري ، في الجو أو في البحر أو في البيد

**

من كتاب : المشاهير والسجون


  • أعجبني
  • تعليق
  • مشاركة
  • 3
  • 0
thumb
مهتم بنشر أهم المراجعات المنشورة في الصحف العربية والعالمية.

جاري التحميل...