لو أن لشكسبير أختاً.. (أديبات حائرات.. بين الزواج والأمومة والأدب)



تقول فيرجينيا وولف في كتابها "غرفة للمرء وحده"، إنه لم يكن في وسع امرأة، أية امرأة على الإطلاق، أن تكتب مسرحيات شكسبير في زمنه. ولتوضح حجتها، ابتكرت امرأة خيالية وقدّمتها كأخت لشكسبير. اسمها "جودث". لتفترض للحظة أن جودث هذه كانت شغوفة بالمسرح كما كان شكسبير، وتتمتع بالموهبة نفسها. فماذا سيكون مصيرها؟ هل كان لها أن تسخّر حياتها في تنمية موهبتها كما فعل شكسبير؟ تقول فيرجينيا:
الجواب هو لا، لأن هناك أنظمة وقوانين مختلفة لكل من الرجال والنساء. تستطيع جودث أن تكون موهوبة كيفما تشاء، مولعة بالآداب والفنون كيفما تحب، بيد أن طريقها ككاتبة سيكون مرصوفاً بالعقبات، صغيرها وكبيرها. ستمر بوقت عصيب لتجد فسحة متذبذبة بين الزوجة الاجتماعية والزوجة الرفيقة والأم المخلصة التي عليها أن تكونهن جميعاً. والأهم من ذلك أنها لن تجد، وهي متمزقة بين واجبات الأم والزوجة، أي وقت للكتابة. سينقضي يومها مستغرقة في أعمال المنزل الروتينية، الطبخ والكي والاهتمام بالأطفال والتبضع للمنزل والاعتناء بكل مسؤولياتها العائلية، وقبل أن تنتبه، ستجد نفسها امرأة منخولة، يتسرب وقت العالم كله من ثقوب حياتها. وحتى تلك اللحظات النادرة التي تجد نفسها فيها وحيدة، فسوف تكرسها للاسترخاء والتخلص من التوتر. كيف لها أن تكتب؟ متى ستقوم بذلك؟
منذ البدء، كانت الفرص المتاحة لشكسبير محظورة على جودث.

أفكر في الكاتبات اللواتي هن أيضاً أمهات: نادين غورديمير ومارجريت آتوود وآني برولكس وأنيتا ديساي وجومبا لاهيري ونعومي شهاب ناي وآن لاموت وماري غوردن وآن رايس والأسطورة كرستينا بيجو جوسو.. عدد ضخم من الكاتبات أنجبن مرة وحسب، أو مرتين. وهناك أيضاً من أنجبن ثلاث مرات وأربع أمثال أورسولا لي جوين.

ولكن هناك أيضاً، في الوقت ذاته، عدد كبير من الشاعرات والكاتبات من لن ينجبن أطفالاً لأسباب يرونها وجيهة: إيميلي ديكنسون وفرجينيا وولف وإيميلي برونتي ودوروثي باركر وليليان هلمن وآين رايد وجيرترود ستاين وباتريشا مايسميث وجانت وينترسون وايميلي تان وساندرا سيسنيروس وإليزابت جيلبرت.

وهناك من الكاتبات من أنجبن وتبنين في نفس الوقت! والألمع من بينهن امرأة لم تكن كاتبة باهرة وحسب، بل ناشطة في الحراك الحقوقي المطالب بالمساواة العرقية والجنسية، امرأة بقلب واسع وحاصلة على جائزة نوبل في الآداب، إنها بيرل بوك.
استمرت بيرل بوك في ملاحظة أن نظام التبني في أمريكا يفرق بين البيض وبين الآسيويين والسود لصالح البيض. وهكذا قررت عام 1950م أن تحارب هذا النظام وتساعد من لا حيلة لهم ولا قوة. وبعد صراع طويل، أسست بيت الضيافة! أول مركز تبني عالمي لا عرقي، فغيرت بذلك حيوات ما لا يحصى من الأطفال. وفي خضم قيامها بذلك كله، لم تتنازل عن الأدب، ولم تبطئ من وتيرتها في الكتابة. بل على العكس تماماً، فقد استحثت أمومتها ونشاطها الحقوقي مهنتها ككاتبة.

وأخيراً هناك كاتبات من المحتمل أنهن قد أردن الإنجاب، إلا أن أزواجهن لم يكونوا راغبين في ذلك، فلم ينجبن. ويعتقد الكثير أن هذا هو حال الكاتبة البريطانية المعروفة آيريس مرداك. يقال أن زوجها لم يرغب قط في إنجاب الأطفال فاستسلمت لرغبته.

إني أحاول أن أجد معادلة ذهبية، تنطبق على أغلب الكاتبات، أو حتى عليهن جميعاً، لكن من الواضح أنه لا وجود لمثل تلك المعادلة. 
بدأت ج.ل.رولينق بكتابة سلسلة روايات هاري بوتر بعد ولادة ابنها، وأهدت ما لحق ذلك من كتب إلى ابنتها الرضيعة. تقول إن الأمومة هي مصدر إلهامها. قد يفترض أحد منا أن أماً تكتب عن السحر والخوارق لا بد وأنها تقص ذلك على أبنائها عندما تدسهم في أسرتهم، بيد أن ج.ك.رولينق تقول إنها لا تؤمن بالسحر والشعوذة! بل فقط بالدين. لا أعرف إلى أية درجة يسهل عليها تسيير أمور منزلها، لكن يبدو أن رولينق بارعة حقاً في صهر الأمومة والكتابة معاً.

وهناك توني موريسون التي كان لديها صبيان صغيران تربيهما وحدها عندما بدأت الكتابة. لقد أمضت سنوات طويلة لا تستطيع أثناءها الكتابة في ساعات النهار، فموعدها مع القلم والحبر يحل قبيل الفجر، قبل موعد استيقاظ أطفالها. وبقدر ما كانت حياتها صعبة في ذلك الوقت، فقد اعتصرت الإلهام، حسب قولها، من كل مهنة زاولتها.

في أحايين كثيرة، يبدو أن أكبر جائزة تأمل كاتبة في الظفر بها، ليست بوكر أو أورانج، بل مربية دافئة القلب ومخلصة. إنه حلم مشترك بين كاتبات كثيرات، أن يسمعن هذه الكلمات الأربع السحرية: (والفائزة بمدبرة المنزل هي...). ولا عجب أن تكون من بين المنح المالية التي فازت بها سيلفيا بلاث منحة مربية! مال تستطيع به أن تستأجر مربية ماهرة تعتني بالبيت كي تجد الوقت والطاقة للكتابة.

ربما كان على مدبرة منزل إيميلي ديكنسون أن تضحي بحياتها ليكون بإمكان ديكنسون أن تحيا حياتها مغلقة عليها الباب في الطابق العلوي، في زاوية غرفة نومها حيث كتبت قصائدها الـ 1775. فبقدر ما يتجنب الوسط الأدبي الحديث عن هذه الأمور الـ"دنيوية"، يبقى للمال والطبقة القدرة نفسها على منح الامتياز والقوة لبعض الناس دون سواهم.

  • أعجبني
  • تعليق
  • مشاركة
  • 2
  • 1
thumb
مهتم بنشر أهم المراجعات المنشورة في الصحف العربية والعالمية.

جاري التحميل...