الوحدة جزء ملازم لكينونة الإنسان. عشقت الوحدة. توددت إليها. عرفت أناساً قد يصابون بالجنون لو تركوا وحدهم لساعات طويلة. أما أنا، فكان الأمر عندي على عكس ذلك تماماً. قد أصاب بالجنون لو كان علي مرافقة أناس لوقت مديد. سأفتقد عزلتي.

ازدهار مهنتي كروائية مرهون بالعزلة. إن الاشتغال في أغلب مناحي الفن والأدب يتطلب العمل مع أناس آخرين يشاركون في العملية الإبداعية نفسها. وحتى أكثر مخرجي الأفلام غروراً، عليهم أن يُحسنوا الانسجام مع الآخرين وأن يناغموا طاقاتم بهم، وأن يتعلموا العمل ضمن فريق. وكذلك شأن مصممي الأزياء والممثلين والراقصين وكتاب المسرح والمطربين والموسيقيين.

إلا أن الروائيين قضية أخرى. فنحن نقضي الأسابيع، والأشهر، وأحياناً سنوات بأسرها، منكفئين على الرواية التي نكتب، نستلقي داخل هذه الشرنقة البصرية محاطين بأبطال متخيلين، نكتب الأقدار ونحسب أننا آلهة. هكذا ننتهي بسهولة، ونحن ننسج خيوط الرواية مضيفين تحولات صادمة نرفع الشخصيات بها ثم نهوي بها.. ننتهي إلى الظن بأننا مركز الكون. الغرور الصارخ وإرهاق الذات هما أكبر الأضرار الجانبية لمهنتنا.

لهذا نجد أنفسنا عشاقاً بائسين، وأسوأ من ذلك، زوجات وأزواجاً تعيسين. الُكّتاب بالدرجة الأولى ليسوا اجتماعيين- رغم أننا قد ننسى ذلك بقليل من النجاح والشهرة. الرواية هي أكثر الآداب وحدة، كما قال مرة والتر بنجامين.