"القراءة تمد العقل بمادة المعرفة.

ولكن التفكير هو الذي يجعل ما نقرؤه ملكاً خاصاً لنا!"

جون لوك

القراءة.. أهي ترف، أم ضرورة؟

كم كتاباً ينبغي للمثقف أن يقرأ، كل عام؟.. وكم دقيقة يستطيع أن يقرأ، كل يوم؟

ما هي الكتب - العربية، والإفرنجية - التي لا غنى للمثقف عن قراءتها؟

ما هي أجدر الكتب العالمية - من جميع العصور - بالقراءة؟

هل الترجمة فن؟ وهل هي "أقل" قيمة|، وجهداً، من التأليف.. أو "أكثر"؟

أو، بعبارة أخرى: لماذا تقرأ؟.. ومتى تقرأ؟.. وكيف تقرأ؟.. وماذا تقرأ؟..

.. هذه بعض الأسئلة التي عنّ لي أن أطرحها للبحث في هذا المقال، وأن أحاول الإجابة عنها في إيجاز، بالقدر الذي يتسع له المجال..

لماذا تقرأ؟

"كل ما فعلته البشرية، أو فكرت فيه، أو ربحته، أو كانته، 

يرقد بين صفحات الكتب، محافظاً عليه، كأنما بواسطة يد سحرية!

توماس كارلايل

فوائد القراءة في هذا العصر "العملي" الذي نعيش فيه، كثيرة..

فأنت قد تقرأ:

1- كي تزجي - أو "تقتل" - وقت الفراغ..

2- أو لتتقن حرفة ما..

3- أو لتنسى همومك، وتهرب من نفسك..

4- أو لتعيش أحلامك التي عجزت عن تحقيقها في حياتك..

5- أو لتذكي خيالك وتختبر ذكاءك بالكتب المثيرة والقصص البوليسية..

6- أو قد تقرأ لمتعة القراءة في ذاتها، إذا كنت تعشقها..

7- أو تقرأ لتوسع مداركك، وتكتسب ما نطلق عليه لفظ "الثقافة" بشتى مفاهيمها..

8- أو لتنمي شخصيتك وتغدو مرموقاً في المجالس، جذاب الحديث..

9- وأخيراً، وليس آخراً، فأنت تقرأ لتزيد فهمك للإنسانية..

.. ومن ثم يتسنى لك أن تقيم علاقاتك مع الناس على أسس السلام والمحبة.. فإن ما تخرج به من قراءاتك في الكتب الجيدة، من أن الناس جميعاً سواء، في جميع الأقطار والعصور، يجعلك أميل إلى أن تسلك مع أصدقائك، وجيرانك، ومخالطيك، مسلكاً ينطوي على التسامح، حين تصادف بينهم شخصيات شاذة شبيهة بـ"الأب جوريو" ، أو "سيلاس مارنر"، أو "ليدي ماكبث".. الخ.

متى تقرأ؟

"هناك كتب تستحق أن يذوقها القارئ..

وكتب تستحق أن يلتهمها.. وكتب تستحق أن تمضغ وتهضم!"

فرنسيس بيكون

قد تقول: ولكن عملي ومطالب حياتي لا تترك لي وقتاً للقراءة..

وللرد على هذا الزعم "الوهمي" - أياً كانت ضخامة مشاغلك ومسئولياتك - ألخص لك بحثاً، مدعماً بالإحصاءات ذات الدلالة البليغة، نشره الباحث لويس شورز بعنوان: "كيف تجد وقتاً لتقرأ" وفيما يلي أهم ما انتهى إليه من نتائج وإحصاءات:

إذا كنت قارئاً متوسطاً(عادياً)، فأنت تستطيع أن تقرأ الكتاب العادي بمعدل 300 كلمة في الدقيقة (لكنك لن تبلغ هذا المعدل، أو تحافظ عليه، إلا إذا قرأت يومياً، بانتظام.. كما لن تحافظ عليه في الكتب المتخصصة، مثل العلوم، والرياضيات، والزراعة، والشعر، وكتب الأدب ذات الأسلوب الذي يستحق وقفة تأمل كل حين.. أو أي موضوع علمي جديد عليك).

ومعنى هذه السرعة، أن تقرأ 4500 كلمة في كل 15 دقيقة.. فإذا ضربت هذا الرقم في 7 أيام، تكون الحصيلة 31,500 كلمة في الأسبوع أو 126,000 كلمة في الشهر أو 1,512,000 (مليون  ونصف) كلمة في العام، نتيجة للقراءة مجرد ربع ساعة كل يوم!

ولما كانت الكتب تتراوح في العادة بين 60,000 و 100,000 كلمة في المتوسط، فإن المحصول السنوي لقارئ "الربع ساعة في اليوم" يكون عشرين كتاباً في العام!

وقد جرب هذه الطريقة طبيب وعالم من أشهر أطباء العصر الحديث هو سير وليم أوسلر، الذي تتلمذ عليه الكثيرون من أساطين الطب المعاصرين، كما درس أطباء العالم كتبه المشهورة في الطب.. وقد عزا عارفوه عظمته- فضلاً عن تفوقه في فنه الخاص- إلى ثقافته العامة، البعيدة المدى، فقد كان واسع الاطلاع على ما فعله الجنس البشري - وفكر فيه- خلال العصور المتوالية، وكان يدرك أن السبيل الوحيد للوقوف على أفضل تجارب بني الإنسان هو قراءة ما كتبوه في كتبهم.. لكن مشكلته كانت هي مشكلة كل رجل مشغول، لا يملك خلال الأربع والعشرين ساعة اليومية وقتاً يخرج عن حدود عمله، سوى ما يقتطعه من ساعات قليلة للنوم وتناول الطعام وتلبية مطالب الحياة الضرورية.

لكن أوسلر توصل إلى الحل الذي ينشده في مرحلة مبكرة من حياته، فنظمها على أساس أن يقرأ لمدة ربع ساعة كل ليلة قبل النوم مباشرة، أياً كانت الظروف!.. فكان إذا أوى إلى فراشه في الحادية عشرة مثلاً، يقرأ حتى الحادية عشرة والربع.. وإذا شغلته جراحاته أو أبحاثه حتى الثانية صباحاً، يقرأ إلى الثانية والربع، وهكذا.. ولم يشذ عن هذه القاعدة التي وضعها لحياته يوماً واحداً، خلال نحو نصف قرن!.. وكان الدستور الذي استنّه لقراءاته الليلية أن تكون منعدمة الصلة بمهنته وعمله، فحصل من هذه القراءات على اطلاع واسع نادر المثال، كفل التوازن في شخصيته بين التثقيف المهني والتثقيف العام!

وفي العالم كثيرون من أمثال هذا الطبيب الفذ، نمّوا شخصياتهم بالقراءة في غير نواحي عملهم أو تخصصهم.. وقد اشتهر الألمان بصفة خاصة بالإقبال على القراءة في شتى الموضوعات، ولعل هذا من عوامل تفوقهم وتعدد وجوه ثقافتهم وشمولها كافة مناحي المعرفة.

ومن أمثلة الإقبال على القراءة- في جميع الظروف- أن ملازماً في الجيش الأمريكي ( خلال الحرب العالمية الثانية) لفت الأنظار بتضخم ملف خدمته بشهادات التقدير من رؤسائه، والإعجاب بسعة اطلاعه ووفرة معلوماته، حتى دفع الفضول أحدهم إلى تقصي أسباب هذه الظاهرة.. فتبين له أن الضابط المذكور كان ينتهز كل فرصة ليقرأ إلى درجة أنه كان إذا صدر إلى طابوره الأمر بالوقوف في حالة "انتباه" لبضع دقائق، يخرج من جيبه كتاباً ليقرأ فيه!.. وكان قد نمّى في نفسه- منذ صباه الباكر- عادة أن يحمل في جيبه كتاباً صغيراً ليقرأ فيه في أية لحظة لا يجد فيها شيئاً آخر يفعله.. وقد وجد في هذه العادة متعة وفائدة، وواظب على ممارستها في كل فترات الانتظار التي يضيعها أكثر الناس هباء، مثل فترات انتظار الاتوبيس، والطعام، والطبيب، والحلاق، والتلفون، وحفلات السينما والمسارح.. الخ.. وهي فرص تتيح لكل شخص أضعاف أضعاف الخمس عشرة دقيقة المطلوبة لقراءة عشرين كتاباً في العام، أو ألف كتاب في نصف قرن!

.. ولو انصرف كل راكب أتوبيس أو ترام عندنا- من الجالسين على الأقل- إلى القراءة أثناء الطريق، بدلاً من الاشتراك في الأحاديث العقيمة، أو الانحياز إلى أحد الطرفين في المشادات، أو التدخل في شئون بقية الركاب، لأاراحو واستفادوا!

.. كل ما يلزمك لتنفيذ هذا البرنامج شيء واحد: أن تتوفر لديك الإرادة، أي الرغبة في القراءة.. وعندئذ سيسهل عليك أن تجد 15 دقيقة من يومك تقرأ فيها، مهما كانت مشاغلك، بشرط أن تجعل الكتاب في متناولك في كل ظرف: ضع كتاباً في جيبك حين ترتدي سترتك، وكتاباً آخر بجوار فراشك، وثالثاً في الحمام، ورابعاً في غرفة المائدة، وهكذا..

كيف تقرأ؟

"الكتب هي الثروة المخبوءة، وميراث الأجيال والشعوب"

هنري دافيد ثورو

وقراءة الكتاب، مثل تأمل اللوحة أو التمثال، ينبغي لها ظروف معينة أو "عادات حسنة" لا بد من مراعاتها فيه، "وعادات سيئة" يحسن تجنبها، كما تتيح للقارئ أقصى متعة، بأقل قدر من الجهد الضائع.. وقد أحصى الأخصائي "دونالد ماك كامبل" أهم هذه العادات "الحسنة" و"السيئة" فيما يلي:

من العادات السيئة أو "العقبات" التي تعوق التأمل والقراءة المجدية: المعدة الخاوية.. والمعدة الممتلئة أكثر من اللازم.. وخير غذاء يؤهلك للقراءة المفيدة بعض الفاكهة. أما إذا تناولت أكلة ثقيلة، فينبغي أن تنتظر ساعة على الأقل قبل أن تقرأ، كي لا يصعد إلى رأسك الدم الذي يلزم بقاؤه في المعدة ليساعد على الهضم.

الإرهاق الجسماني عدو آخر للتركيز اللازم أثناء القراءة.. فإن الطاقة الحرارية المطلوبة توافرها أثناء القراءة الجادة، تكاد تعدل الطاقة اللازمة للعبة رياضية خفيفة. على أن ذلك لا يعني أن يقبل المرء على القراءة وهو في حالة خمول تام، بل يحسن أن يتمشى ولو قليلاً في الحجرة قبل القراءة، كي يزيل الخمول عن جسمه وعقله معاً، وينشط الدورة الدموية، إذ كثيراً ما يصيب خمول الجسم ذهن صاحبه بعدواه.

ومن العقبات التي تعوق القراءة المجدية، الشعور بالقلق، أو التوتر العصبي الناشئ عن الإمساك، أو عن حاجة الجسم إلى شيء من الرياضة.. كما يلزم تجنب الضجيج أو المقاطعات المتكررة التي تفسد التأمل والاستغراق.. على أن توفير الجو الهادئ المريح ينبغي أن لا يغالي فيه، كما فعلت تلك الثرية العجوز التي أعدت في قصرها غرفة خاصة للقراءة، بطّنت جدرانها بالمواد العازلة للصوت، وزودتها بأجهزة تكييف الهواء، وبسائر أدوات الترف ومستلزماته.. فلما اكتملت لها كل أسباب الراحة، فوجئت بما أفسد عليها كل تدبيرها: صارت لا تكاد تخلو إلى الكتاب في صومعتها المثالية، حتى يدهمها النعاس في الحال!

ولا بد لممارسة القراءة من مقعد مناسب، يتيح جلسة مريحة، لا ينحني فيها العمود الفقري كالقوس أثناء انكباب القارئ على كتابه.. وينبغي أن تكون صفحة الكتاب موازية للوجه، وعلى بعد نحو أربعين سنتيمتراً منه، وأن تكون حافة الكتاب العليا في مستوى العينين.

وللإضاءة، ودرجتها، وزاويتها، أهمية كبرى في إغراء الشخص بالمضي في القراءة، وهو مستريح النفس والبصر، أو تنفيره منها وصرفه عنها. لذلك يجب أن يراعي المرء عند جلوسه للقراءة أن يكون الضوء المنبعث من المصباح أو النافذة القريبة منصباً على كتفه اليسرى إذا كان من عادته أن يمسك الكتاب بيده اليمنى.. أو العكس بالعكس.

ويقتضي نوفير الجو الملائم للقراءة أن يكون المكان جيد التهوية، لا يفتقر إلى الأكسجين اللازم لتنشيط الجسم والذهن. كما يحسن أن تكون درجة حرارة المكان معتدلة - حوالي 2- درجة مئوية- بحيث لا يشكو الشخص من البرد أو الحر، وإلا استيقظت غريزته من نومها لتطالب عقله بمزيد من الدفء أو الهواء، أو بالعكس.

ولكي لا يتسرب الملل إلى نفس القارئ، ينبغي له أن يجعل في متناوله - حين يجلس للقراءة- خليطاً منوعاً من الكتب، كي يدع الواحد ويتناول الآخر إذا انتابه الضيق من كتاب، أو صرفه عنه مزاجه أو حالته النفسية. وكثيراً ما يحدث أن يعجب القارئ بكتاب في ظل حالة نفسية معينة، ثم لا يعجبه نفس الكتاب في جلسة أخرى، أو حالة نفسية مغايرة!

وإذا جلست لتقرأ، فعليك أن تحول بصرك عن الكتاب الذي تقرؤه، بين الحين والآخر- كل نحو خمس دقائق- لتلقي نظرة إلى الطريق، أو إلى المبنى المواجه لك، أو إلى السحب في السماء، فإن النظرة إلى بعيد تريح عضلات العين من الإجهاد، وترد لها نشاطها من جديد..

ويجدر بك أن تراعي مبادئ أو قواعد معينة تتعلق بنوع المادة التي تقرؤها .. فإذا أخذت في قراءة كتاب من كتب القصص القصيرة مثلاً، فلتحرص على أن تقرأ قصة كاملة منه - أو أكثر - في الجلسة الواحدة، لأن القصة القصيرة وحدة متكاملة، تفسدها التجزئة على أكثر من جلسة.. وبالنسبة للقصص الطويلة أو المسرحيات، يحسن أن تقرأ فصلاً كاملاً منها في كل جلسة.. وإذا تعذر عليك فهم معنى كلمة أثناء قراءة القصة، فلا تقطع تسلسل الأفكار بالرجوع إلى القاموس في التو واللحظة، بل يمكنك وضع علامة سريعة تحتها بالقلم الرصاص، للبحث عن معناها بعد الانتهاء من القصة أو الفصل، ولا سيما أنه يندر في القصص أن يعجزك الجهل بمعنى لفظ واحد عن فهم السياق ولو بصفة مؤقتة. أما في الكتب غير القصصية- والكتب العلمية على وجه الخصوص- فإن اللفظ غير المفهوم قد يفسد عليك تذوق فقرة طويلة بأكملها. وهنا لا بأس من اللجوء إلى القاموس كلما استدعى الأمر.

والقارئ العادي يقرأ أربع كلمات في الثانية، أو حوالي 14,500 كلمة في الساعة. وهذا يعني أن الشخص الذي يقرأ لمدة ساعة كل يوم، يستطيع أن يقرأ نحو خمسة ملايين كلمة في السنة، أي نحو خمسين كتاباً كل عام ( من الكتب المتوسطة، ذات المائة ألف كلمة).. على أن هذه السرعة يمكن زيادتها عن هذه النسبة بالتمرين.

ماذا تقرأ؟

"في العلوم ابدأ بقراءة أحدث الكتب، وفي الآداب أقدمها، 

فالكلاسيكيات لا تبلى جدتها، وهي دوماً حديثة".

إدوار بولوار ليتون

وقبل أن نستعرض الكتب - العربية والإفرنجية- التي لا غنى لمثقف عن قراءتها، ( أو قراءة جانب منها على الأقل، وفقاً لميوله ونزعاته)، والمراجع العالمية التي لا غنى له عن اقتنائها.. نبدأ بحصر أبواب المعرفة الرئيسية، وهي حسب ترتيبها الأبجدي:

1- آثار

2- أدب بمعناه الضيق، ويشمل: النقد، المقالات، السيرة الذاتية، الرحلات.

3- أديان

4- تاريخ

5- تراث الأقدمين

6- تراجم (سير الخالدين)

7- دراما (مسرحيات)

8- سياسة

9- شعر

10- علوم

11- علم النفس

12- علوم اجتماعية

13- فلسفة

14- فنون جميلة

15- قصص

16- كلاسيكيات

17- موسقى

18- موسوعات ومراجع

19- نشأة وتطور الإنسان

20- هوايات وحرف

ومن العسير أن تلتقي ميول القراء جميعاً وأذواقهم، أو أذواق أكثريتهم، عند كتب معينة، سواء من التراث القديم، أو الإنتاج المعاصر. العربي، أو العالمي.. وإذا كنت سأحاول هنا الإشارة إلى أهم الكتب والمراجع ذات القيمة الباقية والنفع الجليل لكافة المثقفين، فما ذلك إلا من قبيل "الترشيحات" أو "الاقتراح" فحسب.. ذلك أنني أومن بقول صمويل جونسون: "إن الإنسان ينبغي أن يقرأ ما يميل إلى قراءته، وتقوده إليه- أو تغريه به- هواياته.. فإن ما يقرؤه "كواجب" لن ينفعه إلا نفعاً ضئيلاً!".

ماذا تقرأ من التراث العربي القديم والأدب الحديث؟

ومهمة الاختيار هنا متروكة لذوق القارئ كما أسلفنا، لذلك سأكتفي بمجرد التذكير بأسماء أشهر أعلام الفكر العربي القدماء والمحدثين - بغير ترتيب- تاركاً لكل قارئ أن يختار من مؤلفاتهم ما يتفق مع ميوله واتجاهاته:

فبعد القرآن الكريم وكتب التفسير والحديث- التي لا غنى عن قراءتها لمثقف- تجيء مؤلفات: الطبري، ابن هشام، الشريف الرضي، الجاحظ، الأصبهاني، ابن عبد ربه الأندلسي، القلقشندي، ابن المقفع، ابن الأثير، المبرد، النويري، البلاذري، ابن سينا، ابن رشد، الدميري، ابن خلدون، الغزالي، ابن قتيبة، ابن حزم، ابن كثير، ابن طفيل، السهروردي، أبي العلاء، البحتري، المتنبي، ابن الرومي، عمر بن أبي ربيعة، أبي العتاهية، الأخطل، أبي تمام، جرير، الفرزذق، أبي نواس، امرئ القيس، الخنساء، ابن زيدون، بشار، الهمذاني، الفارابي، أبي حيان، حسان بن ثابت، البهاء زهير..

ولا أنسى معجزة الأدب العربي القديم "ألف ليلة وليلة"، ثم تراث الأدب الشعبي: قصص عنترة، والظاهر بيبرس، وسييف بن ذي يزن، والزير سالم، وأبي زيد الهلالي..

أما من أدباء ومفكري العربية المحدثين فتحضرني - على سبيل المثال لا الحصر- أسماء: الجبرتي، المويلحي، رفاعة الطهطاوي، جمال الدين الأفغاني، الإمام محمد عبده، قاسم أمين، فرح أنطون، المنفلوطي، محمد تيمور، البشري، طاهر لاشين، المازني، محمد حسين هيكل، الجارم، العقاد.. ومن الشعراء: شوقي، حافظ، مطران، العقاد، علي محمود طه، كامل الشناوي، محمود عماد، الزهاوي، الشابي، جبران، إيليا أبو ماضي.

ماذا تقرأ وتقتني من الكتب والمراجع العالمية؟

"خير تعريف للكتاب في نظري أنه عمل من أعمال السحر، تخرج

منه أشباح وصور، لتحرك كوامن النفوس وتغير قلوب البشر".

أناتول فرانس

فإذا انتقلنا من مجال الكتب المؤلفة بالعربية، إلى مجال الكتب العالمية، سواء المترجم منها إلى لغتنا، أو الذي لا تتيسر قراءته إلا بلغته الأصلية أو إحدى ترجماته الإفرنجية، ألفينا الميدان ينفسح ويتشعب إلى غير حد.. ويكفي لإدراك مدى هذا الاتساع والتشعب أن تعلم أنه في الولايات المتحدة الأمريكية وحدها يصدر كل عام 15 ألف كتاب جديد!.. وأن الطبعات الشعبية من الكتب التي تصدرها دور النشر الأمريكية بلغت في عام 1947 نحو مائة مليون نسخة.. وفي عام 1951 ارتفعت إلى 230 مليون نسخة.. ثم واصلت قفزاتها حتى بلغت في عام 1965 نحو 450 مليوناً!.. وهذه الكتب تعرض هناك الآن في نحو مائة ألف مكان، إذ لا يقتصر عرضها على المكتبات وحدها، وأكشاك الصحف، بل تباع أيضاً في حوانيت البقالة، والصيدليات، ومحطات خدمة السيارات، علاوة على الموانئ، والمطارات، ومحطات السكك الحديدية.. الخ.

ذلك أن العصر الذي كان اقتناء الكتب فيه وقفاً على الأغنياء والقادرين قد انتهى وانقضى، وكما انتشرت هواية جمع الطوابع فصارت هواية التلاميذ، بعد أن كانت هواية الملوك، انتشرت هواية اقتناء الكتب فصارت ظاهرة ديمقراطية- بعد أن كانت ترفاً أرستقراطياً- وأصبح للكتاب مكان، ومكانة، في بيت كل مثقف، أياً كانت الطبقة الاجتماعية التي ينتمي إليها، ومهما بلغت ضآلة موارده المالية، وذلك بفضل الطبعات الشعبية التي صارت في متناوله.

وبفضل هذه الطبعات الرخيصة الثمن بات في وسع كل إنسان أن يقتني كتباً في كافة فروع المعرفة، وليس في الفرع الذي يتخصص فيه بحكم عمله. ذلك أنه خير لكل منا أن يعرف عن كل فرع من فروع المعرفة شيئاً- بصفة عامة- من أن يعرف عن فرع واحد كل شيء، ولا يعرف شيئاً ما عن سواه من الفروع!

وبصفة مبدئية، ينبغي أن يقتني كل قارئ في بيته المراجع الأساسية التالية، أياً كان عمله أو اتجاه هوايته في القراءة:

1- معجم لغوي أو أكثر، من وإلى اللغة التي يتقنها واللغة التي يقرأ بها.

2- دائرة معارف، أو موسوعة، واحدة على الأقل (سواء الموسوعة البريطانية، المؤلفة من 24 جزءاً، أو الأمريكية، المؤلفة من ثلاثين جزءاً، (إذا كان هو أو أفراد أسرته يقرؤون على نطاق واسع، قراءة بحث وتخصص).. أو موسوعة موجزة من ذات الجزء الواحد، ومثلها كثير، في جميع اللغات الحية.

3- دليل سنوي يلخص أهم أحداث كل عام، وتوجد عشرات الطبعات المختلفة منه كل عام، باللغتين الإنجليزية والفرنسية. وتجد فيه الإجابة عن مئات الأسئلة التي تثيرها المناسبات، إلى جانب ألوان من المعلومات العامة التي تهم كل إنسان.

4- دليل سنوي لأهم الشخصيات التي أدت دوراً هاماً في كافة المجالات: في العلوم، والطب، والسياسة، والأدب، وغيرها.

5- معجم لسير الأعلام: في كافة العصور، وكافة البلاد، وكافة نواحي الحياة.

6- أطلس عالمي أو كتاب للخرائط، يشمل خرائط تفصيلية لجميع القارات والدول الكبرى، مع إحصاءات عن عواصم العالم وعدد سكانها والمسافات بينها وخطوط الطيران وجداول التوقيت الزمني في كل منها..

7- دليل طبي أو صحي، يصلح مرشداً لجميع أفراد الأسرة في كافة شئون الصحة والمرض، في انتظار حضور الطبيب، أو لتنفيذ تعليماته بعد انصرافه، وقد يغني عن الطبيب في كثير من الحالات، سواء للعلاج أو للوقاية.

الكتب المترجمة.. والكتب التي لم تترجم بعد

"الكتاب الجيد مثل دم الحياة الثمين لأراوح علوية، محفوظ

ومخبوء خصيصاً من أجل حياة أخرى، وراء الحياة".

جون ملتون

ونعود، من هذا الاستطراد، إلى حديث الكتب العالمية الجديرة بالقراءة: ما ترجم منها، وما لم يترجم. ومن أسف أن كل ما ترجم حتى الآن من الكتب والمراجع التي لا غنى عنها لمثقف لا يزيد على واحد في المائة مما ينبغي أن يترجم!.. فضلاً عن أن الذي ترجم لا ينتظمه أي تخطيط منهجي، فهو لم يترجم وفقاً لخطط أو دراسات ذات أبعاد محددة، وإنما ترجم بناء على اقتراحات فردية متناثرة من كل مترجم يقع في يده كتاب يتوسم فيه الصلاحية فيعرض فكرة ترجمته على الناشر أو الهيئة التي يتعامل معها، فإذا وافق أو وافقت خرج الكتاب إلى النور، وهكذا، دون ما رابطة حقيقية بين هذا الكتاب أو ذاك.

أقول هذا وأمامي مئات من الكتب والدراسات التي تولت إصدارها أكثر الجامعات العالمية، وأشهر الأخصائيين، في كل فرع من فروع المعرفة، تتضمن قوائم تفصيلية بنحو ثلاثة آلاف كتاب اتفقت آراء جميع ذوي الشأن على جدارتها بالقراءة والاقتناء، وهي كتب تغطي جميع عصور الحضارة البشرية، منذ أيام الإغريق حتى يومنا الحاضر:

فهذه قائمة يرشحها المفكر الإنجليزي الشهير ألدوس هكسلي..

وهذه أخرى انتقاها الأديب الألماني الكبير توماس مان..

وثالثة من وضع فيلسوف الصين المعروف لين يوتانج..

ورابعة للكاتب الإنجليزي المعاصر هسكيث بيرسون..

وخامسة للناقد والمعلق المشهور ج.ب. بريستلي..

وسادسة وعاشرة وعشرون.. الخ .. وضعتها الجامعات..

وثمة قوائم وضعت حسب التسلسل الزمني، تبدأ بكتب اليونان.. فالرومان.. فالعصور الوسطى.. فعصر النهضة.. فعصر أسرة تيودور في إنجلترا.. فالقرن السابع عشر.. وما تلاه.. إلى القرن العشرين. وقوائم روعي فيها التقسيم النوعي حسب فروع المعرفة المتشعبة: فخصصت فصلاً لكل فرع: لكتب الأديان، فكتب الآثار، فالأدب، فالعلوم (وهذه تنقسم بدورها إلى عشرات الأبواب والفصول، بقدر تعددها، ثم الفلسفة، فالفنون، فالقصص.. الخ 

وهذا نوع آخر من القوائم تعددت أبوابه بتعدد البلاد والحضارات واللغات: فهذه قائمة بالكتب الألمانية، في جميع العصور.. وقوائم أخرى بالكتب الإيطالية.. والفرنسية.. والإنجليزية، والأمريكية والروسية، والنمسوية الخ ثم كتب الشرق من عربية قديمة، وفارسية، وهندية، وصينية، ويابانية.

وبعض الدراسات تضع قوائمها وفقاً لألوان الكتابة وأساليبها وقوالبها الفنية: قائمة للدراما وأخرى للرواية وثالثة للقصة القصيرة ورابعة لدواوين الشعر وخامسة للرحلات والسير والمقالات والرسائل والنقد الخ.

ثم هذه قائمة ترشيحات لأعظم مائة كتاب في جميع العصور.. وأخرى بأعظم خمسمائة كتاب كلاسيكي، من جميع البلاد واللغات.. وثالثة بأسماء أهم مائة مرجع، في شتى فروع المعرفة العشرين..

ورابعة بأحب كتب العالم إلى القراء. منذ فجر التاريخ.

وخامسة بأشهر كتب القرن العشرين..

وسادسة بأعظم ستين قصة في جميع العصور..

وسابعة بالكتب التي غيرت وجه التاريخ والحضارة.. أو التي ساهمت في هز كيان المجتمع الإنساني..

وثامنة بأشهر كتب الأطفال والصبيان في شتى اللغات والبلاد..

وتاسعة بأشهر قصص الحب في آداب العالم.. أو أعظم القصص الواقعية. أو أبشع الجرائم والمحاكمات الجنائية.. أو أخلد القصص الطويلة والقصيرة..

وهذه قائمة ترشيحات وضعتها جامعة شيكاجو تتضمن برنامجاً خمسياً لقراءة أعظم كتب العالم في خمس سنوات.. وقد خصصت الجامعة لكل سنة من السنوات الخمس مجموعة من الكتب المطبوعة في طبعات شعبية ذات غلاف ورقي لا يزيد ثمنها على 11 دولاراً على وجه التقريب!

وتقرر الناقدة الأمريكية آن ريشتر أن دراسة أو تقريراً واحداً من التقارير التي من هذا النوع، تعطي القارئ مفتاحاً ييسر له الحصول على حصيلة ثقافية ينفق عليها شص آخر ما لا يقل عن ثلاثة آلاف وخمسمائة دولار، إذا تلقاها عن طريق الدراسة في إحدى الجامعات أو المعاهد العليا!

وفي هذه الأمثلة الكفاية، فإن الحديث في موضوع الترجمة، وتخطيط ما ينبغي أن يترجم، والإمكانيات التي يجب أن توضع في خدمة حركة الترجمة في بلادنا، حديث طويل، يثير الأشجان.. ومن هذه الأشجان أن كبار الأدباء الأكفياء عندنا لا يزالون يعرضون عن الترجمة، باعتبار أنها في رأيهم دون التأليف، من حيث الماكنة الأدبية التي تحققها لهم.. وهي نظرة متخلفة، فنّدها ودحضها نادي القلم الدولي في اجتماعه الذي عقد في طوكيو باليابان منذ سنوات قليلة. وقد أجمع المؤتمرون في الكلمات التي ألقوها، وفي القرارات التي اتخذوها، على النقاط الآتية:

أولاً: أن الترجمة "فن" ينبغي أن يحتل مكانه بين سائر الفنون الأخرى، من أدب، ونحت، وتصوير، وموسيقى.. والمترجم فنان ينبغي أن يحتل مكانه بين الشاعر، والروائي، والكاتب المسرحي، والنحات، والمصور، والموسيقي، وغيرهم.

ثانياً: أن كبار الأدباء ينبغي أن يتجهوا إلى الترجمة، فإنهم بإحجامهم يتركون هذا الميدان وقفاً على تجار الفن والدخلاء عليه، ويضرون بصالح الشعوب ضرراً بليغاً.

وقد ناقش المؤتمرون أسباب إحجام كبار الكتاب عن اقتحام ميدان الترجمة، ولخصوها فيما يلي:

1- الجهد العظيم الذي تتطلبه ترجمة الأعمال الأدبية والفنية.

2- قلة الجزاء الذي يلقاه المترجم. فالترجمة في نظر الكثيرين تجيء في المرتبة الثانية من حيث الخلق، والمترجم في نظر الكثيرين "ظل" للمؤلف الأصلي. وأكاليل الغار تقدم للمؤلف في الحالتين، سواء عند تأليفه العمل الأصلي، وعند ترجمته من لغته إلى لغة أخرى بواسطة المترجم. وقد أطلق المؤتمرون على المترجم لقب "الجندي المجهول"!

3- طول المدة التي تتطلبها ترجمة عمل فني كبير.

ثالثاً: أن للترجمة دوراً خطيراً في العالم المعاصر، فهي تخلق التفاهم الإنساني الذي يساهم في زيادة فرص السلام العالمي.

وتعليقاً على ذلك، لا يملك المرء إلا أن يتساءل: ماذا كان يمكن أن يكون عليه عالمنا لو لم تترجم الكتب السماوية، وأعمال هوميروس، وسوفوكليس، ودانتي، وشكسبير، وسرفانتس، وجوته، وتعاليم الفلاسفة وقادة الفكر، والآثار العلمية الكبرى، إلى لغات العالم المختلفة؟!

وأحب أن أضيف إلى هذا التساؤل، في مرارة، نيابة عن القارئ العربي: ماذا ترجم حتى الآن إلى لغتنا العربية من أعمال هؤلاء الأعلام، وغيرهم مئات ومئات؟!.. وماذا ترجم من تعاليم الفلاسفة وآثار قادة الفكر، في جميع العصور؟.. ثم ماذا ترجم من المراجع والموسوعات وأمهات كتب العالم؟ وماذا ترجم من الكتب العلمية والأدبية والفنية الكبرى، التي تعتبر حجر الأساس في حضارة دول الغرب؟

ومتى يترجم- من أجل مائة مليون عربي- الإنتاج العالمي المعاصر، في كافة ميادين المعرفة؟

متى يترجم إنتاج أساطين الفكر والعلم والأدب في العالم في القرن العشرين، والقرن التاسع عشر، والثامن عشر، والسابع عشر؟

متى يترجم التراث الكلاسيكي الأوربي منذ عصر النهضة، وما قبل عصر النهضة؟

متى يترجم التراث اليوناني القديم بأكمله؟

متى يترجم التراث الصيني والهندي القديم، من الحكمة والفلسفة والفكر والفن؟

بل متى يترجم التراث المصري القديم الذي تزخر مكتبات أوربا وأمريكا بترجماته إلى اللغات الإنجليزية والفرنسية والألمانية وسواها، ولا نرى نحن أية ترجمات له إلى لغتنا العربية؟

ومتى.. ومتى.. ومتى..؟

وفي هذا القدر الكفاية.. فالحديث يبدو بلا نهاية!

حلمي مراد