كان القيصر نقولا الثاني (1868-1918) آخر القياصرة الروس، وقد حكم بلاداً مساحتها سدس الكرة الأرضية مدة ربع قرن من الزمن، بيد من حديد، يعتبر أغنى رجل عرفته أوروبا. فقد قُدّرت أطيانه وعقاراته بخمسين مليون دولار، ومجوهراته وحجارته الكريمة، من ألماس ولؤلؤ وياقوت بمبلغ ثمانين مليوناً، كما قدر دخله الشهري بمليون دولار، أي ما يعادل 24 دولاراً في الثانية الواحدة.

إلا أن الثروة والعظمة لم تنقذاه من النهاية المؤلمة التي انتهى إليها وأفراد أسرته. لقد كانت نهايته من أفجع المآسي التي دوّنها التاريخ. فبعيد منتصف ليل السادس عشر من تموز سنة 1918، اقتيد القيصر نقولا الثاني ولفيف أسرته إلى بيت مؤونة قذر مملوء بنسيج العناكب، فأطلقت النار عليهم جميعاً، وكانت مذبحة بشعة وحشية ليس لها مثيل!

كان ابن القيصر اسكندر الثالث، وخليفته على عرش القياصرة. ولد في سان بطرسبرج، وتربع على العرش في السنة 1894. وخلال حكمه جرت الحرب الروسية- اليابانية، وتدشين النظام البرلماني في روسيا (مجلس الدوما)، والتحالف الفرنسي- الروسي، والحرب العالمية الأولى، ثم الثورة البولشفية.

في سنة 1917، أعلنت القوات الروسية المحاربة العصيان على القيصر نقولا، ورفضت المضي في الحرب. وتألف وفد من كبار القادة العسكريين، فقابل القيصر قبل منتصف ليل 14 آذار 1917، ببضع دقائق، في مقصورته في قطاره الحديدي الخاص، وصارحه بوجوب ترك زمام الحكم والتخلي عن العرش. ووقع عليه هذا النبأ وقع الصاعقة، فتولاه الشحوب ، وبات مظهره شبيهاً بمظهر الأشباح، ولم يدر ماذا يعمل. وحين انسحب إلى مخدعه لم يستطع الرقاد، فتناول مسرحية "يوليوس قيصر" الشهيرة لشكسبير، وقطع الليل في مطالعتها.

وفي تمام الساعة الحادية عشرة والربع من صباح اليوم التالي، وقّع القيصر وثيقة التنازل عن العرش، بقلم رصاص عادي قائلاً: "شكراً لله، فبوسعي الآن أن أعمل ما كنت أتوق إلى عمله دائماً. يمكنني الذهاب إلى منزلي في شبه جزيرة القرم، وزراعة الأزهار".

وقضى القيصر نقولا وأسرته الأشهر الأخيرة من حياتهم في منزل عتيق مؤلف من غرفتين، في ضواحي إحدى المدن الواقعة على سفح جبال الأورال. وكانت حياتهم هذه أشبه بحياة الفلاحين المعدمين. فلم يكن الثوار الذين سجنوهم يقدّمون إليهم من طعام إلا حساء الخضر مرتين في اليوم، وكسر الخبز الأسود الجاف.

ولم يكن يسمح لهم بفتح النوافذ التي طلي زجاجها كي تحجب عنهم معالم الدنيا. واتفق ذات يوم أن صغرى بنات القيصر، الأميرة انستازيا، فتحت النافذة لتتنفس قليلاً، فإذا بأحد الخفراء يطلق النار عليها! ولم يكن في وسعهم إلا التنزه في حديقة المنزل مدة خمس دقائق يومياً.

وكان الجنود المولجون بالحراسة يغلظون القول أمام بنات القيصر نقولا، وينشدون الأغاني القذرة تحت النوافذ ليلاً، ويقضون سحابة نهارهم نصف عراة على مرأى من أفراد العائلة المالكة السابقة. وفي أحد الأيام انتزع جندي من الحرس مفكرة الأمبراطورة وسلبها نقودها قائلاً: "لن تحتاجي إلى مال بعد الآن".

أما القيصر فقد كان وديعاً، لطيفاً، لم تنبس شفتاه بتذمر أو شكوى، على نقيض زوجته المتكبرة التي ما فتئت تتذمر من الحالة التي آلت إليها، وتعلن أنها ستنتقم يوماً ما من سجانيها الوحوش.

إلى أن كان ليل 16 تموز 1918، فأيقظ قائد الحرس القيصر وأفراد أسرته وقال لهم إن اضطرابات حدثت في المدينة، وأن عليهم ارتداء ملابسهم والنزول إلى بيت المؤونة ريثما تصل العربات لتقلهم إلى مكان أمين. فلما وصلت القيصرة إلى بيت المؤونة كانت ترتعد فرقاً، ولم تستطع الوقوف على قدميها. فجيء لها بكرسي جلست عليه. وما هي إلا دقائق حتى تدفق الجنود على المكان، وهم يصيحون: "لقد حاول أصدقاءكم إنقاذكم، ولكنهم لم يفلحوا، وسنقتلكم جميعاً!" وما كادوا ينهون كلامهم حتى أطلق أحدهم رصاصة أصابت القيصر في صدره. وما إن وقع أرضاً حتى كان الرصاص ينهال على بقية الأسرة، ثم أجهز الجنود عليهم بالحراب المسنونة. وللحال قطع الجنود الجثث، ورشوها بالبنزين، وأضرموا النار فيها. ثم ألقوا بالرماد والأشلاء في حفرة، في أحد مناجم الحديد القديمة. وقد عثر الجنود في المكان الذي أحرقوا فيه الجثث على عدد كبير من الحلي والمجوهرات كانت القيصرة وبناتها الأميرات قد خبأنها في طيات ملابسهن.

والمعروف أن مقتل الأسرة المالكة الروسية كان عمل نفر من الثوار المتحمسين، وأن الحكومة السوفياتية قد اعتقلتهم وحاكمتهم بتهمة قتل القيصر وأفراد أسرته، وقضت على خمسة منهم بالاعدام رمياً بالرصاص.

 ..

من كتاب "كواليس التاريخ"