شهقة اليائسين ووجع المنتحرين..


 الموت فنّ

على غرار كل ما عداه

وإني أمارسه بإتقان..

أمارسه حتى يصير جهنم

أمارسه حتى يبدو حقيقة

في وسعكم القول إنه دعوتي.

وفرانز كافكا يصف حال المنتحر إذ يقول: "إن المقدم على الانتحار هو ذلك السجين الذي يراهم يعدون له منصة الإعدام في الساحة ويعتقد أن هذا قدر يقرره بنفسه.. يهرب في الليل من زنزانته، ينزل إلى الساحة ويشنق نفسه".

يقول سارتر: "اذا لم أمت من جراء محاولتي الانتحار فإنني قد اعتبره فيما بعد جبناً.. الانتحار عبث يؤدي إلى أن تغدو الحياة غارقة في العبث".

وقد حاول نيتشه الانتحار ثلاث مرات، كان يمجد الموت، اذ يقول: كل ما يصل إلى الكمال وكل ما يبلغ النضج يرغب في الموت. يتعين على المرء أن يجعل من موته عيداً".

ويقول المنفلوطي: "والمنتحر يبغض نفسه أشدّ مما يبغض العدو عدوه، فهو شاذ بطبيعته، غريب في خلقه، معاند لإرادة الله تعالى في بقاء الكون وعنوانه، ومن كان هذا شأنه كان بلا قلب ولا عقل.

انتحار الأدباء والفنانين العالميين:

تلك الجاذبية القاتلة للانتحار تركت بصمتها الراسخة على لحظة الختام في حياة كثير من المبدعين ممن وجدوا أنها رسالتهم الأخيرة وردهم على حياة لم تعد محتملة.. منهم رسام المنمنمات الهندي داسوانت، المهندس المعماري الإيطالي فرانشيسكو بوروميني. الرسام البريطاني روبرت فاغان. الرسامة الفرنسية كونستانس ماييه. الرسام الياباني كازان واتانابي. الرسام الهولندي فنسنت فان غوغ. الكاتب الياباني يوكيو ميشيما. المغنية الإيطالية داليدا. الروائي الأمريكي إرنست هيمنغواي. الشاعرة الأمريكية آن سيكستون. الشاعر الروسي فلاديمير ماياكوفسكي. المؤلفة والقاصة الإنجليزية فرجينيا وولف.

-          يوكيو ميشيما في 25 نوفمبر 1970 انتحر بالسيف على طريقة الهاراكيري احتجاجاً على خضوع اليابان لأمريكا.

-          ياسوناري كاواباتا الذي تأثر بانتحار تلميذه وصديقه يوكو ميشيما قرر الانتحار بالغاز بعد 4 سنوات من حصوله على نوبل 1968، وبعد قصة حب فاشلة واكتشاف إصابته بمرض باركنسون.

-          الكاتبة الارجنتينية مارتا لينش انتحرت في منزلها عام 1985 ، بعد أن طالها الإحباط حين رأت أن الزمن بدأ يتلاعب بملامحها مع تقدم الزمن فلم تحتمل ما رأته وتناولت مسدسها وانتحرت.

-          فرجينيا وولف ألقت بنفسها في النهر لأنها كانت تعتقد أنها تسمع أصواتاً ولم تعد تستطيع التركيز.

انتحار الأدباء والفنانين العرب:

خليل حاوي شاعر لبناني 1919- 1982 أطلق الرصاص على رأسه جهة العين اليسرى من بندقيته بعد الحصار الإسرائيلي لبيروت. حاوي الذي بدا رافضاً ومتمرداً في كثير من أعماله الأدبية التي أعطت إيحاء عن معاناته عاش ظروفاً تواطأت عليه منذ الصغر وأولها مرض والده حين كان عمره في سن الحادية عشرة وهو ما اضطره إلى العمل في صباه حمالاً وعاملاً في الطين ورصف الطرق. كما مر بتجربة حب فاشلة بسبب تقاليد الضيعة.

يقول في قصيدته "في جوف الحوت":

"ومتى يمهلنا الجلاد والسوط المدمى؟

فنموت

بين أيد حانيات

في سكوت، في سكوت".

..

وفي قصيدة أخرى:

"فاتني طبع المجاهد

لم أعُد غيرَ شاهد

فلأمت غير شهيد

مفصحاً عن غصة الإفصاح

في قطع الوريد"

تيسير السبول أديب أردني 1939 – 1973 انتحر بطلق ناري . إذ أدت حرب يونيو 1967 إلى زعزعة ما استقام من حياته، وكانت الصدمة مؤلمة وشديدة عليه. ترك عملين أدبيين "أحزان صحراوية" وهو ديوان شعري ورواية "أنت منذ اليوم" الحائزة على جائزة جريدة النهار. كان مفرط الحساسية مهموماً  بما يحدث على الساحة العربية في حين عزا البعض حالته النفسية السيئة إلى مشكلات عاطفية ويقال أنه أصيب بمرض خبيث في عينيه قبل رحيله.

آخر ما كتبه معلناً عن انتحاره"

"أنا يا صديقي

أسير مع الوهم أدري

أيمم نحو تخوم النهاية

نبياً غريب الملامح أمضي

إلى غير غاية

سأسقط لا بد، يملأ جوفي الظلام

نبياً قتيلاً وما فاه بعد بآية

وأنت صديقي

وأعلم.. لكن قد اختلفت بي طريقي

سأسقط لا بد

أسقط يملأ جوفي الظلام

غديرك، بعد

إذا ما التقينا بذات منام

تفيق الغداة وتنسى

لكم أنت تنسى

عليك السلام؟؟"

**

ويقول في قصيدته "بورتريه":

"أنا يا صديقي أسير على حافة الليل

يعرفني العتم أكثر مما تظن مصابيح أمي

ويعرفني الموت أكثر مما تظن الحياة

أنا يا صديقي

أسير لأسقط في آخر السطر قافلة من صراخ

وخاطرة خذلت كنهها الكلمات".

إبراهيم زاير 1944- 1972 شاعر ورسام عراقي عزا البعض انتحاره إلى هموم سياسية في حين قال آخرون إنه عانى أزمة عاطفية وذهب فريق ثالث إلى القول بوجود مشكلات مالية وراء الانتحار كان ناشطا في صفوف فصيل فلسطيني في بيروت وانتحر باطلاق النار على رأسه.

قاسم جبارة: 1935 – 1987 شاعر عراقي هاجر إلى فيينا عام 1977 وهناك راح يبيع الصحف تارة ويعمل عامل تنظيف تارة أخرى، انتهى زواجه بالطلاق إثر محاولة انتحار فاشلة لزوجته.. انتحر بإطلاق النار على رأسه في منفاه بعدما اشترى مسدساً قديماً من بائع خردوات وكتب "كل أعضائي هادئة باستثناء العراق". لم يحسن التصويب، فبقي مشلولاً في المستشفى إلى أن فارقته الحياة.

يقول في قصيدة بعنوان "نشيد نصفي":

"راضِ بالموت وبالمنفى، وبعنف الركلات وبالمرحاض الرطب، وبالغرفة في آخر طابق وبتوزيع الإعلانات

وبموزارات الممنوع عليّ

بحذاء العسكر

بجواز هولندي

بفتاة مفلسة

راض بالصمت

وبالثرثرة العظمى

بالهذيان الهائل

بالذكرى إذ تسقط في بئر أسود

باللحية والشعر الكث

وبالجلد المدبوغ وبمسحِ صحون القوادين

بنشيد الصف الثالث

بصديقة الملاية

بالقرآن

بتنزيلات السوق

بأصحابِ أجلاف

برسائل حوليات تأتي من بغداد

بالطابور الخامس

بقلعة صالح

بترتيلات أسمعها حين أنام.. كأنين لا متناه".

مهدي الراضي قاص وروائي عراقي كان معارضاً لنظام صدام حسين والنظام الذي جاء بعده على حد سواء. كما فشل في الحب وكان مصيره الويل والتعاسة. روايته الأخيرة "بيان الحب والعذاب" توضح مدى خيبته وسوادوية الحياة التي كان يعيشها. ضاق ذرعاً بتهميشه الأدبي والسياسي فقرر أن ينفذ في نفسه حكم الإعدام.

عبد الباسط الصوفي 1931- 1960 شاعر سوري من مدينة حمص عانى ويلات الحب والغربة حتى قرر التخلص من حياته كان عاشقا لفتاة لم يستطع الزواج بها لظروف قاهرة فكانت النتيجة شاعراً مهشم الفؤاد. سافر إلى أفريقيا في بعثة لتدريس اللغة العربية وهناك أصيب بانهيار عصبي وقام بعدة محاولات انتحار وأعيد جثمانه إلى بلده.

في قصيدته "مكادي" يقول:

"فـ سيزيف من قبل، شدّ إلى الصخرة الجامدة

تسلق، يحمل أثقال خيبته الخالدة

مكادي! أنا بعض "سيزيف" بعض الذي كابده

فرغت على الزرقة الأبدية،

قلباً هشيماً وروحاً خراب

تسلقتها، لجّة وعرة، وارتميت عليها،

عصيّ الرغاب

مكادي! أنا بعض "سيزيف" بعض الذي جالده

يطاردني اليأس، دامي السياط، كما طارده

مكادي! هما: الصخروالعقم في لجتي الصاعدة".

محمد رجائي عليش كاتب وقاص مصري أطلق عام 1979 النار على رأسه وقد وجد في سيارته منتحراً على مقربة من شقتين كان يمتلكهما في الحي نفس ولم تعرف الأسباب الكامنة وراء الانتحار إلا بعد وصول رسالة منه إلى النائب العام فيها اعتراف صريح بالانتحار.

لؤي كيالي فنان تشكيلي سوري مزق أعمال معرض كامل له عام 1967 قبل أن يحرق نفسه عام 1978. أسهمت الأيام والظروف والواقع ضيق الأفق ومحاربة أوساط التشكيليين له وقتها، وعدم الاعتراف بموهبته، في إحراق أحلام الفنان داخله، وقيدته أمام لوحاته، ما دفعه لأن يشتغل جلاداً لحواسه، متشككا هو نفسه من قيمة إبداعه. عانى من الصرع واتهم بالجنون وظهرت عليه في خريف 1965 بوادر أزمة نفسية وأخذ يرسم بالفحم لوحات صارخة تمثل عذاب الإنسان ونضاله. في ليل 9-10 سبتمبر منه عام 1978 احترق وهو في سريره نقل بطائرة إلى المشفى وفي اليوم التالي ووري الثرى.

مصطفى محمد شاعر كردي ابن مدينة الحسكة في سوريا كان في السابعة والعشرين من عمره حين انتحر في حلب عام 1979 . له مجموعتان شعريتان تحت الطبع "أبواب تتهيأ للخروج" و"عودة الغيوم الصامتة". ترك وصية في جيبه تبرئ أي شخص من قتله وتؤكد أنه قام بهذا الفعل من تلقاء نفسه ونتيجة ضغوطات نفسية خاصة به في محيطه.

د. درية شفيق إحدى رائدات حركة تحرير المرأة في مصر والتي ينسب إليها الفضل في حصول المرأة المصرية على حق الانتخاب والترشح في دستور مصر عام 1956. عانت بسبب الأوضاع السياسية المتغيرة في مصر بعد ثورة يوليو 1952 وعاشت في عزلة نحو 18 عاماً قبل أن تنتحر بالسقوط من شرفة منزلها في 30 سبتمبر 1975

أروى صالح كاتبة ومترجمة مصرية ومؤلفة كتاب "المبتسرون" انتحرت في 7 يونيو 1997 حيث ألقت بنفسها من الدور الثاني عشر في مبنى العمارة التي كانت تقطنها في القاهرة.

إسماعيل أدهم (1911-1940) مؤلف كتاب "لماذا أنا ملحد؟" الذي أثار ضجة كبرى في الساحة الثقافية آنذاك، فقد أثار خبر انتحاره ضجة كبرى وقتذاك. كان يجيد عدداً من اللغات وله كثير من الدراسات والكتب والبحوث لكنه واجه صعوبات مجتمعية بسبب موقفه من الأديان. عانى أمراض الصدر لفترة طويلة وأدت آراؤه في الدين إلى شعوره بالعزلة، حتى كره الحياة التي لا تنتهي إلى شيء فألقى نفسه في البحر على شاطئ جليم في الإسكندرية. وجدت رسالة في ملابسه قال فيها إنه انتحر زهداً في الحياة وكراهية لها. وأوصى بإحراق جثته وعدم دفنه في مقابر المسلمين، لكن وصيته لم تنفذ وتم دفنه وسط أجواء من الصمت، ولم يمش في جنازته إلا خمسة أشخاص.

فخري أبو السعود (1910- 1940) باحث في الأدب المقارن ابتعث لإنجلترا وعاد بصحبة زوجته الأنجليزية وولدين، عادت بهما الزوجة إلى لندن مع نشوب الحرب العالمية الثانية فغرق الولدين في البحر ولم تعد الزوجة إلى مصر ففقد أبو السعود صوابه وشجاعته معاً بعد ضياع أسرته فأطلق النار على نفسه بعد أن ترك بخط يده بيتين من الشعر أحدهما للمتنبي والثاني لأبي سلمى:

وإني لمن قوم كرام نفوسهم ترفّع أن تحيا بلحم وأعظم

أما بيت زهير فهو:

سئمت تكاليف الحياة ومن يعش ثمانين حولا - لا أبالك – يسأم

وقد وضع كلمة ثلاثين بدلاً من ثمانين ذلك أنه عندما أنهى حياته وهو في حالة انهيار نفسي واكبه الاكتئاب الشديد كان في حوالي الثلاثين من العمر.

أحمد العاصي (1903-1930) شاعر معروف في عصره له ديوان يتيم "ديوان العاصي" كتب له أحمد شوقي مقدمة شعرية. التحق العاصي بمدرسة الطب في القاهرة ولما أصيب بمرض الصدر هجر الطب والتحق بكلية الآداب وتخرج في قسم الفلسفة ليعمل موظفاً بمكتبة الكلية. انعكس مرضه ودراسته الفلسفة وحساسيته الشعرية على قصائده فجاءت متشائمة ذات نظرة عبثية إلى الحياة. انتحر في السابعة والعشرين من عمره. تاركاً قصاصة يقول فيها: "جبان من يكره الموت، جبان من لا يرحب بذلك الملاك الطاهر. إنني أستعذب الموت، وهو لي كالعطر". دهن جسمه بمادة كاوية ثم أوى إلى فراشه. وظلت هذه المادة تأكل جسمه بالتدريج وتحرق الفراش ببطء، من الساعة التاسعة صباحاً حتى الخامسة من اليوم التالي حيث قضت عليه وأحرقت الحجرة.

 صالح الشرنوبي (1924-1951) شاعر مصري رمى بنفسه تحت عجلات القطار بعد أن ترك في جيبه وصية بطباعة ديوانه وقد كان شاعراً رومانتيكياً صعلوكاً برغم تعليمه الديني. في القاهرة تعاطى كل ألوان الضياع، وعاقر كل ألوان الصعلكة، وكتب أروع قصائد الشك والحزن والحرمان والموت وهو مقيم بحجرة الدجاج على سطح أحد المنازل أو ملتجئ إلى مغارة بجبل المقطم أو مقيم في بدروم تحت الأرض. قال عنه العقاد إنه "لو عاش لبزّ شوقياً".

منير رمزي (1925 - 1945) شاعر مصري كان مهموماً بفكرة الموت في قصائده. ترك مجموعة شعرية وحيدة "بريق الرماد" نشرت بعد رحيله. انتحر بإطلاق النار على نفسه بسبب قصة حب فاشلة بعدما كتب على قصاصة ورق: "أنا هارب".

يقول في قصيدته "أنا الغريب":

"أهيم بين مجالس الموتى

هامساً في آذانهم

بأغانيّ التي لا معنى لها،

أرسلها في خفوت

خائفاً إيقاظهم،

ثم أجلس في صمت".

..

وفي قصيدته "في الليل الأبدي"، يقول:

"نهاري قصير، ولكن ليل أبديّ..

ليلٌ مرّت أطرافه،

لم تعكس صفحة قلبي شعاعاً واحداً

لكوكب من كواكبه..

أسدلت عينيّ حتى لا يروعني،

ما يحوطني من ظلام".

 

أنطوان مشحور (1936- 1975) شاعر ومخرج ورسام لبناني انتحر بإطلاق النار على رأسه. وجد في سريره في شقته وحوله صور زوجته اليونانية التي هجرته بعد خلاف حاد. في مجموعته الشعرية الوحيدة "أعشاب الليل الطويلة" نقرأ:

سأبسط خيوط الدم في جسدي

شراعاً وسأقول وداعاً للأرض.

..

سألتني أن أحدثك عن الموت.

عندما رأيته للمرة الأخيرة كان

قد غير تسريحة شعره.

 

عبد الله بوخالفة (1964-1988) شاعر جزائري ألقى بنفسه أمام القطار في ضاحية مدينة قسنطينة بالشرق الجزائري. يقول في قصيدته "التروبادور1":

"يبني من الياسمين السلالم

يبني من الانتحار الندى

بعدما كان يصبّ الماء في الأنعام".

وفي قصيدة "التروبادور 2":

"وقال لها:

علّميني الفراق

أنا سيد اليائسين

فتحت الرؤى وانتحرت مع أوراق الصباح

مع النور والسحب الشجرية انتحرتُ

ومن شفتيك تفجّرت المطرات التي حملتني إلى الليل".


  • أعجبني
  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
  • 0
thumb
الكثير من الكتب.. والقليل من الوقت

جاري التحميل...