عن جابرييل جارسيا ماركيز

غابرييل خوسيه غارثيا ماركيث ، روائي وصحفي وناشر وناشط سياسي كولمبي. ولد في مدينة أراكاتاكا في مديرية ماغدالينا وعاش معظم حياته في المكسيك وأوروبا ويقضي حالياً معظم وقته في مدينة مكسيكو. نال جائزة نوبل للأدب عام 1982 م وذلك تقديرا للقصص القصيرة والروي..

عن صالح علماني

مترجم من فلسطين، يترجم عن الإسبانية. ولد في سوريا / حمص عام 1949، و درس الأدب الإسباني. أمضى أكثر من ربع قرن في خدمة الأدب اللاتيني ليُعرّف القرّاء العرب على هذا النوع من الأدب يعمل صالح علماني منذ ربع قرن على ترجمة أدب أميركا اللاتينية والآداب المكت..

كتب أخرى لـِ جابرييل جارسيا ماركيز، صالح علماني


thumb

thumb

thumb

thumb

thumb

thumb

قرّاء هذا الكتاب يقرؤون أيضاً


thumb

thumb

thumb

thumb

الكتاب على رفوف القـرّاء


عشت لأروي 2 (309 صفحة)

عن: دار البلد للطباعة والنشر والتوزيع (2003)

الطبعة : 1
التصنيفات : مذكرات شخصية و سير

"لم أتصور قط أن قصتي القصيرة الأولى ستنشر، بعد تسعة شهور على تخرجي من الثانوية، في الملحق الأدبي "نهاية الأسبوع" الذي تصدره جريدة الاسبكتادور في بوغوتا، وهي اكثر صحف تلك المرحلة أهمية وصرامة. وبعد اثنين وأربعين يوما من ذلك، نشرت القصة القصيرة الثانية. ومع ذلك، فان اكثر ما فاجأني هو الملاحظة التكريسية التي كتبها نائب مدير الجريدة. ومدير الملحق الأدبى، إدوارد وثالاميا بوردا، الملقب اوليسيس، وكان ألمع ناقد أدبي آنذاك، والأكثر تيقظاً لظهور قيم أدبية جديدة. لم يكن أمراً متوقعاً، وليس من السهل روايته. كنت قد سجلت، في مطلع تلك السنة، في كلية الحقوق بالجامعة الوطنية في بوغوتا، مثلما جرى الاتفاق مع أبوي. وكنت أعيش في مركز المدينة تماما، في نزل في شارع فلوريدا، معظم نزلائه طلاب من منطقة ساحل الأطلسي. وكنت في فترات ما بعد الظهر، بدلا من أن أعمل لأعيش، أظل اقرأ في غرفتي أو في المقاهي التي تسمح بذلك. كانت قراءاتي في كتب يوفرها الحظ والمصادفات، تعتمد على حظي اكثر من اعتمادها على مصادفاتي، ذلك أن الأصدقاء القادرين على شرائها يعيرونني إياها لفترات محدودة، فاقضي الليالي ساهرا كي أتمكن من إعادتها إليهم في الموعد المحدد. ولكن، على العكس من الكتب التي قرأتها في معهد ثيباكيرا، والجديرة بأن تكون في ضريح للكتاب المكرسين، صرنا نقرأ الآن كتبا حديثة، كأنها خبز طازج، مترجمة لتوها ومطبوعة في مدينة بوينس أيرس التي عرفت حياة نشرة طويلة، خلال الحرب الأوروبية الثانية. وهكذا حالفني الحظ في اكتشاف من هم مكتشفون جيدا منذ زمن، مثل خورخي لويس بورخيس، ودي. أتش. لورانس، والدوس هكسلي، غراهام غرين، تشيسترتون، ويليام ايريش، وكاترين مانسفيلد وغيرهم. كانت هذه المستجدات معروضة في واجهات المكتبات البعيدة عن متناول يدي. غير انه كان يجري تداول عدد من النسخ في مقاهي الطلبة، وهي آنذاك مراكز فعالة للانتشار الثقافي بين الجامعيين الريفيين. وقد كانت لكثيرين منهم أماكنهم المحجوزة، سنة بعد أخرى، في تلك المقاهي. فيها يتلقون رسائلهم، وحتى حوالاتهم البريدية. وقد كان فضل أصحاب بعض تلك المقاهي، أو العاملين الموثقين فيها حاسما في إنقاذ الكثير من الدراسات الجامعية. فالعديد من خريجي البلاد يدينون لهم اكثر مما يدينون إلى متكفليهم غير المرئيين. أنا فضلت "الطاحونة"، مقهى الشعراء الكبار، وهو على بعد حوالي مئتي متر عن النزل الذي أقيم فيه، وعلى ناصية تقاطع جادة خيمينث دي كيسادا مع الشارع السابع. لم يكونوا يسمحون هناك أن يحتل الطلاب مائدة ثابتة، ولكن أحدنا يكون واثقا هناك من انه سيتعلم من المحادثات الأدبية التي كنا نسمعها، ونحن لابدون على الطاولات المجاورة، اكثر وافضل ما يتعلمه من الكتب المقررة. كان المقهى بيتا فسيحا وجيد البناء على النمط الإسبانى. جدرانه زينها الرسام سانتياغو مارتينيث دبلغاو، بمشاهد تمثل معارك دون كيخوته ضد طواحين الهواء، ومع انه لم يكن لي مكان محجوز، فقد كنت أتدبر الأمر دوما، لكي يجلسني النادل أقرب ما يكون من المعلم الكبير ليون دي غريف - ملتح، مهمهم، فاتن-، الذي كان يبدأ مسامراته الأدبية عند الغروب، مع بعض اشهر كتاب ذلك الحين، وينتهي عند منتصف الليل، مختنقا بخمرة رديئة مع تلاميذه في لعب الشطرنج. كانت قليلة أسماء كبار عالم الفنون والآداب الذين لا يمرون بتلك المنضدة، وكنا نحن نتصنع الموت على منضدتنا كيلا نضيع كلمة واحدة مما يقوله. ومع انهم كانوا يتحدثون دوما عن النساء أو المكايد السياسية، اكثر مما يتحدثون عن فنونهم ومهنهم، إلا أنهم يقولون على الدوام، شيئا جديدا نتعلمه. وكنا نحن، أبناء ساحل الأطلسى، اكثر الطلاب مواظبة، ليس لاتحادنا بالتآمر الكاريبي ضد الكاتشاكو، بقدر ما هو بسبب إدمان الكتب. فخوسيه الفارو اسبينوسا، وهو طالب حقوق، علمني الإبحار في الكتاب المقدس، وجعلني احفظ عن ظهر قلب، الأسماء الكاملة لأعضاء منتدى يوآب. جاء في أحد الأيام، ووضع على المنضدة أمامى سفراً ضخماً مرعباً، واصدر حكمه بسلطة مطران: هذا هو التوراة الجديد".


  • الزوار (770)
  • القـٌـرّاء (1)
  • المراجعات (1)
ترتيب بواسطة :

يبدأ كتاب غابرييل غارسيا ماركيز »عشتُ لأروي« الصادر عن »دار البلاد« والترجمة لصالح علماني.. في عبارة استهل ماركيز كتابه فيها »الحياة ليس ما يعيشه أحدنا، وإنما ما يتذكره، وكيف يتذكره ليرويه«. سيرة ذاتية، شأن الذي دأب على كتابته ماركيز في خليط السير الذاتية والخيال، في ذلك التذكر للحياة وليس عيشها، بل هي كشفٌ لمشاهد حياتية تماما مثلما كانت عليه من دون أن يضخمها الشوق ولا يُهينها الغضب. حياة كاتب لاتيني من أسرة كبيرة طابعها الفقر والأحلام والجهاد قال فيها مركيز »بعد أن تنقضي الأمطار عنها، يصير الهواء ألماسا«. »عشت لأروي« قصة حياة عادية وبريئة إلى حد، ولكن أشخاصها خليط شياطين وملائكة ووسطاء بطولة وقداسة. حرب شركات الموز وعلى عادة ماركيز تربعت صدارة الأحداث وخلفياتها، والكاتب على غرار »خريف البطريرك« و»مائة عام من العزلة« انطلق في »عشت لأروي« من مركزية حروب شركات الموز عندهم، في توسل سيرة الفقراء، الذين يُضمنّون حيواتهم نوعا من »المعجزات« الصغيرة، متجاوزين معها ما تُخلّفه الحرب من قصص كئيبة. لا تُغادر الكوميديا الساخرة مطلق فصل من فصول »عشت لأروي«، حسب صحيفة السفير اللبنانية، حيث يُخفف حضورها سطوة الألم الذي يكتنف حيوات الجدة والجد والأب والأخوة الكثر. أما الأم فهي بحد ذاتها تصلح متنا روائيا منفردا. أولاد العائلة الكبيرة التي يرعاها أب كسول فاقد الحس بالمسؤولية، يعرض مركيز الى وصف طفولتهم ومراهقتهم التي تأخذ أعراضها المضحكة والمبكية، مآخذ روائية فيها من السحر الكثير. أفرد مركيز فصلا طويلا في تناول رفاق طفولته وصباه، فعرض الى اسماء ذات شأن في الثقافة والجهاد السياسي الذي ساد في تلك الفترة، كما الى تأسيس اول مجلة ثقافية معهم، كانت بداية نجاحاته الماركيزية، ونجاحات الكثيرين ممن عملوا معه من كتّاب وشعراء ورسامين. كما أخذ الحب الاول، والتجربة الجنسية الاولى حيزهما في تذكر حياة مركيز، في فصل حميم قارب الشعر، ذلك الحب الذي لم يشفَ منه اطلاقا. لم ينجُ مركيز من تجربة الفقر والابتلاء به، غير انه استعان على سيرته الفقيرة، بقلمه المجتهد وقلبه الحساس، فأطل من خلالهما على مشهد حياته الطويل فكتب في بطولة ومآثر فقراء بلدته، وفي مآثر الجمال التي صنعتها طبيعة وطنه. ماركيز في بداية روايته، حسب صحيفة السفير اللبنانية، وبعد أن وافق على مصاحبة أمه لبيع بيتهم الوحيد المتبقي من إرث الجد والجدة كان ذلك في الثامن عشر من شباط 1950 عشية الكرنفال، وتحت وابل طوفاني في غير أوانه، ودون ان يكون معهما، ماركيز وأمه، سوى اثنين وثلاثين بيزو تكفيهما بالكاد للعودة إذا لم يُبع البيت في الظروف المتوقعة... ما وفرّته الرواية، خارج التذكر وخارج المشاهد الخارجية والمشاعر الداخلية وكمّ الوصف، هو ذلك الإفصاح الجميل عن العلاقة الحقيقية التي أفاقت فجأة بين ماركيز وأمه، في تلك الرحلة التي هي عمر الرواية. فالأم التي ولدت في بيت متواضع وترعرعت مع ذلك، في الازدهار العابر الذي وفرته شركة الموز، بدت كشفا جديدا ومفاجئا أمام أعين الابن الذي راح يقلّب في نفائس مزاياها، ويحبها اكثر، وبطريقة أشد وضوحا وحميمية. فعدا عن امتلاكها حسن السخرية والصحة الحديدية، كانت اكثر مزاياها مفاجأة بالنسبة إليه هي »موهبة رقتها التي أتاحت لها إخفاء قوة طبعها الرهيب، إنها برج أسد مكتمل، وقد وفر لها ذلك فرص سلطة أممية تصل سيطرتها إلى أبعد الأقارب المقيمين في أماكن لا تخطر على بال، مثل نظام كوكبي تتحكم به من مطبخها، بصوت خافت ومن دون أن يرف لها جفن تقريبا، بينما هي تسلق قدر فاصوليا«. »يقولون أنه يمكن لك، إذا ما صممت، أن تصير كاتباً جيداً. لم أكن قد سمعت مثل ذلك الكلام، من قبل، في الأسرة قط. فميولي منذ الطفولة، كانت تتيح الافتراض بأنني قد أصير رساماً، موسيقياً، مغنياً في الكنيسة، أو شاعراً جوالاً في أيام الآحاد. وكنت قد اكتشفت ميلاً معروفاً لدى الجميع، إلى أسلوب في الكتابة، أقرب إلى التلوي والرقة الأثيرية. ولكن ردّ فعلي في هذه المرة، كان أقرب إلى المفاجأة. فقد أجبت أمي: إذا كان علي أن أصير كاتباً، فلا بد لي من أن أكون أحد الكبار. وهؤلاء لا يصنعونهم، وهناك في نهاية المطاف مهن أفضل كثيراً إذا ما كنت أرغب في الموت جوعاً. في إحدى تلك الأمسيات، وبدلاً من أن تتبادل الحديث معي، بكت دون دموع. لو أن ذلك حدث اليوم لأثار هلعي، لأنني أقدر البكاء المكبوح كدواء ناجح ومؤكد تلجأ إليه النساء القويات لفرض نواياهن. ولكنني في الثامنة عشرة من عمري، لم أدر ما أقول لأمي، فأحبط صمتي دموعها، وقالت عندئذ: حسن جداً، عاهدني على الأقل أن تنهي الثانوية، على أفضل وجه ممكن، وأنا سأتولى ترتيب ما تبقى مع أبيك«. هكذا عاش غابرييل غارسيا ماركيز، أو غابي، إنه يقوم هذه المرة بتقديم بعض من نفسه، بصراحة ببراءة، بحجية تظهره مثلما هو عليه في الحقيقة: رجل بطبيعة طفل وموهبة أدبية إبداعية، كاتب، أديب يروي هذه المغامرة غير المعقولة التي كانت حياته.

  • أعجبني
  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
  • 0