عن سعدي يوسف

شاعر وكاتب عراقي، ولد في ثلاثينيات القرن الماضي، يعيش بلندن. له العديد من الدواوين الشعرية المختلفة ولد في العام 1934، في ابي الخصيب، بالبصرة (العراق). اكمل دراسته الثانوية في البصرة. ليسانس شرف في آداب العربية. عمل في التدريس والصحافة الثقافية. تنقّ..

عن والت ويتمان

والت ويتمان (31 مايو 1819 - 26 مارس 1892)، شاعر أمريكي. ولد لأبوان ينتميان إلى أصول إنجليزية وهولندية، عاشت عائلته في بروكلين بين عامي 1832 - 1833، حيث تلقى تعليمه الأولي فيها، لكنه لم يكمل تعليمه واشتغل صبيا في مطبعة. كان يقرأ كل ما تصل إليه يداه:ال..

كتب أخرى لـِ والت ويتمان، سعدي يوسف


thumb

thumb

thumb

thumb

thumb

thumb

قرّاء هذا الكتاب يقرؤون أيضاً


thumb

thumb

thumb

thumb

thumb

thumb

الكتاب على رفوف القـرّاء


أوراق العشب (208 صفحة)

عن: دار المدى للثقافة والنشر (1998)

الطبعة : 2
أضافه : Hind Altwirqi
التصنيفات : أدب

تعرض" والت ويتمان "إلى تشويهين كبيرين ما يزالان ذوي تأثير ونفوذ: كان التشويه الأول: يأخذ بأفكار ويتمان مركزاً عليها، منطلقاً منها، لمهاجمة الشاعر، دون تأكيد ظاهر على جماليات "أوراق العشب"، الأثر الشعري الوحيد لويتمان. يتبدى التشويه المذكور في كتابات أمريكية وأوروبية حاولت أن تضع الشاعر في منزلة النبي أو المتصوف حيناً، وفي منزلة الشاذ حيناً، مستفيدة من شواهد في شعره ومشاهد من حياته. أما التشويه الثاني: فكان يحاول الاهتمام بجماليات "أوراق العشب"، مستبعداً أفكار ويتمان، ويتبدى هذا واضحاً في نظرة ت س. إليوت إلى شعر ويتمان، فقد رأى أن من غير الخسارة أن نرى أفكار ويتمان تتساقط عن أشعاره. بينما رأى جيمس ميللر أن في أفكار ويتمان التي ضمتها قصائده تأسيساً لعلم النفس الفرويدي...مثلاً. لكن هذين التشويهين لم يكونا سوى بعض مظاهر النفوذ الذي تمتع به ويتمان في الشعر الأمريكي والأوروبي. لقد اعترف إليوت (في مقدمة لكتاب-أزراباوند: قصائد مختارة-) بأنه كان عليه( أن يتغلب على كراهيته لشكل شعره، كراهيته لمضمونه، حتى يستطيع قراءته). إن التدفق هو السمة الرئيسية لقصائد ويتمان، الطويلة بخاصة. حيث القسم الواحد مقاطع، وحيث الأقسام قد تبلغ الخمسين عدّاً .. لكن علينا، من أجل أن نتمثل الجهد الفني للشاعر، أن نتتبع المقاطع، مقطعاً إثر مقطع، لنضع أيدينا -بوضوح- على تفصيلات سوف نفتقدها لو شغلنا بالغابة عن الأشجار. ولغة ويتمان غنية متنوعة، فيها التعبير الدارج، والمفردات الإيطالية والفرنسية، ومفردات الهنود الحمر... وفيها كذلك السمو الإنجيلي للمفردة، والمصطلح الفلسفي والعلمي، والمئات من أسماء الطير والحيوان والأنهار والجبال وظواهر الطبيعة... إنها من السعة والشمول، بحيث يمكن أن نقول عنها إنها لغة متميزة بعدم التميز... لغة الحياة ذاتها... الحياة الضاجة المزدحمة الواسعة...


  • الزوار (883)
  • القـٌـرّاء (3)
  • المراجعات (2)
ترتيب بواسطة :

يعيد الشاعر العراقي المهاجر سعدي يوسف إحياء مجموعة من الكتب التي أصدرها سابقاً ولاسيما المترجمة وهي كتب تقدم نبضاً ثقافياً من عالم آخر تنقل إلينا الشعر بلغة مختلفة. وقد فعلت حسناً دار التكوين في دمشق حيث تبنت إعادة إصدار أهم هذه الكتب. الكتاب الذي نتوقف عنده اليوم هو أوراق العشب للشاعر الأميركي والت ويتمان ومن المعروف أن ويتمان يشكل نقطة انعطاف في تاريخ الشعر الأميركي.‏ ويتمان بميزان سعدي‏ يقول سعدي يوسف في مقدمته التي قدم بها لهذا الديوان: تعرض والت ويتمان 1819-1892 إلى تشويهين كبيرين لا يزالان ذوي تأثير ونفوذ.‏ كان التشويه الأول يأخذ بأفكار ويتمان مركزاً عليها منطلقاً منها لمهاجمة الشاعر دون تأكيد ظاهر على جماليات «أوراق العشب» الأثر الشعري الوحيد لوالت ويتمان يتبدى التشويه المذكور في كتابات أميركية وأوروبية حاولت أن تضع الشاعر في منزلة النبي أو المتصوف حيناً وفي منزلة الشاذ حيناً مستفيدة على أي حال من شواهد في شعره ومشاهد من حياته.‏ أما التشويه الثاني فكان يحاول الاهتمام بجماليات «أوراق العشب» مستبعداً أفكار ويتمان ويتبدى هذا واضحاً في نظرة ت.س اليوت إلى شعر ويتمان فقد رأى أن من غير الخسارة أن نرى أفكار ويتمان تتساقط عن أشعاره بينما رأى جيمس ميللر أن في أفكار ويتمان التي ضمتها قصائده تأسيساً لعلم النفس الفرويدي مثلاً.‏ لكن هذين التشويهين لم يكونا سوى بعض مظاهر النفوذ الذي تمتع به ويتمان في الشعر الأميركي والأوروبي لقد اعترف اليوت بصدد ويتمان (في مقدمة لكتاب- إزراباوند قصائد مختارة) بأنه كان عليه أن يتغلب على كراهيته لشكل شعره كراهيته لمضمونه حتى يستطيع قراءته) ولكن رغم نفورهما من ويتمان نفوراً واضحاً فإن أحداً من باوند واليوت لم يفلت إفلاتاً تاماً من ظل الأوراق الظليل وقد بدا أن باوند يقر بهذا الإرث حين كتب في قصيدة قصيرة لامعة إنني أعقد معك حلفاً يا والت ويتمان فلقد كنت أنت الذي اقتحم الغاية الجديدة فلدينا، نحن الاثنين جذر واحد وعصارة واحدة ولا أحد يقرأ بعمق ديوان أوراق العشب يمكن أن يفوته الإحساس بالآثار التي نفذت من هذا الديوان إلى صفحات أغنيات باوند والرباعيات الأربع لإليوت.‏ عمل فريد‏ وفي تقديمه أيضاً المكرس لأوراق العشب يتوقف عند فرادة ديوان أوراق العشب ويشير إلى أن ويتمان قضى أربعين عاماً من حياته يعيد وينقح في هذا الديوان ومع أن نسخه الأولى لم تكن تتجاوز ال 800 لكنها كانت إيذاناً بمرحلة جديدة في الشعر الأميركي ويتساءل سعدي ما المفاجئ في أوراق العشب؟ ليرى أنه في الواقع ثمة أكثر من مفاجئ يقول: إن ويتمان وهو المعروف بصحبة سائقي العربات والبحارة والنجارين والجنود استطاع أن ينتقل من دار العتمة إلى دائرة الضوء مقدماً وجوههم وكلماتهم وأعرافهم وآلامهم ومباهجهم وكان حريصاً في تقديمه هذا على أن يمنحهم جميعاً بطاقة تعريف واحدة محترمة لانجد فيها غضاضة حين تجمع العاهر والقديس:‏ إلهي أنا مظهراً ومخبراً‏ اجعل كل ما أمسه مقدساً‏ وكل ما يمسني مقدساً‏ هكذا نلتقي مع أناس ويتمان: القارئ والغريب والعاشقة والتلميذ والصياد والجندي والعبد الآبق والرياضي والعاهرة وسائق العربة والمزارع وقاطع الأخشاب والساحرة هؤلاء الناس ليسوا في قصائد «أوراق العشب» جزءاً من مشهد أو طرفاً إن لهم المشهد كله يتحركون فيه طلقاء.‏ إن صيادي السمك في قصيدة «المشعل» يضيئون وحدهم القصيدة:‏ في ساحلي الشمال الغربي‏ وفي موهن الليل‏ صيادون يراقبون‏ وفي البحيرة المتسعة أمامهم‏ يطعن آخرون سمك السلمون‏ وفاء ويتمان لأناسه يبدأ من حرية الحركة وينتهي بالتقاط الحوار مع كل المسافة المتضمنة بين الابتداء والانتهاء هذا الوفاء «التقنوي» للناس الذي يبرز في التفصيل الفني سوف يجد له تعبيراً آخر تعبيراً متمماً في الأفكار والآراء التي يقدمها الشاعر والتي يعمم فيها نتائج ملحوظاته ومشاهداته كما يجد التعبير في الموقف الذي يتخذه الشاعر داخل حركة القصيدة نفسها في مسألة معينة محققاً نموذجاً جيداً في بلورة المضمون الفني للأثر الشعري في القسم العاشر من «أغنية نفسي» يرسم الشاعر صورة عبد التجأ إليه لكنه في البيتين الأخيرين يقول:‏ لقد أجلسته إلى جانبي على المائدة‏ وبندقيتي مسندة إلى الزاوية‏ هذا الموقف الصريح إزاء الرق الذي وصل إلى حمل السلاح هيأ له ويتمان السبيل الفني.‏ وقصيدته «إلى عاهرة عادية» نموذج آخر في بلورة المضمون الفني:‏ كوني هادئة رابطة الجأش‏ فأنا والت ويتمان‏ حر ومتشه كالطبيعة‏ لن أهجرك حتى تهجرك الشمس‏ في هذه القصيدة لا يبحث ويتمان عن نسخة جديدة من المسيح بل إنه ليعلن شهوانيته ورغبته في أن تتبسط معه هذه المرأة لقد ألحقها بالطبيعة بأبناء الطبيعة.‏ ويتمان والشمس والمياه والأوراق ليس الغفران ما تطلبه المرأة في الواقع إنها لا تطلب شيئاً.‏ والشاعر قام بمهمة غاية في الدقة حين صرف انتباهنا عن ارتجاعات المسألة ووضعنا ببساطة أمام حقيقة بسيطة ومذهلة في آن هي أننا جميعاً أبناء الطبيعة.‏ كان والت ويتمان شاعراً أرضياً بل لا تملك قصيدته أحياناً غير أسماء الأماكن والمدن وظواهر الطبيعة وحتى اهتمامه بالأجرام السماوية ليس غير تأكيد لقوانينه الأرضية إن ورقة العشب ليست أقل حركة من النجوم.‏ هذا النزوع الأرضي لدى ويتمان قد يستخدم الشعر بوقاً للمقولة:‏ إني أتقبل الواقع ولا أجرؤ على مساءلته‏ المادية أولاً..‏ والفكرة أخيراً‏

  • أعجبني
  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
  • 0

أوهايو... في العام 1855، بعد محاولات عدة فاشلة، تمكَّن الشاعر الأمريكي والت ويتمان Walt Whitman من العثور على مطبعة صغيرة في بروكلين، وافَقَ صاحبُها على طباعة مجلَّد شعري صغير له، في خمس وتسعين صفحة، يضم اثنتي عشرة قصيدة تحت عنوان أوراق العشب. هذه المجموعة لم تحظَ آنذاك سوى بقليل من التعليق والنقد، معظمه سلبي إلى حدِّ التسفيه والقدح، لكنها أضحت في ما بعد "إنجيل" أمريكا الجديد، وصاحبُها نبيَّ الأخوَّة والديموقراطية. وقد انصرف ويتمان طوال حياته، بدلاً من تأليف كتب جديدة، إلى مواصلة العمل على تلك المجموعة وتطويرها، مضيفًا إليها الجديدَ من القصائد ومنقِّحًا القديمَ منها، لتتوالى طبعاتُها على مدى سبعة وثلاثين عامًا في تسعة إصدارات مختلفة، آخرها كان في العام 1892، أي عام وفاة الشاعر، لتتجاوز صفحاتُها الأربعمائة.  غلاف الطبعة الأولى (1855) من أوراق العشب  واليوم، بعد مرور قرن ونصف القرن على إصدارها الأول، من المفيد إعادة قراءة هذا العمل الخلاَّق في ضوء الحاضر، والغوص من جديد في منجزات هذا الأثر الفني الذي به، على حدِّ قول عزرا پاوند، "كَسَرَ ويتمان ظَهْر الوزن التقليدي"، ومنه انطلق "قرعُ الطبول" الأولى ليبشِّر بولادة قصيدة النثر الحديثة، وليفتح الدرب أمام تجارب عدة أعقبتْه وزلزلتْ عالم الشعر شكلاً ومضمونًا.  يستدعي تأمل هذا العمل، أولاً، الإحاطةَ بالظروف الموضوعية والتاريخية التي رافقت حياة ويتمان وساهمت في تبلور أفكاره ومفاهيمه وفي صوغ تجربته الشعرية؛ وثانيًا، الوقوفَ على طبيعة رؤية النقد إليه، منذ صدوره حتى يومنا الحاضر، في سياق تاريخي يلقي الضوء على ما شهدتْه الحياةُ الأمريكية من تغيرات وتطورات على مختلف الأصعدة، وعلى تأثير هذا العمل في مسار الشعر الحديث، ومدى أهميته وفاعليته في تجارب بعض شعراء الحداثة، الأمريكيين والعالميين؛ وثالثًا، محاولةَ نقل صورة حيَّة لبعض انفعالات القارئ المعاصر ومشاعره وبعض مواقفه النقدية حيال أشعار ويتمان اليوم.  ***     ما من صديق لي يرتاح في كرسيي/ ليس لي كرسي ولا كنيسة ولا فلسفة.  والت ويتمان     والت ويتمان – هذا "الشاعر الأشيب الطيب" the Good Gray Poet، بحسب تسمية وليم أوكونور له، هذا البوهيمي الريفي الذي لا يخلو سلوكُه من الفظاظة ولا مظهرُه من الخشونة – لم يكن ليخطر في باله قط، وهو يخطو خطواته الأولى نحو عالم الأدب والشعر، أن أمريكا لم تحظَ قبله بأيِّ شاعر تجري في كتاباته دماءُ رجل "عادي" مثله!  والت ويتمان (1819-1892)  صوت الطبيعة الباكية  ولد ويتمان في بلد بريٍّ، فجٍّ، كان لا يزال في طور البحث عن هويته. شهد في شبابه شباب أمريكا العاصف المتبجح، وهو يتخبط في طريقه نحو حرب مغامِرة، وعايش أيضًا مرحلة نزوح هذه الأمَّة نحو الفكر البراغماتي المادي، ومرحلة عمرانها وتحوُّل مجتمعها مجتمعًا مدينيًّا صناعيًّا، مستقلاً ومستقرًّا. وعليه، فإن ثمة علاقةً حميمة نشأت بينهما، بين إنتاجه وإنتاجها: لذا فإن النقد الأمريكي اليوم لا يني ينظر إلى أوراق العشب بوصفها قصيدة أمريكا الأصيلة، وإلى أمريكا بوصفها قصيدتها الأصيلة. لكن مجموعة كهذه، جاءت شاذة – قلبًا وقالبًا – عن نماذج عصرها، ما كانت لتحظى من نعمة النقد آنذاك بغير اللعنة! إن ليبرالية أفكار ويتمان، وعدم مجاراة شعره لما كان سائدًا في عصره من مفاهيم عامة تتعلق بآداب السلوك والحس الجمالي "السليم"، إضافة إلى عفوية أسلوبه النائي عن النموذج الفكتوري المتسم بالتكلف والفخامة والزخرفة والتقعر اللغوي، جعلت منه أضحوكةً أدبية لا أكثر، وعرضةً لقدح نقاد عصره وشعراء صالوناته. ولكونه ينحدر من الطبقة العاملة، وليس من النخبة المثقفة، لم يكن في نظر النقاد حينذاك سوى دخيل، متعدٍّ على عالم الأدب والشعر، لا بل "معتوه"، بحسب ما جاء في تعليق صحيفة London Critique، "لا يفقه من أصول الفن أكثر مما يفقه الخنزير من علم الرياضيات"!  ليست مستغربةً بالطبع شراسةُ انقضاض النقد على فريسة دسمة كهذه! فقد عاش ويتمان في زمن تقليدي، محافظ، قاسٍ، مزدوج المعايير إلى حدٍّ جعل شاعرةً كبيرة كإميلي دِكِنْسون، معاصرة له ومنحرفة جنسيًّا (مثله؟)، تجهر بالقول إنها "لم تقرأه لأن ثمة مَن أخبرها أن شعره مشين"! علينا أن نتخيل فقط كيف أطبق أرسطوقراطيو عصره بأصابعهم على أنوفهم وهم يقرأون بيته الشعري القائل: "إنَّ رائحة هذين الإبطين لهي أريج أعبق من الصلاة". وهل ثمة ما هو أفظع من أن يشبَّه شعرُه بـ"القيء"؟! غير أن ما قوَّى عزيمة ويتمان على الاستمرار في إطلاق "صرخته الهمجية فوق سطوح العالم" هو ما جاء على لسان الشاعر والفيلسوف الألمعي رالف والدو إمرسون: "أحييك وأنت تبدأ حياةً أدبية عظيمة."  الزمن وحرباء النقد  مع مرور الوقت وتوالي الإصدارات من مجموعة ويتمان، فإن النقد لم يبقَ على حاله، بل راح يتخذ منحًى أكثر تعاطفًا مع تجربته الشعرية. وبعد موته بوقت قصير، كأنما تعويضًا عن الإهمال الذي لحق به في حياته، بدأ النقد ينكبُّ على دراسة أشعاره وسيرة حياته. وعمومًا، فإنه تركَّز على أربعة من وجوه ويتمان: كمجدد في الكتابة الشعرية، كمختبر للُّغة، كشاعر للديموقراطية، وكنبيٍّ للذات. وبدا أن ثمة إجماعًا على كون ويتمان الشاعر الأمريكي الوحيد الذي استعان بأشياء وعناصر من الحياة والطبيعة، أصيلة، فطرية، شعبية، نافحًا فيها من روحه الشعرية ومن وجدانه الأصيل، إلى حدٍّ يتعذر معه الفصلُ بين حياته وأشعاره. فهو القائل: "يا رفيقي، هذا ليس كتابًا/ مَن يلمسه يلمس إنسانًا".  لقد بات ويتمان في نظر النقد شاعر البشرية جمعاء. إذ إن محبته اللامشروطة لم تستثنِ أحدًا، ولا عاهرة حتى (راجع قصيدته "إلى مومس عمومية"). وإضافة إلى اعتباره شاعر الواقعية والحقائق والرفاقية الديموقراطية (راجع "لأجلك يا ديموقراطية")، فقد بات يُنظَر إليه أيضًا بوصفه شاعرًا رائيًا، ليس لأنه يرى إلى المستقبل فحسب، بل لأنه يرى إلى الحاضر أيضًا، وإلى عمق الأشياء من حوله، حتى لتتبدَّى له معجزاتُها الصغيرة.  تبنَّى ويتمان في كتاباته رؤية "حيوية"، قدسية، إلى الجنس: فهو لم يتناول الجنس كوسيلة جسدية رومانسية للتعبير عن الوجدان العاطفي، بل كموضوع حياة وكطاقة تستفز الوعي والمعرفة لدى الإنسان (راجع قصيدة "أغنِّي الجسد المكهرب"). والواقع أن المنحى الراديكالي الذي اتخذه ويتمان، شعريًّا وفلسفيًّا، لم يتسم بمستوى الجرأة نفسه في ما يخص الجنس. فأشعاره، حين تتناول الموضوع الجنسي، تتحاشى تحديد جنس الحبيب، حتى ليبدو محتواها أندروجينيًّا (خنثويًّا) إلى حدٍّ ما.  وبالنظر إلى كلِّ ما تقدم، كان من البديهي أن كتابة شعرية كهذه، مندفعة بنَفَس جديد من رئة جديدة، لا بدَّ أن تحتاج إلى جسد لغوي جديد أيضًا، يستوعب أفقَها الإنساني اللامحدود ويُخرِجها من حدود القافية والوزن والقوالب الشعرية الجاهزة إلى فضاء الكتابة الحرة الرحب. كان من البديهي لروح شعرية كونية شمولية، تجسِّد أمريكا بوصفها مزيجًا من حضارات الشعوب، أن تتشرَّع على احتمالات جديدة لخلق نموذج كوسموپوليتي للتعبير عن الذات.  لم ينتمِ ويتمان طوال حياته إلى كنيسة خارج ذاته وشعره. في نظره، كلُّ ما في الطبيعة والحياة مقدس، وليس الله وحده. كذلك لم يكن مسكونًا بنوستالجيا الماضي: فقصائده لم تعرف وجهة لها غير "الأمام"، في حركة تستدعي نهوض الإنسان من حاضره وواقعه. "آدم" ويتمان الجديد يبدأ من نفسه، يخلق نفسه أولاً، ثم موطنه. اكتشاف الماضي والعودة إلى الأصل هما، في نظره، طريقان ينحدران إلى أرض الأموات. وإننا لنتساءل: هل كان "آدم" ويتمان، المنشغل بكيفية الارتقاء بنفسه إلى معرفة تتجاوز في عمقها معرفة الأصل والفصل، أكثر "تقدمية" و"تحضرًا" من "آدم" اليوم التائه، الذي لا يستقيم لوجوده معنى خارج حدود الهوية والجذور والانتماء؟!  أرسطوقراطي الروح  كان ويتمان موضع تقدير كبار شعراء القرن العشرين في إنكلترا. فقد اعتبر سوينبُرن أن عظمة ويتمان توازي عظمة وليم بليك. لكنه لم يحظَ بالتقدير نفسه من اثنين من أكبر شعراء أمريكا: ت.س. إليوت وعزرا پاوند. وليس سرًّا أن أناشيد پاوند ورباعيات إليوت لم تخلُ جذورُهما من نسغ ويتمان الواضح؛ لكن مقت هذين الشاعرين للحرية الأمريكية، بكلِّ إيديولوجياتها ورموزها الوطنية وصانعي أحلامها، هو ما دفعهما إلى التقليل من شأن ويتمان وإنجازاته الشعرية. من جهة أخرى، ثمة بين شعراء الحداثة من تأثروا بويتمان، وأبرزهم: هارت كرين وديفيد هربرت لورنس وديلان توماس. فهؤلاء، على الرغم من البون الشاسع بين أساليبهم الشعرية، شربوا جميعهم من النبع نفسه، فجَمَعَهم بويتمان من المميزات الشعرية ما فرَّق بينهم.  اعتبر د.هـ. لورنس أن "ويتمان أعظم شعراء الحداثة في أمريكا، وأنه ليس أرسطوقراطي المنشأ، بل أرسطوقراطي الروح، وأن الأمريكيين لا يستحقونه". ومما قاله هنري ميللر في ويتمان: "أنا لم أفهم أبدًا لماذا وجبت تسميتُه "الشاعر الأشيب الطيب"، في حين أن لون لغته، مزاجه، كيانه برمته، هو الأزرق المثير." وهو يعلِّق في مكان آخر أن "ويتمان لم يكن إطلاقًا "شاعر الجماهير"، بل كان نائيًا عنهم كقديس عن أعضاء كنيسة". وأعلن پابلو نيرودا قائلاً: "على الرغم من أن لساني إسباني، غير أن والت ويتمان علَّمني أكثر من ثربانتس إسبانيا." بعض النقاد الأمريكيين اعتبروا أن سعي ويتمان إلى إعادة تعريف الطبيعة الجنسية وماهية الجسد هما من الأسباب التي جعلتْه لاحقًا مثالاً أعلى يحتذيه بعض المثليين والمثليات جنسيًّا في عالم الأدب والفن، أمريكيًّا وعالميًّا؛ ومنهم الشاعر الأمريكي آلن غينسبرغ، الذي كتب فيه قصيدته الشهيرة "سوپرماركت في كاليفورنيا"، وفيها تحسَّر على حلم أمريكا الضائع – "حلم" ويتمان الذي أضحى "كابوس" غينسبرغ. الكتَّاب السود في أمريكا أيضًا تأثروا بويتمان، وعملوا على تبنِّي نموذجه الشعري وتوظيفه في صراعهم ضد التفرقة العنصرية والامتيازات الاقتصادية.  من جهة أخرى، لم يخلُ النقد الأمريكي بتاتًا من بعض المآخذ السلبية على تجربة ويتمان. فالشاعر الأمريكي وليم كارلوس وليامس، على سبيل المثال، أشاد بعبقرية ويتمان لكونه تنبَّه، منذ البداية، إلى أن مشكلة الشعر تكمن أساسًا في الشكل وفي التقنية واللغة؛ غير أنه لاحظ أن جهود ويتمان لم تستمر في التركيز على اللغة والشكل والمفردات، بل انشغلت عنها لاحقًا بالتركيز على المضمون الشعري ورسالته الإنسانية عن الديموقراطية. وعليه، فإن تأثير ويتمان على شعراء الحداثة فاقت مفاعيلُه النظرية والفكرية المفاعيلَ اللغوية. الناقد لويس تركو أيضًا قدَّر ويتمان لأفكاره الشعرية، غير أنه في ما يخص شكل القصيدة ومساهمة ويتمان في تحرير البيت الشعري، أصرَّ على أن ويتمان لم يبتكر جديدًا؛ إذ إن الكلدان سبقوه إلى ذلك في ملحمة جلجامش منذ بدء التاريخ!  مزيد... مزيد...  كتب ويتمان شعرًا متفائلاً يفيض ببهجة الحياة، تتبدَّى فيه عناصر الكون والطبيعة كلها متساويةَ القيمة والأهمية ومندفعةً، على الرغم من تناقضاتها، للتلاقي في نقطة مركزية يصدح منها اللحنُ الهارموني الأبدي للأمل. شغفه اللانهائي بالحياة علَّمه درسًا عميقًا في القبول، لا في الإيثار ولا في الرفض، مما جعله بالغ الرضا بغموض الأشياء من حوله، إلى درجة تَجاهُله التام للفروق في ما بينها: بين ما هو شخصي ولاشخصي، غرائزي وروحاني، ظاهري وباطني.  لكن هل يمكن لنا اليوم إنكارُ الطبيعة الثنوية لكلِّ ما في الوجود؟ هل يمكن لنا الفصل بين حياة الإنسان الداخلية والخارجية، وتجاهُل الصراع الذي يجعل قيمة الحياة نفسها موضع شكٍّ دائم؟  لعل ما قاله الشاعر الأمريكي پول زفايغ يجسِّد تمامًا طبيعة وَقْع أشعار ويتمان اليوم في نفس القارئ المعاصر، ومفاده أن "قارئ ويتمان اليوم لا يراه سوى في الشوارع أو في صالات الأوپرا، ونادرًا ما يزوره في بيته! يسمعه في افتتاحية صحافية، لكن قلما يشاركه في مناقشة أو محادثة!" خلوُّ أشعار ويتمان من الدراما والسرد يجعلها تبدو كمتفرج أو متأمل أو عابر سبيل يكتفي بمراقبة الأشياء من الخارج دون أن يتملَّكه فضولٌ في معرفة ما يجري خلف أبوابها الموصدة. ولأن القارئ المعاصر لا يساوم على فضوله أبدًا، فهو اليوم يفتقد لدى ويتمان، المتستِّر على حياته الجنسية، المتملِّص من الإجابة بالسؤال، المتخفِّي بجلد الحقيقة عن حقيقة جلده، تلك الحميمية في التعبير عن الذات، وتلك الخصوصية التي باتت شرطًا ضروريًّا لإشباع الفضول والرغبات، ليس فقط في ما يخص علاقة القارئ بالنصِّ، بل في ما يخص علاقة الإنسان المعاصر بمختلف مجالات الحياة أيضًا.  لقد باتت حياة الأديب أو الفنان "الخاصة" سلعةً استهلاكية تضاف هي الأخرى إلى هذه السوق الهائلة الجشعة الفاغرة شدقيها أبدًا، التي ما عادت لتميِّز في إشباع رغباتها بين سلع ضرورية وكماليات. مزيد... مزيد... – هذا أقل ما يريده الإنسان المعاصر! وفي حين كان ويتمان يعبُر شوارع مانهاتن كشبح، كحلم، كسراب، مسترقًا السمع إلى الطبيعة والأشياء من حوله، فإن الشاعر الأمريكي المعاصر لم يعد يكتفي اليوم بمراقبة اللعبة من خلال مروره العابر أو إصاخة أذنيه فقط، بل غدا طرفًا فاعلاً فيها. وفي حين كانت المرأة، مثلاً، بالأمس، في قصيدة ويتمان، تراقب عبر النافذة مجموعة رجال يسبحون عراة، بات اليوم في متناول خيالها وجسدها وروحها وقلمها ما يفوق متعة التلصص بكثير.  لهذه الأسباب مجتمعة، يبدو في الحاضر من الصعب على الإنسان المعاصر – لا بل من المحال – موافقة ويتمان على مقولته بأن "ما أفترضه أنا ستفترضه أنت"!

  • أعجبني
  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
  • 0
أضف مقتطفاً

الأرض والبحر، الحيوانات والأسماك والطيور، السماء وأجرامها، الغابات والجبال والأنهار. هذه كلّها ليست مواضيع قليلة الشأن... ولكن الناس يتوقعون من الشاعر أن يكشف أكثر جمالاً ووقاراً مما هو مقرون دائماً بالأشياء الحقيقية الصمّاء... إنّهم ينتظرون منه أن يكشف الطريق بين الواقع وبين النفس. الرجال والنساء مدركون للجمال خير إدراك...إدراكاً ربّما لا يقلّ عن إدراكه هو له.
الصيّادون بجَلَدهم المندفع، الساكنون في الغابات،المستيقظون في الصباح الباكر، الزارعون للحدائق والبساتين والحقول، والحب الذي يكنّه النسوة الأصحّاء لأجساد الرجال، والراكبون البحار، الممتطون لصهوات خيولهم، الولع بالنور والهواء الطلق كل تلك الأمور دلائل قديمة متنوعة لإدراك الإنسان الذي لا ينضب للجمال ولتوطن الروح الشاعريّة في نفوس أولئك الذين يؤثرون الحياة في الهواء الطلق ولا يمكن قط أن يساعدهم الشعراء على الإدراك... يحاول البعض ولكنّهم لا يفلحون. الخصال الشاعريّة لا يمكن أن تعبأ في نظم مقفّى أو متجانس أو في مناجاة مجردة للأشياء، ولا تكمن في الشكاوي الحزينة أو في أغوار النفس. فائدة القافية أنّها نبذر بذور قافية أعذب وأوفر، وفائدة التجانس أنّه ينقل نفسه في جذوره المتغلغلة في الأرض غير المنظورة. إنّ صياغة القصائد الكاملة ووحدتها تبين قوانين العَروض بنموها الطبيعي وتطلع منها كما يطلع البرعم، دون زوغان أو تسيّب، كما تظهر أزهار الليلاك أو الورد على النبتة، وتتخذ أشكالاً متكاملة كأشكال الكستناء أو البرتقال أو البطيخ أو العرموط، وتنثر عطرها الخفي الذي لا نراه في الشكل. إنّ الطلاقة والزخرفة اللتين تتميزان بهما أبدع القصائد أو الموسيقى أو الخطب أو التلاوات غير مستقلتين وأنّهما خاضعتان. آيات الجمال كلّها تصدر عن جمال في الدم وجمال في الدماغ. إنّْ توافقت مواطن العظمة في رجل أو امرأة، هذا يكفي... هذه الحقيقة ستسود الكون... ولكن التنميق والتزويق لن يسودا الكون لو بقيا ملايين السنين. مَن يشغل نفسه بالزينة والسلاسة فهو ضائع. هذا ما ينبغي أن تفعله: أَحِبّ الأرض والشمس والحيوان، احْتقِر الغنى، امْنَح الصدقة لكلّ من يسألها، ساعد الغبي والأحمق، كرّس دخَلَك وتعبك إلى الآخرين، ازدرد الطغاة، لا تجادل في اللّه، كن صبوراً متسامحاً أمام الناس، لا تخلع قبعتك أمام شيء أو رجل أو عدد من الرجال، كن منطلقاً مع غير المثقفين الأشدّاء ومع الصغار والأمهات، اقرأ هذه الصفحات في الهواء الطلق في كلّ فصل من كلّ سنة من سنين حياتك، أعد النظر في كلّ ما تعلمته في المدرسة أو الكنيسة أو أي كتاب، ابعد كلّ ما يهين روحك فسيكون جسدك نفسه قصيدة عظيمة، وسيكون له أغنى طلاقة ليس فقط بكلماته، وإنما بخطواته الصامتة أيضاً ووجهه وبين أهداب عينيك وفي كلّ حركة ومفصل من جسدك... على الشاعر أن لا ينفق وقته في عمل لا لزوم له. عليه أن يعلم أن الأرض دائماً محروثة مسمّدة له... قد لا يعلم ذلك الآخرون، أمّا هو، فعليه أن يعلم. عليه أن يزّج بنفسه في عملية الخلق مباشرةً. وثقته ستتفوّق على ثقة كلّ ما يلمسه... وتستحوذ على كلّ صلة.
البساطة فن الفنون، وجلال التعبير، والنور المضي للأدب. ليس أفضل من البساطة... ولا شيء يمكن أن يعوّض عن التطرّف والمغالاة أو عن الافتقار إلى التحديد. أنْ تنساق لقوّة الدوافع وأن تنفذ إلى أغوار الذهن وتعطي كلّ موضوع تعبيرَه الواضح تلك قابليات ليست عادية وليست غير عادية جداً. ولكن أنْ تتكلّم، عن طريق الأدب بالصحة واللامبالاة كحركة الحيوان، وبالمشاعر التي لا يمكن اتهامها كمشاعر الأشجار في الغاب أو العشب على قارعة الطريق ذلك هو النصر الأكبر في الفن. إذا التقيت بإنسان قد حقق هذا، فقد التقيت بأحد أسياد جميع الشعوب والأزمان. والرضى الذي يصيبك حين تتأمل هذا الإنسان لا يقلّ عن الرضى الذي ينتابك وأنت تتأمل طيران النورس على الخليج أو حصاناً أصيلاً في حركته المتوقدة أو منظر الشمس في رحلتها عبر السماءأو منظر القمر فيما بعد.
أعظم الشعراء ليس له أسلوب متميّز، وإنّما هو مجرى للأفكار، لا أكثر ولا أقل، وهو مجرى لمكوّناته هو. إنّه يُقْسِمُ لفنّه: أنا لن أكون متطفلاً، ولن أضع في كتاباتي أي أناقة أو أثر أو أصالة تتعلّق كالستار بيني وبين الآخرين. أنا لن أدع شيئاً يتعلّق في طريقي، حتّى لو كان ذلك أثمن الستائر. الشيء الذي أقوله هو هو بالضبط. سأدع لمن يريد أن يمجّد أو يدهش أو يسحر أو يواسي أن يفعل ذلك، أمّا أنا فستكون غاياتي كالغايات الكامنة في الصحة أو الحرارة أو الجليد وسأكون مثلها غير آبه بالملاحظة. الشيء الذي أمرّ بتجربته أو أصوّره سيخرج من تركيبيدون أن يأخذ جزءاً منه. ستقف أنت إلى جانبي لتنظر معي في المرآة.
المحك المباشر لمن يريد أن يكون شاعراً أعظم هو الحاضر. فإن لم يغمر نفسه بالزمن المباشر كما لو كان ذلك موجاً بحرياً هائلاً... وإن لم يجتذب وطنه إلى نفسه، قلباً وقالباً، ويتعلّق بجيده بحب لا يدانيه حب ويغمس عضلاته بمحاسنه ومساوئه... وإن لم يكن هو نفسه الزمن متجسداً... وإن لم يتفتح أمامه الأزل الذي يكسب التشابه لجميع الفقرات والأمكنة والعمليات والأشكال الحية والجامدة، والتي هي قيد الزمن، وينهض من غموضها ولا محدوديتها المستعصيين على الإدراك في الشكل الحاضر المتغيّر، وتمسّكه مرامي الحياة المرنة، فيجعل الفترة الحاضرة مما كان إلى ما سيكون، ويكرّس نفسه لتصوير هذه الموجة التي أمدها ساعة، وهذا الابن من أبناء الموجة الوسماء الستين دعه إذن ينضم إلى مجموع الناس وينتظر تطوره...
بقي المحك الأخير للقصائد وللأخلاق والأعمال. الشاعر المتكهن هو الذي يمتد نفسه إلى المستقبل ويحكم على العمل ومنجز العمل بعد تغيّر الزمن. هل يعيش العمل خلال القصائد؟ أما زال قائماً دون كلل؟ هل سيكون نفس الأسلوب واتجاه العبقري نحو نقاط شبيهة مرضياً الآن؟ ألم يجمّده اكتشاف علمي جديد إلى الوصول إلى صعيد فكري وحكمي وسلوكي أعلى حتّى صار موضع ازدراء؟ هل انحرفت ذات اليمين وذات الشمال العشرات والمئات الألوف من السنين في مسيرها لأجله؟ هل بقي موضع حب بعد تواري التراب زمناً طويلاً جداً؟ هل يفكّر فيه الشاب مراراً؟ والمرأة الشابة، هل تفكّر فيه مراراً؟ وهل يفكّر فيه متوسطو العمر والكهول؟ القصيدة العظيمة تظل شائعة في كل العصور في كل الدرجات ولكل الألوان البشرات والأقسام والطوائف وللمرأة بقدر ما للرجل وللرجل بقدر ما للمرأة.
القصيدة العظيمة ليست نهاية للرجل والمرأة وإنّما هي بداية على نحو ما. هل تخيّل أحد بأنّه يستطيع أن يجلس أخيراً ويخضع لسلطان ما ويستريح راضياً بالشروح، ويدرك، ويحس بالقناعة والإشباع؟ الشاعر العظيم لن يوصل إلى مثل هذه الحالة... إنّه لا يجلب التوقّف أو ستراً للسمنة أو اليسر. إنّ لمسة منه تدفع إلى العمل. أنْ اقتاد أحداً، فقد اقتاده بقبضة ثابتة أكيدة إلى أصقاع حيّة لم يصل إليها قليلاً... وليس ثمّة راحة بعد هذا.
أنّهم يرون الفضاء وذلك البريق الذي لا يزول والذي يحوّل البقاع القديمة والأنوار القديمة إلى فراغات ميتة. ومن يرافق ذلك الشاعر يرى مولد وسير النجوم ويتعلّم أحد المعاني.
هنا سيكون إنسان انتظم من بين الصخب والفوضى... الأكبر يعلم الأصغر ويدلّه على الوسيلة... وكلاهما سينطلقان دون خوف حتّى يجد العالم الجديد لنفسهمداراً وينظر نظرة غير وجلة إلى مدارات النجوم الأصغر ويكتسح تلك الحلقات المستمرة ولن يستقر ثانية؟
.
. ترجمة فاروق محمد يوسف
. من مقدمة (أوراق العشب) والت ويتمان

  • تعليق
  • مشاركة
  • 0