عن أنطونيو تابوكي

أنطونيو تابوكي (بالإيطالية: Antonio Tabucchi)؛ (23 سبتمبر 1943 - 25 مارس 2012) كاتب وأكاديمي إيطالي يحاضر في اللغة والآداب البرتغالية بجامعة سيينا. إيطاليا. ذو هوى برتغالي عميق, وهو مترجم خبير للكاتب فرناندو بيسوا, ومنه يتأثر تابوكي بمواضيع الحنين إل..

عن روز مخلوف

مترجمة سورية..

كتب أخرى لـِ أنطونيو تابوكي، روز مخلوف


thumb

thumb

thumb

thumb

thumb

thumb

قرّاء هذا الكتاب يقرؤون أيضاً


thumb

thumb

thumb

thumb

الكتاب على رفوف القـرّاء


بيريرا يدعي (165 صفحة)

عن: ورد للطباعة والنشر والتوزيع (1997)

الطبعة : 1
التصنيفات : أدب

لمن, وفي أية ظروف يروي بيريرا أحداث ذلك الشهر المصيري من حياته, الشهر الذي تدخل القدر فيه, فأثر على مجرى الأحداث في آب من عام 1938؟ لم تقدم إجابة على هذا السؤال, بل تركت لافتراضات القارىء. غير أن بيريرا شاهد دقيق متمسك بدقته بعناد, ويروي, كمن يقدم إفادة, لحظة تراجيدية من حياته ومن التاريخ الأوروبي. على خلفيةٍ من الحكم السالازاري في البرتغال, من الفاشية في إيطاليا, ومن الحرب الأهلية في إسبانيا, تتضح لنا قصة وعي صحفي عتيق وعازب. لقيت هذه الشهادة الروائية استقبالاً حماسياً في إيطاليا سواء من قبل الصحافة أو من قبل الجمهور. كما حصلت عام 1995 على جائزة جان مونيه للأعمال الأوروبية.


  • الزوار (578)
  • القـٌـرّاء (1)
  • المراجعات (1)
ترتيب بواسطة :

استهلال وصلتني منذ مدة قصيرة رسالة من صديق عزيز حزنت كثيراً لما ورد فيها. وقد ربطتني بهذا الصديق علاقة حميمة بعد تأسيس الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا في بداية الثمانينيات من القرن المنصرم، وكان يخصني بشيء من آرائه تجاه المعارضة وشؤونها. ظل وفياً يراسلني حتى بعدما سلك كل مناّ طريقه في العمل الوطني. وبسبب تصاريف الدهر، وتباعد المسافات، انقطع الاتصال بيننا، ولم أره لربع قرن تقريباً. من طبعه أنه يتجنب العداوات وأسبابها، وعلى الرغم من أخطاء المعارضة ظل يعمل معها في صمت من أجل الوطن، مبتعداً عن التملق والنفاق وحب الظهور. قدم لوطنه ما استطاع بصمت، ثم انسحب من المعارضة بهدوء، دون أن يحقد على أحد من رجالها، ودون أن يضع معلوماته في قفة ليطرق أبواب النظام عارضاً بضاعته للبيع، كما فعل كثير من ضعاف النفوس والذمم. صديقي الذي عرفته في أوساط الثلاثينيات من عمره أصبح اليوم في خريف عمره، ابتعد عن السياسة منذ فترة غير قصيرة، بات يعتصر ألماً من ظلم الليبيين في الوطن وفي المنفى. سُرق شبابه، سُرق مستقبل أولاده، وفقد عمله مؤخراً، فتسلل الإحباط إلى نفسه، ولم يعد يفكر إلا في الخطوة الكبيرة التي سيخطوها إلى عالم آخر، عالم خال من الأوجاع والمآسي، ومن معاناة الغربة وظلم ذوي القربى. ذكرتني رسالته الكئيبة بشخصية "بيريرا" في رواية مشهورة للأديب الإيطالي أنطونيو تابوكي(1)، فقررت اختصار هذه الرواية لأنها لن تكون في متناول معظم قرائنا، ومن ثم تحليلها وتبيان أوجه العلاقة بين ما يدور فيها وبين ما نحن به مبتلون. ولعل صديقنا وغيره ممن هم في مثل حاله يستفيدون منها. فكثيرون هم المضطهدون من أبناء وطننا من أولئك الذين يظنون أن أجلهم قد دنا ولم يعد لهم دور يقدمونه في الحياة، لكبر سنهم، وكذلك لانتشار السلبية وعدم المبالاة بقضية الوطن في صفوف اللاجئين الجدد، وشيوع المتردّدين في أخذ موقف حازم ونهائي من نظام الشرّ في سرت. فلا شيء يقتل الإنسان قبل حلول أجله كاليأس والقنوط، ولا شيء يحطم أمل أمة في النهوض مثل تقهقر الصادقين الأحرار من رجالها أمام دعاة الذل والعبودية. مقدمة عن الرواية "يزعم بيريرا" “Sostiene Pereira”هي رواية للكاتب الإيطالي (Antonio Tabucchi)، لا أظنها تزيد عن أربعين ألف كلمة، كُتب عنها فور صدورها، في إيطاليا وحدها، أكثر من خمسين مقالاً ودراسة نقدية، بالإضافة إلى كتاب كامل حول الرواية للناقد الإيطالي برونو فيرارو (Bruno Ferraro)، عدا اللقاءات الصحفية مع المؤلف في إيطاليا وخارجها. نشرت الطبعة الأولى من الرواية عام 1994، وظهر منها حتى الآن خمس وعشرون طبعة إيطالية، ترجمت لأكثر من عشرين لغة بما فيها العربية، ونالت عدة جوائز محلية ودولية، منها جائزة جان مونيه الأوروبية للأعمال الأدبية “Prix Européen Jean Monnet”. وكانت عنواناً لآخر فيلم للمثل الإيطالي العالمي مرشيلو ماسترويَنّي (Marcello Mastroianni) قبل وفاته في نهاية عام 1996. لقد تقلد الممثل الإيطالي بطولة عشرات الأفلام، بعضها يعدّ من أفضل الأفلام الكلاسيكية في تاريخ السينما العالمية، بما فيها فيلمان أخرجهما فدريكو فيلليني، (Federico Fellini) أحد أعظم المخرجين في تاريخ السينما العالمية، ومع هذا لم يوفق ماسترويَنّي في تمثيل شخصية بيريرا الفريدة كما صورها تابوكي، وأخفق الفيلم عامة في نقل روعة الرواية، ولكن من يشاهد الفيلم، سواء قبل قراءة الرواية أو بعدها، فستظل شخصية بيريرا مرتبطة في ذهنه دائماً بصورة ماسترويَنيّ. تخلو الرواية تماماً من الصنعة والتكلف، لغةً وأسلوباً وسرداً. الشخصية الرئيسية للرواية "بيريرا" رجل عادي جداً، فالمواقف السامية، والجمل البليغة، والمعاني الحكيمة، أصحابها أشخاص آخرون في الرواية. إضفاء الصفة العادية على الشخصيات الرئيسية، وتجريد الأحداث من التهويل والمبالغة، مذهب فني وأدبي عرف به أتباع المدرسة الواقعية الجديدة "neorealism" وانتشر في إيطاليا بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، ولا سيما بين المخرجين الإيطاليين الذين نالت أفلامهم شهرة عالمية، كفيتوريو دي سيكا (Vittorio De Sica) ولوكينو فيسكونتي (Luchino Visconti) وروبرتو روسوليني (Roberto Rossellini) وفديريكو فلليني (Federico Fellini) وغيرهم. تابوكي محسوب على مذهب أدبي آخر، إلا أن الرواية لا يمكن تصنيفها إلا ضمن هذا المذهب. أبدع تابوكي بهذه الرواية في الكتابة عن أزمة المثقف بطريقة فذة، فلا يمضي بقراءة الرواية صاحب إحساس وضمير حتى يقع في حب شخصية بيريرا. سطّر كثيرون عن دور المثقف ومسؤوليته تجاه الظلم والفساد وانتهاك حقوق الإنسان، ولنعوم تشومسكي، الذي يعدّ بلا منازع أكبر مثقف في العالم اليوم، مقال مشهور بعنوان "مسؤولية المثقفين" (The Responsibility of Intellectuals) نشر عام 1967 في مجلة "The New York Review of Books"، (2) وأثار جدلاً واهتماماً حيناً من الدهر، ولكن هذه الكتابات كلها لا تستطيع أن تصل إلى قلوب عامة الناس، والقارئ العادي لا تجذبه الأدبيات المحسوبة على طبقة خاصة من المثقفين، فالكتب تصنف اليوم صنفين: "قصصية" وغير "قصصية" (fictions) و (non-fictions)، ولا يقدم على شراء الصنف الثاني عادة إلا المهتمون بمادة الكتاب، أما الروايات "fictions" فيقرأها عامة الناس، ومنهم الأدباء والمثقفون. جمع تابوكي في روايته القصيرة بين الأدب والفلسفة والسياسة والتاريخ وعلم النفس، فأبدع في ذلك إبداعاً قلما تجده في رواية صغيرة أخرى. لقد تملّك ذهن القارئ واجتذب اهتمامه من أول صفحة إلى آخر صفحة في الرواية، وصنفت روايته، رغم صغر حجمها، عدة تصنيفات شغلت أقلام أكبر النقاد العالميين. فقد صنفت على أنها سيرة نفسية وفكرية “bildungsroman” لحياة إنسان تصور نشوء عالمه الذهني وتطوره، وعلى أنها رواية سياسية، لأنها تنتقد الأنظمة الفاشية في أوروبا وتتناول قضية الصحافة وحرية التعبير، ورواية تاريخية، لأن كثيراً من الأحداث المذكورة في الرواية أحداث حقيقية، ورواية فكرية تحفل بذكر كثير من المفاهيم الأدبية والأفكار السياسية والفلسفية التي سادت أوروبا في مراحل مختلفة، ورواية نفسية لأنها تحلل العوامل النفسية، وازدواجية الشخصية، وأسباب تقلب مواقف الإنسان الفكرية، فيسلك اتجاهاً معيناً في بداية حياته، ثم اتجاهاً ثانياً، أو ثالثاً قد يكون معاكساً للأول تماماً، حسب نظرية اتحاد الأنفس (3) (la confederazione delle anime/ the confederation of souls) التي كتب عنها تيودول ريبو (4) وبير جانيه. (5) تقول النظرية، كما هي في الرواية، إن الإنسان له عدة أنفس متحدة في نفس واحدة تسيطر عليها "الأنا المهيمنة"، وفي حالة ظهور "أنا مهيمنة" أخرى، أقوى وأقدر، تطيح بـ"الأنا المهيمنة" الأولى، إثر هجوم مباغت، أو ربما خفيّ يتسلّل على مراحل متوالية من العمر، وتسيطر بدلاً منها على إدارة "اتحاد الأنفس". وتستمر "الأنا المهيمنة" الثانية في سيطرتها على "اتحاد الأنفس" حتى تطيح بها "أنا مهيمنة" ثالثة. وقد تتوقف الانقلابات، وقد تستمر، حسب الصراع الداخلي الذي يخوضه الإنسان مع نفسه. وخلاصة النظرية أن الإنسان قد يمر بصراع نفسي في حياته يجعله يتقلب فكرياً في عدة اتجاهات، وما يراه طبيعياً اليوم قد يراه غداً في منتهى الشذوذ، وما كان مكروهاً بالأمس يصبح محبوباً اليوم، إلى أن يحسم الصراع النهائي بسيطرة أقوى "الأنات" (جمع أنا) على إدارة "اتحاد الأنفس". وقد تعرضت الرواية، بسب هذه الآراء، وبسبب تشكيكها في بعض المعتقدات المسيحية، وانتقادها لموقف الفاتيكان السلبي من الحرب الأهلية في إسبانيا، لهجوم عنيف من الناقد الإيطالي لوكا دونينللي (Luca Doninelli) المحسوب على التيار الكاثوليكي، وحمل على ما سماه "اليسارية المهيمنة" في الرواية.(6) الترجمة العربية التي قامت بها روز مخلوف منقولة عن النص الفرنسي“Pereira Prétend” وليست عن النص الإيطالي الأصلي، ولم تخلُ من الحذوفات(7) ومن أخطاء شنيعة في أماكن عديدة من فصول الرواية، وأعطت معاني متناقضة ومتضاربة للقصة على الرغم من أن الرواية كتبت بلغة إيطالية سلسة تخلو من التكلف والصنعة والألفاظ العامية المحلية التي يكثر من استعمالها أدباء إيطاليا. على حين نجد الترجمة الإنجليزية، كما هو مألوف في معظم الترجمات الأوروبية، قد كتبت بلغة أدبية سلسة تحاكي النص معنى وروحاً، أما الترجمة العربية فإنها تضيع في دهاليز الألفاظ وتتوخى الأمانة القاموسية في النقل، فتخون النص معنى وروحاً في أكثر المواطن. وقد ترجمت الرواية إلى الإنجليزية تحت عنوان “Declares Pereira”، وخرجت الطبعة الأمريكية تحت عنوان “Pereira Declares”، وهذه الطبعة، مثل الطبعة الإنجليزية، تعتمد على ترجمة باتريك كريه (Patrick Creagh) فلا تختلف عنها إلا اختلافاً طفيفاً في العنوان. أنهى تابوكي روايته بتعليق ختامي في آخر الكتاب(8) ذكر فيه الأسباب التي جعلته يعكف على كتابة هذه الرواية، ولِمَ اختار اسم "بيريرا" لبطل الرواية. هذا التعليق في حد ذاته رائعة أدبية، ولكني سأقتصر على ذكر الجوانب السياسية منه. ذكر تابوكي أنه قرأ عام 1992 خبراً في إحدى الصحف ينعى صحفياً برتغالياً توفي في مستشفى سانتا ماريا في لشبونة، وكان قد تعرف عليه في أواخر الستينيات يوم كان المتوفى لاجئاً سياسياً يكتب في صحيفة باريسية بصفته مناهضاً لحكم سالازار الدكتاتوري. زاول مهنته الصحفية في الأربعينيات والخمسينيات من القرن المنصرم تحت وطأة دكتاتورية سالازر(9) ، واستطاع أن يهزأ بأجهزة القمع والرقابة، فينشر مقالاً في صحيفة برتغالية وجه به صفعة عنيفة للنظام أثارت له مشاكل مع أجهزة الأمن، مما اضطره لمغادرة البلاد للحياة في المنفى. ورجع إليها بعد أن استعادت بلاده حريتها عام 1974، ثم توقف عن الكتابة وتقاعد، فانقطعت أخباره عن تابوكي. ثم نُسي، ولم يعد أحد يتذكره في بلد بدأ يستعيد عافيته على أيدي الجيل الشاب، بعد أكثر من أربعين سنة من الحكم الشمولي. زار تابوكي الصحفي في المستشفى وألقى عليه نظرة الوداع الأخيرة. ثم يدّعي تابوكي، المؤلف، أن روح بيريرا تمثلت له طيفاً أوحى إليه أن يروي قصته للناس. ونظراً لأن الراوي مجرد ناقل لقصة رجل يبحث عن مؤلف، فقد تكررت عبارات "يزعم بيريرا /زعم بيريرا / هذا ما زعمه بيريرا" في كل صفحة من صفحات الرواية، وبدأت الرواية بها، وانتهت بها، مما أعطى للقصة إطاراً أدبياً رائعاً، ولأهميتها لم تحذف حتى من سيناريو الفيلم، ووردت كصوت خلفي خفيف، أو بما يعرف في المصطلحات السينمائية، “fuoricampo” أو“off screen action”. سأصوغ بعض العبارات بأسلوبي الخاص وأنا أنقل بعض أحداث الرواية، مقتصراً على نقل ما يناسب قضيتنا في محاربة الاستبداد، سأنقل بعض الحوارات المهمة بعد استبعاد الوصف وتفاصيل السرد، محافظاً بقدر المستطاع على النكهة الأدبية للرواية. وقد ضمّنت الهوامش تعريفاً قصيراً لبعض الأعلام والأحداث الواردة في الرواية لإعطاء فكرة مختصرة للقارئ الذي لا يلمّ بتاريخ الغرب الثقافي. وكنت أنوي عرض الرواية في مقال واحد، ثم قررت اختصارها لصعوبة الحصول عليها في بلادنا المنكوبة، ثم لعزوف شعوبنا عن الكتاب، حتى قال عنا ابن عمنا الأعور، وصدق فيما قال: العرب لا يقرأون. ولكنني أنصح بشراء الرواية بأي لغة يجيدها القارئ، مع أني أعلم أن أكثرنا صمٌ عن سماع النصيحة، فغني عن القول أن المتعة الفنية والأدبية لا تتأتى إلا بمعايشة الرواية نفسها، وحسبي أن أكون قد شوقت القارئ لمطالعتها. الرواية عبارة عن "شهادة" تروي قصة رجل استطاعت النفس الإيجابية التي في جوانحه أن تتغلب على النفس السلبية التي كانت تسيطر عليه، وبينت له، على الرغم من كبر سنه، كيف يعيش الحياة بدلاً من التفكير في الموت، وكيف يكافح الاستبداد، وكيف يصنع تاريخاً، بدلاً من الفرار من الواقع. زمن الرواية تدور أحداث الرواية في لشبونة صيف عام 1938 حين كانت البلاد ترزح تحت حكم الدكتاتور الفاشي سالازر. كانت الحرب الأهلية ما زالت مشتعلة في إسبانيا، وباتت القوى الفاشية بقيادة فرانكو، بعد سنتين من الحرب الأهلية، على وشك السيطرة على إسبانيا بأكملها وإنزال هزيمة منكرة بالجمهوريين. وكانت أوروبا كلها على شفا حرب كبرى بسبب عدوانية القوى الفاشية التي سيطرت على مقاليد الأمور في إيطاليا وألمانيا. شخصية بطل الرواية بيريرا رجل متدين في خريف العمر، كئيب، وحيد، أرمل ولا ولد له. يعاني من سمنة مفرطة، ومشاكل في القلب، فأية حركة بدنية يقوم بها ترهقه وتجعله يتصبب عرقاً. لا يغير شيئاً من عاداته، لا في الأكل ولا في الشرب، ولا في أسلوب حياته. لا يأكل عادة إلا العجة، ولا يشرب إلا عصير الليمون ممزوجاً بكمية كبيرة من السكر، يتناول وجبته اليومية دائماً في مقهى أوركيديا، وأحياناً يحمل شطيرة العجة في جيبه ليتناولها في مكتبه أو في بيته. لا يشرب الخمر، ولكنه يدخن رغم تحذير طبيبه، روتيني في كل شيء، يحن فقط إلى الماضي، ولا يفتنه شيء كالحديث عن الموت وتسطير المراثي، بل إنه يحسب نفسه أحياناً ميتاً. كان أبوه يملك وكالة لدفن الموتى، وماتت زوجته بمرض السل الرئوي، وربما لهذا السبب ظل الموت يسيطر دائماً على فكره وعقله. يحتفظ بيريرا بصورة لزوجته، يتحدث إليها كل يوم وكأنها حية، يستشيرها في كل شيء، يبثها همومه وأحزانه، لا يسافر إلى مكان إلا ويصطحب الصورة معه، فهي ملاذه في الملمات، وحائط مبكاه، ورفيقة دربه في حضره وفي سفره. درس بيريرا الأدب في جامعة كويمبرا البرتغالية، وقضى ثلاثين سنة محرراً جنائياً في إحدى الصحف البرتغالية الكبرى، ثم تركها ليعمل محرراً لصفحة ثقافية في صحيفة مسائية صغيرة تسمى "ليسبوا" (Lisboa) تصدر مرة كل سبت. كان يعمل وحده في مكتب صغير جداً منفصل عن مقر الصحيفة الرئيسي، واختصر دوره في ترجمة أعمال كبار الكتاب الفرنسيين في القرن التاسع عشر إلى البرتغالية. يطلق عليه الناس دتور (دكتور) بيريرا. هذه بإيجاز هي الملامح الرئيسية لشخصية بيريرا، ومن هذه البوابة الخارجية ندخل معه في الحلقة القادمة إلى عالمه الداخلي، وسراديب النفس الإنسانية المتعددة التي تتعايش وتتضارب في داخل كل منا. 

  • أعجبني
  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
  • 0