عن عباس المفرجي

صحفي ومترجم عراقي. عضو نقابة الصحفيين العراقيين...

عن ألبرتو مانغويل

مؤلِّف موسوعيّ مشهود له عالمياً ومترجم وكاتب مقالات وروائي.. حازت كتبه جوائز عديدة وكانت الأكثر مبيعاً. ولد في بوينس آيرس، وانتقل إلى كندا سنة 1982، ويعيش الآن في فرنسا حيث عيِّن مديراً لهيئة الفنون والآداب...

كتب أخرى لـِ ألبرتو مانغويل، عباس المفرجي


thumb

thumb

thumb

thumb

thumb

thumb

قرّاء هذا الكتاب يقرؤون أيضاً


thumb

thumb

thumb

thumb

thumb

thumb

الكتاب على رفوف القـرّاء


المكتبة في الليل (270 صفحة)

عن: دار المدى للثقافة والنشر (2006)

التصنيفات : فنون

بصرف النظر عن الأدب و علم اللاهوت, فإن قلة يمكنهم الشك بأن الميزة الرئيسية لكوننا هي افتقاره للمعنى, و الهدف الواضح. غير أننا, و بتفاؤل محيّر, ماضون في حشد كل قصاصة ورق من المعلومات التي يمكننا جمعها في لفائف و كتب و أقراص كومبيوتر, في رف بعد رف من المكتبة, سواء كانت مادية , وهمية, أو غير ذلك و على نحو مثير للشفقة, بهدف إضفاء شكل من الإحساس و النظام على العالم, بينما نحن نعي , جيداً , مهما أردنا أن نصدق العكس , بأن مسعانا للأسف مآله الفشل.     كانت المكتبات، مكتبتي الخاصة أو تلك العامة التي أشارك فيها جموع القراء، تبدو لي دائماً أمكنة مجنونة على نحو ممتع، وبقدر ما تسعفني الذاكرة كنت مفتوناً بمنطقها الشائك، الذي يفيد بأن العقل يحكم الترتيب المتنافر للكتب. أحس بمتعة المغامرة حين أفقد نفسي وسط الأكداس المكتظة، مؤمناً بشكل خرافي بأن الهرمية الراسخة للحروف والأرقام ستقودني ذات يوم إلى غاية موعودة.

 


  • الزوار (1,973)
  • القـٌـرّاء (14)
  • المراجعات (2)
ترتيب بواسطة :

يجمع كتاب «المكتبة في الليل» لألبرتو مانغويل (ترجمة عباس المفرجي، دار المدى، 2012 ) بين القالب القصصي الممتع والمحتوى العلمي الرصين الموثّق بالأرقام والتواريخ والوقائع. بين هاتين الصفتين يمضي مانغويل بقارئه نحو فضاءات الكتب والمكتبات. وهو إذ يفعل ذلك لا يسعى إلى وضع كتاب جديد حول تاريخ المكتبات في العالم تضاف إلى كتب كثيرة في هذا الصدد، وإنما ليكشف سر هذا الشغف بصفحات الكتب، والهوس بتجميعها وترتيبها ضمن رفوف على مدى سنوات وسنوات، ومن ثم، وقبل هذا وذاك، الكشف عن سر علاقة الإنسان بالكتاب، وبالقراءة تالياً، على الأقل من خلال تجربته الشخصية. وهو لا ينفي هذا الجانب الشخصي، فالكاتب والروائي الأرجنتيني، الذي ولد في بيونس آيرس وعاش في كندا ويقيم، حالياً، في فرنسا، ينطلق من مكتبته الخاصة التي شيدها فوق حظيرة ماشية تعود إلى القرن الخامس عشر، وتقع على تلة في قرية منسية في الجنوب الفرنسي.


يستهل مانغويل كتابه بالقول: «كانت المكتبات، تبدو لي دائماً أمكنة مجنونة على نحو ممتع، وبقدر ما تسعفني الذاكرة كنت مفتوناً بمنطقها الشائك، الذي يفيد بأن العقل، (إن لم يكن الفن)، يحكم الترتيب المتنافر للكتب». ويروي صاحب «تاريخ القراءة» متعة المغامرة حين يجد نفسه وسط أكداس الكتب، «مؤمناً بشكل خرافي بأن الهرمية الراسخة للحروف والأرقام ستقودني ذات يوم لغاية موعودة... في ظل هذا الوهم المتناغم، قضيت نصف قرن بجمع الكتب. وبكرم لا حد له، قدمت لي كتبي كل أنواع الإشراقات، دون أن تسأل شيئاً بالمقابل».


بهذا الإحساس الممجّد لقيمة الكتب، يطرح مانغويل أسئلته حول علاقة المرء بالكتـــــــاب والمخطـــوطـــات والموسوعات، وبتلك الكتب الإلكترونية التي استحالت، الآن، حروفاً خرساء على شاشة مضيئة. يبحث في المعنى العميق لاقتناء الكتب وبناء مكتبة، ويحاول فهم تلك الروابط الخفية التي تنشأ بين القارئ والكتاب. لا يستطيع القارئ، وهو يتصفح هذا الكتاب، أن يتجاهل قصة «مكتبة بابل» لبورخس. في هذه القصة تصبح صورة مكتبة ضخمة لا نهائية، مجازاً للكون. وكان مانغويل ممن يقرؤون الكتب لمواطنه بورخيس (1899 - 1986 ) الذي فقد بصره. ويبدو أن هذه الصداقة تركت أثراً عميقاً لدى مانغويل الذي يتحدث، هنا، عن العلاقة الاستثنائية التي ربطت بين بورخيس والكتاب.


كان بورخيس يولي أهمية قصوى لمسألة التلقي، مستشهداً بفكرة لبيركلي تقول: «إن طعم التفاحة ليس في التفاحة نفسها، فالتفاحة بذاتها لا طعم لها، وليس الطعم في فم من يأكلها، وإنما هو في التواصل بين الاثنين». والشيء نفسه، كما يرى بورخيس، يحدث مع الكتب «فالكتاب هو شيء مادي في عالم أشياء مادية. إنه مجموعة رموز ميتة. وعندما يأتي القارئ المناسب، تظهر الكلمات إلى الحياة... ونشهد، عندئذ، انبعاثاً للعالم». ويضيف: «عندما أنظر إلى الكتب الكثيرة التي لدي في البيت، أشعر بأنني سأموت قبل أن أنهيها، ولكنني لا أستطيع مقاومة الإغراء بشراء كتب جديدة. وكلما ذهبت إلى مكتبة، ووجدت كتاباً حول أحد الأمور التي تستهويني، أقول لنفسي: «يا للأسف، أنا لا أستطيع شراء هذا الكتاب، لأن لدي نسخة منه في البيت».


هذه الفلسفة «البورخيسية» تتحكم، بهذا القدر أو ذاك، في قلم مانغويل الذي يؤمن بجملة مالارميه: «إن العالم وجد كي يوضع في كتاب جميل». وهو يرى أن قوّة القرّاء «لا تكمن في قدرتهم على جمع الكتب وترتيبها وفهرستها، بل في موهبتهم في تفسير ما يقرؤون، فالمعرفة لا تكمن في تراكم النصوص والمعلومات، ولا في مادة الكتاب نفسه، بل في التجربة المستقاة من الصفحة». وهو يستشهد، هنا، بما قاله الفيلسوف والرياضي لايبنتز: «إن قيمة المكتبة تتحدد فقط بمحتواها والفائدة التي يجنيها القراء من هذا المحتوى، لا بأعداد مجلداتها أو ندرة مقتنياتها النفيسة». لكن ذلك لا يعني أن مانغويل غير آبه بالتباين القيمي بين كتاب وآخر، فهو يخبرنا عن قانون كان سارياً في نهاية القرن الأول الميلادي في مدينة ليون الفرنسية، يجبر الخاسرين في المسابقات الأدبية على محو كتاباتهم بألسنتهم لكي لا يبقى أدب من الدرجة الثانية موجوداً.


وليس مستغرباً أن يعارض مانغويل، الشغوف بالكتاب، عمليات تحويل الكتاب الورقي إلى كتاب إلكتروني وإلى مايكروفيلم. هو يحشد الأدلة كي يقنع نفسه والقارئ بتلك الحالة الروحية السامية التي تنتاب القارئ الحصيف وهو يتصفح الكتاب الورقي «الدافئ والحنون». النص المستحضر عبر الشاشة، كما يشرح مانغويل، «هش، وليس له تاريخ، والعارفون بالكمبيوتر يدركون مدى سهولة فقدان نص على شاشة لمجرد أن القرص معطوب، أو أن الجهاز تعرض لفيروس غامض». جنة مانغويل هي المكتبة. لكن ليس في كل الأوقات بل في الليل تحديداً، كما يشير عنوان الكتاب.


«في الليل حين توقد مصابيح المكتبة، يختفي العالم الخارجي ولا يبقى في الوجود سوى فضاء الكتب»، يقول مانغويل ويسترسل في شرح هذا البعد الوجداني حول علاقته بالكتاب: «المكتبة في النهار هي مملكة النظام، يتنقل القارئ بين ممراتها بهدف واضح، باحثاً عن اسم أو صوت ويعثر على كتبه طبقاً لأمكنتها المخصصة ضمن المجموع. لكن في الليل الجو يتبدل. الأصوات تمسي مكتومة، والأفكار يعلو صوتها، يبدو الوقت أقرب لتلك اللحظة بين النوم واليقظة، والتي يغدو فيها إعادة تخيل العالم سهلاً. عيناي ويداي، وهي حرة من القيود اليومية في ساعات الليل المتأخرة، تطوف بلا غاية بين الصفوف المتراصة، ترمم الفوضى. كتاب يدعو، على نحو غير متوقع، كتاباً آخر، كي يقيم تحالفاً بين ثقافات وأزمان مختلفة. سطر يترجع صداه في واحد آخر لأسباب تظل، في وضح النهار، غير واضحة. إذا كانت المكتبة في الصباح توحي بصدى نظام واقعي بسيط ومعتدل للعالم، فإنها في الليل تبدو منتشية وسعيدة بفوضى العالم».


بهذه النبرة الشاعرية يمضي مانغويل في الحديث عن كتب مستعملة اقتناها، فوجد بين صفحاتها إشارات لقراء عانقت عيونهم هذا الكتاب: اسم مجهول على صفحة البداية البيضاء، بطاقة قطار أو طائرة لتأشير صفحة معينة، ملاحظات في الهوامش، وإهداءات مدونة بعناية.... هذه الخربشات والخطوط والملاحظات تفتح الباب واسعاً أمام الذاكرة وهي ترحل بعيداً في حدائق اللغات والمفردات والحروف.


وبمقدار ما تمنح المكتبات لأصحابها المتعة والصفاء، فإن في تاريخها محطات حزينة سوداء. الحكايات عن حرق الكتب، وهدم المكتبات لا تعد ولا تحصى. وأبطال هذه التراجيديات هم الساسة والرقباء. كتب كثيرة لم يكتب لها البقاء، ومكتبات ضخمة اختفت من الوجود، وثقافات شعوب كثيرة دفنت بذرائع شتى لا يمكن تبريرها. هذا الجانب المظلم له، أيضاً، مساحة في هذا الكتاب الذي يدين ذلك السلوك «الهمجي»، ويعتبر الكتاب «جوهرة نفيسة» لا بد وأن تحترم.


ويبدو أن الحلم الذي يراود مانغويل في إنشاء مكتبة ضخمة تتسع لكل الكتب، لا يقتصر عليه، وعلى مواطنه بورخيس. كل القراء يحلمون بأمنية مماثلة، ولأن الأمنية مستحيلة، فإن لدى مانغويل تأويلاً مقنعاً: هذه المكتبة الضخمة موجودة في العالم نفسه، تماماً كما فهم الصينيون أن «المكتبة مرآة للعالم».


  • أعجبني
  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
  • 0

ينطلق ألبرتو مانغويل في كتابة "المكتبة في الليل" من عدة محاور في الحديث عن المكتبة فيبدأ بالمكتبة كميثولوجيا، كترتيب، كمكان، كسلطة، كظل، كشكل، كمصادفة، كمشغل، كذهن، كجزيرة ، كبقاء، كنسيان، كخيال، كهوية، والأهم كوطن. بهذه التصنيفات قسّم كتابه " الصادر بنسخته العربية عن دار الساقي – بيروت ترجمة أحمد م. أحمد، والذي خصصه عن المكتبات جاعلا ً منها مملكة مستقلة بحد ذاتها. هو الذي لا يُخفي ولعه القديم بالمكتبة وحلمه في العمل بها منذ البداية إلا أن هذا الحلم لم يتحقق حتى بلغ عامه السادس والخمسين.

ولماذا كتب هذا الكتاب تحديدا يقول " بدأتُ رحلتي منذُ سنوات قليلة، ليس لكي أصنّفَ تاريخاً آخر للمكتبات، وليس لكي أضيف مجلداً آخر إلى مجموعة تكنولوجيا المكتبات المتنامية بشكل مثير للريبة، بل بكل بساطة لكي أُقدّم بياناً عن أسباب دهشتي " ويقصد هنا دهشته بالمكتبات وما تثيره في نفسه من حياة ومتعة. فتراه يتحدث عن المكتبات وكأنه يتحدث عن امرأة أفتتن بغرامها. يقول : حب المكتبات، ككافة صنوف الحب، يجب أن يٌكتب.. منساقاُ لوهم لذيذ كهذا أمضيتُ نصف قرن في جمع الكتب. بكل جزالة عطائها، لم تطالبني كتبي بشيء بل أتاحت لي كافة أشكال التنوير"

 


والواضح أن مانغويل يلخص ايضاً تجربته الشخصية وعلاقته بالكتب والمكتبة مستشهداً في كل فصل من الفصول بالكثير من الحكايا والأساطير وروايات التاريخ فيما يخص هذا المجال. ففي فصل " المكتبة كذهن " يقول : " كماكيافيللي، أجلس بين كتبي أغلب الأوقات. وفي حين أنني أفضّل الكتابة صباحاً، إلا أنني استمتع بالقراءة ليلاً في الصمت الكثيف، عندما تٌشعٍّبُ الأضواء من مصابيح القراءة رفوف مكتبتي إلى أثنين. في الأعلى، تتبدد الصفوف العلوية في الظلمة، ويبقى في الأسفل القسم المتميّز ذو العناوين المضيئة. يٌستبدل التقسيم الاعتباطي الذي يضفي على كتبٍ بعينها الحضور المتوهّج ويٌقصي أخرى إلى الظلالِ، بتقسيم آخر، يدين بوجوده ببساطة إلى ما أستطيع تذكّره. "

 


الكتاب أحتوى على عدد لا بأس به من الصور لمكتبات ووثائق تاريخية حول العالم تحدث عنها الكاتب في مؤلفه هذا مثل : مقصورات الكتب في المكتبة الوطنية الفرنسية والتي كان ارتفاعها وعرضها مصممين ليتناسبا مع جسم الإنسان وهي بهذا الشكل هي لا تحتاج إلى سلالم لاستخدامها. ومخططة مكتبة برغامون، قاعة القراءة في مكتبة حبت في موريتانيا، مكتبة كوزيت في ممفيس، مكتبة الكونغرس في واشنطن، مكتبة الملك في قصر بكنغهام في لندن، مكتبة كاتلونيا في برشلونة، مكتبة السلالم المرجعية في تورنتو وغيرها . أيضا أرشيف الصور ضمّ صورة مسودة مايكل أنجلو الأولى للمكتبة اللورنسية، وصورة الأدراج الكبيرة فيها والتي كانت من تصميم أنجلو.

 


لم يمر الكتاب دون ذكر ما آلت اليه حال مكتبة بغداد الوطنية فعاد مانغويل بالتاريخ إلى سنة 2003 حين وقف الجيش الأمريكي على الحياد عندما سٌلبت ونهبت وثائق المكتبة الوطنية والمتحف الأثري. ويروي بحسرة بالغة تأثره بهذا الحدث الجلل فيقول "خلال ساعات قليلة أرسل إلى غياهب النسيان الكثير من التاريخ الموثَّق للجنس البشري " ووصف هذه الخسارة بأنها خسارة للعراق وللإنسانية وهي بالفعل كذلك.

 


*ألبرتو مانغويل مؤلِّف موسوعيّ مشهود له عالميًا ومترجم وكاتب مقالات وروائي. حازت كتبه جوائز عديدة وكانت الأكثر مبيعاً. ولد في بوينس آيرس، وانتقل إلى كندا سنة 1982، ويعيش الآن في فرنسا حيث عيَّن مديراً لهيئة الفنون والآداب. صدر له عن دار الساقي " تاريخ القراءة "، و" مع بورخيس"


  • أعجبني
  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
  • 0
أضف مقتطفاً

كل قارئ يوجد كي يضمن لكتاب معين قدراً متواضعاً من الخلود. القراءة، بهذا المفهوم، هي طقس انبعاث.
  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
حب المكتبات، مثل أكثر المحبات، ينبغي أن يكتسب بالتعلم.
  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
قضيت نصف قرن بجمع الكتب. وبكرم لا حد له، قدمت لي كتبي كل أنواع الإشراقات، دون أن تسأل شيئاً بالمقابل.
  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
في طيش فتوتي، حين كان أصدقائي يحلمون بمآثر بطولية في حقول الهندسة والقانون، والمال والسياسة، كان حلمي أن أصبح أمين مكتبة، لكن الكسل والولع الذي لا يكبح بالسفر قررا شيئاً آخر.
  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
في الليل حين توقد مصابيح المكتبة، يختفي العالم الخارجي ولا يبقى في الوجود سوى فضاء الكتب. في الظلام، والنوافذ مضاءة وصفوف الكتب تتألق، تغدو المكتبة فضاءً مغلقاً، كوناً من قواعد متزمتة تحل محل أو تترجم تلك القواعد السارية في الكون الآخر العديم الشكل.
في النهار، المكتبة هي مملكة النظام. أتنقل بين ممراتها الحروفية بهدف جلي، باحثاً عن اسم أو صوت وأعثر على كتبي طبقاً لأمكنتها المخصصة ضمن المجموع.
لكن في الليل يتبدل الجو. الأصوات تمسي مكتومة والأفكار يعلو صوتها (فقط حين يحل الظلام تطير بومة منيرفا) (هي إلهة العقل والحكمة). يبدو الوقت أقرب لتلك اللحظة بين النوم واليقظة والتي يغدو فيها إعادة تخيل العالم سهلاً.
إذا كانت المكتبة في الصباح توحي بصدى نظام واقعي بسيط ومعتدل للعالم، فإنها في الليل تبدو منتشية وسعيدة بفوضى العالم.

  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
كتبي تضم بين أغلفتها كل قصة سمعتها يوماً وما زلت أتذكرها، أو هي الآن منسية، أو ربما ستقرأ ذات يوم، فهي تملأ الفضاء المحيط بي بأصوات قديمة وجديدة. لا ريب في أن هذه القصص موجودة على حد سواء أثناء النهار، لكن، ربما بسبب حضور أشباح الليل والأحلام الملهمة، يغدو وجودها أكثر إشراقاً بعد غروب الشمس. أسير بين الرفوف وأنا ألقي نظرة على أعمال فولتير وأسمع في الظلام خرافات صادق الشرقية، وفي مكان بعيد يمسك "فاتك" وليم بيكفورد خيط القصة ويمرره إلى مهرّجي سلمان رشدي خلف الغلاف الأزرق لرواية "آيات شيطانية"، وهناك شرق آخر يتردد صداه في القرية الساحرة من القرن الثاني عشر لزاهري من سمرقند، الذي يسلّم القص بدوره إلى حرافيش نجيب محفوظ في مصر الزمن الحاضر.
في الليل، هنا في المكتبة، الأشباح لها أصوات.

  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
عندما أقرر في نهاية اليوم أن أطفئ ضوء المكتبة، فأنا أحمل معي إلى النوم أصوات وحركات الكتاب الذي كنت أغلقته للتو. لقد تعلمت من الخبرة الطويلة بأني إذا أردت أن أكتب في الصباح حول موضوع معين، فإن قراءتي عن هذا الموضوع في الليل سوف تموّن أحلامي ليس بالحجج فحسب بل بالأحداث الحقيقية للقصة أيضاً.
  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
أثناء النهار، أكتب، وأتنقل بين الكتب متصفحا، معيداً ترتيبها، أفسح للحديثة منها مكاناً، وأعيد تشكيل الأقسام لتوفير حيز جديد. الكتب الجديدة الوافدة يرحب بها بعد فترة من الفحص. إذا كان الكتاب مستعملاً، أدع كل الإشارات التي دونت عليه على حالها، الآثار التي يتركها القارئ السابق: رفاق السفر الذين سجلوا مرورهم بالتعليقات المخربشة، اسم ما على الصفحة البيضاء الفارغة في بداية ونهاية الكتاب، بطاقة قطار لتأشير صفحة معينة. سواء كانت قديمة أو جديدة، الإشارة الوحيدة التي أناضل لإزالتها من كتبي (وغالباً دون نجاح يذكر) هي لصقة السعر التي يضعها بائعو الكتب الحقودين على ظهر الكتاب. هذه الدملة الشيطانية الصغيرة لا تُستأصل بسهولة، فهي تخلّف ندوباً مجذومة وآثاراً من مادة لزجة يلتصق بها الغبار والزغب بعد فترة من الزمن، تجعلني أتمنى لو كان لدي ممسحة جهنمية أحكم بها على هؤلاء الذين اخترعوا هذه اللصقات.
  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
أثناء الليل، أجلس لأقرأ، وأراقب صفوف الكتب وهي تغويني ثانية لإقامة اتصال بين جيرانها، لأكتشف تواريخ مشتركة لها، لأضم قصاصة متذكرة مع أخرى.
أثناء النهار، التركيز والنظام يغرياني، أما في الليل فيمكنني أن أقرأ بفكر خال من الهموم يكاد يكون لا مبالياً.
نهار أو ليل، بأي حال، مكتبتي هي عالم خاص، بخلاف المكتبات العامة، كبيرة كانت أم صغيرة، وكذلك بخلاف المكتبة الإلكترونية الكونية، التي أظل إزاء كونيتها شكاك باعتدال.

  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
لا أتذكر وقتاً لم أكن فيه محاطاً بكتبي. في عمر السابعة أو الثامنة، جمعت في غرفتي اسكندرية مصغرة، نحو مئة كتاب من مختلف الأحجام عن مواضيع شتى. ومن أجل التنوع غالباً ما كنت أغير من طريقة ترتيب كتبي، فأقرر على سبيل المثال أن أضعها معاً حسب الحجم، حيث يتضمن كل رف الكتب التي لها نفس الإرتفاع فقط. لكن هذا الترتيب كان أحياناً لا يرضيني، فكنت أعيد تنظيم كتبي حسب المواضيع: حكايات خرافية على رف، قصص مغامرات على آخر، كتب علمية ورحلات على رف ثالث، شعر على الرابع، سير حياة على الخامس. وأحياناً من أجل التغيير، كنت أجمع كتبي حسب اللغات، أو حسب الألوان، أو طبقاً لمدى ولعي بها.
المكتبة الخاصة، بخلاف العامة، تقدم ميزة السماح باتباع ترتيب نزوي وشخصي جداً. الكاتب المعتّل فاليري لاربو كان يجلّد كتبه بألوان مختلفة وفقاً للغة التي كتبت بها، الروايات الإنكليزية بالأزرق، الإسبانية بالأحمر، وهكذا. (غرفة مرضه كانت عبارة عن قوس قزح)، قال واحد من معجبيه: "إنها تتيح لعينيه وذاكرته أن تندهشا وتتوقعا الفرح".

  • تعليق
  • مشاركة
  • 0