عن إيزميرالدا حميدان

تخرجت في كلية اللغة الإنجليزية وآدابها في جامعة "دمشق"، لها عدة ترجمات، منها: "الحكايات الشعبية لقبيلة زوني" من جمع فرانك كاشينغ و"التوابل: التاريخ الكوني" من تأليف فريد كزارا، وغيرها...

كتب أخرى لـِ بوريا ساكس، إيزميرالدا حميدان


thumb

thumb

thumb

قرّاء هذا الكتاب يقرؤون أيضاً


thumb

thumb

thumb

thumb

thumb

thumb

الكتاب على رفوف القـرّاء


الغراب ... التاريخ الطبيعي والثقافي (182 صفحة)

عن: مشروع كلمة للترجمة

رقم الايداع : 9789948014959
الطبعة : 1
أضافه : Mahmoud El-Shafey
التصنيفات : حيوان و زراعة،علوم

لا يسعك إلا أن تلحظ الرشاقة التي يتمتع بها الغراب! فتقوس واحد ينزلق من رأس منقاره وحتى نهاية ذيله، ويتحرك بتناغم حينما يحرك الغراب رأسه أو ينحني باتجاه الأرض. باستطاعة هذه المخلوقات الرائعة أن تطير دون أن تبذل جهوداً تذكر. وترتفع في السماء بكل انسيابية محلقة في مختلف أنحاء الأرض.
في العديد من الحضارات التي تمتد من الصين وحتى هنود الهوبي اعتبرت الغربان حاملة للنبوءات. واستخدمها الإغريق في حفلات الزفاف كرموز للحب المشترك بسبب رقصات التودد التي تمارسها وعلاقاتها التي تعتمد فيها على زوجة واحدة.
يتطرق هذا الكتاب إلى الغربان والغربان السوداء وغربان العقعق، وذلك في كل من الأساطير والأدب والحياة. حيث يبدأ من الغراب الذي أرسله نوح إلى الغراب الآلهة لدى الأسكيمو، وصولاً إلى الأساطير والروايات الفيكتورية والأفلام المعاصرة. فإن كنت ممن شعروا بأنهم منزعجون أو مسحورون بهذه الطيور الفائقة الذكاء، فمن شأن هذا الكتاب أن يثير اهتمامك بلا ريب!.
بوريا ساكس محاضر في الأدب في كلية ميرسي في دوبوس فيري بنيويورك، ومؤسس (NILAS) منظمة الطبيعة في الأساطير والقصص.


  • الزوار (996)
  • القـٌـرّاء (2)
  • المراجعات (1)
ترتيب بواسطة :

يُعَد الغراب في تاريخ الثقافات المختلفة للشعوب رمزًا للتشاؤم والتنبُّؤ بسوء الحظِّ للبشر، وساعد على ترسيخ هذه الخرافات بشأن الغراب صوتُه المنفِّر المسمى بالنعيق؛ حيث صار من المألوف في المأثور الشعبي ارتباطُ نعيق الغراب بالأخبار السيئة، ونذير الموت العاجل للناس؛ وخاصة إذا تصادف وجودُ مريض بالقُرْب من الغراب الناعق، ورغم أن الإسلام قد جاء ليخالف تلك الخرافاتِ والخزعبلات المنتشرةَ بين العوام، ودلَّل على أن هذا ضد مفهوم القَدَر والإيمان به، وأنه من علاماتِ ضعف الإيمان بالله؛ حيث ((لا طِيَرة ولا هامةَ ولا صَفَر))[1]، وكان - صلى الله عليه وسلم - يُعجبه الفألُ الحسن، فإننا نجد تغوُّل تلك المفاهيم في ذاكرة العوامِّ عبر شعوبٍ وثقافات مختلفة، وعلى مرِّ أزمان وعصور متعاقبة بشكل يدلِّل على افتقارِ الناس إلى العلم، ومعرفة طبيعة تلك الكائنات الحية، التي قد يفاجأ الناسُ بطبيعتها المختلفة - التي تناقض حجم الخرافات المسيطرة داخل الحس الجمعي للشعوب وتُغايِرُها - عن تلك الأساطيرِ بشكل كلي مثيرٍ للدهشة والتأمل.


 


يبحر بنا الباحث: "بوريا ساكس" في كتابه: "الغراب" في جولة مشوقة حية، تتناول ثقافات الشعوب المختلفة حول الغراب؛ حيث يتناول التاريخ الطبيعي والثقافي للغراب، ويقصد بالتاريخ الطبيعي للغراب: إبراز أنواع سلالاته المختلفة، وأماكن وجوده، وتكاثره، ودورة حياته الطبيعية، ودورة حياة الغراب المعيشية، أما المقصود بالتاريخ الثقافي للغراب، فهو إلقاءُ الضوء على أهمِّ المعتقدات والأساطير والخرافات التي مثَّل فيها الحيوانُ عنصرًا رئيسًا في تكوينها وانتشارها، وأيضًا إبراز تداخل الغراب في النتاج الأدبي والفني لأشهر الأدباء والفنانين والمفكِّرين، وحضوره في أعمالهم، يقول الكاتب في مقدمته: "في هذا الكتاب، سننظر في العلاقة بين البشر والغربان من جوانبَ عديدة، بما في ذلك العلاقة الشِّعرية، والتصنيف العلمي، والسلوك الحيواني، والأساطير والخرافات، وحتى الفنون التصويرية..... في هذا الكتاب سأتحرَّك جيئة وذهابًا بين العلم والشِّعر والأسطورة والتقاليد الأخرى، في إعادة سرد تاريخ الغربان والبشر"؛ صـ 11، 12.


 


والكتاب جزء من سلسلة علمية باللغة الإنجليزية تحت عنوان: "سلسلة الحيوانات- Animal Series"، تولَّت ترجمتها ونشرها هيئة "أبو ظبي" للثقافة والتراث، ضمن مشروعها الثقافي للترجمة: (كلمة)، وطُبعَ هذا الكتابُ في نسخته الإنجليزية أول مرة عام 2003 بلندن، وتهدف تلك السلسلة إلى تيسير علوم الحيوان لجمهور القارئين، ونشره على مستوى واسع، من خلال جملةٍ من الكتابات العلمية ذاتِ الصيغة الأدبية، التي لا يجد القارئ العاديُّ صعوبةً في هضم محتوياتها، والإلمام بجملة الحقائق المذكورة في أجزاء تلك السلسلة.


 


وقد رسم الكاتب صورة جديدة للغراب في كتابه - موضع العرض - حيث بيَّن الذكاء الفطري الذي حبا اللهُ به الغرابَ دون بقيةِ جنسه من الطيور؛ حيث تعتمد الغربان على ذكائها بصورة كبيرة في تدبير أمور معاشها وحياتها، كذلك بيَّن الكاتب الجانبَ الطريف في شخصية الغربان؛ وذلك على النقيض تمامًا من النظْرة التشاؤمية المتعلقة بمرآه، حيث وضَّح أن الغراب من الطيور القليلة التي تتمتع بحيويةٍ متألقة، وحبٍّ للَّعب والاندماج مع أقرانها، بل ومع البشر في بعض الأحيان، إلى جانب أنه أبرَز جانبًا مهمًّا حول السلوك الاجتماعي للغربان، وهو وفاؤها لخليلة وحيدةٍ بشكل جعله الخيارَ الأمثل في الوجود بشكل رمزيٍّ خلال حفلاتِ الزفاف خلال العصور القديمة.


 


وقد استعرض الكاتبُ في كتابه: كيف أثَار الغراب فضولَ وتطلعات البشر على مدى قرون بشكل جعله حاضرًا في كثير من الملاحم والأساطير وآداب "الفلكلور" الشعبي، يقول الكاتب: "تراث الغربان ثري ومتنوع، وبعض المواضيع - التي يتداخل فيها - تظهر مرارًا في مجال واسع من الثقافات الممتدة من الصينيين إلى هنود السهول"؛ صـ30.


 


ومؤلِّف الكتاب "بوريا ساكس": هو محاضر في الأدب في كلية "ميرسي" في "دوبوس فيري" بنيويورك، ومؤسس (NILAS) منظمة الطبيعة في الأساطير والقصص، وله العديد من الكتابات التي تبحث في تداخل علم الحيوان بأساطير الشعوب، ومن كتاباته الأخرى: "الحيوانات في الرايخ الثالث"، "حديقة الحيوان الأسطورية"، "الثعبان والبجعة"، "الملك الضفدع، في حكايات الجنيات"، "التراث الرومانسي للماركسية"، "مدينة الغربان".. وغيرها من الكتابات.


 


أما المترجمة، فهي "إيزميرالدا حميدان"، تخرجت في كلية اللغة الإنجليزية وآدابها في جامعة "دمشق"، لها عدة ترجمات، منها: "الحكايات الشعبية لقبيلة زوني" من جمع فرانك كاشينغ و"التوابل: التاريخ الكوني" من تأليف فريد كزارا، وغيرها.


 


وصْف الكتاب:


قام الكاتب بوضع كتابه في مقدمة وثمانية فصول، تناولت المقدمة نبذة عامة عن التاريخ الطبيعي للغراب؛ حيث تناول أنواعَ سلالات الغراب وأقسامها، وأبرز الصفات الوراثية التي تتمتع بها تلك السلالةُ من الطيور؛ مثل: الذكاء الفطري، ورشاقة الطيران، والنظام الغذائي المختلف عن باقي أقرانها من الطيور، يقول الكاتب: "ما هو الغراب؟ لا توجد صورة أبسط وأكثر هيبة عن الحيوان وأقرب إلى الصواب منها، نحن نفكر في رسم بياني عن أجنحة مبسوطة، ورأس محدَّب، وذيل أسود ممتد يعاكس في لونه بياضَ ثلج الشتاء، تبدو هذه الصورة منظرًا شعريًّا، ولكن الطريقة التي يرى بها العلماء الأشياء أكثر تعقيدًا بكثير"؛ صـ 10.


 


ثم عرج الكاتب في بقية فصول الكتاب على عرض فكرة الغراب في الثقافات المختلفة للشعوب؛ حيث جاءت عناوين فصول الكتاب على النحو التالي:


1- بلاد ما بين النهرين.


2- مصر واليونان وروما.


3- العصور الوسطى وعصر النهضة في أوروبا.


4- آسيا.


5- ثقافة سكان أمريكا الأصليين (الهنود الحمر).


6- العصر الرومانسي.


7- سيد الغربان.


8- القرن العشرون وما بعد.


 


وقد وضع الكاتب بنهاية كتابه سجلاً زمنيًّا مختصرًا بالتواريخ لأهم المعلومات التي أوردها في فصول كتابه حول الغربان وتاريخها الطبيعي والثقافي، ولم ينسَ الكاتب في ختام صفحات كتابه توجيه الشكر لكافة الأصدقاء والباحثين والمؤسسات والمنظمات البيئية الذين ساعدوه في إتمام هذا الكتاب، وقاموا بإمداده بأي معلومات أو صور توضيحية.


 


كما قام الكاتب بوضع قائمة بأهمِّ مواقع الإنترنت التي تخصصت في بحث تاريخ الطيور، وعلى الأخص طائفة الغرابيات منها، كما وضع قائمة بأهم أسماء الجمعيات البيئية الناشطة في مجال حماية ودراسة سلالات الطيور المختلفة، وعلى رأسها الغربان.


 


وقد ضمَّن الكاتب كتابه 95 رسمًا توضيحيًّا، منها 27 رسمًا ملونًا.


 


التاريخ الطبيعي للغراب:



 


تنتمي الغربان لسلالة: "كروفيدا" Corvidae، والتي تضم أيضًا غربان العقعق، وطيور أبي زريق، وغربان الجوز وغيرها، وجميعها تنتمي إلى فصيلة "باسيريفورم" Passeriformers المشهورة باسم الطيور المغردة، ويرجح أن أصل هذه السلالة أستراليا، ثم انتقلت هذه السلالات إلى أواسط آسيا وأوروبا والأمريكتين في هجرات زمنية متتابعة.


 


ويطلق على الغربان أيضًا "Corvus"، وهي المعروفة بالغربان الحقيقية، والتي تشمل الغداف، والغربان المحتالة، وغراب الزيتون.


 


ونجد أن الأسماء التي تميز الغربان ناتجة بشكل عام من محاولة تقليد نداءاتها؛ فلفظة: "Crow" مشتقة من الكلمة الأنجلوساكسونية "crawe"، وهي مرتبطة بالمرادف الألماني "krahe"، والذي هو أقرب لنداء الغراب، وربما كانت تلك التسميات القبلية تهدف بطريقة ما إلى استدعاء الطائر بالنداء عليه، تبعًا لمأثورات خرافية قبلية.


 


ومن أكثر أنواع الغربان الشائعة: الغراب آكل الجيف (كورفوس كوروني كوروني)، والغراب ذو القلنسوة (كورفوس كوروني كورنيكس)، والغراب الأمريكي (كورفوس براكيرهينكوس)، وغراب الزيتون (كورفوس مونيديولا)، ويوجد أكثر من 20 إلى 30 عضوًا في فصيلة الغربان، تختلف في أحجامها ومظهرها.


 


واللون الشائع لهذه الطيور هو اللون الأسود، رغم أن بعضها يحمل مساحات بيضاء أو بنية أو رمادية أو زرقاء أو بنفسجية أو حتى خضراء، وتتمتع الغربان بحيوية خاصة وحبٍّ للعب؛ حيث كثيرًا ما يلمح البعضُ أحد الغربان يقوم بحمل غصنٍ صغير عاليًا وإسقاطه، ثم الانحدار نحو الأسفل والتقاطه مرة أخرى، وبعضها قد يتدلَّى بالمقلوب، أو يقوم بتنفيذ بعض الشقلبات الخلفية أثناء الطيران.


 


ومن ناحية الذكاء، فالغربان تقع قرب هرم عالم الطيور فيما يخص أدمغتَها، ولا تجاريها سوى الببغاوات، وتمتلك الغربان أكبرَ أدمغة بالنسبة لجسدها، وتمتلئ تلك الأدمغةُ بالخلايا العصبية، فدماغ الغراب الأمريكي يعادل 2.3% من كتلة جسده، ودماغ الغراب العادي حوالي 1.3% من كتلة جسده، وقد حكى الحكيم اليوناني "أيسوب" حكايةً عن غراب لم يستطعْ أن يشربَ من جرة مليئة بالماء، ولم يستطع أن يقلبَها لثقلِها، فما كان منه إلا أن بدأ بإلقاء الحجارة من فوهة الجرَّة حتى ارتفع منسوبُ المياه واستطاع الشربَ منها، وفي العصر الحديث تمكَّن غرابان في أحد المختبرات العلمية من التغلُّب على مصاعب تجربة زوَّد فيها العلماءُ الغرابين بطعام مخزن في أنبوب، ووضعوا بجانب الأنبوب سلكًا معقوفًا وآخر مستقيمًا، فقام أحد الغرابين باستخدام السلك المعقوف في مدة وجيزة لاستخراج الطعام من الأنبوب، في حين قام الغراب الآخر بثَنْي السلك المستقيم بدقة وصَنَع منه كلاَّبًا للحصول على وجبته، وفي كل يوم كان أحد الغرابين يبتكر طريقةً لثَنْي السلك بطريقة جديدة، حيث كان في بعض الأحيان يمسك الغراب السِّلك بقدمه ويَثنيه باستخدام منقاره، وفي أحيان أخرى قام بتثبيت أحد الأطراف بشريط لاصق، والقيام بثني الطرف الآخر، وقد تم مواجهةُ كل من الشمبانزي والقرد بهذه التجربة لاستخراج الطعام من الأنبوب، لكن لم يتوصل أحدُهما لأي طريقة لاستخدام السِّلك لاستخراج الطعام من أنبوبه مطلقًا!


 


أما عن صوت الغراب، وهو النعيب، فقد فك العلماء قرابة 23 صرخة مميزة للغراب الأمريكي، حلل بعضها على أنها نداءاتٌ للاجتماع، وأخرى للتحذير من الخطر، وبعضها خاصة بالوجود في مناطق محددة، أو للنداء على أحد الغربان بعينه، بل تجيد الغربان التقليدَ، وتقوم بتقليد نداءات البوم وبعض الحيوانات الأخرى في البرِّيَّة.


 


وتحتاج الغربان الأمريكية إلى ثلاث سنوات حتى تصل لسن البلوغ، وتبدأ التزاوج؛ حيث يمكن للثنائي التناسل كل سنة، وتتمتع الغربان بمعدل حياة طويل، ولا تقيم الغربان علاقاتٍ جنسية مع أكثرَ من شريك في الوقت نفسه، وقد اعتبر المصريون القدماء الغربان رمزًا للتناغم العائلي، وأكثر الغربان مَيلاً للعزلة هي الغربان السوداء، والتي تعيش على شكل أزواج أو عائلات صغيرة في المناطق النائية أو الجبلية، وأكثرها اختلاطًا هي غربان الروك، وغربان الزيتون، أما علاقتها بالحيوانات الأخرى، فإنها ترتبط بعلاقة نفعية، خاصة مع فصيلة الكلبيات، مثل: الذئاب وغيرها؛ حيث تتغذى على أكل بقايا الحيوانات التي قتلتها الذئابُ، أو لتنبيه الذئاب إلى البقايا والجثث.


 


الغراب في بلاد ما وراء النهرين:


ذكر الغراب عشر مرات في العهد القديم، ومرة واحدة في العهد الجديد، وفي القرآن الكريم ورد ذكر الغراب منذ أوائل البشرية؛ حيث قَتَل ولدُ آدم قابيلُ أخاه هابيل، ولَمَّا لم يستطع معرفة التخلص من الجثة بعث اللهُ إليه غرابين أخوين، فاقتتلا، فقتل أحدُهما صاحبه، فحفر له ثم حثا عليه، قال - تعالى -: ﴿ فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ * فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ ﴾ [المائدة: 30، 31].


 


ويعتبر الغراب في القانون اليهودي طائرًا نجسًا، كونه طائرًا جارحًا، وذلك موضح في "سفر اللاويين"؛ حيث إن من يمس جثة يبقى نجسًا حتى حلول المساء، فكيف بآكل الجيف؟! وأحد تفاسير قصة نوح في التلمود يورد أن نوحًا عاقب الغرابَ بنفيه من الفُلْك؛ بسبب جريمة ارتكبها، وفي بعضها الآخر: أنه لم يعُدْ، فغضب منه سيدنا نوح، فحلَّت عليه اللعنة، وكان أبيضَ اللون، فأصبح أسودَ.


 


وفي الإنجيل يرد ذِكْر الغربان كرمز للخراب في بعض الأحيان؛ ففي "سفر صفنيا" يذكر أنه بعد خراب نينوى: "سيسكنها الغراب والبُوم"، وفي سفر أشعيا يذكر أنه بعد خراب آشور: "تنعق الغربان على عتبات الأبواب"، بل وورد ذِكرُ الغربان على أنها سوط عذاب الربِّ: "العين المستهزئة بأبيها، والمحتقرة لطاعة أمها، تقورها غربان الوادي".


 


ونجد أن الشرق الأدنى موطن الأديان السماوية ومهدها زخر بالكثيرِ من الأساطير عن الغراب، وأول إشارة إلى قصص الغربان في الشرق الأدنى (بلاد النهرين) تعودُ إلى الملحمة البابلية للملك "نارام سن"، والتي عثر عليها في مكتبة الملك: "آشور بانيبال"؛ حيث ورد ذِكْر لرجالٍ قدِموا للغزو من جبال الشمال "برؤوس كالغربان"، وقد اعتقد الملك أنهم قد يكونون شياطين، ولكنه اكتشف أنهم ينزفون مثل البشر، وربما كان هؤلاء الغزاة محاربين يرتَدُون خوذًا بقطع واقية على الأنف على شكل مناقير الغربان.


 


وفي ملحمة "جلجاميش" السومرية البابلية، يقص علينا "أوت- نابيشتيم" أنه وزوجته نجَيَا من الطوفان الذي دمَّر ما بقِي من البشرية ببناءِ قاربٍ، وأنه عندما بدأت المياه بالانحسار وصل القارب إلى جبل "نيصير"، وبدأ "أوت" في إطلاق الطيور؛ لمعرفة مكان الأرض، فأرسل يمامة ولكنها عادت ثانية إلى السفينة، ثم أرسل طائر سنونو، ولكنه سرعان ما عاد ثانية إلى السفينة، فأرسل طائر غراب الذي استطاع الاهتداءَ للأرض ولم يعُدْ إلى السفينة، وعندها عرف "أوت- نابيشتيم" أن محنته قاربت على نهايتها، وسار في نفس اتجاه تحليق الغراب، وهذه الحكاية تشبه كثيرًا قصة سيدنا نوح.


 


غير أن الاختلاف هنا أن سيدنا نوح أرسل غرابًا لكنه لم يعُدْ للسفينة، فأرسل يمامة والتي عادت إلى الفُلك بغُصْن زيتون في منقارها.


 


الغراب في مصر واليونان وروما:


تظهر الغربان في مصر القديمة في المعارك التي كانت تنشب كثيرًا؛ حيث كانت تقتات على جثث الأعداء في المعركة، والبرديات الساخرة التي تعود لعهد الرعامسة، وحفظت في متحف تورين - تصوِّر بعضَ الصور الهزلية لغربان تصعد لسلَّم إلى شجرة تين بجناحين مبسوطين، في حين يجمع فرس النهر التين المتساقط في سلة؛ حيث إن تلك الرسوم ذات غرض تصويري هزلي دون معنى حقيقي!


 


وأورد الكاتب الروماني "أيليان" من القرن الثاني الميلادي أن "قارون" المصري استخدم غرابًا داجنًا لنقل الرسائل إلى أي وجهة يشاء، ويورد "حور أبولو" الكاهن المصري اليوناني أن الغراب مثَّل رمزًا هامًّا في مصر؛ حيث مثلت الغربان الحبَّ المخلص؛ وذلك لكونها أحادية الزواج، وكان مشهد الغراب الوحيد في مصر القديمة يُعَد نذيرَ شؤم؛ حيث دومًا ما يصوَّرُ غرابانِ معًا؛ تعبيرًا عن التزاوج.


 


أما في بلاد اليونان، فكانت الغربان ذات القلنسوة تُعرف كرمز للزواج الميمون، وفي حفلات الزفاف الأثينية كان الناس ينشدون "أغنية الغراب"؛ على أمل أن يكون الزوجانِ مخلصينِ لبعضهما، ويُبارَك اتحادُهما بالأطفال.


 


وكانت الغربان مقدسة لدى "هيرا" زوجة "زيوس"، وكذلك عند ربة الزواج عند الرومان "جونو"، ولكن نجد ازدواجية في الموقف من الغربان عند كل من اليونانيين والرومان؛ حيث لم تكن الغرابيات على وفاق تام مع الإلهة؛ لأنها مشهورة بسرقة اللحم الذي يُترك على مذابح الآلهة، ويبرز هذا المعنى في إحدى خرافات "أيسوب"، الذي يذكر أن غرابًا مريضًا طلب من أمِّه أن تصلي للآلهة من أجل شفائه، ولكنها أجابتْه أنه ليس من المحتمل أن يقوم أحدُ الآلهة بمساعدته؛ لأنه قد سرق منهم جميع القرابين التي قدمت إليهم.


 


وفي إحدى الخرافات الشعبية التي قصَّها الكاتب الروماني "فايدروس"، يُضرَب الغراب رمزًا لمن ترفَّع عن بني جنسه، وارتقى فوق موقعه في الحياة؛ حيث نجد أن أحد غربان الزيتون قام بالتقاط بعض ريش الطاوس المتساقط ليزيِّن نفسَه به، ثم تخلى عن بني جنسه، وحاول الالتحاقَ بسِرْب الطواويس، فما كان من بقية الطيور إلا أن هاجمتْه وجرَّدته من ريشه، واستمرت بنقر الغراب حتى طار بعيدًا، وحاول الالتحاقَ ثانية ببقية الغربان، ولكنهم أيضًا لم يقبلوه، ولفظوه بعيدًا.


 


ويورد "بلوتارخ" في ترجمته عن حياة الإسكندر أن الغربان السوداء أرشدت الفاتحَ المشهور وجيوشه إلى معبد آمون في مصر، حتى إن الطيورَ كانت تَصيح عندما يتوه الجنودُ، حتى ترشد مَن انعزل منهم إلى طريق العودة إلى الجيش، وفي موضع آخر تكَّهنت الغربان بموت الإسكندرِ عندما اقتتل سربانِ من الغربان بجانب أسوار بابل، وسقطت عدة غربان عند قدميه.


 


الغراب في العصور الوسطى وعصر النهضة في أوروبا:


تم العثور في مدينة "سيوم" في رومانيا على خوذة تعود للسلت - أقوام عاشت في أوروبا قديمًا - وفي أعلاها صورة غراب بجناحين معلقين على الخوذة، من القرن الثالث قبل الميلاد، وهذه الأجنحة على الخوذة كانت ترفرف عند قتال الفارس؛ حتى ليحسبها المرءُ طيرًا حقيقيًّا.


 


وقد ارتبط الغراب بـ: "أودين" معبود "الفايكنج"، والذي كان يدعى في بعض الأحيان "ملك الغربان"، وكان يصور وله غرابان يجثمان على كتفيه، ويدعيان: (هوغين)؛ أي: الفكر، و(مونين)؛ أي: الذاكرة، ورغم ارتباط الغربان بأودين فإن الغربان كانت طيورًا مشؤومة لدى الفايكنج؛ حيث إن نعيب غراب أمام منزل قد يتنبأ بموت رب المنزل، وتقُص ملحمة "فلوكي" Saga of Flokki من القرون الوسطى: كيف اكتشف أحد البحارة أيسلندا عبر إطلاق غراب، والإبحار خلفه، أما الاسم الأصلي لمدينة ليون، فهو "لوجدينوم" Lugdunum، ويعني "تل الغربان"، وسمِّيت هكذا؛ لأن تحليقَ الغربان هو ما أرشد المستوطنين الأصليين إلى المكان الذي بنوها فيه.


 


وقد انتشر عند "السلت" دفنُ أضحيات لغربان عثر على بعضها في إنجلترا في "ويلشاير"، والتي تعود للعصر الحديدي، وفي الحكايات الشعبية لويلز، في كتاب: "مابينوجيون"، يَرِد في قصة: "حلم رونابوي" خبرُ منافسة بين الزعيمين "آرثر" و"أوين"، في لعبة تُشبه الشِّطرنج، بينما يقتتل رجالهما على أرض المعركة، ونجد أن رجال أوين في المعركة كانوا على هيئة غربان سحرية، تتعافى من الجروح، وتنهض من الموت لتقاتل ثانية، وكانت الغربان على وشك هزيمة رجال آرثر، لولا أن الحاكمين قرَّرا إنهاء مسابقتهما وإعلان السلام!


 


وفي قصة أخرى نجد بطل القصة: "بران العملاق"، والذي يعني اسمه في لغة أهل ويلز: الغراب، تزوجت أخته "برانوين"، والتي يعني اسمها: (الغراب الأبيض)، من زعيم أيرلندي أساء إليها، فأرسلت طائر زرزور عبر البحر بأخبارِ سوء المعاملة التي تتعرض لها، وسرعان ما غزت جيوش "بران" أيرلندا، وبعد معركة رهيبة تمكن بران ورجاله من قتْل جميع الرجال، وأصيب بران بجرح قاتل، وبناء على أوامره قام رجاله بقطع رأسه الذي استمر بالكلام وعادوا به إلى لندن، ودفنوه في برج لندن، ووفقًا للأسطورة فإن روح "بران" هي الغربان التي تعيش في البرج، وما دام أن الغربان لم تختفِ، فلا يمكن غزو بريطانيا بنجاح!


 


وأورد "كونراد فون ميغينبيرج" في كتابه عن التاريخ الطبيعي عام 1349 أن الغربان كانت تنقر عيون البغال والثيران في المزرعة عمدًا؛ حيث يجد الفلاحون أنها بذلك لم تعُدْ ذات فائدة فيذبحونها، ويسلخون جلدها، وبهذه الطريقة الذكية تحصل الغربانُ على فرصة لالتهام أجزاء من لحمِ الذبيحة وجيفتها!


 


وساد في كل من "ويلز" و"كونويل" أن الملِك البريطاني "آرثر" تحول إلى غراب، وبقي قومه في انتظار عودته، وتعاهدوا على عدم قتل أي غراب؛ خوفًا من أن يكون هو الملك الأسطوري؛ حيث تعكس القصة في الغالب التبجيلَ الدائم للغراب كحيوان طوطمي.


 


الغراب في آسيا:



 


في أحد كتب التراث المشهورة في آسيا: "المبادئ الخمسة" - مجموعة من قصص الحيوان من الحضارتين الهندية والبوذية - يوصف الغراب بأنه الأذكى من بين الطيور قاطبة؛ حيث تقول الأنشودة:


الحلاق هو الأذكى بين الرجال؛


وابن آوى بين الوحوش؛


والغراب أذكى الطيور؛


والراهب ذو الثوب الأبيض من بين الرهبان.


 


ولدي اليابانيين أسطورة البطل: "جيموتينو"، الذي كان يتجول باحثًا عن مكان لتأسيس مملكته، عندما لمح غرابًا أرسلته أميرة الشمي: "أميراتسو"؛ حيث تبعه البطل إلى "ياموتو"؛ حيث استقر هنالك في عام 660 ق.م، وأسس مملكته؛ ليصبح جَدَّ جميعِ أباطرة اليابان.


 


وفي الصين، من أشهر القصص الشعبية قصة عن رجل سيئ الحظ، تحول إلى غراب بأمر الإلهة بعد ارتدائه ثوبًا أسودَ سحريًّا، ولما يئس من عودته لطبيعته البشرية، تزوج من غرابة، وكان يتجول معها، لكنه نسي نصيحة زوجته بعدم الاقتراب من البشر، وأثناء لَهْوه بجانبهم أصابه سهمُ جندي في صدره، فارتد إلى طبيعته البشرية، وعُولِج حتى شُفِي، ولم ينسَ أنه كان غرابًا ذات يوم، فظل محبًّا للغربان، ويقدم الطعام إليهم، وفي يوم جاءته زوجته الغرابة، وأخبرتْه أنه إذا أراد زيارتها، فليس عليه سوى ارتداء الثوب الأسود؛ للتنعُّم بلقائها بين الفينة والفينة!


 


وفي الملحمة الشعرية الهندية: "رامايانا"، يتخذ "ياما" إله الموت شَكْل غراب؛ ليهرب من الشيطان، ولدى عودته إلى هيئته المقدسة يبارك "ياما" الغراب، ويعده بأنه لن يمرض أو يشيخ أو يموت؛ لذا يحظى الغراب بقداسة عند الهندوس، بل في أوقات المجاعات القاسية كان البراهمة يتركون الغربان تأكل قبل البشر أحيانًا!


 


الغراب عند سكان أمريكا الأصليين (الهنود الحُمْر):


لعل إعجاب أهل أمريكا الأصليين من سكان الساحل الشمالي الغربي للقارة، وقبائل "الأنويت" (سكان الأسكيمو) - بالغراب ناتجٌ عن قدرته على العيش والبقاء حيًّا في أقسى الظروف الطبيعية؛ اعتمادًا على الجيف في أماكن يندر فيها الطعامُ الكافي.


 


ويحتفظ "الأنويت" والهنود الحمر في بعض الأحيان بمخلب غراب كطلسم؛ ليساعدهم في البحث عن الطعام، إلى جانب أنهم يعتقدون بقدرته على معرفة النبوءات، وفي حكاية تذكرنا بقصة قابيل وهابيل يحكي هنود " أثاباسكا" عن الغرابين الأولين في العالم، أحدهما: كان أبيض اللون، والآخر: أسود اللون؛ حيث خلق الغراب الأبيض العالم، ولكن الغراب الأسود أعْمَتْه الغَيْرة فقتل أخاه.


 


ويعتقد هنود "تسيمشان" أن الغرابَ هو سارقُ النور من السماء، عندما كان العالم في ظلامٍ؛ حيث سرق الصندوق الذي يحتوي على ضوء النهار، وفرَّ به عائدًا إلى الأرض عبر فتحة من السماء.


 


ولعل اعتقاد الهنود الحمر في قوة الغراب وقدرته السحرية ما زال متوارَثًا في الرقصات الطقسية التي يؤديها الهنود حتى وقتنا هذا، والتي من أشهرها: رقصة الغراب، والتي يقلد فيها الراقصون نداءات الغراب كما لو كانت أحاديث النبوءات، إلى جانب اعتقادهم أن هذه الرقصات النذرية تؤدي بهم إلى النجاح في الصيد والحرب.


 


الغراب في العالم الحديث:


في عام 1666 نشب حريق في مخبز بالقرب من جسر لندن أتى على معظم محلات وضواحي العاصمة الضبابية، دمر خلاله 13000 منزل، وأصيب الناجون بالرعب وهم يرون الغربان السود تنقر الجثث المحترقة في الشوارع، وناشد المواطنون الملك الذي أرسل فِرَق إبادة من الغربان المحلية لطرد الغربان البرية، وهذه الفِرَق كان على رأسها رجل يعرف بسيد الغربان الجليل Yeoman Raven Master؛ حيث تم طرد الغربان بالفعل، لكن ثبت بعد ذلك أن التهام الغربان للجثث في الكوارث عاملٌ طبيعي لمنع تفشِّي داء الطاعون في المدن، وحتى لو لم تفعلِ الغربان ذلك كانت الجِرذان ستتولى هذه المهمة، وتتولى بنفسها الْتهامَ تلك الجثث.


 


وتروي قصة غريبة عن الملكة "ماري أنطوانيت" أثناء إقامتها في جزيرة "فرساي" عندما حط غرابٌ على نافذةِ قصر فرساي أثناء تناولها الإفطار، فقامت بإطعامه، وظل الغرابُ يتردد يوميًّا في موعد إفطار الملكة؛ ليأكل ما تعطيه إياه من بسكويت، وعندما قطع رأس ماري عام 1973 انقطع الغراب عن المجيء، وعاد للظهور ثانية عام 1810 بينما كانت "ماري لويس النمساوية" التي تزوجت من "نابليون بونابرت" تقيم في الجزيرة، ولم يكن مصير ماري لويس ونابليون أكثر حظًّا، فقد حلت بنابليون الهزيمة في واترلو عام 1816، ونفي إلى جزيرة "سانت هيلانة"، ورغم غرابة هذه الحكاية التي يتداولها سكان فرساي؛ فإنها تعتبر من الأساطير المحببة لتلك المنطقة.


 


وشاعت الغربان في قصص الحيوان في العصر الحديث، فنجد ذكرًا للغربان في حكايات: "لافونتين" الفرنسي، والأخوان "جاكوب و"ويلهلم جريم" الألمانيين، إلى جانب شيوع الغربان في اللوحات الساخرة للرسام "ج.ج. جراندفيل"، والتي تعتمد على الحيوانات، وفي الشِّعر ذاعت قصيدة الشاعر الأمريكي "إدجار آلان بو": "الغراب"، والتي نشرها عام 1845، والتي احتفى بها النقاد، وصارت تدرس في المدارس، وأصبح الغرابُ من وقتها رمزًا لإدجار آلان بو، وعادة ما يتم تصويره في الصور وغراب جاثم على كتفه أو إلى جانبه.


 


 


لكن نجد في القرن التاسعَ عشرَ شيوعَ شخصية هزلية في العروض الكوميدية، أُطلق عليها "جيم الغراب"، وهي شخصية لرجال بِيضٍ، ترتدي أقنعة سوداء رمزًا للزنوج، وكانت أغلب هذه العروض عنصرية بشكل صارخ، ومهينة للسود، وكانت تصوِّرهم في صورة أشخاص كسولين لزجين، مخادعين وفاسقين وجهلة؛ حيث جسَّد "جيم الغراب" العبد اللاأخلاقي والخالي من الهموم، ورغم أن هذه العروض لاقت إدانةً شديدة، فإنه ما زال مرتبطًا في ذاكرة الثقافة الغربية تصويرُ الزنوج برمز الغراب الأسود أو "الغراب جيم".


 


ونجد أنه في منتصف القرن التاسع عشر نجحت الجهودُ المكثفة في تناقص أعداد الغربان في الحقول الأمريكية؛ وذلك عن طريق اصطياد الغربان من قِبَل المزارعين؛ لنظرهم إلى الغربان كطيور مزعجة تلتهم محاصيلهم، وكانت الولاياتُ الأمريكية تشجِّع اصطياد الغربان؛ حيث كانت بعض الولايات تستبدل الغرابَ الميت مقابل شلن واحد كمكافأة للقضاء على هذه الطيور المزعجة، ولكن سرعان ما أصبحت المحاصيل مهدَّدةً بسبب الديدان أكثرَ مما كانت مهددةً من الطيور التي تلتهم تلك الديدان.


 


وشاعت في الحقول الأمريكية "الفزاعات" أو "خيال المآتة" "Scarecrow على شكل رأس غراب، وأحيانًا كان يعلق بخيال المآتة جثثُ غربان لإرهاب بقية الطيور التي تعتدي على محاصيل تلك الحقول، ولكن دون جدوى؛ حيث أثبتت تلك الدُّمى عدم فاعليتها أمام ذكاءِ الغربان التي كانت تُدرك منذ الوهلة الأولى عدمَ قدرة هذه "الفزاعات" على إحداثِ أيِّ ضرر فِعْليٍّ لهم.


 


الغراب في القرن العشرين:


شاع الغراب في الأدب الحديث بين العديد من مفكِّري وقصَّاصي وشعراء القرن العشرين، فنجد المسرحي الأيرلندي "شون أوكاسي" اتخذ الغرابَ ليكون رمزًا أدبيًّا له لأغلب قصائده، بل إنه يشبِّه في بعض الأحيان قومَه من الثوار الأيرلنديين بالغربان الذين يتحدَّوْن حكَّامَهم الإنجليز بذكائهم وحكمتهم، وساعد على ذلك أن الأيرلنديين كانوا مشهورين باللون الأخضر المميز لملابسهم وشعاراتهم؛ كما هو لون الغراب من فئة الغراب الأخضر.


 


وشاعت مجموعة شعرية للشاعر البريطاني "هيوز" بعنوان: "الغراب"؛ حيث كان بطلها مفترسًا عديمَ الشفقة، لكن لا يمكن قهره، وفي عام 1993 تم إنتاجُ فيلم سينمائي باسم: "الغراب"، يحكي قصة موسيقي شاب تم قتلُه مع خطيبته بواسطة مجموعة لصوص، ودفنه في إحدى المقابر، وبمساعدة غرابٍ يعود البطل من عالم الأموات ليبحث عن الانتقام، العجيب أنه في أحد مشاهد إطلاق الرصاص بالفيلم عند التراشق بالمسدسات بين العصابة والبطل، أصابت الممثِّلَ رصاصةٌ حقيقة أردتْه قتيلاً؛ ليكتشفَ الجميعُ أن المسدس قد تم حشوُه برصاص حقيقي بدلاً من رصاصات فارغة، وبعد تحقيقٍ مكثَّف توصلت الشرطة إلى أن مقتل الممثِّل الشاب كان حادثًا عارضًا ولم يكن عن قصد!


 


ويرى الكاتب في نهاية كتابه: أن الغربانَ تُشْبِه البشر في كثير من المظاهر، ومثل البشر لديها ثقافات، وغالبًا ما يكون الجزءُ الأكبر من سبب تجاهلنا للغربان هو أنه ليس لدينا سببٌ نفعيٌّ للانتباه إليها، ولكنها تعيش منذ ملايين السنين تراقب عالم البشر من عَلٍ في حميمية محببة، ولعل تطور دراسة سلوك الحيوان في النصف الأخير من القرن العشرين سوف يعطينا المزيد والمزيد عن سلوك وتصرُّفات الغربان، التي توصف بأنها الأوفر ذكاءً، والأكثر حكمةً بين بني جنسها.


[1] ((ولا طيرة)) معناه: إبطالُ ما يعتقده أهلُ الجاهلية من التطيُّر بالمرئيات والمسموعات مما يكرهون، والهامَة: طائر، يزعم أهلُ الجاهلية أنه إذا نعق على بيتِ أحدهم فإنه يموت أهل هذا البيت، فأبطل النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - ذلك، قوله: ((ولا صَفَر)) هو الشهر المعروف، وكان بعضُ أهل الجاهلية يتشاءمون به، فأبطل النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - ذلك.



  • أعجبني
  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
  • 0