عن إسكندر حبش

شاعر وناقد ومترجم واعلامي لبناني/فلسطيني..

عن عتيق رحيمي

عتيق رحيمي (ولد 1962م، كابل) هو كاتب أفغاني يكتب باللغتين الفارسية والفرنسية كما هو مخرج أفلام، من أسرة ليبرالية، وبعد الاجتياح السوفييتي لأفغانستان، وانهيار النظام السياسي غادر إلى فرنسا، حيث أتم دراسته وحصل على الدكتوراه في الاتصالات البصرية، وفي ع..

كتب أخرى لـِ عتيق رحيمي، إسكندر حبش


thumb

thumb

thumb

thumb

thumb

thumb

قرّاء هذا الكتاب يقرؤون أيضاً


thumb

thumb

thumb

thumb

thumb

thumb

الكتاب على رفوف القـرّاء


أرض ورماد (87 صفحة)

عن: دار الآداب (2001)

الطبعة : 1
التصنيفات : أدب

نحن في هذه الرواية أمام الشعب الأفغانيّ الذي يواجه الرّعب في كل لحظة من لحظات حياته. يبدأ كل شيء عبر مجزرة ارتكبها الجيش السوفياتي بحق قرية أفغانية. ولم ينجُ من هذه المذبحة سوى جدّ عجوز وحفيده ياسين الذي أصيب بالصمم: "القنبلة كانت قوية جداً أسكتتْ كلّ شيء. اخذت الدبّابات أصوات الناس ورحلت". والدبّابات أخذت صوت الناس ومضت. يروي الكاتب قصّة الرحلة التي يقوم بها الجدّ والحفيد للقاء والد ياسين. رحلة آلام عبر أفغانستان المهدّمة التي يلفّها الغبار والرّماد.


  • الزوار (947)
  • القـٌـرّاء (6)
  • المراجعات (1)
ترتيب بواسطة :

 لماذا يجهل القراء العرب الأدب الأفغاني الحديث؟ هل تكفي قراءة بعض الأعمال المترجمة الى الفرنسية أو الإنكليزية لترسم صورة لهذا الأدب الآسيوي الفريد الذي يصنع التراث الإسلامي احد قطبيه بينما يصنع القطب الآخر التراث الشعبي والجماعي الذي تتقاسمه البلدان المتجاورة؟ عودة أفغانستان الى الواجهة العالمية اخيراً ذكرت المثقفين والقراء العرب كم انهم يجهلون حقاً أدب هذا البلد الآسيوي وفنونه! في المكتبات العربية يصعب ان يجد القارئ كتاباً افغانياً معرّباً اياً يكن نوعه! علماً ان معظم الكتّاب الأفغان يعتمدون اللغة الإيرانية كأداة للتعبير. هذا الغياب الذي يعانيه الأدب الأفغاني عربياً يدفع القراء الى البحث عنه في اللغات الأخرى على رغم ندرة الترجمات ايضاً. فالبلدان الفقيرة لا يترجم إلا القليل من نتاجها الأدبي. وقد يكون الحافز السياسي سبباً رئيساً في حركة الترجمة. غير ان بعض المترجمين الفرنسيين أدّوا ما يشبه "الخدمة" الجميلة للأدب الأفغاني الجديد عندما نقلوا بعضاً من اعمال الشاعر الأفغاني الكبير بهاء الدين مجروح وكذلك بعض الأعمال القصصية والروائية النادرة. احدث ما نقل الى الفرنسية رواية كاتب شاب يدعى عتيق رحيمي، هاجر الى فرنسا هرباً من الجحيم الأفغاني وبحثاً عن فسحة من الحرية التي تفترضها الكتابة والسينما. فالروائي الشاب سينمائي أيضاً وفي روايته الجميلة "أرض ورماد"* بدا واضحاً توظيفه العين السينمائية، أو الكاميرا الكامنة وراء عينه بغية نقل المأساة الأفغانية نقلاً صوريّاً متهادياً في ايقاعه. ولم يغال الناقد الفرنسي فرانسوا بونيل في حماسته عندما كتب عن الرواية قائلاً: "إذا شئتم ألا تقرأوا إلا كتاباً واحداً آتياً من الشرق، هذا العام، فليكن هذا الكتاب "ارض ورماد" لصاحبه عتيق رحيمي. كتاب خارق. ابداع أدبي لم نر مثيلاً له منذ سنوات". ليست المأساة الأفغانية هي ما يدفع الى مثل هذا الحكم بل الرواية نفسها التي عرف صاحبها كيف يقدّم تلك المأساة ببساطة تامة وفن روائي بعيد كل البعد من الاصطناع والتعقيد. ولعل استعادة الكاتب الأفغاني الشاب للملحمة الشهيرة "الشاهنامة" التي وضعها الشاعر الفارسي الكبير الفردوسي ترسخ الطابع الحكائي للرواية سواء عبر الشخصيات التي تحيا في حال من الصراع مع ذاتها او مع التاريخ او مع الواقع ام عبر النسيج الذي ينصهر فيه الواقعي والحلمي، الحقيقي والأسطوري. إلا ان الكاتب لن يتكئ على ملحمة الفردوسي بل هي ستعبر كجزء من ذكريات البطل الذي ليس بطلاً ومنها سيستخلص صوراً ترمز الى المعركة الناشبة بين اهل البلد الواحد وبينهم وبين الطاغية كما يحصل في الملحمة. هكذا تبدو رواية "أرض ورماد" اشبه بالحكاية التي يكتبها الروائي انطلاقاً من "المخاطبة" التي يتوجه بها مباشرة الى "البطل" داستاغير، ذلك الجدّ العجوز الذي وفد الى الشمال الأفغاني بحثاً عن ابنه مراد وفي رفقته حفيده ياسين. هنا على طرف الطريق التي تؤدّي الى منجم الفحم تبدأ الرواية بداية شبه كابوسية: "إنني جائع" يصرخ الحفيد الصغير. لكنّ الصوت الذي يخاطب "البطل" العجوز طوال الرواية سيصبح صوت ضميره الشخصي وكأن "البطل" هو الذي يخاطب نفسه، مؤنّباً نفسه حيناً ومعللاً بعض افعاله حيناً. كأنه يحدّث نفسه امام مرآة غائبة يرى فيها وجهه ومعالم المأساة التي حلّت بالقرية. في هذا العالم المقفر والقاحل والمفعم بالغبار والرماد، على مقربة من الجسر الذي يصل بين ضفّتي النهر الجاف الذي اضحى "سريراً للحجارة السوداء والعوسج الشائك" ينتظر الجد والحفيد شاحنة تقلهما الى منجم "كاركار" القائم وراء الهضاب الخالية. في ذلك المنجم يعمل ابنه مراد. وعليه ان يراه لينقل إليه الخبر المأسوي المتمثل في الكارثة التي حلّت بالقرية وعائلته. كانت الفرقة الروسية دمّرت القرية للتوّ وأضرمت فيها النيران قاضية على معظم اهلها. عائلة الرجل العجوز لم يسلم منها إلا هو وحفيده. زوجته قضت تحت الدمار، ابنه قتل، زوجة ابنه الحامل التهمتها النيران وكانت خرجت كالمجنونة عارية من حمام النساء الذي سقطت عليه قنبلة. وكم هال الرجل العجوز ان يرى زوجة ابنه تركض عارية صارخة ملء صوتها. هذا العري الأليم سيظلّ هاجسه المرضي، فهو تمنى لو انه مات من غير ان يرى كنّته عارية. كان يتمنى ايضاً ان يموت على ان يصبح شاهداً حياً - ميتاً على المأساة التي حصلت. ثلاث شخصيات إذاً بل ثلاثة اجيال تحيا المأساة الجماعية: الجد يمثل الماضي الذي احترق ولم تبق منه سوى الذكريات غالباً ما يتذكر الجد لحظات جميلة من طفولته، والمقهى والحكواتي الذي يقرأ الشاهنامة، الأراكيل.... الابن مراد الذي يعمل في المنجم يمثل الجيل الشاب الذي وجد نفسه ضائعاً بين قوتين: المحتلّ الروسي والحركة الأصولية. وكان هو ليختار الانضواء تحت لواء المقاومة لو لم يخطفه الروس ويجعلوا منه نموذجاً للعامل المهيّأ لدور نقابي. ولعل مراد، الابن الشاب الذي لا يظهر في الرواية ليس غريباً عن ابن ميرزا قادر، ذلك الحانوتي الذي هجر كابول "وأنشأ" دكاناً قرب الجسر على طريق المنجم. حاول ميرزا قادر ان يمنع ابنه من ان ينخرط كعسكري في صفوف الروس لكنه لم يرضخ له فهرب وراء الحلم بالمال والسلاح. إلا ان مراد لم يستسلم للإغراء الروسي إلا بعد ان "دبّروا" له مكيدة وأقنعوه ان المقاومين والأصوليين هم الذين احرقوا قريته وقتلوا عائلته انتقاماً منه هو الذي يعمل مع الروس في المنجم. اما الحفيد ياسين فيمثل الجيل الجديد الذي يولد او ينشأ معطوباً. فالحفيد الصغير فقد سمعه خلال الانفجار في القرية وأصبح أصمّ. إلا ان الطفل الذي لم يعد يسمع يظن ان العالم هو الذي صمت. وكان دوماً يستغرب لماذا يحرّك الناس شفاههم ما داموا بلا صوت. يظن ياسين ايضاً ان الروس هم الذين خطفوا اصوات الناس. وكان يحيّره كثيراً ماذا سيفعلون بهذه الأصوات كلها. "اصبح عالم ياسين عالماً آخر. عالماً أصمّ. لم يكن ياسين اصمّ بل اصبح اصمّ" يقول الجد مخاطباً نفسه، ويضيف: "في جسده كل شيء يصخب، بلا شك، لو كنت تقدر ان تدخل فيه لتروي له قصة باباخراكاش". لكن ياسين سيظل طفلاً بلا حكايات، طفلاً بلا ذاكرة. ما يحتل مخيّلته آلان مشهد الدبابات الروسية. ومن اللقطات الجميلة في الرواية ذلك الحلم الذي يراود الجدّ فيبصر نفسه "تحت الأرض" في حديقة كبيرة قفراء، "لا أزهار فيها ولا خضرة". حتى شجر السنديان هنا بلا ورق. وفي الحديقة تطلّ زوجة ابنه زينب عارية ايضاً وقربها فتاة صغيرة. ويطل حفيده ياسين وقد اصبح له صوت امّه التي احترقت. إنها الأرض - الخراب، الفردوس الذي حل به الجفاف تماماً مثل هذا الوادي المفعم بالحجارة السوداء والعوسج والشوك والغبار وعلى الجدّ ان يجتازه كما يجتاز الدراويش عادة الوديان والجبال في الروايات الصوفية ليصل الى ابنه مراد. الآن اضحى مراد هو الهاجس. اصبح الابن بمثابة الأب والأب بمثابة الابن: "سوف تقبل عينيه ويديه، مثل ابن وجد اباه. أجل أنت ابن مراد وسوف يضمّك بين ذراعيه ويعزّيك". إنها لحظة مأسوية حقاً ان يرغب الأب في ان يصبح ابن ابنه وأن يصبح ابنه اباً له. يقول العجوز في نفسه: "ينبغي ان ننام مثل طفل وليد، بلا صور، بلا ذكريات، بلا احلام". غير ان مراد سيظل شخصاً شبه مجهول. فوالده الذي اجتاز الوادي ووصل الى المنجم لن يبصر ابنه. وفي تلك اللحظة التي يخبره فيها رئيس العمال عن ابنه يشعر ان مراد لم يبق مراد بن داستاغير، مراد الذي لا يغفل عن ضيم، مراد الذي ينتقم من الظالمين والمعتدين. لقد "روّضوا" مراد وجعلوه جزءاً من هذه الآلة الكبيرة الطاحنة. إلا ان الأب ظل يؤمن ان في قرارة ابنه روحاً أبية وكريمة. وقبل ان يغادر المنجم المخيف والفاحم يترك لابنه علبة "التنباك" الأفغاني يُسمى "نسوار" الذي كان يمضغه باستمرار وكأنّه مدمن عليه. العلبة هذه كان ابنه مراد اهداه إياها قبل سنوات. وسيعرف حين تصله ان والده مرّ من هنا. ويمنّي الأب نفسه مخاطباً نفسه: "إذا أتى يبحث عنك ستعرف مراد، إذا لم يأت لا يبقى لك مراد". وفي طريق عودته على قدميه يفتقد الأب التنباك الذي يدمن مضغه في فمه، ينحني على الأرض ويأخذ حفنة من التراب الرمادي ويضعها في فمه ويروح يمضغها: إنه الأب الخائب تمام الخيبة، الأب الذي لم يبق له إلا ان يمضع التراب. ومنذ ذاك الحين لم يعد الأب يذرف دموعه، البكاء اصبح "يجري في صدره". "أرض ورماد" تبدو أقرب الى الحكاية منها الى الرواية. احداثها يرويها ذلك "الصوت" أو الضمير اليي يقضّ رأس الجدّ العجوز، ويمكن اختصار تلك الأحداث في المأساة التي حصلت. فالرحلة التي يقوم بها العجوز رحلة البحث عن الابن سرعان ما ستنتهي في الخيبة. فالأب لن يجد الابن الذي كان يحلم ان يجده كما عرفه او كما اعتاد ان يعرفه. ولعلّ الأحلام الكابوسية التي كانت تعتريه تنم عن حال الغربة التي تفصله عن العالم والواقع والماضي. وظف الروائي عتيق رحيمي عينه السينمائية خير توظيف. فالكتابة هنا تقترب كثيراً من تقنية التصوير والتقطيع. لغة متوترة ومقتضبة تفسح المجال امام تلك العين لتنقل المشاهد واللقطات نقلاً فوتوغرافياً أو سينمائياً. ويكفي قارئ الرواية ان يغمض عينيه ويتخيل ذلك الجسر أو ذلك الوادي والطريق والشاحنة والمنجم والأشخاص الذي يمرّون بسرعة والأحداث التي تُروى... ولم تغب المرآة عن الرواية. فالجد العجوز يبصر وجهه في مرآة علبة "التنباك" الصغيرة التي كان يحتفظ بها. وعندما صعد الى الشاحنة المتجهة صوب المنجم راح يحدّق في العالم وراءه من خلال مرآة الشاحنة، وكأنه يعيد اكتشاف العالم الذي كان فيه لتوّه. عرف الكاتب كيف يتحاشى الوقوع في شرك الميلودراما الذي تضمره الرواية بعدما قارب حافة المأساة والتراجيديا، معتمداً صيغة سردية، ونسيجاً روائياً ينصهر فيهما الواقعي والحلمي، الوقائعي والمتخيل، التاريخي والذاتي. وإذ يمعن في رسم تلك المأساة الفردية والجماعية يمعن في الوقت نفسه في تخطي مزالق الانثيال الوجداني والدرامي. وإن كانت هذه الرواية حصيلة المعاناة التي عاشها الأفغان تحت الاحتلال الروسي فكيف ستكون الروايات التي ستكتب بدءاً من الآن، في ظل الكابوس الراهن والمأساة القائمة؟ لعل هذه الأرض المفعمة بالخرائب والمقابر والأشباح والرماد والوحل، ستكون حتماً منبتاً لأعمال ادبية جديدة تشهد على ما يحصل من مآسٍ تفوق التعبير! وكم كان عتيق رحيمي على حق عندما قال: "كي تعرف شيئاً عن هذه البلاد يجب ان توقظ الموتى مـن رقادهم".

  • أعجبني
  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
  • 0