عن باولو كويلو

روائي عالمي. قبل تفرغه للكتابة كان يمارس الإخراج المسرحي والتمثيل وعمل كمؤلف غنائي وصحفي، وقد كتب كلمات الأغاني للعديد من المغنين البرازيليين. نشر أول كتبه عام 1982 بعنوان "أرشيف الجحيم" ولكنه لم يلاقي أي نجاح. ثم في عام 1986 قام كويلو بالحج سيراً لم..

كتب أخرى لـِ باولو كويلو


thumb

thumb

thumb

thumb

thumb

thumb

قرّاء هذا الكتاب يقرؤون أيضاً


thumb

thumb

thumb

thumb

thumb

thumb

الكتاب على رفوف القـرّاء


الجبل الخامس (242 صفحة)

عن: شركة المطبوعات للتوزيع والنشر (2001)

الطبعة : 1
أضافه : Mahmoud El-Shafey

يروي باولو كويلو، في روايته "الجبل الخامس"، قصة النبي إيليا ولقائه الأرملة في صَرْفَتِ، المدينة الفينيقية الصغيرة؛ ثم انكفائه إلى الجبل، بعد أن دحر أعداءه جميعاً. يطيع إيليا أوامر ملاكه الحارس ويحاوره على الدّوام، يحاول التفتيش عن معنى إنساني جديد للقرار والاختيار. في مدينة صَرفتِ اللبنانية التي دمّرها الأشوريون، يفقد إيليا كلّ شيء: شجاعته والمرأة التي أحبّها (الأرملة التي ساعدته في حين كان جائعاً وعطشان)، وكذلك إيمانه إثر الأزمة الروحية التي عصفت به. وهنا يضيف كويلو جديداً إلى صورة النبي إيليا، التي تمثّله قوياً لا يقهر، وحاملاً سيفه للبطش بالأعداء. ففي هذه الرواية، يخوض إيليا صراعاً ضد خوفه بالذات، صراعاً بين الإلهي والإنساني، بين إرادة الربّ التي يعجز النبي عن فهم تجلياتها رغم امتثاله لها، وبين خياراته، هو بالذات، كإنسان. لكنّ الطريف في الأمر أن هذا النص، الذي استند فيه كويلو إلى التوراة، قد اتّخذ من مدينة في لبنان مسرحاً لأحداثه، وكأن الكاتب يريد أن يقول إن التاريخ يعيد نفسه في هذا البلد، من أول الأزمنة وحتى أيامنا هذه، حيث أدّى ضريبة حبّه للتسامح والسلام والانفتاح. في هذا الكتاب يطرح كويلو الإشكاليات التي تعتبر في أساس عالمه الأدبي والروحي والفلسفي: كيف نستطيع أن نعطي معنىً لحياتنا، من خلال الصراع والرجاء. ذلك أن أقوى لحظات المأساة ليست عقاباً إلهياً، بل هي تحدٍّ مطروح أمام الإنسان. وهكذا يعطي كويلو معنىً جديداً للعقاب: إن ما هو محتومٌ في حياتنا ونعتقده ثابتاً، هو في الحقيقة عابر. أمّا الثابت، فهو ما نستطيع استخلاصه من عِبَرِ المحتوم المأساويّ.


  • الزوار (1,479)
  • القـٌـرّاء (10)
  • المراجعات (2)
ترتيب بواسطة :

#تحدي القراءة 2016
#كتاب لكاتب لم تقرأ له أبدا
لا أدري ما الذي شدني في هذا العنوان -الجبل الخامس- خصوصا أنني أقرأ لأول مرة لباولو كويلو المعروف برواية الخيميائي و حصوله على شهادة غينيس كونه الكاتب الأكثر ترجمة لأعماله. كان من البديهي أن أبدأ بقراءة الخيميائي المعروف بها, ربما لأننا بالجزائر نعاني من ندرة مثل هذه الكتب إلا أن الحظ كان معي هذه المرة و وجدت’ الجبل الخامس’ بأحدى رفوف مكتبة و بتخفيض 20 % من سعرها فاغتنمت الفرصة ...
الجبل الخامس يروي قصة النبي ايليا و الذي تبين معي بعد البحث أنه نفسه النبي الياس المذكور في القرآن الكريم (صورة الصافات 123-132) الذي بعثه الله إلى بني اسرائيل بعد أن مالوا عن دينهم و اتبعو ‘بعل’إلاه الفينيقيين الذي أتت به ملكة ‘صور’ ايزابيل بعد أن تزوجت أخاب ملك اسرائيل و فرضته عليه. أتاه الوحي من الله كي يرشد قومه و يرجعم إلى طريق الحق فاتبعه من اتبعه و الذين سماهم هنا باولو الأنبياء إلا أن ايزابيل أمرت زوجها أن يطاردهم و يخيرهم بين أن يرتدوا عن دينهم إلى عبادة ‘بعل’ أو أن يكون مصيرهم القتل أما النبي ايليا فقد فر هو و صديق له -اللاوي-. مات اللاوي و لجأ ايليا إلى مدينة صرفت و التي يدعوها أهلها ‘أكبر’ و هناك يتلقى الدعم و الحماية من أرملة تعيش مع ابن لها و الذي طول مدة مكوثه عندها لم ينقصها لا زيت و لا دقيق و هذا بعد أن حل عقاب الله عليهم بأن منع عنهم المطر لمدة أربع سنوات تقريبا. لكن شاء القدر و مات ابن الأرملة فكرهت ايليا و ظنته فال نحس على قريتها و أرادوا طرده إلا أن الله أعطاه معجزه إعادة بعث ابن الأرملة الى الحياة و هكذا استطاع ايليا أن يسترجع مكانته بين سكان المدينة و قربه حاكمها منه, في حين أن الكاهن و قائد الجند لم يستحباه و هكذا تتوالى الأحداث على القرية من انقطاع المطر و ظهور نوع جديد من الكتابة -بيبلوس- و تخييم جيش الآشوريين قرب أسوار المدينة ... مر ايليا بفترة صراع تارة مع نفسه و تارة مع ربه و هذا ما يجتلى في مجموع التسائلات التي كان يطرحها من بينها: ما هو الموت؟ ما الغاية من وجوده؟ ...
يطرح باولو عدة أفكار نفسية كالايمان بالله الواحد, الحرية, الإصرار.
الرواية رائعة, أعجبتي طريقة باولو في إعادة إحياء هذه القصة الدينية و تقديمها لنا في هذا الشكل. هناك جملة حيرتني: “ لكننا لا نعرف كيف نستعيد الشباب, الذي ولى بفعل التجاعيد و الجينات و زوال الأوهام.” ص207, يعني عن أي جينات يتحدث الكاتب و القصة جرت في حوالي سنة 870 ق.م. ربما هو خطأ من المترجم أو سهو من الكاتب... بعد الرجوع الى الترجمة الفرنسية وجدت أن كلمة الجينات غير موجودة بها فهي زيادة من المترجم
“ Nous ne savons pas où la retrouver, répondit l’un d’eux. Elle a disparu avec les rides et les désillusions.”

أشار باولو كويلو في كتابه هذا الى كتاب أخر -أوراق محارب الضوء- الذي أصدره في العام الموالي أي سنة 1997 حين قال ايليا للطفل “ ذات يوم, ابحث عما تركته من أجلك في مكتبة ‘أكبر’: كتاب محارب الضوء.” أضن أنني سأؤجل قرائتي للخميائي و أقرأ هذا الكتاب في موعدي الآخر مع باولو.
 


  • أعجبني
  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
  • 0

"الجبل الخامس" بين والدين والعصر، الصراع وتحقيق الذات باولو كويلو هذه الرواية من إصدارات شركة المطبوعات للتوزيع والنشر/ بيروت، طبعة ثانية عام 2003، تتناول الرواية حدثاً دينياً تاريخياً، يعتمد بشكل أساسي على النص التوراتي والتاريخ، فتحدثنا غن قصة النبي إيليا الذي يدعو الفينيقيين إلى ترك عبادة بعل والآلهة الوثنية الأخرى وعبادة الله الواحد، وهنا يتعرض الإسرائيليين إلى حملة من الاضطهاد على يد أخاب وايزابل، يناقش إيليا ايزابل بموضوع الكارثة التي ستحل بالمدن الفينيقية أن استمرت في عبادة الأوثان والإله بعل، وهنا يكتشف تعلقه بهذه المرأة الجميلة، التي أصبحت تأخذ حيزا من تفكيره، "فكر أن من الغباء أن يموت الرجل في العشرين، ولا يعرف ما معنى أن يقع في حب امرأة" ص29، فهو الشاب صاحب الثلاثة والعشرين عاما، لا يستطيع إلا أن يفكر بالمرأة، خاصة عندما تكون على بهذا المقدار من الجمال. بينما هو في الحصار مع رفيقه اللاوي يتعرض للقتل فيأخذه تفكيره إلى مجموعة من الأفكار الجديدة منها فكرة الموت فيقول "أنجز عملك بسرعة أيها الجندي، لان انتظار الموت اشد إيلاما من الموت نفسه، اقتلني ولا تدعني أفكر بما أنا موشك على فقدانه" ص30 يستمر تعرض الإسرائيليين للاضطهاد ويذكرنا الكاتب بالعديد من الأنبياء الذين تخلوا عن الإله الواحد بعد تعرضهم للتعذيب "قضى إيليا واللاوي يومين مختبئين في إسطبل جنوبي جلعاد، فيما أفنى أربعمائة وخمسون نبيا. أما معظم الأنبياء الذين كانوا يهيمون عادة في الشوارع وهم يهيمون يجلدون أنفسهم بالسياط ويتنبأون بنهاية العالم الغارق في الفساد وانعدام الإيمان، فإن هؤلاء نكثوا بالعهد وارتدوا إلى الدين الجديد" ص 28، يهرب إيليا إلى مدينة "اكبر" الفينيقية وهناك يتلاقى مع امرأة يعاني ابنها من المرض، فيقوم النبي الإسرائيلي بمحاولة شفاءه، لكن الطفل يموت، وهنا يتعرض لمأساة جديدة من قبل أهالي المدينة، يقوم حاكم المدينة بالتعامل مع هذا الغريب حسب القوانين الفينيقية التي تحترم الغرباء فتقدم لنا صورة عن كرم الضيافة التي تتمتع به المدن الفينيقية، يذهب إيليا إلى الجبل الخامس ـ جبال مقدسة عن الفينيقيين، وهناك يحدثه ملاك الرب، فيعود إلى المرأة وابنها الميت، ويقوم بإعادته إلى الحياة بقدرة الرب، وهنا ترتفع مكانة إيليا في مدينة "اكبر". تتعرض المدينة للهجوم الأشوري المدمر، فيحاول الحاكم مع إيليا أن يعقد الصلح معهم لكن مجموعة من الظروف تحول دون هذا الصلح، وينعقد المجلس العام في الساحة العامة ليحاكم الرسول الأشوري الذي اتهم بالتجسس، علما بأنه جاء كرسول يبلغ المدينة رسالة الأشوريين، يصدر الحكم بالإعدام، يقتحم الأشوريون مدينة اكبر ويدمرونها عن بكرة أبيها. هذا ملخص لأحداث الرواية، فهي رواية تاريخية دينية بامتياز، حيث يستدل من السرد بان الكاتب متمكن من المادة التاريخية والدينية التي كتب من خلالها هذه رواية "الجبل الخامس". الرواية فيها العديد من المسائل المهمة المتعلقة بالإنسان، منها مسألة الصراع الفكري داخل الإنسان، وكيف تدفع به الظروف ـ القدر ـ إلى إعادة التفكير بكل الأفكار التي يؤمن بها ويتبنها، فيحطم هذه الأفكار ويشكلها بطريقة جديدة، تجعله أكثر إيمانا وقناعة بها، بعد التشكيل الجديد، ومن خلال هذا الصراع الداخلي عند إيليا من جهة، والصراع بين إيليا المجتمع من جهة أخرى يطرح "باولو كويلو" أفكار إنسانية تدعوا إلى التحرر والحرية، لأن هذه الأفكار بطبيعتها ستصل بالإنسان إلى الإيمان بالله الواحد، وأيضا بحرية الإنسان وإرادته وأمله وقدرته على فعل المستحيل. بداية الصراع الداخلي عند إيليا يتشكل عندما يبدأ بالتفكير بمسار الأحداث التي مر بها فيقول "سبق للرب أن قام بأشياء كثيرة ربما جعلتني اشك في حكمته، لكن ليس بوجوده" ص45، حالة التشرد والتنقل من مكان إلى آخر تسبب ضغط شديد على لإنسان، ويجعله ـ أحيانا ـ يمر بمراحل ضعف، ناتجة عن الظروف التي تحاصره وتألمه. وها هي المرأة التي أوى إليها تحدثه بحديث حقيقي واقعي، عن الأحوال الرغيدة التي تعيشها فينقيا بينما إسرائيل تعيش في الويلات "ـ آلهتنا تسكن فوق قمة خامس جبل منذ أجيال، وقد استطاعت إحلال السلام في بلادنا، في حين أن إسرائيل تعيش في الحرب والعذاب، فكيف بالإمكان إذاً الاستمرار في الإيمان باله واحد؟ فلنعط ايزابل الفرصة للقيام بمهمتها، وستجد أن السلام سيعم أيضا مدنكم" ص46 و47، إذن كافة الوقائع تدفع بإيليا أن يعيد النظر بإيمانه ومعتقداته الدينية، فهذه المرأة التي ينظر إليها بدونية، فهي كائن اقل قيمة من الرجل، يستعين بها ويستجدي منها الطعام والشرب، من هنا كان لحديثها الوقع الأشد عليه. كما أن الشواهد الواقعية، تصب لمصلحة الفينيقيين الوثنيين، بينما المدن الإسرائيلية تعيش في حالة من الجوع والعذاب والحروب، من هنا الواقع يدفع بإيليا إلى التشكك بفكرته عن الإيمان. لكن النبوية التي يمتلكها تجعله يستمر بمعتقداته وبوجود الإله الواحد، فمن خلال ملاك الرب الذي حدثه قدم أن يطلب من المرأة المساعدة: "إن جرة الدقيق لا تفرغ، وقارورة الزيت لا تنقص إلى يوم يرسل الرب مطرا على الأرض" ص47، تجعله ثابت الإيمان بالرب الواحد. التشكيل الجديد للأفكار عند إيليا يكون متلازما مع الأحوال المعيشية التي يحياها "اكبر" فهنا واقع اقتصادي ديني اجتماعي يختلف تماما عما عاشه إيليا في إسرائيل، وهنا تكون الأفكار واقعية وليست مجردة، بمعنى أن تأثيرها على النفس يكون أكبر وأعمق، حيث أنها أصبحت جزئا من مسار الحياة "استعد إذا للبقاء في "اكبر" طوال حياتك، لسنا في حرب مع بلادك، وكل هدفنا أن ينعم الإيمان الحق ـ من خلال وسائل سلمية ـ العالم اجمع، لا نريد تكرار الفضائع التي ارتكبتموها عندما حللتم في ارض كنعان" ص 49، الإحداث التاريخية تشير إلى سلبية الإسرائيلي ـ الموحد ـ فهو المدمر والمخرب للمدن والقاتل للناس، بينما الفينيقي ـ الوثني ـ يبني ويعمر المدن، ويعطي الأعداء حقوقا في الحياة. فهذه المفارقة في السلوك بين الوثني الفينيقي والموحد الإسرائيلي تصب في صالح الفينيقي، الأكثر إنسانية وتسامح. وهنا تتعرض للأفكار والمعتقدات التي يحملها إيليا إلى هجمة جديدة من خلال السلوك الأخلاقي عند الآخرين الوثنيين، فهم أكثر إنسانية ورفاهية وتسامح. هذا الكلام الذي جاء على لسان الكاهن الكبير في مدينة "أكبر"، ينم على الأثر الفكري المدعوم بالسلوك الإنساني عند الآخرين (الكفار)، من هنا لا بد أن يترك هذا النهج السلوكي أثرا في نفسيه إيليا أولاً، وفكري ثانيا، فهنا كان السلوك الحضاري يخدم الإنسان ـ بصرف النظر عن فكره أو قوميته ـ ولا بد أن يتأثر به أي إنسان حتى لو كان نبيا. والتأثير الأكبر عند إيليا كان بعد وفاة الطفل، أبن المرأة التي أكرمته وقدمت له كل المساعدة، فهنا كان إيليا يمر بحالة نفسية صعبة جدا، فكيف يخذله الرب "لم يعد إيليا متأكدا من شيء، ربما وجد الشيطان أداته، ولعله هو نفسه هذه الأداة" ص61، عندما يخذل الإنسان يتعرض لمثل هذا التقهقر الفكري، وتظهر الأفكار السوداء متقدمة على تلك المتسامحة. وها هو في قمة الجبل يتشكك بكل ما يحمل من أفكار ومعتقدات "نار السماء، كثيرون قضوا بها، لكن إيليا يشك أن الرب ينزلها" ص61، اخذ الشك يمس العقيدة الدينية، الفكر المتعلق بالفعل الرباني، وهنا يتقدم الصراع الفكري خطوة كبيرة نحو الأخذ بالأفكار الجديدة والتخلي عن تلك القديمة، التي أصبحت في موضع شك. هناك حوار يدور بين ملاك الرب وإيليا، يشير إلى أهمية أن يكون الإنسان في حالة صراع فكري مع ذاته، فهي صفة إنسانية نبيلة، وليست مذمومة، كما يتصورها البعض، حيث أنها تؤكد على إنسانية التفكير، على أهمية الشك للوصول إلى القناعة ـ الإيمان ـ المطلق، وبدون هذه الصراع لن يكون هناك إيمان كامل ومستديم أبدا، "وأضاف الملاك: ـ عندما ترجع إلى المدينة، صل للرب ثلاث مرات، حتى يعود الطفل إلى الحياة. وفي المرة الثالثة، يستجيب الرب ـ ولم علي فعل ذلك ـ لتمجيد اسم الرب ـ أيا يكن فقد اشك في قدرتي. أشعر بأنني لم اعد جديرا بمهمتي. ـ لكل إنسان الحق في أن يشك بمهمته، وان يزل من وقت إلى آخر، لكن الشيء الوحيد الذي لا يستطيع فعله هو تجاهلها، من لا يشك بنفسه غير جدير بالاحتلام، لان لديه إيمانا أعمى بقيمته، ويرتكب خطيئة بسبب غروره، مبارك الذي يمر بأوقات الحيرة والشك" ص62و 63، دور ملاك الرب هنا لم يكن توجهي وحسب، بل توضيحي أيضا، حيث قدم صورة عن التركيبة الحرة لتفكير الإنساني، فالإنسان غير مطلقا في إيمانه، ويتعرض للهجوم من هذا الطرف أو ذاك، وله أن يشعر بالتأثر التي تحدثه تلك الأفعال والأقوال، فهو كائن متأثر ومؤثر، وليس مجرد آلة أو ملاك يتلقى التعليمات، فالتأثير هنا يعد صفة ايجابية في الإنسان وليس سلبية كما يعتقد البعض. قبل الانتقال إلى مرحلة جديدة من الشك، مرحلة يختلط بها الإيمان بعدمه، يحصل إيليا على معونة فكرية إيمانية تجعله مهما ابتعد عن فكرة الرب يكون في الحقيقة الأمر يسير حسب ما أراده الرب، "كل ما أملكة من قدرة آت من الرب. ـ الجميع يملكون قدرة الرب، لكن أحدا لا يستعين بها" ص68، هنا دعوة إلى الاستعانة بالرب، والذي دائما يقدم العون لكل من يطلبه. الصرع داخل إيليا لم يقتصر على الفكر وحسب، بل تعداه إلى الصراع بين الواقع والواجب الديني، والى أي طرف ينحاز، للواجب الرباني والوطني اتجاه إسرائيل، أم الواجب الإنساني اتجاه أهل مدينة "اكبر"؟، "لماذا علي الاختيار بين هذه الأمة وافتداء شعبي؟" ص141. بعد تدمير مدينة "اكبر" على يد الأشوريين تبدأ مرحلة جديدة عند إيليا، مرحلة تمتزج فيها الحكمة مع الواقع، التخلي تماما عن المعتقد القديم وتشكيل أفكار جديدة، قد تبدو متناقضة مع تلك المتعلقة بالإيمان التقليدي، لكن في جوهرها تخدم ذاك العقل الموصل إلى الإيمان، لكن تأتي هذه الأفكار الإيمانية بطرق غير تقليدية، طرق تستخدم العقل أولا وأخيرا، تحلل الواقع، وتتعامل معه بطريقة تتناسب ومتطلبات الحال، تستخدم كل ما هو موجود للتعلم والاستفادة منه قولاً وفعلاً، وتطوير تلك المعرفة لتناسب الحالة التي يعيشها الإنسان، وهنا يكون الإبداع، الناتج عن الواقع، والمعتمد على الإمكانيات الذاتية. المعلم الذي يستمد منه إيليا المعرفة الجديدة الواقعية هو الطفل، وهنا لا بد من الإشارة إلى أن العلاقة الجدلية بين الطفل وإيليا، فكلاهما يعطي ويأخذ من الآخر، وكلاهما يطور فكره ومعرفته وإيمانه بالمستقبل، وحتى هذا المستقبل يعطيانه مفهوما جديدا، سنتحدث عنه لاحقا، "ـ وعدت أمي أن أرعاك. لكنني لا اعرف ماذا علي أن افعل ـ عد إلى المدينة. فالناس فيها يتسمون بالطيبة، وسوف يؤويك احدهم ـ أنت جريح. يجب أن اعتني بذراعك. لعل ملاكا يظهر ويقول لي ما علي فعله. ـ أنت جاهل ولا تعرف شيئا عما يجري. لن تعود الملائكة لأننا أناس عاديون، والجميع ضعفاء أمام العذاب، وعند حلول الماسي، ينبغي للناس تدبير أمورهم بوسائلهم الخاصة" ص 174، في هذا الحوار نجد تبادل وتتداخل دور النبي مع دور الطفل، فالطفل يريد أن يعتني بالنبي الجريح، والنبي الجريح يريد أن يطمئن على الطفل، الطفل يذكر النبي بالأمل الذي سيأتي من خلال الملائكة، النبي ينكر ذلك ويقدم رؤيته للواقع البائس، وكيف أن الناس في حالة الضعف يتراجع إيمانهم، وتبدأ التفكير بواقعها الجديد. فقد اكتشف إيليا في الطفل أشياء غير موجودة عن الآخرين فيقول عنه "أن الطفل يستطيع دوما تعليم الناضجين ثلاثة أشياء هي: الإحساس بالسعادة دون سبب، والانشغال بشيء ما، ومعرفة أن يطلب بكل قواه ما يرغب فيه" ص 199، إذن تم استبدال ملاك الرب الذي كان يقدم المعونة ويعطي التعليمات لمواجهة الظروف الصعبة، بالطفل الذي حل مكانه. ثلاثة أمور أساسية تعلمها إيليا من الطفل، السعادة، والعمل، والإصرار، وهذه العناصر ستكون الأسس التي يعتمدها في حياته الجديدة، حياة الاستقلال عن الرب. بعد الحوار مع الطفل يأتي حوار مع الراعي، والذي من المفترض أن يكون متواضع الثقافة، إذا ما قورنت بثقافة النبي إيليا، وأيضا إذا ما قارنا إيمان الراعي بإيمان النبي، فنجد الراعي يتفوق بحكمته على النبي. يحصل إيليا على معرفة جديدة، وإيمان آخر، وبطريق جديدة، ليست عن طريق ملاك الرب، وإنما عن طريق إنسان عادي، وهنا يفتح لنا الكاتب العالم بكل مكوناته، وكيف نستطيع أن نستفيد ونتعلم ونحصل على معرفة تقودنا إلى الإيمان، الناتج عن استخدام القدرات العقلية للإنسان وليست ذلك الإيمان الذي يأتي جاهزة دون تفكير. الدمار والقتل والخراب الذي عم مدينة "اكبر" جعل إيليا يتجه نحو الهم الذاتي له وللطفل فقط، فحجم المصيبة لم يمنحه مساحة للتأمل والتفكير بما يجب القيام به، من هنا جاء الراعي، يقدم الأسس التي يجب إتباعها في هكذا حال، "لا تتعلق المسألة بالأمل في المستقبل، بل بإعادة خلق الماضي نفسه ـ لا افهم ما تقصد بقولك عن إعادة خلق الماضي نفسه. ـ ليس صعبا إعادة خلق الحياة، كما ليس مستحيلا إعادة إنهاض "اكبر" من بين أنقاضها. يكفي لذلك أن تدرك أن لدينا القوة نفسها التي كنا نملكها في السابق، وان نستغلها لصالحنا" ص 180و181، في هكذا حالة من الخراب واليأس لا بد من التذكير بالأمجاد التي كانت قبل الكارثة، لأنها قريبة جدا من النفس، كما أنها تمنح الأمل، فعندما يقارن بين حالة الخراب الحالي، والعمار والحياة بالأمس، لا بد من تترك أثرا نفسيا ـ أما يأس أو أمل ـ وهنا ذكر الراعي إيليا بالأمل بعادة خلق الماضي نفسه، فقلب مفهوم الخراب إلى مفهوم الأمل. الحوار مع الراعي يترك أثرا في الطفل أيضا، وكأن الحديث كان لهما معا وليس لإيليا فقط، حتى أن الطفل يتقدم بخطوات نحو البناء والعمار على إيليا، فيقول بمنطلق الطفل البسيط، لكن المبني على الربط العقلي حكمة تتعلق به شخصيا لكنها تصب في خدمة العام ـ مدينة "اكبر" وشعبها ـ "الرب الذي أعادني من الموت لا يزال حيا. ويستطيع أن يعيد أمي إلى الحياة إذا أعدت المدينة إلى الحياة" ص185، منطلق الطفل بسيط، لكنه يربط بين مصلحته الشخصية ومصلحة المدينة المدمرة بطريقة لا تشير إلى الانتهازية أو عدم الشرعية، فهو بطريقة تفكيره التي نعرفها، تجعلنا نستوعب ونتفهم منطقه في طرح الأفكار. لكن إيليا النبي يرد بطريقة تفكير جديدة، فهو يعتبر نفسه لم يعد نبيا، وبدأ يفكر بطريقة تختلف تماما عن السابقة، طريقة عقلانية، تعتمد على الذات في كل شيء، فالرب ـ بالنسبة ليليا ـ لم يعد يستعان به لقضاء الحاجات والقيام بالمعجزات، "إنس هذا الإله، انه بعيد، وهو لا يحقق المعجزات التي نتوقعها منه. كان الراعي على حق، يجب أن يعيد بناء ماضيه بالذات، وان ينسى انه ذات يوم كان لا بد من أن تجري محاكمة نبي كان منتدبا لتحرير بلاده، في حين انه اخفق في إنقاذ مدينة صغيرة" ص185، هل النبي لم يعد يؤمن بمعجزات الرب؟، أم انه لم يعد يؤمن بوجود الرب؟ ولماذا هذا التقهقر بعيدا عن الأمل الذي يمنحه الرب لعبادة؟ وهو النبي من المفترض أن يكون الإيمان بالرب ومعجزاته شيئاً مستديماً وثابتاً في نفسه! هنا كان إيليا متحررا تماما من الأفكار القديمة ـ النبي وملاك الرب الذي يحقق مطالب إيليا، حتى لو كانت خارقة للعادة ـ فهو هنا يعتمد على ذاته فقط، على قدرته، تجاهل أن هناك "ملاك للرب" ويستطيع أن يسهل العديد من الصعاب، هو يريد تحقيق ذاته بعيدا عن تدخل ملاك الرب، أو أن يكون الرب نفسه له دور في هذا الفعل الجديد الذي سيقدم عليه، "منحته هذه الفكرة شعورا غريبا بالغبطة، لأول مرة في حياته يشعر أنه حر ومستعد لفعل ما يريد ساعة يريد، لم يعد يسمع الملاك، لكنه كان بالمقابل، حرا في الرجوع إلى إسرائيل، ومعاودة عمليه كنجار أو السفر حتى اليونان، ليتابع الحكماء أو مرافقة التجار الفينيقيين" ص185، تكمن أهمية النص السابق بفكرة الحرية التي تجعل النفس حتى تلك التي تستفيد ـ ماديا وروحيا ـ من الإيمان أن تفضل هذه الحرية التي تعني المزيد من العمل والتعب والاعتماد على الذات، من تلك المتكلة على الآخر ـ الرب ـ فهنا يبدو للوهلة الأولى بان هناك تخلي عن فكرة الرب عند إيليا، وانه لم يعد يؤمن بالرب، لكن في حقيقة الأمر الموضوع ليس هكذا، وإنما يريد إيليا أن يكون هو ذاته، بعيد عن تدخلات الرب، كالشاب الناضج الذي يبتعد عن هيمنة الأب المتحكم بكل صغيرة وكبيرة في حياة ابنه، فهنا التحرر من الوصاية والهيمنة الأبوية تحمل فكرة الحرية، والخلاص منها يعني إزالة العبء النفسي الذي يثقل كاهل إيليا. هنا تكمن الفكرة المركزية في الرواية، فكرة الحرية والتحرر، حتى من فكرة الرب والتعلق به، إيليا يريد أن يحقق لإيليا شيئا خاصا متميزا خالصا له، وبدون مساعدة أو معونة من أيا كان. فهنا تصعد الذات إلى القمة، وتبدأ درب العمل الخالص لذاتها المتحررة. "لديك كل قوة العالم والنجوم. تستطيع هدم مدينة وبلاد، كما تسحق حشرة، أنزل، إذاً، نار السموات، ضع حدا لأيامي الآن، وإلا عملت ضد إرادتك" ص186، الصراع النفسي بين دور إيليا النبي ودوره كانسان حر يأخذ منحى جديد، وكأن عملية بناء المدينة تتناقض مع إرادة الرب، أو كأنها صراع مع الرب، وهنا يقدم لنا إيليا فكرة الرب عن الخراب الذي يلحق بالمدن التي لا تؤمن به، فعملية بناء مدينة "اكبر" هي ـ عمليا ـ عمل يخالف ويتناقض مع فكرة الإيمان بالرب الواحد الذي اوجد هذا الخراب في المدينة لعدم إيمانها به، " يا رب، لم تجر هذه المعركة بين الفينيقيين والأشوريين، بل بينك وبيني" ص187، معالم الصراع تتوضح أكثر، طرفيها هما الرب وإيليا، وما دور الأشوريين والفينيقيين فيها إلا دور ثانوي، هما شكل هذا الصراع، لكن جوهره هو إيليا والرب. يتمادى إيليا أكثر نحو خصومته مع الرب فيقول " لم تنذرني بأنك أشعلت حربنا الخاصة، كما فعلت دائما، ربحت وأتممت مشيئتك، دمرت المرأة التي أحببتها، والمدينة التي استقبلتني عندما بعدت عن وطني" ص187 هل هذا عتب أم تحدي للرب؟ هل هو إيمان بقدرته أم كفر بها؟ هنا يعود إيليا إلى ذاته الإنسانية، المتحررة من تدخل الرب وتعليماته، "من المستحيل أن أعيد المرأة إلى الحياة، لكنني استطيع تغيير مصير عملك ألتدميري، رضخ موسى لمشيئتك ولم يعبر النهر، أما أنا فسأتابع، اقتلني في الحال، لأني، إذا سمحت لي بالوصول إلى أبواب المدينة، فسوف أعيد بناء ما أردت إفناءه عن وجه الأرض، وسأعمل ضد إرادتك" ص187، وضوح جلي بطريقة تفكير جديدة تتناقض تماما مع فكرة وإرادة الرب، هنا يليا يتحدى الرب، يريد أن يعمل بغير الطريق الذي رسمه الرب، طريق ذاتي مستقل، فيه الصراع والتحدي، التوحد بين إيليا والمدينة "أكبر"، يعد تصعيداً للصراع مع الرب، فهو في البداية كان كمن يعاتب الرب على ما أحدثه في مدينة "اكبر" من خراب، لكنه هنا يبتعد أكثر، من خلال ربط المدينة بشخصه "ـ دمرت كما دمرت هذه المدينة، ولكني، مثلها أيضا، لم أنجز مهمتي بعد" ص188، هنا نجد التماثل والتوحد بين الخراب الذي أحدثه الرب في مدينة "أكبر" وبين نفسيه إيليا المدمرة، والتي أخذت تبتعد شيئا فشيئا عن الرب وإرادته، فوصفها بالخراب، كإشارة إلى انتقال الصراع إلى مرحلة جديدة، فمشهد الخراب ينعكس ويؤثر في نفسيته، ومسألة طبيعة أن يكون هناك تأثير في نفس إيليا. يعود إيليا إلى ذاته التي يقودها حسب مشيئته هو، متجاهلا قدرة الرب فيرد على الطفل "ـ دون معونة الرب، لن ترجع والدتي من بين الأموات ـ وحده جسد أمك الذي غادرنا، وإنها دائما بيننا، وكما قالت لنا، فقد صارت هي "اكبر" ويجب مساعدتها لاستعادة جمالها" ص189، كأن في كلام إيليا قطيعة مع الرب، فلم يعد الرب بالنسبة له يعني شيئا، هو مستقل عنه ومتحرر منه، يريد أن يقوم بدورة منفردا عن الرب. إيليا يعلن بكل وضوح بأنه متحرر من كافة الأفكار القديمة، ولم يعد ذلك النبي الذي يتلقى تعليمات من ملاك الرب، ولم تعد تربطه أي رابطة بالرب، هوا لآن حر من كل الأفكار والمعتقدات القديمة "يجب نسيان الماضي بكل شكوكه، وخلق قصة جديدة، هذا هو المنقذ الوحيد. لقد مات النبي القديم فيه مع المرأة التي قضت في الحريق. وولد رجل لا يؤمن بالله، وتنازعه شكوك عديدة، لكنه تحدى اللعنة الإلهية ولم يمت، وسيتبع طريقه الذي تمليه عليه نفسه بالذات، دون الاستماع إلى نصائح احد" ص192، لم يكن احد يتوقع أن يصل إيليا إلى هذه الدرجة من القطيعة مع الرب، فقد ترك عمليا كل الأفكار والمعتقدات التي تتعلق بالرب، وهو الآن يتصرف حسب ما تمليه عليه نفسه، ويقول لن يستمع لنصائح احد، بمعنى لو جاء ملاك الرب لن يستمع إليه أيضا. يقوم إيليا بعمل يخالف أمر الرب، فبدل من دفن الجثث يقوم بحرقها، "لم يستطع التواصل إلى تذكر أوامر الرب بشأن دفن ألموتي، كل ما عليه فعله هو إحراق الجثث، وهذا هو الحل الوحيد لمنع الطاعون من الظهور والتفشي" ص 190، واقعية الحدث تجعل إيليا واقعيا، لم يعد يلقي بالا للشريعة وأوامر الرب، فالواقع أقوى من الشريعة، أو يجب إخضاع الشريعة للواقع وللعقل، وهنا كان إيليا يتقدم بطريقة جديدة نحو الرب، طريقة الواقعية، التي تخدم الإنسان، وتأخذ مصلحته أولا وقبل أن يعمل بشريعة يمكن أن تكون دمارا وهلاكا على الناس، فالإنسان هنا هو الغاية هو القيمة التي يعمل لها، فما دونها لا يعد ذا قيمة مهما كان مصدره. طريقة البناء الفكري الجديد عند إيليا تفرض عليه ـ أحيانا ـ أن يتجاهل أو يهرب من المنطق الرباني، فهو لا يملك كافة الحجج المنطقية لتحليل ما يقوم به، فهو بعمله إعادة بناء مدينة "اكبر"فعندما سألنه المرأة "ـ لماذا ترد إنقاذ مدينة حكم عليها بالموت؟" ص191، أجابها : "إذا توقفت لأفكر، فساجد نفسي عاجزا عن التصرف كما ارغب" ص193، هذا الهروب من التفكير يجعل إيليا منساق وراء شيء مجهول، هو لا يعلمه، وكأنه ينفذ أمرا صادر عن كائن مقدس، من هنا لا يريد أن يفكر، لقد سلم نفسه للعمل ولشيء آخر غير محسوس، لكنه يعطيه الحيوية للاستمرار والتفاني في العمل. "كل ما علي فعله هو أن أعيد هذه المدينة إلى سابق عهدها، واثبت للرب أنني قادر على مواجهته، واذهب من ثم حيث أشاء" ص 195، من خلال هذا الكلام يكون العمل بالنسبة إيليا يخدم مجموعة مسائل، أولا: أصبح وسيلة للتحرر من النبوة والخلاص من الارتباط بالأوامر الربانية. ثانيا: وسيلة لتحدي قدر الرب، فمن خلال العمل المخالف لتوجيهات الرب، بإعادة بناء مدينة خربها ودمرها الرب لأنها لم تؤمن به، يعد أمرا مخالف وتحدي للرب. ثانيا: وسيلة لتحقيق الذات المستقلة والمتحررة من كل شيء. رابعا: إنقاذ الناس وتقديم العون لهم، فهم من يستحق أن يعمل لهم. خامسا: وسيلة للخلاص من الألم النفسي. "ـ الألم الذي نشعر به، أنا وأنت لن يزول أبدا، لكن العمل سيساعد على تحمله، أن العذاب لا يمكنه النيل من جسد متعب" ص192، بهذه الفلسفة لمفهوم العمل، وجد إيليا الخلاص والوسيلة التي توصله لغايته، فالعمل هو المقدس هنا، وكأنه تم استبدال إطاعة الرب بالانخراط والتوحد في العمل. بعد إتمام بناء المدينة، يكتشف إيليا بأنه قد أقدم على هذا البناء بإرادة الرب دون أن يشعر، وانه بتحديه للرب يحقق إرادة الرب ذاته، يستشهد بقصة يعقوب وصراعه مع الرب، حيث لم يحسم الصراع بينه وبين يعقوب حتى طلع الفجر، فطلب يعقوب من الرب أن يباركه لينفض الصراع بينه وبين الرب، من خلال هذه القصة يستنتج إيليا بان صراعه مع الرب يتماثل مع هذا الصراع ويقول "أن الصراع من الله ضروري أحيانا، وكل كائن بشري يكتشف، في وقت من الأوقات، أن مأساة حلت بحياته. قد تكون هذه المأساة دمار مدينة أو موت طفل، أو اتهاما دون دليل، أو مرضا يتركه عاجزا إلى الأبد، عندئذ يدفع الله الإنسان إلى تحدي إرادته، ومواجهته، والجواب عن السؤال التالي: لماذا تشبثت، إلى هذا الحد، بحياة وجيزة للغاية وحافلة بالعذابات؟ أي معنى لصراعك؟ فالإنسان، الذي لا يعرف الجواب عن هذا السؤال، يختار الخضوع والاستسلام، أما الذي يحاول أن يفتش عن معنى لوجوده، فيدرك أن الله ظالم، يتصدى للقدر. عندئذ، تنزل نار أخرى من السموات، ليس النار القاتلة، بل تلك التي تدمر الأسوار القديمة، وتمنح كل كائن بشري إمكانية الحقيقة، الجبناء لا يتركون أبدا لهذه النار أن تلتهب قلوبهم، وكل ما يرغبون فيه هو أن يعود الوضع إلى سابق عهده، حتى يتمكنوا من متابعة الحياة والتفكير، كما ألفاهما، أما الشجعان، فيضرمون النار في كل ما هو قديم وبائد، حتى لو كان الثمن، الذي سيدفعونه، العذاب الداخلي الكبير، ويتخلون عن كل شيء، حتى الله، ويسيرون قدما إلى الأمام، الشجعان هم دائما:عند" ص202و203، هنا يكتشف إيليا أهمية ما قام به، وان الصراع كان ضروري له ـ ليزداد إيمانا بالله، الذي منحه هذه القدرة على تحقيق الذات، "ومن السماء يبتسم الرب رضى، هذه هي إرادته، أن يتحمل كل إنسان مسؤولية حياته بالذات، ثم إن الله منح أبناءه أعظم العطايا، وهي القدرة على الاختيار والبت في أفعاله. وحدهم الرجال والنساء الذي أحرقتهم النار المقدسة، يملكون الشجاعة لمواجهة الرب، ووحدهم يعرفون طريق الرجوع إلى حب الله، لأنهم يدركون أن المأساة لم تكن في النهاية عقابا بل تحديا" ص203، أهم في النص الروائي أن الكاتب جعل من التحدي لأعظم كائن في الكون ـ الله ـ يصب في خدمة الإيمان به، وكأن إيليا من خلال العمل الذي قام به، كان يدور في محيط الدائرة التي أوجدها الله، فقد بدا لنا ولنفسه بأنه قد كفر وتراجع عن إيمانه، من خلال الأقوال والأفعال التي أقدم عليها، هكذا بدا لنا شكل العلاقة بين إيليا والله، لكن في جوهرها كانت علاقة منسجمة وتخدم الإيمان والإنسان معا. الفكرة كانت تتمحور حول الحرية، فرغم أنها ـ شكلا ـ تكون غير متفقة مع التوجه الرباني، إلا أن نتيجتها تصب في ترسيخ الإيمان أكثر، وأما ذلك الإيمان التقليدي العادي، الذي لا يواجه التقلبات الشخصية والاجتماعية فهو إيمان بليد، لا يصلح لتقديم أي شيء جديد، أو أي إبداع، يخدم الإنسان، فهنا الغاية من الإيمان خدمة الإنسان والذي بالضرورة سيخدم الإيمان بالله."إليك يا رب أتوق إلى العودة الآن، وأريد أن أعطيك كل ما في إرادتي من قوة، لكي تعهد إلي بمهمتك الجليلة، علي أن أوصل هذه المعركة ضدك، وأصارعك حتى تباركني" ص205. الرواية تخدم الفكرة الدينية في الأساس، قصة يعقوب وصراعه مع الرب، لكن تقدمها لنا من منظور عصري حديث، فتفسيرها جاء أيضا عن طريق نبي، وهنا خدمت الرواية الفكرة الدينية وقدمتها للمتلقي، بطريقة غير مباشرة، وهذا يعد أمرا يحسب للكاتب الذي استطاع أن يقدم فكرة دينية قديمة بطريقة وأسلوب عصري ـ رواية ـ وان يخدم فكرة الحرية والتحرر، وأيضا أهمية المواجهة والصراع للإنسان، فكان الكاتب من خلال قصة يعقوب وإيليا، يردنا جميعا أن نكون على شاكلتهما في تحدي والصراع مع الرب. يقدم لنا الكاتب مجموعة من العلاقات الاجتماعية والاقتصادية التي يتعامل بها الفينيقي، "ـ لا تقلقوا توصينا التقاليد بإيواء الغرباء... إذا رفضت مدينة استقبال زائر، عرف أبناؤها شقاء مماثلا" ص50، إكرام الضيف عرف قديم عند المجتمعات السورية والعربية، فهي تمتد جذورها منذ أن أخبرتنا الكتب السماوية عن ضيفي إبراهيم والأكرم الذي استقبلا به، من خلال ذبح العجل السمين لهما، وأيضا أكرام ضيفي لوط ـ الملكان ـ فقد استمر هذا الكرم منذ ذاك الوقت وما زال يعمل به، تقربا وتماثلا مع عمل الأنبياء. الحكمة التي يتمتع بها الفينيقي تجعلهم خبراء اقتصاد، يعرفون كيف يسيطرون على الآخرين دون حرب أو قتال، فهم أوحوا إلى من يسيطرون على العالم الآن بأهمية الاقتصاد ودورة في الهيمنة على العالم اجمع "دع البلدان الأخرى تتقاتل فيما بينها، أما نحن فنملك سلاحا أقوى وهو المال، وعندما تنتهي هذه البلدان من تدمير بعضها مداورة، ندخل مدنها ونسعى إلى بيع منتجاتنا هناك" ص 55، بهذه العقلية استطاع الإمبراطورية الفينيقية أن تستولي على العديد من المدن وتفرض سيطرتها من شمال أفريقيا وحتى جنوب أوروبا، فهناك العديد من المدن التي بنوها في اسباني وشمال أفريقيا، وما قرطاج التي تعد تحفة العالم القديم إلا أنموذج للعظمة التي وصل إليها الفينيقيين. مسألة المشورة وأخذ الرأي أيضا كانت تمارس في المدن الفينيقية، فرغم وجود حاكم ورجال دين وقائد للجيش، إلا أن الأمور التي تخص المدن كانت تخضع للمناقشة والحوار حتى يتخذ القرار الأقرب للصواب "تابع الكاهن كلامه ـ لن نقبل أي اقتراح... لكن شعب "اكبر" شعب شجاع وقادر على التصدي لكل الغزاة ـ فارتفع احد الأصوات قائلا: ـ التجار يسعون إلى السلام، والكهنة يريدون السلام، والحكام يناصرونه أيضا، لكن الجيش لا يسعى إلا إلى شيء واحد فقط، وهو القتال" ص 108، هذه المشاهد عن الواقع الحياتي للمدن الفينيقية يشير إلى التقدم الاجتماعي الذي وصلت إليه، فهي كانت متقدمة ـ نسبياـ عن العديد من الدول التي لم تعرف إلا الحكم المطلق، والمتمثل بالحاكم المستبد الحاصل على الحكم من إرادة سماوية. هناك مقولة مشهودة للفينيقيين تبين رؤيتهم المتقدمة للصراعات الحربية، وكيف يمكن ستبادلها بحرب بشكل آخر أكثر نجاعة من تلك الحرب التقليدية تتمثل ب "الحروب الحديثة تخاض في ميادين التجارة وليس في ساحات الوغى" ص111، وكأن الفينيقيين كانوا يعدون للنظام العالمي الحديث، الذي يستخدم كل ما هو جديد وحديث للهيمنة على الآخر.

  • أعجبني
  • تعليق
  • مشاركة
  • 1
  • 2
أضف مقتطفاً

الانسان لا يستطيع محاربة قدره وقد حاول وخسر

  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
الناس صنفان صنف يحمل الشعور بالبهجة داخله اما الصنف الاخر فدائم الشكوى مما يفعل وهم لا يشعرون باي متعة

  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
لا احد يفقد رؤية ما يرغبه حتى في تلك اللحظات التي يعتقد فيها ان العالم والاخرين اقوى منه ويمكن السر في ان لا تستسلم

  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
لقد فعل الله اشياء جعلتني اشك بحكمته ولكن ليس بوجوده

  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
كل شيء سيتم كما كتب الرب فثمة لحظات تحدث فيها محن وبلايا في حياتنا لا نستطيع تجنبها ولكنها موجودة لسبب ما لا يمكننا معرفته اثناء المحن انما فقط عندما نتغلب عليها سنفهم لماذا كانت موجودة

  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
من حق كل انسان ان يشك في مهمته وان يتخلى عنها من وقت الى اخر ولكن مالا يجب فعله هو ان ينساها

  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
مهما كانت النتيجة ثمة سبب وراء ذلك

  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
من بين جميع اسلحة الدمار التي يستطيع الانسان ان يبتكرها تعتبر الكلمة هي الاكثر اثارة للرعب والاقوى لان الكلمة تستطيع التدمير دون ترك اي اثر او دليل

  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
عندما نؤجل حل المشكلات فانها تتضخم

  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
الحرية هي ان تشعر بما يرغبه القلب بلا ادنى تفكير في راي الاخرين

  • تعليق
  • مشاركة
  • 0