عن معاوية عبد المجيد

مترجم سوري من مواليد دمشق عام 1985. درس الأدب الإيطالي في جامعة سيينا للأجانب في إيطاليا (2005-2010). علّم اللغة الإيطاليّة في المعهد العالي للغات، وكليّة الاداب، في جامعة دمشق (2010-2012). حصل على درجة الماجستير في الثقافة الأدبيّة الأوروبيّة عن قسم..

عن كارلوس زافون

كارلوس ريوث زافون (1964)، روائي وكاتب سيناريو إسباني من مواليد برشلونة، يقيم في الولايات المتحدة (لوس أنجلوس) منذ العام 1994. نشر روايته الأولى «أمير الضباب» في 1993، ونال عنها جائزة Edebé لأدب الناشئين والأطفال. وله ثلاث روايات أيضاً في أدب الناشئين..

كتب أخرى لـِ كارلوس زافون، معاوية عبد المجيد


thumb

thumb

thumb

thumb

thumb

thumb

قرّاء هذا الكتاب يقرؤون أيضاً


thumb

thumb

thumb

thumb

thumb

thumb

الكتاب على رفوف القـرّاء


سجين السماء (مقبرة الكتب المنسية #3)

عن: منشورات الجمل (2018)

الطبعة : 1
التصنيفات : أدب

لعل القارئ الذي هام في "ظل الريح"، وتاه في "لعبة الملاك"، سيستغرب من دخوله زنزانة "سجين السماء". إلا أنه سيتعرف باكرًا على لمسة كارلوس زافون وبراعته في تطويع مختلف التقنيات السرديّة لما يتوافق مع رؤيته. فإذا صوّر لنا زافون مدينة برشلونة بين رومانسية الظلّ النوستالجيّة، ودوامات اللعبة المتشابكة، فها هو في هذه المحطة الثالثة، ينتقل بنا إلى عوالم السجن الداخلية ليصف برشونة ما تحت الأرض، برشلونة الخارجة من رهاب الحرب،
والمتطلعة للجمال. سيكتشف القارئ في هذه الحلقة، أنه في عودةٍ متواصلةٍ إلى الحلقتين السابقتين، لا تقل متعةً وإثارةً وتشويقًا، ليعثر على حلولٍ لأكثر النقاط التي ظلت غامضة ومبهمة. سيلتقي مجددًا بشخصياتٍ ظنّ أنها ثانوية، وسيدرك أن لا شيء يحدث عن طريق الصدفة. حتى إذا أجاب زافون على التساؤلات، عاد وخلط الأوراق مرة أخرى، ممهدًا لقرائه انظلاقةً جديدة نحو دهاليز "متاهة الأرواح"، آخر المحطات من ملحمة "مقبرة الكتب المنسية".


  • الزوار (112)
  • القـٌـرّاء (1)
أضف مقتطفاً

الفصل الأوّل

حكايٌة من أجواء الميلاد

1

برشلونة، ديسمبر 1957

في ذلك العام، قبل أعياد الميلاد، مرّت علينا أيّامٌ مصبوغٌة باللون الرصاصيّ ومكسوٌّة بالضباب. وكانت العتمة النيليّة تطغى على المدينة، فيما يمشي الناس على عجالة متدثّرين بالثياب حتّى آذانهم، وزفيرُ أنفاسهم يرسم ستائرَ من بخارٍ في أجواء الطقس المتجمِّد. قلّتْ أعدادُ الذين توقّفوا عند واجهة مكتبة «سيمبيري وأبناؤه» في تلك الأيّام. ونادرًا ما غامر بعضُهم بالدخول ليسألوا عن كتابٍ ضائعٍ انتظرهم طوال الحياة، والذي كان بيعُه – فلنضعِ الشعر جانبًا – سيساهم حقيقًة في ترقيع الماليّة المزعزعة للمكتبة.

- أشعر أنّ هذا اليوم سيكون اليوم الصائب. سيتبدَّل مصيرُنا هذا اليوم. – أعلنتُ على أجنحة أوّل فنجان قهوةٍ في ذلك النهار، تفاؤلٌ نقيٌّ بتلك الحالة السائلة.

رفع والدي عينيه عن المصطبة، إذ كان منذ الثامنة صباحًا يصارع سجلّ المحاسَبة ببراعة الممحاة وقلم الرصاص. ألقى نظرة على طابور الزبائن الغائبين الذين كانوا يختفون عند المنعطف.

- فلتسمعك السماء يا دانيال. لأنّنا والحال وهذه، إذا فشلت إعلاناتُ الأعياد، لن يكون لدينا من المال ما يكفي حتّى لدفع فاتورة الكهرباء. لا بدّ لنا من فعل شيءٍ ما.

- البارحة، لمعت فكرةٌ في رأس فيرمين. – قلت – إنّه يرى خطّته عظيمة لإنقاذ المكتبة من الإفلاس الوشيك.

- فليُدخِلنا الربّ في رحابه مُعترِفين ومبلَّغين.

اقتبستُ حرفيًّا:

- ربّما، إذا زيَّنتُ الواجهة بالسراويل، أقول ربّما، قد تدخل بعضُ الإناث المتعطّشات للأدب والعواطف الجيّاشة، وينفقن النقود، لأنّ مستقبل الأدب – كما يقول الخبراء – متعلَّقٌ بالنساء. وربّما لم تولد بعد تلك الفتاة القادرة على مقاومة الإغراء الريفيّ لهذا الجسد الجبليّ. – ألقيتُ.

سمعتُ وقوعَ ممحاة والدي على الأرض خلف ظهري، فاستدرتُ.

- الكلام لفيرمين – أضفتُ.

ظننتُ أنّ والدي كان سيبتسم لبدعة فيرمين، لكنّني حين أدركتُ أنّه كمن استيقظ من صمته، رحت أنظر إليه خلسًة. لم يكن سيمبيري الأب مستمتعًا بذلك الهذر فحسب، بل ارتسمتْ على وجهه تعابير التمعُّن، كما لو أنّه حمل الفكرة محمل الجدّ.

- انظرْ أنت! قد تكون فكرة فيرمين صائبة. – غمغم.

رمقتُه مشدوهًا بما سمعتُ. لعلّ المصاعب المادّية، التي أصابتنا في الأسابيع الأخيرة، أثّرت في عقل والدي بشكلٍ خطير.

- لا تقل لي إنّك ستسمح له بالتجوّل في سراويله داخل المكتبة.

- لا، ليس هذا. بل الواجهة. خطرت ببالي فكرة بينما كنتَ تتحدّث... أعتقد أنّ الوقت لم يَفُتْ بعد لإنقاذ أعياد الميلاد...

رأيتُه يختفي في المستودع الخلفيّ ليظهر ثانيًة، مجهَّزًا بزيّه الرسميّ المُعَدِّ للشتاء: المعطف نفسه، الشال نفسه، والقبّعة نفسها التي أذكرها منذ أن كنتُ طفلًا. كانت بيا تقول إنّها تشكّ بأنّ والدي لم يشترِ ثيابًا منذ العام 1942، كما أنّ كلّ الدلائل تشير إلى أنّ زوجتي محقِّة. ابتسم والدي بطريقة مريبة، وهو يوغل يديه في القفّازين، وكانت عيناه توحيان بلمعةٍ صبيانيّةٍ لا تومض فيهما إلّا عند المغامرات العظيمة.

- سأتركك بمفردك بعض الوقت. – أعلن – سأخرج لإنجاز إحدى الطلبيّات.

- هل لي أن أسألك أين أنت ذاهب؟

غمز والدي بعينه.

- مفاجأة. سترى عمّا قريب.

لحقتُ به إلى الباب ورأيته ينطلق بخطىً واثقة، نحو بويرتا دل آنخل/باب الملاك، طيفًا بين الأطياف الكثيرة في موجة الزحام الرماديّة التي كانت تتراكم كالثلج طوال شتاءٍ طويلٍ من ظلٍّ ورماد.

2

اغتنمتُ فرصة بقائي وحيدًا، فقرّرتُ أن أشغلِّ الراديو لأتذوَّق قليلًا من الموسيقى، بينما كنت أعيد ترتيب الكتب بروِّيةٍ على الرفوف. كان والدي يرى أنّ تشغيل الراديو في حضرة الزبائن في المكتبة أمرٌ معيب؛ أمّا إذا شغَّلتُه بوجود فيرمين، تراه إمّا يباشر الدمدمة على الألحان أيًّا تكن، أو – وهو الأسوأ – يشرع في الرقص على ما يصفه بـ"الإيقاعات الكاريبيّة الشبقة"؛ فيثير أعصابي في غضون بضع دقائق. وعندما بتّ أعي تلك المصاعب العمليّة، توصّلتُ إلى نتيجةٍ مفادُها بأنّه ينبغي استنفاد كلّ السرور الذي تؤمِّنه الموجات الميغاهرتزيّة خلال اللحظات النادرة التي لا يوجد فيها أحدٌ داخل المحلّ، ما عداي أنا وعشرات آلاف تلك الكتب المختلفة.

كانت إذاعة برشلونة، في ذلك الصباح، تبثّ التسجيل المقرصن – الذي أجراه أحد هواة التجميع – للحفلة الخالدة التي أحياها عازف البوق لويس أرمسترونغ مع فرقته، ثلاثة أعياد ميلادٍ خلت، في فندق هوتيل ويندسور بالاس ديلا دياغونال. وكان المذيع، خلال الفواصل الإعلانيّة، يتعذَّب في تصنيف تلك الألحان عامًّة على أنّها «جيز»، وينوِّه بأنّ بعض التشديدات السنكوبيّة لهذا النمط من الموسيقى السفيهة لا يمكن أن تناسب آذان المستمع المحليّ، الذي تصدَّعت رأسُه بأنغام التوناديّا والبوليرو ومستهلّ حركة اليه–يه التي كانت تهيمن على البرامج الإذاعيّة إبّان تلك الأعوام.

اعتاد فرمين على القول إنّ الدون إسحاق آلبينيث، لو وُلِد زنجيًّا، لكنّا قد شهدنا ابتكار الجاز في كامبرودون، مثل البسكويت المعبّأ في العلبة، وإنّ تلك الألحان – أسوًة بحمّالة الصدر المدبّبة التي تختال بها معبودته كيم نوفاك في أحد الأفلام التي حضرناها في العروض الصباحيّة لسينما فيمينا/الأنثى – كانت تشكِّل أبرز الفتوحات النادرة للبشريّة اعتبارًا من مطلع القرن العشرين. قضيتُ بقيّة الصباح بين سحر تلك الموسيقى وعطر الكتب، وأنا أتنعّم بالصفاء والرضا الناجم عن عملٍ بسيطٍ ومُنجَزٍ على أتمّ وجه.

بحسب مزاعمه، أخذ فيرمين إجازًة في الصباح لينهي ترتيبات زواجه ببرناردا، المتوقّعة إقامته في أوائل فبراير. وعندما تكلّم بالأمر قبل أسبوعين، قلنا له جميعًا بأنّه كان يتسرَّع، وأنّ العجلة لا تُحمَد عقباها. حاول والدي أن يقنعه بتأجيل الزواج شهرين إضافيّين على الأقلّ، مبرهنًا كلامه بأنّ حفلات الزفاف تقام في الصيف عادًة؛ لكنّ فيرمين أصرّ على ذلك التاريخ مدّعيًا بأنّه – وهو المتأقلم النموذجيّ مع الأجواء القاسية والظالمة التي تخيِّم على هضاب الإستريمادورا – كان يتسيّل عرقًا أثناء صيف الساحل المتوسطيّ، شبه الاستوائيّ حسْب أحكامه؛ ولا يعتقد أنّ الأعراف الحميدة توافق على احتفاله بالزواج ملطَّخًا ببقعٍ من العرق – كالطواجن من حيث الحجم – تحت إبطيه.

كنتُ قد فكّرتُ بأنّ ثمّة ما يبعث على الاستغراب من ذلك الاستعجال على الزواج، الذي يبديه فيرمين روميرو دي توريس، وهو الذي كان رايًة خفّاقًة للمقاومة المدنيّة في وجه قداسة أمّنا الكنيسة، فضلًا عن المصارف والعادات الطيّبة التي اجتاحت إسبانيا خلال الخمسينات، ملؤها صلواتٌ ونشراتُ أخبار. ففي أثناء همِّته السابقة للزواج، وصلتْ به الحالُ لتمتين صداقة مع الخوريّ الجديد لكنيسة سانتا آنّا، الدون ياكوبو، القسّ المتحدِّر من بورغوس، صاحب الفكر المنفتح والأساليب التي تجعله أشبَه بملاكمٍ سابق؛ وقد نقل إليه فيرمين عدوى الولع اللا محدود بلعبة الدومينو. كانا في أيّام الأحد، بعد الصلاة، يتواجهان في مبارياتٍ تاريخيّة في مقهى أدميراي، وكان القسّ يضحك من كلّ قلبه عندما يسأله فيرمين، بين كأس وآخر من مشروب أعشاب مونتسيرات، عمّا إذا كان يعرف يقينًا أنّ للراهبات أفخاذًا، وعمّا إذا كانت – في حال وجودها – طريًّة وقابلةً للعضعضة كما كان يشكّ منذ أيّام مراهقته.

- أنت تسعى إلى الحرمان الكنسيّ. – كان والدي يؤنِّبه – لا ينبغي النظر إلى الأخوات ولا لمسهنّ.

- وماذا لو كان الخوريّ أشدّ فجورًا منّي. – يعترض فيرمين – آهٍ لو كان الأمر لا يتعلّق بالرداء...

وبينما كنت أتذكّر ذلك النقاش وأدمدم على أنغام بوق المايسترو أرمسترونغ، سمعتُ الجرس المعلّق على باب المكتب يُصدِر رنينه العذب. رفعتُ نظري متوقِّعًا أن أرى والدي عائدًا من مهمّته السرّيّة، أو فيرمين مستعدًّا للبدء في دور الظهيرة.

- صباح الخير – قال الصوت، الثقيل والخامل، من عند العتبة.

  • تعليق
  • مشاركة
  • 0