عن سيزار آيرا

وُلد سيزار آيرا في ضاحية بوينس آيرس، سنة 1949، حيث قضى كلّ طفولته يقرأ مجلاّت كوميكس وروايات مغامرات ككتب الإيطالي إيميليو سالغاري، وعندما بلغ سنّ الثّامنة انتقل إلى بوينس آيرس، وبعد سنتين من الدّراسة ترك الجامعة وتفرّغ للتّرجمة ليكسب عيشه، يقول عن ه..

كتب أخرى لـِ سيزار آيرا، عبد الكريم بدرخان


thumb

thumb

قرّاء هذا الكتاب يقرؤون أيضاً


thumb

thumb

thumb

thumb

thumb

thumb

الكتاب على رفوف القـرّاء


المؤتمر الأدبي (98 صفحة)

عن: دار مسكيلياني للنشر (2017)

الطبعة : 1
التصنيفات : أدب

رغم عنوان الرواية التّقريري، إلاّ أنّنا لن نشهد أي مؤتمر أدبي، تبدأ الرواية بصوت كاتب يزور فنزويلا ويسكن جنب أكبر لغز في القارة: «خط ماكوتو»، حبل مربوط على شكل مثلث جنب البحر، يخفي كنز قراصنة قديم، ينجح الكاتب في فكّ اللغز ويأخذ الكنز ليصير غنّياً، بعد أن عاش سنة صعبة بسبب أزمة إقتصادية أثّرت على سوق النشر. لن أكشف عن الرواية أكثر من هذا، رغم أن آيرا نفسه يقول بأنّه لا يأبه بالعُقد والنّهايات، وهو مستعد أن يفضح كلّ نهايات رواياته، ببساطة لأنّها لا تملك بدايات ولا نهاية، ولا تسلسل زمني. مع كل فصل نكتشف شيئاً جديداً، الكاتب يكشف عن هويته الحقيقية، عالمٌ مجنون يريد السّيطرة على العالم، ويريد استنساخ جيش كامل من البشر العباقرة، ومثاله هنا هو زميله في المؤتمر الأدبي والكاتب الشهير: كارلوس فوينتس..

تنتقل لغة السّرد من طبقة إلى أخرى، يحدّثنا العالم المجنون تارة بلغة ذهنية متفلسفة متأمّلاً في معاني الكمال وأصالة الأفكار وشباب الأجسام والحبّ، وتارة نشهد على مونولوغات طويلة حمقاء نجح المترجم في نقل نكتها المتخفّية. ليس هنالك خطّ ثابت لدى آيرا في الحَكي، وليس هنالك حبكة. كتابه يُقرأ جملة بجملة، جملة تضيف للجملة التي بعدها، أو جملة تناقض الجملة التي تسبقها، يبني ويهدم في نفس الوقت كطفل يلعبُ بمكعبّات اللّيغو، قد يكون صعباً على قرّاء الرواية العادية (ليس بالضّرورة الاستهلاكية، بل حتى الأعمال الطويلة، جيدة الحَبك).


  • الزوار (419)
  • القـٌـرّاء (1)
  • المراجعات (3)
ترتيب بواسطة :

كيف تعرف أن الروائي الذي تقرأ له حكَّاء ماهر؟ لعلَّ أحد الأسباب الواضحة والبسيطة؛ هي كيف ينحت الكاتب صوته أو صوت الراوي، أو ضمير المتكلم داخل القصة. أي أن تشعر أن شبح الكاتب فوق رأسك، يسرد لكَ حكايته بصوته. لكن في الوقت نفسه، وعند الانتهاء من قراءة روايته، قد ترغب في أن تحكي قصة الرواية لأحد أصدقائك، فتشعر أنك غير قادر على سرد القصة بنَفَس تأثرك بقراءتها، فتقول لهم: حكاية القصة شفهيًا على لساني لن تعجبكم، يجب أن تقرأوها بأنفسكم، وعندها تدرك معنى أن تكون لديك تلك المهارة، بأن تحكي كما لو أنك تكتب، وأن تكتب كما لو أنك تحكي، عندها فقط تدرك حرفية الكاتب الذي تقرأ له. والكاتب الأرجنتيني سيزار آيرا (1949) يُعدّ من هذا النوع من الروائيين، فروايته المؤتمر الأدبي(*) تعكس هذه القدرة والسلاسة في السرد، هذا إذا ما أضفنا الحسّ الساخر الذي يتمتع به. تدور أحداث "المؤتمر الأدبي" في فنزويلا، في أثناء زيارته الأخيرة لها، إثر دعوته إلى مؤتمر أدبي سيقام في مدينة "ميريدا". تأخر الكاتب على موعد الطائرة التي ستقله إلى تلك المدينة، ما يتيح له فرصة المرور ببلدة "ماكوتو"، وهي "إحدى البلدات الواقعة على طول الساحل، والمنتشرة تحت أقدام العاصمة كراكاس"، وهناك سيكتشف ما يطلق عليه "خطّ ماكوتو" وهو"إحدى عجائب الدنيا. كنز قديم تركه أحد القراصنة المجهولين (…) وفقًا للأسطورة، فقد صُمِّم الخطُّ لحماية الكنز من الغرق في قاع البحر (…) كان الجهاز بسيطًا بدهاء، فقد كان اسمه "خطّ" أي مجرّد خيط. وهو في الواقع حبلٌ مصنوع من الألياف الطبيعية، يمتد ثلاث يارادات فوق سطح ماء البركة المجاورة لشاطئ ماكوتو". لكن الكاتب سينهي قصة "خطّ ماكوتو" من الفصل الأول، بعد أن يعترف للقارئ أنه استطاع أن يحلَّ لغز الكنز، واستخراجه. "هذا الخطّ، هذا القوس المشدود منذ قرون، أطلقَ سهمه أخيرًا، واضعًا عند قدميّ الكنز الغارق، جاعلًا مني رجلًا ثريًا في لحظات. كانت لهذه النقطة فائدة عمليّة كبيرة، فأنا رجل فقيرٌ من يوم وُلدت، وخصيصًا في الفترة الأخيرة، بعدما عشتُ سنة كاملة في حالة كساد اقتصادي". ينجح سيزار آيرا في إرباك قارئه، وإقحامه في عمل روائي مفتوح على أسئلة كثيرة، منذ الفصل الأول. إذ إن ما يمكن أن ينتاب قارئ "المؤتمر الأدبي"، هو الإحساس بأن الكاتب لم يخترع من خياله مكانًا صالحًا لسرد ما هو غرائبي، بقدر ما حملته المصادفة - وهي دعوته إلى مؤتمر أدبي في فنزويلا - وتعثره بأسطورة كان قد قرأ عنها، لكنها اليوم حقيقة تتمثل أمام عينيه. والإشارة إلى حلّ اللغز والعثور على الكنز، في عمقها، تشكل رؤية سيزار للحياة وانعكاسها في الكتابة الأدبية، وهي كما يقول في روايته بأن "تنزع عن عينيك نقاب الأحلام (وهو جوهر الحقيقة)، لتعيش اللحظة في ذروتها، لتعيش على ايفريست اللحظة". سيعلن الكاتب/ الراوي في أثناء استكماله لسرد قصته، ورحلته إلى حضور المؤتمر الأدبي، عن اشتغاله بمهنة أخرى غير الكتابة، سيزعم أنه عالِمٌ يُجري اختبارات وتجارب حول استنساخ الخلايا، وعنده نوايا جدّية في السيطرة على العالم، من خلال استنساخ "إنسان كامل"، وبعد تفكير وتأمل، سيقرر بأن يستنسخ "نجم مشهور! عبقريٌّ معروف ومُحتفى به، نستنسخ منه عبقريًا آخر"، وسينظف "دبّورة صغيرة" لتأخذ عينة من جسم هذا العبقريّ. وسيقع اختيار سيزار/العالِم؛ على الروائي المكسيكي كارلوس فوينتس: "في الحقيقة لم ألبِّ الدعوة لحضور المؤتمر الأدبي في ميريدا، إلا بعدما تأكدتُ من حضوره للمؤتمر"، ستنجح الدبّورة من أخذ عينة من كارلوس فوينتس، ليضعها عالِمنا في آلة الاستنساخ، وانتظار النتيجة. عند هذا الحدث الكبير – استنساخ كارلوس فوينتس آخر – سيأخذ العمل مجرى بعكس توقعات قارئ، لن يحمل هذا التماسك الذي حمله النصّ، وترابط الأفكار – رغم الحفاظ على سلاسة السّرد – في البداية وحتى منتصف الرواية. كانت هناك محاولة لخلق قصص ثانوية، كقصص الحب العابرة، ومسرحية الكاتب التي سيمثلها طلاب ضمن أنشطة المؤتمر الأدبي، والتي لم تكن تحوم حول الحدث الأهم أو منسجمة بشكل أو بآخر معه. وقد تُشعر القارئ بعدم جدواها، وربما لن تشعر القارئ بالزخم الذي أحدثته في البداية. النتائج التي ستظهر في النهاية من العينة/الخلية المأخوذة كارلوس فوينتس، ستكون مخالفة للتوقعات التي ينتظرها سيزار، إذ يكتشف أن الدبّورة لم تأخذ عيّنة من جسم كارلوس فوينتس، بل من ربطة عنقه الزرقاء المصنوعة من الحرير! وهكذا تصحو المدينة على عدد هائل من الديدان، لونها أزرق برّاق. يُعلق الكاتب على ما حدث: "الآن أرى كل شيء بوضوح: خلية الحرير تحتوي على الحمض النووي للدودة التي أنتجته، وآلة الاستنساخ قامت بوظيفتها بنجاح تام، فهي لم تفعل غير قراءة الشيفرة الوراثية وإعادة نسخها، وها نحن نشهد النتائج المنطقية. هذه الوحوش الزرقاء ليست أكثرَ ولا أقلّ من ديدان قزّ مستنسخة، وإن كانت قد تضخمت إلى هذا الحجم غير المعقول، فذلك لأنني – ببساطة – تركتُ آلة الاستنساخ تعمل على زرّ العَملَقة". ربما السؤال الذي سيظل يشغل القارئ في النهاية، ماذا لو تمت عملية الاستنساخ بنجاح، وسيطر على العالم جيش من نسخ لا حصر لها من شخص كارلوس فوينتس؟ هل سيقول كما قال سيزار: يا لها من عظَمة أدبية عملاقة، مدمّرة وخطيرة، يمكن إنتاجها عن طريق الاستنساخ؟!

  • أعجبني
  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
  • 0

تعرّفت على الكاتب الأرجنتيني سيزار آيرا، بطريقة لا تخلو من الغرابة التي تسكن حكاياته. بورخيس هو الذي كان سبباً في اكتشافي لسيزار آيرا، ليس من كتاباته طبعاً، فبورخيس كان قد مات عندما كان الثاني في الثّلاثينيات من عمره. كانت أغلب كتب بورخيس المترجمة إلى الفرنسية، والتي أمتلكها، في نُسخة كتاب الجيب، تحمل على أغلفتها لوحات للفنان الأرجنتيني أنطونيو سيغي، الفنّان الشّهير الذي يرسم في كل لوحاته رجالاً بملامح خشبية حادّة وأنوف كبيرة محمرّة، يلبسون بدلاتٍ مخطّطة وقبّعات، يتحرّكون في فضاء مدينة، هم أكبر من مبانيها، وقد يحدثُ أن يُطلّ أحدهم برأسه الكبير من نافذة ما. لكن في احدى المرّات انتبهت إلى غلاف عليه لوحة لسيغي، لكنّه لم يكُن لبورخيس، كان ترجمة فرنسية لكاتب يدعى سيزار آيرا.. ومن هنا بدأت مغامرة القراءة. «لقد سافرت حول كلّ بلدان العالم، لكن لا يوجد شيءٌ من هذا في كُتبي»، هكذا قال الكاتب الفرنسي ريمون روسّيل في بداية القرن العشرين، أمّا سيزار آيرا، والذي يعتبر نفسه أحد تلامذة روسّيل، فيقول في واحد من حواراته القليلة: «لقد كتبت كتاباً عن محاورةٍ بين رجلين في جبال أوكرانيا، ثم أخبرت صديقة لي بأنّي لم أزُر أوكرانيا في حياتي ولا أعلم إذا كانت فيها جبالٌ حتى». بعيداً عن من شاهد ومن لم يُشاهد، يكتب آيرا نصوصه، مغامرات تبدأ من الورق وتنتهي داخله. وُلد سيزار آيرا في ضاحية بوينس آيرس، سنة 1949، حيث قضى كلّ طفولته يقرأ مجلاّت كوميكس وروايات مغامرات ككتب الإيطالي إيميليو سالغاري، وعندما بلغ سنّ الثّامنة انتقل إلى بوينس آيرس، وبعد سنتين من الدّراسة ترك الجامعة وتفرّغ للتّرجمة ليكسب عيشه، يقول عن هذا: «في السّتينيات والسبعينيات، كان هنالك في الأرجنتين ناشرون يصدرون كتاباً كلّ يوم، كانت كتب السّياسة وعلم الاجتماع والتّحليل النفسي موضة، جرّبت يدي فنجح الأمر». مارس سيزار آيرا التّرجمة لثلاثين عاماً، معظمها روايات بست –سيلر أمريكية، أشياء لا تشبه مناخاته الأدبية في أيّ شيء، وعندما يسأله صحافي عن صحّة الإشاعة التي تقول بأنّه يُترجمُ من غير قاموس، يجيبه آيرا ساخراً: «طبعاً، هذه كتب تُباع مثل الخبز، وكلّ ما يطلبه النّاشرون هو أن تكون مترجمة كأنّها كُتبت للقارئ الأرجنتيني، لذلك أُعيد كتابتها، والشّيء الذي لا أفهمه… أخترعه». عوالم قراءات الطّفولة لم تتركه، حكاياته تحتشد بالقراصنة والجنّيات والعلماء المجانين وشخصيات الكوميكس. يُفضّل آيرا «النوفيلا» كجنس أدبي، الكتب النّحيفة الأقل من 100 صفحة، بل نجد كتبا له لا يتجاوز حجمها العشرين صفحة، وعندما يُسأل عن السّبب الذي يدفعه لنشر هكذا أشياء، يقول بضجر: «أريدها أن تكون كذلك، صفيحة رقيقة تقف بمفردها بدل أن أحشرها مع قصص أخرى». في بلدٍ تتنافس فيه مدارس القصّة القصيرة، يجنحُ هو نحو «الحكاية» والنّص المفتوح. يعتقد –وبشدّة – أنّ الرّواية كجنسٍ ذهبت بغير رجعة منذ القرن التّاسع عشر، وأنّ كتابات كافكا وجويس – على سبيل المثال – لاحقاً كانت شيئاً آخر غير الرواية، لذلك هو قارئ كبير لكلّ الأدب الكلاسيكي، لكنّه يعتبر أنّ وقت الرواية قد ولّى، ومحال أن يخلق أحدهم نفس المشاهد المجتمعية والمعقّدة لتولستوي أو فلوبير. «توماس مان وفوكنر مثلاً استثناء.. لكن اليوم هناك المسلسلات البيروفية ذات الألف حلقة لفعل ذلك». يقول ساخراً. يقرأ آيرا كثيراً، يقرأ لكلّ الكتّاب، من كلّ الحقبات، ومن الأجناس الأدبية والبلدان، والكتابة هي استمرار لعملية القراءة لديه، يخرج نحو مقهى شعبي ويضع أدواته على الطاولة ويبدأ من آخر جملة توقّف عندها، بلا خطّة واضحة. يُمكنه أن يتحدّث لساعات عن نوع الورق الأبيض الذي يكتب عليه، وأقلام الـمون بلون الغالية التي يستعملها، والأحبار الملوّنة التي تجعل ريشة القلم تنساب على الورق من غير أن تلطّخه، ورغم أن عدد كتبه تجاوز المئة كتاب، إلاّ أنّه يؤكد على فكرة الكتابة ببطئ. «لا أتجاوز الصّفحة يومياً. أكتب بتأنٍ وأكّثف كلّ جملة». ولأن الكتابة عنده لا تخضع إلى قواعد، يمكنه أن يبدأ كتاباً قبل نهاية الأول، ثم يجِدُ أقرب طريق لإنهاء هذا الأخير. لكن ماكينة الخيال والكتابة عند آيرا ليست بهذه البساطة، رغم أنّها تبدو كذلك. يصرّح: «أن تحشو كتبك بكليشيهات حكايات المغامرات ونُتف من الثّقافة الشّعبية من جرائد وبرامج تلفزيون، إلخ.. لا يعني أنّك تكتب مثلي (…) أمّا بالنسبة للأسلوب فمن الأفضل أن لا يُتعب الكاتب نفسه في البحث عن واحد، هو شيء كالكلام والمشي، مع الوقت والكتابة سيطلع بنفسه». ينشر آيرا أكثر من ثلاثة كُتب كل ّسنة، وهو على هذا المنوال منذ السّبعينيات، لذلك فهو يتعامل مع دور النشر الصغيرة «الطموحة» و«الأندرغراوند»، يعلّق ساخراً. لا يحب أن تُطبع أعماله في دور النّشر الكبيرة. «أصلاً عندما بدأت النشر بهذه الوتيرة لم تكن دور النشر العملاقة لتقبل كتبي النّحيفة والمضادة لسياسات التسويق والاستهلاك» يضيف. ليست كلّ كتبه روايات، أو حكايات كما يسمّيها، بل هناك عشرات الكتب الصّغيرة عن الفنّ والأدب. «محاولات قصيرة أو مقالات طويلة، سمّها ما شئت، عن الرّسم والشّعر والكوميكس» كتبها ونشرها على مدار السنوات. صدرت، مؤخراً، أول رواية لآيرا بالعربية، عن دار مسكلياني للنّشر، وبترجمة عبد الكريم بدر خان، هي إحدى أشهر رواياته: «المؤتمر الأدبي». ورغم عنوان الرواية التّقريري، إلاّ أنّنا لن نشهد أي مؤتمر أدبي، تبدأ الرواية بصوت كاتب يزور فنزويلا ويسكن جنب أكبر لغز في القارة: «خط ماكوتو»، حبل مربوط على شكل مثلث جنب البحر، يخفي كنز قراصنة قديم، ينجح الكاتب في فكّ اللغز ويأخذ الكنز ليصير غنّياً، بعد أن عاش سنة صعبة بسبب أزمة إقتصادية أثّرت على سوق النشر. لن أكشف عن الرواية أكثر من هذا، رغم أن آيرا نفسه يقول بأنّه لا يأبه بالعُقد والنّهايات، وهو مستعد أن يفضح كلّ نهايات رواياته، ببساطة لأنّها لا تملك بدايات ولا نهاية، ولا تسلسل زمني. مع كل فصل نكتشف شيئاً جديداً، الكاتب يكشف عن هويته الحقيقية، عالمٌ مجنون يريد السّيطرة على العالم، ويريد استنساخ جيش كامل من البشر العباقرة، ومثاله هنا هو زميله في المؤتمر الأدبي والكاتب الشهير: كارلوس فوينتس.. تنتقل لغة السّرد من طبقة إلى أخرى، يحدّثنا العالم المجنون تارة بلغة ذهنية متفلسفة متأمّلاً في معاني الكمال وأصالة الأفكار وشباب الأجسام والحبّ، وتارة نشهد على مونولوغات طويلة حمقاء نجح المترجم في نقل نكتها المتخفّية. ليس هنالك خطّ ثابت لدى آيرا في الحَكي، وليس هنالك حبكة. كتابه يُقرأ جملة بجملة، جملة تضيف للجملة التي بعدها، أو جملة تناقض الجملة التي تسبقها، يبني ويهدم في نفس الوقت كطفل يلعبُ بمكعبّات اللّيغو، قد يكون صعباً على قرّاء الرواية العادية (ليس بالضّرورة الاستهلاكية، بل حتى الأعمال الطويلة، جيدة الحَبك). مع آيرا يتخلّى القارئ على انتباهه وتركيزه، لا يحاول أن يُمسك بكل الخيوط، ليكتشف تجاور التفصيل السُريالي مع التفصيل مفرط الواقعية، قد يقول لك آيرا أنّ الصينيين الذين يمسكون السوبرماركت تحت بيته، هم فضائيون من كوكب الصين، لكنّه سيتفنّن في وصف سلع المحل ببراعة كاتب طبيعي من القرن التّاسع عشر، لا شيء ثابت مع كاتب مماثل إلاّ المتعة، كأنّه بورخيس مع جرعة قويّة من الجنون والكآبة.. بل هو أقرب لرجل لوحات أنطونيو سيغي من بورخيس، فرجل سيغي المسرع دائماً، الكلاسيكي في مظهره، الذي يتفقّد ساعته ويمدّ خطواته.. هو في مكان ما آيرا، ابن الطّبقة المتوسطة الضّجِرُ من يومياته، المُضحكُ رغم جدّيته، الهارب من مكان إلى آخر ورأسه قد تجاوز أسطح المنازل.

  • أعجبني
  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
  • 0

“المؤتمر الأدبيّ”.. هذا ليس عنوان كتاب تعليميّ في كيفيّة إعداد مؤتمر أدبيّ ناجح أو شيء من هذا القبيل، إنّه عنوان رواية لا تؤمن بالمؤتمرات الأدبيّة أصلا. خارج ما تعدّه هذه المحافل، ينبتُ هذا النّصّ البرّيّ لصاحبه سيزار آيرا بعيدا عن الواقعيّة السّحريّة التي هيمنت على أدب موطنه الأرجنتين وأميركا اللاتينيّة بصفة عامّة. وقد صدرت هذه الرّواية مؤخّرا في ترجمة متقنة لعبدالكريم بدرخان عن دار مسكيلياني للنّشر والتّوزيع (2017). أرجنتيني مجنون ينقسم المتن الروائي لـ”المؤتمر الأدبي” إلى قسمين اثنين، أوّلهما يحمل عنوان “خطّ ماكوتو”، أمّا الثّاني فيحمل عنوان الرّواية. يرسم لنا المؤلّف في القسم الأوّل والوجيز أفق انتظار يشي بأنّ الرّواية ستظلّ وفيّة لمناخات الأدب اللاتينيّ: زيارة إلى فنزويلا حيث يكمن سرّ عجيب يسمّى خطّ ماكوتو وهو بمثابة تصميم لحبل يصعد من البحر ويتّصل بـ”صخرة ناتئة فوق البحر، ملتفّا على عمود حجريّ طبيعيّ المنشأ. ومن ذلك العمود يعود إلى الشّاطئ، حيث يلتفّ على مسلّة حجريّة عدّة لفّات، مشكّلا عقدة فوق عقدة، كلّ واحدة منها مربوطة ربطة الفراشة. ثمّ يصعد قمّتي جبلين من سلسلة الجبال السّاحليّة ومنها يعود إلى المسلّة راسما مُثلّثا”. إنّه تصميم لكنز ظلّ مغلّقا على الجميع طيلة قرون في انتظار السّارد الذي ما إن لامسه حتّى انكشف اللغز. ومع ذلك فإنّ راوي الحكاية يعلمنا -من خلال أوّل ادّعاء فنّيّ سيفتتح به سلسلة جنونيّة من الادّعاءات- أنّ ذلك لا علاقة له بالقصّة التي جئنا إلى الكتاب لنقرأها. “ثمّ ركبتُ طائرة حملتني إلى تلك المدينة الجميلة الواقعة في جبال الأنديز، حيث يعقد المؤتمر الأدبيّ، وهو موضوع هذه القصّة”. بالإضافة إلى ما سيشكّله الحدث المركزيّ في القسم الأوّل من فاتحة للسّرد لن يتوقّف توالدها على امتداد الرّواية، فإنّ الصّفحات الأولى تقدّم لنا هذا السّارد-الشخصيّة المحوريّة وتعيّنه في موقعه الغريب: رجل فقير وأديب له “أعمال أدبيّة محاطة بهالةٍ من السّموّ الفنّيّ البديع، ما يجعلها لا تحقّق مبيعات”، وله كذلك أعمال علميّة “محاطة بستار من السّرّيّة والكتمان”، ولكنّه يكسب رزقه من عمله في التّرجمة. إذا ما نظرت إلى التّعريف الذي خصّ به النّاشر المؤلّف في ختام الكتاب، ستلاحظ كم يتوافق حال هذا السّارد وحال مؤلّفه حتّى أنّه يمكن لك إذا ما واصلت القراءة إلى القسم الثّاني أن تكتشف أنّ لهما الاسم نفسه: سيزار آيرا. هذا لا يحدث دفعة واحدة طبعا؛ فالكاتب هنا يستمتع بمضاعفة المفاجآت الواحدة تلو الأخرى. فهو إذ يستعيد نسق السّرد في بداية القسم الثّاني يحدّثنا مستخدما ضمير “الهو” عن عالم أرجنتينيّ مجنون يشبه أولئك الذين عرفناهم صغارا في الكتب أو الرّسوم المتحرّكة. إنّه عالم “يجري اختبارات وتجارب حول استنساخ الخلايا وكذلك الأعضاء والأطراف” ويحلم بأن يسيطر على الكون. في الصّفحة الخامسة والعشرين يتدخّل صوت مّا قائلا “هنا يجب أن أتدخّل في القصّة لأوّل مرّة، وبشكل جزئيّ. هذا ‘العالم المجنون’ هو أنا. هذه الأنا سوف تجد لها اسما بعد صفحات بعيدة هو سيزار إذ تنادي على العالم فتاة جميلة تصاحبه في الدّيسكو. ويصير مسموحا منذ ذلك الحين تكرار اسم المؤلّف باطّراد. ما علاقة هذا بالمؤتمر الأدبيّ؟ العالم المجنون يذهب إلى المؤتمر مدعوّا بوصفه كاتبا لكنّ رغبته الحقيقيّة تتمثّل في أنّ الشّخص الذي يطمح لاستنساخ خلاياه بوصفه عبقريّا يؤهّل مشروع سيطرته على العالم للنّجاح هو الكاتب المكسيكيّ وعالم الاجتماع الدّبلوماسيّ كارلوس فوينتس. في الحقيقة تولد في الرّواية أحداث كثيرة، لكنّها تمثّل حبكات ثانويّة بالنّسبة إلى من ينتظر تقدّم الحبكة المركزيّة. يبدو الكاتب كما لو أنّه قد وجد سببا مّا مقنعا كي يتحدّث، وأنّ متعته تكمن في نقل ملاحظاته الشّخصيّة الطّريفة سواء عن الأدب أو الحياة أو العلم أو غير ذلك ممّا هو أدنى أو أرفع. اللعب بلا ضوابط ثمّة مزج في الرّواية بين أساليب وعوالم كثيرة منها ما هو سورياليّ ومنها ما يتّصل بمناخ كتب الخيال العلميّ ومنها ما يمتح من خصائص الرّواية الأوروبيّة على تعدّد أصنافها الفرعيّة. يملك سيزار آيرا عبقريّة أن يحدّثك عن الأب ويفكّر فيه لحظةَ كتابته دون أن يجعله غير متطابق مع العلم الدّقيق التّجريبيّ في اللّحظة ذاتها. مقاطع كثيرة من الرّواية كانت تعرض معرفة نقديّة عن الأدب بشكل طريف جدّا وبنبرة ساخرة ومشاكسة تختلف جوهريّا عن طريقة المؤتمرات الأدبيّة. إنّها رواية مزروعة ألغاما في كلّ مكان؛ ففي اللّحظة التي تستغرق فيها مع أفكار الاستنساخ الجينيّ يذكّرك المؤلّف أنّ ما يفعله في الحقيقة هو استنساخ أساليب فنّيّة من الآخرين هي في نظره أهمّ ما يمكن أن يؤخذ منهم بترصّد من يخطّط لجريمة معقّدة. وفي اللّحظة التي يتكثّف فيها حضور اسم المؤلّف بوصفه الشّخصيّة الرّئيسية، يرمي لك هذا الكاتب حجرا في سياق مغاير، وعليك وحدك أن تنتبه إلى دلالاته الكثيرة لعلّك لا تطمئنّ لإقامة الكاتب عينه في حبكة هذه الرواية: “بالنّسبة إليها كلّ ذلك واحد. كلّ ذلك هو كارلوس فوينتس. وهذا لا يختلف عمّا حدث مع النّقّاد والأكاديميّين الذين شاركوا في المؤتمر الأدبيّ، إذ وقعوا في معضلة لا حلّ لها: أين ينتهي الكاتب؟ وأين تبدأ كتبه؟ بالنّسبة إليهم -أيضا- كلّ ذلك واحد. كلّ ذلك هو كارلوس فوينتس”. يُسند الكلام في بداية هذا المقطع إلى الحشرة الدّبّورة التي استنسخها العالم/السّارد من أجل أن تقتنص خليّة من كارلوس فوينتس. ويتمّ العمل المتبقّي عند قمّة الجبل. ما حدث فيما بعد أنّ جمهورا من الدّود العملاق الأزرق قد بدأ يهاجم المدينة الصّغيرة نزولا من المرتفعات. لقد أخطأت الدّبّورة، واقتنصت جزءا من ربطة عنق كارلوس الزرقاء القطنيّة الطّبيعيّة. لقد حسبت ربطة العنق امتدادا لكارلوس الذي يحبّه العالم ويصطفيه سوبرمانه الخاصّ. في تشوّش الأحداث، تنادي الفتاة على سيزار “هل تسمع ذلك يا سيزار؟ ما الذي يحدث؟”. بعد صفحات قليلة نسمعه يقول كما لو كان ربّا خرج نظام الخلق عن سيطرته “هنا توجد صفحة بيضاء في هذه القصّة. فلا أعرف ما الذي حدث في الدّقائق التّالية”. إنّه إحساس مدوّخ فعلا تختبره عند قراءة رواية لا يجد صاحبها حرجا في اللّعب بكلّ المعايير والضّوابط ومعها. يحدث ثغرة زمنيّة في أكثر اللّحظات تشويقا من خلال هذه الصّفحة البيضاء، ثمّ يستعيد السّرد من موضع آخر ولا يجيب عن أسئلتنا السّابقة بشيء إلى أن ينهي الرّواية. هل أنهاها فعلا؟ وهل كان قد بدأها أصلا؟ عليك أن تترك لحواسّك كلّها أن تهدأ جيّدا، ربّما تجد إجابة عن هذا السّؤال.

  • أعجبني
  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
  • 0