عن خالد الجبيلي

مترجم سوري مقيم في نيويورك. 45 كتابا، روايات و قصص ودراسات و تاريخ، هي الحصيلة الترجمية المفتوحة التي حققها لحد الآن المترجم السوري خالد الجبيلي. حائز على إجازة في اللغة الإنجليزية و آدابها من جامعة حلب، بسورية، و من معهد اللغويين بلندن. يعمل حاليا م..

عن ريتشارد فلاناغان

روائي أسترالي يكتب فلاناغان بانتظام في الصحافة الأسترالية والعالمية في مواضيع الأدب والسياسة والبيئة، إلى جانب حضوره الأدبي الكبير، ينشط في قضايا حماية البيئة؛ فهو عضو في مجلس إدارة معهد «فويسْلِسْ» المهتم بحماية الحيوانات، كما أُطلق اسمه على من..

كتب أخرى لـِ ريتشارد فلاناغان، خالد الجبيلي


thumb

thumb

thumb

thumb

thumb

thumb

الدرب الضيق إلى مجاهل الشمال (478 صفحة)

عن: منشورات الجمل (2016)

الطبعة : 1
التصنيفات : أدب

تصدر منشورات دار الجمل، الترجمة العربية لرواية «الدرب الضيق إلى مجاهل الشمال» للكاتب والروائي الأسترالي ريتشارد فالاناغان، ونقلها إلى اللغة العربية المترجم خالد الجبيلي، وهى الرواية التي فازت بجائزة المان البوكر العالمية 2014، وهى مستوحاة من سيرة والده خلال الحرب العالمية، الرواية The Narrow Road to the Deep North وصفتها لجنة تحكيم الجائزة بـ«قوية كطعنة في البطن».

الروائي الأسترالي ريتشارد فلاناغان ليس مجهولًا في الساحة الأدبية؛ يعده النقاد الأستراليون أفضل روائي أسترالي ضمن جيله، كما أنه معروف ضمن مشهد أدب الكومنولث. نالت روايته «كتاب جولد عن الأسماك» 2001 جائزة «كتاب الكومنولث» التي تبدو بوصلةً بنسبة كبيرة لما يمكن أن تكون عليه «مان بوكر».

يبدو الكاتب والروائي الأسترالي ريتشارد فالاناغان هادئًا في حياته الروائية والواقعية في آن واحد. كان شديد التواضع في كلمته التي ألقاها بعد فوزه بالجائزة من دون أن يخلو كلامه من صرامة شديدة بشأن عملية الكتابة: «الروايات حياة أو لا شيء .. أن تكون كاتبًا يعني رحلة نحو التواضع، يعني أن تُهزَم من أمور أكبر حتى».

في روايته السادسة The Narrow Road to the Deep North التي اقتبس عنوانها من قصيدة للشاعر الياباني البارز «ماتسوو باشو»، يبدو فلاناغان كأنه يدرك خيوط الحياة بأسرها، هذه الرواية التي تعدّ تحيّة إلى والده، مستوحاة من تجربة هذا الأب كأسير خلال الحرب العالمية الثانية لدى الجيش الياباني.

هى قصة دوريغو إيفانز وحبه لإيمي، إيفانز الطبيب الجراح الذي يعتقل في مخيّم للعمل على خط السكك الحديدية بين تايلاند وبورما، المعروف بـ«سكة الموت»، يحاول مساعدة الرجال الذين يواجهون الجوع والموت والكوليرا والضرب هناك.

وخلال الحفلة التي أقيمت في لندن وتسلم فيها فلاناغان جائزة البوكر، وصف رئيس لجنة التحكيم أنطوني جرايلينج الرواية بـ«بالعمل العظيم حول اثنين من أهم مواضيع الأدب في العالم .. الحب والحرب»، مضيفًا أن «هذا هو الكتاب الذي ولد ريتشارد فلاناغان من أجل كتابته».

يكتب فلاناغان بانتظام في الصحافة الأسترالية والعالمية في مواضيع الأدب والسياسة والبيئة، إلى جانب حضوره الأدبي الكبير، ينشط في قضايا حماية البيئة؛ فهو عضو في مجلس إدارة معهد «فويسْلِسْ» المهتم بحماية الحيوانات، كما أُطلق اسمه على منعطف نهري «فلاناغان سوربرايز» في محميّة «فرانكلن ريفر».


  • الزوار (757)
أضف مقتطفاً

1(*)

لماذا يوجد ضوء دائماً في بداية الأشياء؟ كانت جميع الذكريات الأولى التي يتذكرها دوريغو إيفانز تنحصر في أشعة شمس تغمر قاعة كنيسة يجلس فيها مع أمّه وجدته. كانت قاعة الكنيسة مشيّدة من الخشب. نور يبهر الأبصار، وهو يتهادى بخطوات وئيدة ذهاباً وإياباً، لتضمه نساء بين أذرعهن ويعانقنه بحرارة، ويغمرنه بمحبتهن. كان ذلك أشبه بالغوص في البحر ثم الخروج منه والعودة إلى الشاطئ، مرة تلو الأخرى.

بارك الله فيك، كانت أمّه تردد وهي تضمه إلى صدرها، ثم تفلته من بين ذراعيها، وتردد بارك الله فيك يا بني.

لا بدّ أن ذلك كان في عام 1915 أو في عام 1916. ربما كان عمره سنة أو سنتين. ثم برز ظل في هيئة ساعد يرتفع إلى الأعلى، وراحت خطوطه السوداء تتقافز في الضوء المنبعث من فانوس كيروسين. كان جاكي ماغوير جالساً في المطبخ الصغير المظلم في بيت أسرة إيفانز، وهو يبكي. في ذلك الحين، لم يكن أحد يبكي إلا الأطفال الصغار. كان جاكي ماغوير رجلاً بالغاً، لعله كان في الأربعين من العمر، أو أكثر قليلاً، وكان يحاول أن يجفف بظاهر يده الدموع التي تسيل على وجهه المليء بآثار الجدري، أم هل كان يمسحها بأصابعه؟

بكاؤه فقط هو الذي ظل ثابتاً في ذاكرة دوريغو إيفانز. كان صوتاً يشبه صوت شيء يُكسر. ذكّره إيقاعه البطيء بقوائم الأرنب الخلفية وهو يخبط على الأرض مختنقاً عندما يقع في المصيدة. الصوت الوحيد الذي كان قد سمعه آنذاك وكان يشبه ذلك الصوت. كان في التاسعة من عمره، وكان قد دخل لُيريَ أمّه بثرة متورمة مليئة بالدم على إبهامه، ولم يكن لديه شيء آخر يقارنها به. لم يكن قد رأى رجلاً بالغاً إلا مرة واحدة فقط. مشهد مفعم بالدهشة عندما عاد شقيقه توم من الحرب العظمى في فرنسا، وترجّل من القطار. كان قد ألقى بجعبته فوق التراب الحار على جانب الطريق وانفجر في البكاء بغتة.

بينما كان دوريغو إيفانز ينظر إلى شقيقه، تساءل ما الذي يدفع رجلاً بالغاً إلى البكاء. لاحقاً، أصبح البكاء مجرد تأكيد للمشاعر. المشاعر التي هي البوصلة الوحيدة في الحياة. أصبح الشعور عاماً، وأضحت العواطف مسرحاً الناس فيه ممثلون لا يعرفون من هم خارجه. وسيعيش دوريغو إيفانز فترة طويلة من الزمن تكفي حتى يشهد كلّ التغيرات التي طرأت، وسيتذكّر زمناً كان فيه الناس يشعرون بالخجل من البكاء، ويخشون من إبداء ضعفهم، والمشاكل التي تؤدي إليه. سيعيش عمراً كاملاً ليرى أناساً يُمتدحون على أشياء لا تستحق الثناء، لأنهم يعتبرون الحقيقة تسيء إلى مشاعرهم.

في الليلة التي عاد فيها توم، أوقدوا ناراً في الخارج. لم يفه توم بكلمة واحدة عن الحرب ولا عن الألمان أو عن الغاز والدبابات والخنادق التي كانوا قد سمعوا عنها. لم يقل شيئاً على الإطلاق. إن مشاعر المرء لا تعادل دائماً كلّ الحياة. وفي بعض الأحيان فإنها لا تساوي أيّ شيء على الإطلاق، بل راح يحدّق في النار المشتعلة.

2
ليس للرجل السعيد ماض، أما الرجل الحزين فليس لديه شيء آخر. عندما تقدّم به العمر، لم يتذكر دوريغو إيفانز إن كان قد قرأ هذه العبارة أم أنه اختلقها من بنات أفكاره. اختلقها، ركّبها، ثم فككّها. فككّها بلا هوادة. من الصخر، إلى الحصى، إلى التراب، إلى الطين، إلى الحجر. وهكذا يمضي العالم، كما كانت تقول له أمّه عندما يسألها عن أسباب، أو يطلب منها أن تفسّر له كيف وصل العالم إلى هذا أو ذاك. كانت تقول دائماً إن العالم وجد هكذا. إنه هكذا يا ولد. كان يحاول اقتلاع قطعة من الحجر من عمق الأرض ليبني قلعة عندما كان يلعب، سقطت حجرة أكبر على إبهامه، فنبقت بثرة كبيرة محتقنة بالدم وراحت تنبض تحت ظفره.

حملته أمّ دوريغو بكلتا يديها وأجلسته على طاولة المطبخ في البقعة التي يهبط فيها نور المصباح، وكانت تتحاشى نظرة جاكي ماغوير الغريبة. ثم رفعت إبهام ابنها إلى الضوء. وبين نشيجه، قال جاكي ماغوير بضعة أمور. كانت زوجته قد استقلت القطار في الأسبوع الماضي مع أصغر أطفالهما وذهبت إلى لونسيستون، ولم يعودوا.

أخذت أمّ دوريغو سكين تقطيع اللحم التي تجمدت على حافة نصلها بقعة صفراء من دهن الخروف. عندما وضعت طرف السكين على جمرات الفحم في موقد المطبخ، انطلقت سحابة خفيفة من الدخان، وملأت المطبخ برائحة لحم محروق. ثم أخرجت السكين من الموقد بعد أن توهج طرفها بلون أحمر، وانبعثت شرارات من ذرات التراب الحارة البيضاء اللامعة. مشهد وجده دوريغو ساحراً ومرعباً في آن معاً.

لا تتحرك، قالت له، وأمسكت بيده. أدهشته قبضتها القوية.

كان جاكي ماغوير يروي كيف استقل قطار البريد إلى لونسيستون وذهب يبحث عنها، لكنّه لم يعثر عليها في أي مكان. بينما كان دوريغو إيفانز يراقب ما يجري، لامس طرف السكين المتوهّج ظفره، فانبعث لسان من الدخان عندما أحرقت أمّه ثقباً صغيراً في جلد أصبعه المتصلبة. ثم سمع جاكي ماغوير يقول -

لقد اختفى كل أثر لها من على وجه الأرض، السيدة إيفانز.

انبجست من إبهامه دفقة صغيرة من الدم الداكن لتحلّ محل الدخان المتصاعد، وتلاشى الألم المنبعث من بثرة الدم تحت ظفره، والرعب الذي كان قد تملكه عندما رأى سكين المطبخ المتوهّجة.

هيا امض، قالت أمّ دوريغو، ودفعته بمرفقها لينزل من على الطاولة. هيا انصرف الآن يا ولد.

لقد اختفت! قال جاكي ماغوير.

لقد حدث كلّ ذلك في تلك الأيام التي كان فيها العالم رحباً، وكانت جزيرة تسمانيا لا تزال هي العالم. ومن بين الأماكن النائية والمنسية، أصبحت قلة قليلة منها طي النسيان وأكثر بعداً من كليفلاند، تلك القرية الصغيرة التي يقطنها أربعون شخصاً أو قرابة ذلك، والتي كان يعيش فيها دوريغو إيفانز. قرية قديمة كان يُرسل إليها المحكومون بالإعدام، وكانت بمثابة محطة تتوقف عندها العربات للاستراحة، وقد شهدت أوقاتاً عصيبة، وأصبحت طي النسيان، لكنها لا تزال موجودة حتى الآن بعد أن غدت تحويلة للسكة الحديدية، تتناثر في جنباتها حفنة من البيوت التي توجد عادة في المناطق التي تعود إلى عهد الملك جورج الخامس، وأكواخ خشبية متهالكة ذات شرفات مسقوفة بالأغصان، كانت ملاذاً للذين عانوا من المنفى والضياع طوال قرن من الزمن، تحيط بها غابات أشجار النعناع وأشجار الصمغ المتمايلة، وعريشة فضّية تتمايل وتتراقص تحت الحرارة القائظة. كان الطقس حاراً قاسياً في الصيف، وقاسياً، قاسياً جداً في الشتاء. لم تكن الكهرباء والمذياع قد وصلا بعد، ولو لم يكن ذلك الزمن في العشرينات من القرن العشرين، لكان من الممكن أن يكون في الثمانينات، بل ربما في الخمسينات من القرن التاسع عشر. بعد عدة سنوات، ردد توم، وهو رجل لم يكن يتكلم برمزية، بل ربما كان مدفوعاً، أو هكذا خيّل إلى دوريغو آنذاك، بموته الوشيك والرعب الذي تملكه من الموت، القول القديم – بأن الحياة كلها ما هي إلا حكاية رمزية، أما القصّة الحقيقية فهي ليست هنا – وقال إنها أشبه بخريف طويل لعالم يحتضر.


كان والده عامل صيانة في السكة الحديدية، وكانت أسرته تقيم في كوخ مشيّد من ألواح خشبية تعود ملكيته إلى مؤسسة الخطوط الحديدية في حكومة تسمانيا بجانب الخطّ. وفي الصيف، عندما يشحّ الماء، كانوا ينقلون الماء من الخزان المخصص للقاطرات البخارية. وكانوا ينامون تحت جلود حيوانات الأوبسوم التي كانوا يصطادونها، وفي معظم الأحيان، كانوا يقتاتون على الأرانب والكنيغرات التي يصطادونها، وعلى البطاطا التي يزرعونها، والخبز الذي يخبزونه. ولم يتمكن والدهم الذي نجا من فترة الكساد في تسعينات القرن التاسع عشر، والذي رأى الرجال يتضورون جوعاً في شوارع هوبارت، من أن يصدّق حظّه بأن انتهى المطاف به إلى أن يعيش في جنة العمّال هذه. وفي لحظاته الأقلّ تفاؤلاً كان يقول أيضاً: "ستعيش مثل كلب، وستموت مثل كلب".

كان دوريغو إيفانز يعرف جاكي ماغوير من العطلات التي كان يمضيها أحياناً مع توم. ولكي يذهب لزيارة توم، كان يركب في مؤخرة عربة جو بايك من كليفلاند باتجاه درب فرعي في وادي فينغال. وبينما كان الحصان الذي كان يطلق عليه جو بايك بمحبة اسم غرايسي، يخب على طول الدرب، كان دوريغو يتمايل إلى الأمام وإلى الوراء، ويتخيّل نفسه في هيئة غصن شجرة نعناع يشير بأصابعه نحو السماء الزرقاء الفسيحة في الأعلى. كانت تهبّ عليه رائحة لحاء الشجر الرطب، وأوراق بدأت تجفّ، ويراقب أنواع ببغاوات اللوريكيت الصغيرة بألوانها الخضراء والحمراء وهي تزقزق في أعالي السماء. كان يجد متعة كبيرة عندما يسمع أصوات طيور النمنمة وآكل العسل، ويتناهى إليه صوت السوط الذي يختلط بصوت حوافر غرايسي، وصوت صرير وخشخشة السيورات الجلدية، والأعمدة الخشبية، والسلاسل الحديدية التي تصدرها العربة. عالم من الإحساس عاد في الأحلام.

كانا يشقّان طريقهما على امتداد الدرب القديم الذي تسير فيه العربات، ويجتازان الفندق الذي تتوقف عنده العربات للاستراحة، والذي أخرجته السكة الحديدية من الخدمة، فأضحى خرباً متهالكاً تعيش فيه عدّة أسر فقيرة، بمن فيها أسرة جاكي ماغوير. وكلّ بضعة أيام، تنبعث سحابة من الغبار معلنة عن قدوم سيارة، فيخرج الأطفال من وراء الأشجار ومن الفندق الذي تتوقف عنده العربات، ويطاردون السحابة التي تصدر ضجيجاً حتى تلتهب رئاتهم بالنار، وتتصلب وتتشنج سيقانهم.

عند منعطف وادي فينغال، ينزل دوريغو إيفانز من العربة، ويلوّح لجو وغرايسي بيده مودعاً، ويبدأ سيره إلى لويلين، البلدة التي تمتاز بأنها أصغر من كليفلاند. وما إن يصل إلى لويلين، حتى يمضي باتجاه الشمال الشرقي عبر حقول ترويض الخيول، ثم يأخذ طريقه من قمة جبل بن لوموند الصخرية المكسوة بالثلج، ويشقّ طريقه عبر دغل نحو السهول المغطاة بالثلج وراء بن حيث يعمل توم لمدة أسبوعين، ويتوقف أسبوعاً، في صيد حيوان الأوبسوم. ويصل بعد الظهر إلى بيت توم الذي هو عبارة عن كهف يقع بجانب منعطف شديد الانحدار أسفل حافة نتوء جبلي. كانت مساحة الكهف أصغر قليلاً من مساحة مطبخ بيتهم ذي السقف المائل، وحتى في أعلى نقطة فيه، كان توم يقف محني الرأس. كان الكهف يضيق من كلا طرفيه مثل بيضة، ويظلل فتحة الكهف سقف صخري مغلق، مما يعني أنه يمكن إيقاد نار هناك طوال الليل لإشاعة الدفء في الكهف.

كان توم الذي هو الآن في مطلع العشرينات من عمره، يشغّل معه جاكي ماغوير أحياناً. كان توم الذي يمتلك صوتاً جميلاً، يغنّي في كثير من الأحيان أغنية أو أغنيتين في الليل. ثم يبدأ دوريغو في القراءة، على ضوء النار المتقدة، بصوت مسموع من نشرات قديمة ومن مجلات سميث الأسبوعية التي تشكّل جميعها مكتبة صائدي حيوان الأوبسوم، لجاكي ماغوي الذي لا يستطيع القراءة، ولتوم الذي يقول إنه يستطيع أن يقرأ. وكانا يحبّان أن يقرأ لهما دوريغو من عامود نصائح العمّة روز، أو القصائد الشعبية التي يرون أنها طريفة، أو أحياناً طريفة جداً. وبعد فترة من الزمن، بدأ دوريغو يحفظ لهما قصائد أخرى من أحد كتبه المدرسية يدعى "بارناسوس الإنكليزي". وكانا يفضّلان الاستماع إلى "أوليسيس"، لتينيسن.

وجه تكسوه بثور الجدري، مبتسم في ضوء النار البراقة، مثل فطيرة خوخ مخبوزة حديثاً، يقول جاكي ماغوير، يا لهؤلاء العظماء! كانوا قادرين على ضم الكلمات بإحكام أكثر مما تستطيع أن تفعله مصيدة نحاسية تخنق أرنباً. لم يخبر دوريغو توم بما رآه قبل اختفاء السيدة جاكي ماغوير بأسبوع: شقيقه يدسّ يده تحت تنورتها، بينما هي- امرأة ضئيلة الجسم، مشدودة، سمراء – تنحني وتتكئ إلى قنّ الدجاج وراء مرآب العربات، وكان وجه توم مطبق على رقبتها. كان يعرف أن شقيقه يقبّلها.

لسنوات عديدة، كان دوريغو يفكّر كثيراً بالسيدة جاكي ماغوير التي لم يكن يعرف اسمها الحقيقي، والتي كان اسمها الحقيقي يشبه الطعام الذي كان يحلم به كلّ يوم في معسكر أسرى الحرب – هناك، وليس هناك، يضغط على جمجمته، شيء يتلاشى باستمرار كلما مدّ يده نحوه. وبعد فترة، بدأ تذكّره لها يخفت؛ وبعد فترة، لم يعد يتذكرها على الإطلاق.

3
كان دوريغو الشخص الوحيد بين أفراد أسرته الذي تمكّن من اجتياز امتحان التأهيل عندما أنهى دراسته وهو لا يزال في الثانية عشرة من عمره، وهكذا حصل على منحة دراسية في مدرسة لونسيستون الثانوية. كان أكبر سناً من سنته الدراسية. في اليوم الأول من التحاقه بالمدرسة، عند فترة الغداء، سار إلى مكان يدعى الساحة العليا، وهي أرض مستوية تكسوها أعشاب جافة وأتربة، ولحاء جذوع الأشجار وأوراقها، وتنتشر على أحد جوانبها أشجار صمغ ضخمة. وراح يراقب الفتيان ذوي الأجساد الضخمة من الصفين الثالث والرابع الذين كان لبعضهم سوالف طويلة، وفتيان تكسو أجسامهم عضلات كالرجال، يصطفون في صفّين غير منتظمين، يتدافعون، ويتصادمون، ويتحركون كأنهم يرقصون رقصة قبلية. ثمّ بدأ سحر التحمية لبدء المباراة. فيبدأ أحد الفتيان بركل الكرة من الصفّ الذي يقف فيه عبر الساحة إلى الصفّ الآخر. عندها يركض جميع الفتيان المصطفين في ذلك الصفّ معاً نحو الكرة - وإذا ارتفعت عالياً – كانوا يثبون إلى الأعلى لالتقاطها. وتحتدم حدة المعركة لإحراز هدف، ومن يسعفه الحظ في ذلك، يحظى بتقدير كبير. وتكمن الغنيمة – الجائزة - في ركل الكرة إلى الصفّ الآخر، وهكذا دواليك.

وهكذا انقضت ساعة الغداء كلها. لقد غلب الفتيان الأضخم، وأحرزوا العدد الأكبر من الأهداف، وحققوا معظم الركلات. أما بعض الفتيان الأصغر سناً، فقد تمكنوا من إحراز بضعة أهداف وركلات، وأحرز عدد منهم هدفاً واحداً في حين لم يحرز آخرون أي هدف.

شاهد دوريغو كلّ ذلك أثناء استراحة الغداء الأولى. وقد قال له أحد الفتيان من الصفّ الأول إنه يجب أن تكون في الصفّ الثاني على أقل تقدير، حتى تتاح لك فرصة المشاركة في اللعب – فالفتيان الكبار أقوياء جداً، وسريعون جداً، ولن يتوانوا عن لكز الرأس بمرفقهم، أو توجيه لكمة إلى الوجه، أو دفع ركبة في الظهر ليتخلصوا من منافسيهم. رأى دوريغو بعض الفتيان الأصغر سناً يتسكّعون خلف الساحة، بضع خطوات في الخلف، على أهبة الاستعداد للإمساك بكرة يمكن أن تقذف عالياً جداً، بينما يقف اللاعبون كتفاً إلى كتف.

في اليوم الثاني، انضم إليهم. وفي اليوم الثالث، وجد نفسه يقف وراء الفريق. ورأى من فوق أكتافهم كرة تتأرجح عالياً في الهواء ثم تعود لتهبط باتجاههم. لوهلة مكثت الكرة في الشمس، وعرف أن عليه أن يتلقى الكرة بيديه. هبت عليه رائحة بول النمل في أشجار الكينا التي أحس بظلال أغصانها اللزجة تبتعد عنه وتتلاشى عندما أخذ يجري إلى الأمام باتجاه اللاعبين. مضى الوقت بطيئاً، ووجد كلّ الحيز الذي يحتاج إليه في المكان الذي يتجمع فيه أقوى الفتيان وأضخمهم وراح يندفع الآن. عرف أن الكرة التي كانت تتدلى من الشمس هي له، وأن كلّ ما عليه أن يفعله هو أن يصعد إلى السماء. لم تكن عيناه تركزان إلا على شيء واحد، وهو الكرة، لكنّه شعر بأنّه لن يتمكن من بلوغها بالسرعة التي كان يجري فيها، فوثب إلى الأعلى، ولامست قدماه ظهر أحد اللاعبين، ولامست ركبتاه كتفي لاعب آخر، وهكذا ارتقى إلى الشمس التي كانت تبهر الأبصار، فوق جميع اللاعبين الآخرين. وفي ذروة تناحرهم، امتدّت ذراعاه فوقه إلى الأعلى، وأحسّ أن الكرة بدأت تصل إلى يديه، وعرف أنه أصبح بإمكانه الآن أن يبدأ بالهبوط خارج الشمس.

قابضاً على الكرة بكلتا يديه بإحكام، سقط على ظهره بقوة إلى حدّ أنه أطلق معظم أنفاسه. نهض على قدميه وهو يلهث بشدة، ووقف هناك في النور، ممسكاً بالكرة البيضوية، مهيئاً نفسه الآن لينضم إلى عالم أضخم.

عندما بدأ يعود مترنحاً، أفسح المتعاركون حوله مكاناً يحظى بالاحترام.

اللعنة، من أنت؟ سأله فتى ضخم الجسد.

دوريغو إيفانز.

إنها رائعة يا دوريغو. ركلتك.

رائحة لحاء شجر الكينا، النور الأزرق البراق الذي يميّز منتصف نهار تسمانيا، الحاد الذي اضطره إلى إغماض عينيه نصف إغماضة حتى لا تنشطر عيناه. حرارة الشمس الشديدة على بشرته المشدودة، ظلال الآخرين القصيرة القاسية، الشعور بأنه يقف على عتبة، وولوج ببهجة، كون جديد في حين لا يزال كونك القديم معروفاً ويمكن الإمساك به ولم يكن قد فقده بعد – كان يدرك كلّ ذلك، كما كان يدرك التراب الحار، وعرق الفتيان الآخرين، والضحكة والبهجة النقية الغريبة لوجوده مع الآخرين.

اركلها! سمع أحداً يصرخ. اركل المنيوكة قبل أن يقرع الجرس وينتهي كل شيء.

في أعماق كيانه، فهم دوريغو إيفانز أن حياته كلها كانت رحلة إلى تلك اللحظة التي طار فيها لوهلة إلى الشمس، وأنه سيبتعد عنها الآن إلى الأبد. بالنسبة له، لن يكون هناك شيء حقيقي كهذا. لم يكن للحياة معنى كهذا أبداً.


(*) فصل من رواية للكاتب الاسترالي ريتشارد فلاناغان، فازت بجائزة البوكر العالمية 2014، ترجمة خالد الجبيلي وتصدر قريبا عن دار الجمل.

  • تعليق
  • مشاركة
  • 0