عن عبد الله حبه

كاتب ومترجم عراقي مقيم في موسكو. درس في معهد الفنون الجميلة قسم التمثيل، وبعد تخرجه وحصوله على الشهادة الجامعية سافر إلى موسكو عام 1960 لدراسة المسرح الروسي في معهد الفن المسرحي غيتيس الشهير. صدر له أكثر من 50 كتاباً مترجماً عن اللغة الروسية إلى اللغ..

عن سفيتلانا ألكسيفيتش

سفيتلانا اليكسييفيتش (مواليد 31 مايو 1948 في بلدة أيفانو- فرانكيفيسك غرب أوكرانيا)، في كنف عائلة مدرسين في الريف. وتخرجت من كلية الصحافة في جامعة مينسك (1967-1972). هي صحفية وكاتبة بيلاروسية عملت في جريدة محلية بمدينة بريست بالقرب من الحدود البولندية..

كتب أخرى لـِ سفيتلانا ألكسيفيتش، عبد الله حبه


thumb

thumb

thumb

thumb

thumb

قرّاء هذا الكتاب يقرؤون أيضاً


thumb

thumb

thumb

thumb

thumb

thumb

الكتاب على رفوف القـرّاء


فتيان الزنك (368 صفحة)

عن: دار ممدوح عدوان للنشر والتوزيع (2016)

رقم الايداع : 9789933540098
الطبعة : 1
التصنيفات : أدب

في كتابها فتيان الزنك وثقت التدخل السوفيتي في أفغانستان بين العامين 1979 و 1985. جمعت فيه مقابلات مع جنود عائدين من الحرب، أو مع أمهات وزوجات جنود قتلوا هناك، وأعيدت جثثهم في توابيت مصنوعة من الزنك.

كانت نتيجة الحرب آلاف القتى والمعوقين والمفقودين، مما دفع سفيتلانا إلى أثارة أسئلة حساسة حول الحرب، من نحن؟ لماذا فعلنا ذلك؟ ولماذا حصل لنا ذلك؟ ولماذا صدقنا ذلك كله؟

تعرضت سفيتلانا للمحاكمة بسبب نشرها هذا الكتاب، وتم إضافة جزء من الوثائق المتعلقة بالمحاكمة في الترجمة العربية.


  • الزوار (743)
  • القـٌـرّاء (3)
  • المراجعات (2)
ترتيب بواسطة :

تنقل الروسية البيضاء سفيتلانا أليكسييفيتش (68 عاما) -الحاصلة على جائزة نوبل للآداب سنة 2015- في كتابها "فتيان الزنك" الذي يوثق هوامش على دفاتر الحرب السوفياتية في أفغانستان؛ ما يجول في دواخل المشاركين في الحرب والشهود الأحياء الذين تغيرت حياتهم إثر مشاركتهم أو مشاركة أبنائهم فيها، وكيف أنهم أصبحوا أشخاصا غريبي الأطوار بعد حرب حفلت بالأهوال.


ترمز سفيتلانا من خلال العنوان "فتيان الزنك" إلى أولئك الشباب السوفيات الذين قضوا في تلك الحرب التي خاضها الاتحاد السوفياتي في أفغانستان بداية من 1979، واستمرت أكثر من تسعة أعوام، وبلغت الخسائر الإجمالية للسوفيات أكثر من 15 ألف قتيل ومئات الأسرى والمفقودين، وكانت جثثهم توضع في توابيت زنك لترسل إلى الوطن.

دعاية كاذبة

تحرص سفيتلانا على إفساح المجال للضحايا ليفصحوا عما يجول في خواطرهم، تفتح نافذة على قلوبهم المضمخة بالأسى، وتظهر ما يعترك فيها من أحاسيس متناقضة. تفتح دفاتر الحرب وتوثق شهادات من اكتووا بنيرانها، منهم جنود مشاركون في الحرب، وممرضات، وهي الشاهدة المتألمة، تنقل للقارئ استغاثاتهم.


تنقل الكاتبة على لسان أمٍّ عاد ابنها من الحرب بعد سنوات، واقترف جريمة قتل في بلدته، تذكر أنه كان متغيرا جدا، غريبا عنها، وأنهم أعادوا إليها شخصا آخر، ليس ولدها. تستذكر أنها أرسلته بنفسها إلى الجيش، بالرغم من أن موعد خدمته قد أجّل، وأنها أرادت أن يصبح رجلا جريئا وجسورا.


تحكي سفيتلانا بحرقة أن المرأة التي تحول ابنها إلى قاتل كانت تحسد الأم التي عاد ابنها دون سيقان، تحسد جميع الأمهات الأخريات حتى اللواتي مات أبناؤهن.


تقول إنها كانت ستجلس عند القبر وتشعر بالسعادة وتحمل الزهور إليه، لكن أن تكون أمّا لقاتل هو ضحية في الوقت نفسه، فهذه مأساتها الكبرى. 


تثبت سفيتلانا أنها لا تريد أن تكتب المزيد عن الحرب، وأنها تريد أن تحيا وسط "فلسفة الاختفاء" بدلا من "فلسفة الحياة". وأن تجمع مجددا خبرة اللاوجود إلى ما لانهاية. وتقول إنها عندما أنهت كتابة "ليس للحرب وجه أنثوي"، بقيت فترة طويلة لا تستطيع رؤية الدم ينزف من فم طفل لدى إصابته بجرح بسيط.


تشير الكاتبة إلى الدعاية الكاذبة التي كان النظام يتحايل بها على الناس، ويرسل الشباب إلى حرب عبثية بذريعة مساعدة الشعب الأفغاني في بناء الجسور والطرق والمدارس ونقل الأسمدة إلى القرى، وأن الأطباء السوفيات سيقومون بمهمة مساعدة الحوامل، وسيحمل الجنود العائدون إلى المدارس الغيتارات لكي ينشدوا عما يجب النحيب له.

قتل مجاني

تتساءل سفيتلانا كيف يمكن في آن واحد معايشة التاريخ والكتابة عنه؟ وتذكر أنها وضعت في المستشفى العسكري دمية دب من القطيفة فوق سرير طفل أفغاني، فأمسك الدمية بأسنانه، هكذا كان يلعب لأنه من دون ذراعين، وتوثق قول والدته الذي نقله إليها المترجم: "لقد أطلق جماعتكم الروس النار عليه. هل عندك أطفال؟". وتقول إنها لم تعرف ما تضمنه قولها بقدر أكبر؛ الفظاعة أم المغفرة.


تشير إلى مفارقة القتل المجاني جراء تلقي أمر بفعل ذلك، وكيف أنها بعد حديث طويل مع أحدهم، أرادت أن تسمع منه الحديث عن عذاب هذا الخيار، إطلاق النار من عدمه على الناس، ليتبين لها أن الأمر بالنسبة إليه لم يكن يمثل أية دراما. وتدون كذلك بأسى أن حدود الأخلاق بالنسبة إلى أولئك الفتيان محددة بالأمر العسكري.


تنقل سفتيلانا على لسان أحد المقاتلين قوله إنه لا يرد في أي دستور نص حول حق الإنسان في عدم القتل، وعدم تعلم القتل. وكيف أن التفكير في الموت مثل التفكير في المستقبل، يحدث شيء ما للزمن حين يفكر المرء في الموت ويراه، وينبثق إلى جانب الخوف من الموت الانجذاب إليه.


وتصف صعودها إلى الطائرة ورؤيتها توابيت الزنك الجاهزة المملوءة بجثث الفتيان الصغار تتألق ببهاء ورعب تحت الشمس، بأنها إذا ما رأت شيئا مماثلا ترد على الفور الفكرة القائلة إن أنفاس الأدب تضيق في حدوده، ويمكن التعبير بالوصف الاستنساخي وبالواقع فقط عما تراه العين. وتتساءل: "ما الحاجة إلى تقديم تقرير عن الحدث؟". كما تؤكد على ضرورة إيجاد وسيلة أخرى، انطباعات، لحظات منتزعة من الحياة.


تعترف الكاتبة أنها كانت تفكر في استحالة تأليف كتاب عن الحرب في زمن الحرب، إذ يحول دون ذلك شعور الشفقة والحرقة والألم الجسدي والصداقة، والرسالة الآتية من البيت، والتي تريد بعدها أن تحيا.


وتنبه إلى أن هناك من كان يلومها من العسكريين بقولهم إنها لم تطلق النار ولم يوجه أحد فوهة سلاحه إليها، فكيف تستطيع الكتابة عن الحرب؟ تتساءل أين ذلك الإنسان الذي يتألم لمجرد طرح فكرة الحرب نفسها؟


  • أعجبني
  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
  • 0

كان لحصول سفيتلانا اليكسيفتس على نوبل للآداب لعام 2015 مفاجأة لكثيرين. البعض اعتبرها صحافية محترفة وكاتبة تحقيقات استقصائية تؤلفها وتنشرها في كتب، ولكنها ليست روائية أو كاتبة قصص. منذ أيام صدرت لاليكسيفتش الترجمة العربية لكتابها «فتيان الزنك» عن دار ممدوح عدوان للنشر والتوزيع السورية بعد انتقالها للعمل في دبي. الترجمة جيدة وهي للكاتب والمترجم العراقي عبدالله حبه المقيم في موسكو، وقد ترجم الكتاب عن الروسية مباشرة. وصدر له أكثر من خمسين كتاباً مترجماً عن الروسية إلى العربية. هذا الكتاب أيضاً قد لا يعتبره البعض رواية فهو ينقل شهادات لضحايا الحرب السوفيتية على أفغانستان بين عام 1979 والـ 1989 عندما كان الاتحاد السوفيتي لا يزال قائماً. والضحايا التي تروي شهاداتهم هم: جنود، أمهات جنود، ممرضات، طيارون مظليون، وسواهم.

كتابة المشاعر البشرية

كيف تروي صاحبة «موت الإنسان الأحمر» و«أصوات من تشيرنوبل» شهاداتها وكيف تكتبها؟ تقول اليكسيفتش إنها تكتب نوعاً أدبياً هو الأنسب لرؤيتها للعالم، ويعبّر عما تسمعه أذناها وما تراه عيناها من الحياة. وتقول أيضاً إنها انتهت أخيراً إلى نوع من الكتابة يتكلم فيها البشر مع أنفسهم. البشر حقيقون في كتبها فيما هم يتكلمون عن الحوادث الكبرى في العصر كالحرب أو كارثة تشيرنوبل أو سقوط الإمبراطورية السوفيتية. وهي تعتبر أن الوثيقة في الفن أصبحت متزايدة الإثارة والأهمية بينما ثبت ضعف الفن بشكله المألوف. فالوثيقة تقرّبنا من الواقع، إذ تقنص الجذور وتستبقيها. ولكن ما تكتبه الكاتبة البيلاروسية حائزة نوبل ليس تأريخاً او تسجيلاً جافاً للأحداث والوقائع: «أنا اكتب تاريخ المشاعر البشرية، ما يفكّر الناس فيه ويفهمونه ويتذكرونه من الحدث، ما يؤمنون به ويسيئون فهمه، ما يتوهمونه ويرجونه ويخشونه ويختبرونه أيضاً.

وهذا ما يستحيل تخيله أو ابتكاره بحجم التفاصيل الحقيقية. فنحن سرعان ما ننسى كيف كنا قبل عشرة أعوام أو عشرين أو خمسين وفي بعض الأحيان نخجل من ماضينا ونرفض أن نصدق ما جرى لنا».

أطلقت النار

اليكسيفتش تحاول أن تستعيد كل هذا كما في كتابها «فتيان الزنك» حين يقول جندي مشاة روسي في أفغانستان: «كانت وحدتنا ترابط في كابل (يضحك فجأة). كانت لدينا قاعة للمطالعة: انها مرحاض كبير. لا تحزني يا ماما إنها حفرة مساحتها تعادل عشرين في عشرين متراً وبعمق ستة أمتار». ويقول الجندي نفسه: «أطلقت النار. طبعا أطلقتها كثيراً. كنت أضع الشخص في المهداف ثم أضغط على الزناد. الآن آمل في ألا أكون قد قتلت كثيرين لأنهم كانوا يدافعون عن وطنهم.

أتذكر احدهم. حالما أطلقت النار سقط. يداه ارتفعتا الى الأعلى وسقط لكنني احتفظت به في ذاكرتي. هل يمكن تصور كيف يشعر الشخص حين يسيل الدم من بلعومه. يجب ان تتعلم كيف تقتل، قال لنا المدرب».

الجندي نفسه يختتم شهادته بالقول ان الإنسان يتغير ليس في الحرب بل بعد الحرب. انه يتغير حين ينظر بالعينين ذاتهما اللتين رأى بهما ما كان هناك وإلى ما يوجد هنا. «انا لا أتفلسف بل أريد أن أدرك حقيقة نفسي. بفضل أفغانستان تعرفت على نفسي، على الأصدقاء والتقيت زوجتي. وهناك عرفت الذاكرة الكامنة في أعماقي».

شهادات حقيقية

على هذا المنوال تروي اليكسيفتش شهادات شخصياتها الحقيقية التي تقول انها تمضي ما بين ثلاث وأربع سنوات في جمعها وتسجيلها لكل كتاب. أي ما بين 500 و700 شهادة تستغرق كل واحدة منها ساعات وساعات.

في كتابها الأول «وجه الحرب اللانسوي» تقول ان أكثر من مليون امرأة سوفيتية شاهدن ما جرى في الخطوط الأمامية للحرب العالمية الثانية، تراوحت أعمارهن ما بين الــ 15 والــ30 وبرعن في العديد من المهن العسكرية وصرن ملاحات، وسائقات دبابات، وحملة رشاشات وقناصات، ولم يكن ممرضات أو طبيبات أو مسعفات. لكن الرجال نسوا النساء بعد الحرب وسرق الرجال النصر منهن. «في كتابي هذا النساء وحدهن هن المتكلمات. انها الحرب كما عاشتها النساء. الرجال وصفوا بطولاتهم بينما تتكلم النساء عن شيء آخر. مثلاً: كم كان مرعباً السير في حقل طويل مغطى بجثث القتلى المبعثرة كالبطاطس. بعد الحرب كان على النساء أن يخضن حربا أخرى أيضاً: أخفين هوياتهن العسكرية وشهادتهن وجراحهن لأنهن أردن أن يتزوجن».

توابيت الزنك

كتابها الثاني هو «الشهادة الأخيرة: كتاب القصص غير الطفولية» ويتناول ذكريات الحرب لكن بعيون الأطفال ما بين السابعة والحادية عشرة. اما كتابها الثالث «فتيان الزنك» فهو الأول لها الذي حظي بترجمة عربية. الغريب أننا في هذا الكتاب نعلم ان السوفيت الذين اقتيدوا الى الحرب في أفغانستان قيل لهم انهم ذاهبون إلى هناك لمساعدة الأفغان في بناء الجسور والمدارس وتأهيل المستشفيات ومساعدة النساء الحوامل أو بمعنى آخر تعليمهم كيف يبنون الاشتراكية. هذا ما يقوله كثيرون من الجنود الذين تروي اليكسيفتش شهاداتهم. وما يطالعه القارئ في «فتيان الزنك» يبدو كأنه مكتوب الآن عن العراق أو سوريا. الكاتبة نفسها تقول: كأنه مكتوب لنا نحن الشهود على مأساة 11 سبتمبر، حيت تغير العالم تغيراً جذريا في يوم واحد.

استوحت اليكسيفتش عنوان كتابها «فتيان الزنك» من توابيت الزنك التي كان يعود بها قتلى الجيش السوفيتي الى بلادهم، حيث كانت تمنع عائلاتهم من فتح هذه التوابيت التي تحوي أشلاء أبنائهم الذاهبين لبناء الاشتراكية في أفغانستان.

في توطئة هذا الكتاب تروي أم جندي عاد سليماً من أفغانستان: «أنا أسير وحيدة. الآن يتعين عليّ السير وحيدة لفترة طويلة. لقد قتل ابني رجلاً بسكين المطبخ بينما كنت أفرم اللحم هناك من أجله. فقد عاد من الحرب سليماً وارتكب جريمة القتل هنا… هناك في السجن، حيث يحتجز ابني الآن كلاب بوليسية سوداء كبيرة. انا الآن لا أعرف حال ابني بل انني لم أعد اعرفه ولا كيف سألقاه بعد خمسة عشر عاماً سيقضيها في السجن.

الألم فن

اليكسيفتش اذاً تروي مأساة الانسان، أي انسان في الحرب، في كل الحروب. وقد تعرضت الكاتبة البيلاروسية للمحاكمة بسبب نشرها هذا الكتاب الذي تحوي ترجمته العربية وقائع المحاكمة في نهايته. وتقع هذه المحاكمة في 60 صفحة من أصل 366 صفحة.

أخيرا ننقل عن اليكسيتش ما تقوله في إحدى مقابلاتها: «الناس في الحب تبحث عما تبحث عنه في الحرب وفي الجريمة. كل واحد فينا يخفي بداخله الرجال والنساء. الألم فن. وكل ما هو روسي يملأه الألم والحزن».


  • أعجبني
  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
  • 0
أضف مقتطفاً

الكاتبة

لقد هتف لي مرة أخرى. ولحسن الحظ كنت في البيت...
- لم أفكِّر في الاتصال بك هاتفيًا. لكنني دخلت اليوم الحافلة وسمعت كيف جرت مناقشة بين امرأتين: "أي أبطال هم؟ إنهم يقتلون الأطفال والنساء هناك... هل هم بشر ذوو عقل سليم؟ ويدعونهم إلى المدارس، إلى أطفالنا. كما تُوفَّر لهم الامتيازات". فخرجت من الحافلة في أول موقف. نحن كنا جنودًا ونفَّذنا الواجب. وعقوبة عدم تنفيذ الأمر في ظروف زمن الحرب هي الإعدام رميًا بالرصاص! ويُقدَّم الجندي إلى المحكمة العسكرية! طبعًا، إن الجنرالات لا يطلقون النار على النساء والأطفال، لكنهم يُصدرون الأوامر. والآن أصبح الذنب كله يقع علينا! الجنود مذنبون! والآن يؤكِّدون لنا أن تنفيذ الأمر الإجرامي هو جريمة. لكنني وثقت فيمن أعطى الأوامر! وثقت فيهم! وبقدر ما أتذكَّر فكان يجري تعليمي دومًا بأن أصدِّق، أصدِّق فقط! ولم يعلِّمني أحد: فكِّرْ – ثِقْ أو لا تثقْ! سافرنا من هنا بهذا الوضع، ولم نرجع من هناك بهذا الوضع.

- "هل يمكن أن نلتقي... ونتبادل الأحاديث؟".

أستطيع التحدُّث فقط مع الذين مثلي. ومع من عاد من هناك.. أتفهمين؟ نعم، لقد مارست القتل، وكياني كله ملطَّخ بالدم، لكنه رقد ميتًا، صديقي، وكان بمثابة أخ لي. الرأس على حدة، واليدان على حدة، والجلد... أنا طلبتُ فورًا إرسالي في عملية هجومية. لقد شاهدت في قرية موكب جنازة، كان هناك عدد كبير من الناس، وحملوا الجثمان في قماش أبيض... كنت أراقبهم عبر المنظار. وأصدرت الأمر: "أطلقوا النار!".

- "أنا أفكِّر، كيف تحيا بهذا؟ أي رعب يسيطر عليك؟".
* "نعم، أنا قتلت... لأنني أردتُ أن أحيا. أردت العودة إلى البيت. والآن أحسد الموتى، فالموتى لا يشعرون بالألم".
انقطع الحديث مرة أخرى.

  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
جندي

كان لدي صديق، وكنيته الدب، وهو رجلٌ ضخم الجثَّة وقويُّ البنيان ويُعادل طوله المترين. عاد من أفغانستان وبعد عام شنق نفسه. أنا لا أعرف.. فهو لم يثق بأحد، ولا يعرف أحد، لماذا انتحر: هل بسبب الحرب؟ أم لاقتناعه بأن الإنسان حيوان حقير؟ في الحرب لم يُوجِّه هذه الأسئلة لنفسه، وبعد الحرب صار يفكِّر. ففقد عقله... ولي صديق آخر أدمن شرب الخمر... كتب لي، وبعث لي برسالتين يذكر فيها: يا أخي كانت الحياة هناك حياة حقيقية، أما هنا فهي مترعة بالحقارة، وهناك قاتلنا وهاجسنا البقاء على قيد الحياة، أما هنا فلا تفهم شيئًا مما يحدث.. وقد هتفت له مرة، وكان مخمورًا جدًّا. وفي المرة الثانية كان مخمورًا أيضًا (يدخن). أنا أذكر كيف وصلنا أنا والدب إلى موسكو في محطة قطار قازانسكي بموسكو، وسافرنا في القطار من طشقند فترة أربعة أيام، كنا نشرب ليلًا ونهارًا. ونسينا إرسال برقيات لكي يستقبلوننا. وخرجنا إلى رصيف المحطة في الساعة الخامسة فجرًا، فصدمت أنظارنا الألوان!
كان الجميع بملابس حمراء وصفراء وزرقاء وشابات جميلات. اللـعـ...! إنه عالم مختلف تمامًا. وصرنا مخبولين! لقد عدت في الثامن من تشرين الثاني/نوفمبر، وبعد شهر التحقت بالجامعة للدراسة، في السنة الدراسية الثانية. لقد حالفني الحظ! وقد حشرت ذهني بأمور شتى، ولم يتوفر لدي الوقت لكي أراجع دخيلة نفسي، ووجب أن أؤدي الامتحانات بدءًا من الصفر. ولم يتبقَّ في ذاكرتي خلال عامين سوى "مقرر المقاتل الفتي": تقشير البطاطس والهرولة مسافة ثمانية عشر كيلومترًا. أما ساقاي فقد كُشطتا حتى الركبتين. وهو؟ لقد وصل الدب من دون أن يوجد له أي شيء، لا الاختصاص ولا العمل. وتفكيره ينحصر في النقانق: يجب أن تكون نقانق من نوع "دكتورسكويه" بمبلغ روبلين وعشرين كوبيكا وقنينة فودكا بسعر ثلاثة روبلات واثنين وستين كوبيكا. من يهتم بعودة الفتيان؟ هل عقولهم مخبولة أو بجدعة بطول عشرة إلى اثني عشر سنتيمرًا، ويتقافزون على عجزهم في سن عشرين عامًا؟ قد يقول أحدهم: ليس ابني والحمد لله. إن نظامنا هو كالآتي: يدمِّرون حياتك في الجيش وفي الخدمة المدنية. لقد جئت إلى النظام، وحالما تقبض عليك الآلة الجهنمية ويتم نشرك إلى أجزاء، مهما كنت طيِّبًا، ومهما راودتك الأحلام في أعماق الروح. (يصمت). لا تكفيني الكلمات اللازمة... إنها قليلة جدًّا من أجل إيصال فكرتي: الشيء الأساسي ألا تقع في أسر النظام. ولكن كيف يمكن الإفلات منه؟ تجب علينا خدمة الوطن، وبطاقة الكمسمول في الجيب هذا شيء مقدَّس. يرد في النظام الداخلي العسكري: يجب على الجندي أن يتحمَّل بصلابة وبجرأة صعوبات الخدمة العسكرية كافَّة. بصلابة وبجرأة! باختصار – ماما لا تحزني. (صمت وتوجَّه إلى الطاولة لأخذ سيجارة جديدة، لكن العلبة كانت قد فرغت). يا للعنة! لم تعد علبة واحدة كافية خلال اليوم. -
يجب أن ننطلق من أننا وحوش، وهذه الوحشية مغطاة بكساء رقيق من الثقافة، وتنويمة رقيقة. آه، ريلكه! آه، بوشكين! والوحش ينبجس من الإنسان في لحظة خاطفة، وقبل أن يرفَّ له جفن. ويكفي أن يتملَّكه الخوف على نفسه، وعلى حياته، أو يمتلك سلطة، سلطة صغيرة، صغيرة جدَّاً! والنظام في الجيش على مراتب: فالمرء قبل أداء القسم: روح، وبعد القسم: عصفور السيميلي "جيزارا"، وبعد نصف عام "تشيرباك"، من "تشيرباك" حتى العام ونصف: "جد"، ومن العامين: "ديمبل" (قبل التسريح). وفي البداية يكون مجرد روح بلا جسد، وحياته كلها وعاء من الخراء.

لكنني كنت أطلق النار... أطلق النار مثل الجميع. ورغم كل شيء فهذا هو الشيء الرئيس... لا تتوفر لدي الرغبة في التفكير في ذلك. أنا لا أستطيع التفكير في ذلك.

  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
جندي من رماة راجمات القنابل

كانت تطلق علينا تسمية "الأفغان". اسم غريب. إنه مثل شارة، وصمة. نحن لسنا مثل جميع الآخرين. نختلف عنهم. بمَ؟ أنا لا أعرف من أنا: بطل أم أحمق ينبغي أن يُشار إليه بالبنان؟ لربَّما أنا مجرم؟ يُقال الآن إنها كانت خطأً سياسيًا. يقولون هذا اليوم بصوت خافت، وغدًا بصوت أعلى. لكنني أرقت دمائي هناك؛ دمائي، ليست دماء غيري. لقد منحونا أوسمة لا نحملها، وسنعيدها في المستقبل. الأوسمة التي حصلنا عليها بشرف في حرب غير شريفة.
ويدعوننا إلى التحدُّث في المدارس. وعمَّ نتحدَّث؟ عن العمليات العسكرية وعن أوَّل قتيل؟ وعن أنني ما زلتُ حتى اليوم أخشى الظلام؟ وإذا ما سقط شيءٌ ما فإنني أختلج؟ وعن كيف كنا نقبض على الأسرى لكي نأخذهم إلى الكتيبة... ليس دائمًا (يصمت). خلال عام ونصف من الحرب لم أرَ دوشمانًا حيًّا واحدًا، بل رأيتهم أمواتًا فقط. وعن مجموعة الآذان البشرية المقطوعة المجفَّفة؟ وعن غنائم الحرب التي نتفاخر بها؟ وعن القرى بعد قصفها بالمدافع والتي لا تشبه المساكن بل الأرض المحروثة؟ هل يريدون سماع ذلك في مدارسنا؟ لا، هناك يحتاجون إلى الأبطال. وأنا أذكر كيف كنا ندمِّر ونقتل، وفور ذلك نبني ونقدِّم الهدايا. هذا كله كان يجري قريبًا مني، بحيث إنني لا أستطيع حتى الآن فصلها عن بعضها البعض. إنني أخاف هذه الذكريات، وأختبئ منها، وأبتعد عنها. ولا أعرف شخصًا واحدًا عاد من هناك من دون أن يشرب الخمر ويدخِّن. إن السجائر الخفيفة لا تنقذني، بل أبحث عن سجائر "اخوتنيتشي" التي كنا ندخِّنها هناك، بينما منعني الأطبَّاء من التدخين... إن نصف رأسي من الحديد، ولا أستطيع شرب الخمر.
لا تكتبي قط عن أخوَّتنا الأفغانية. فلا وجود لها، وأنا لا أؤمن بوجودها. لقد توحَّدنا في الحرب: فقد خدعونا سوية، وأردنا سوية البقاء على قيد الحياة، وأردنا سوية العودة إلى بيوتنا. ويوحِّدنا هنا أنه لا يوجد لدينا أي شيء، وتُوزَّع خيرات بلادنا وفق المحسوبية والامتيازات. إنهم يحتاجون إلى دمائنا. ولدينا مشكلة واحدة هي: التقاعد والشقق والأدوية الجيِّدة والأطراف الاصطناعية والأثاث، وبحلِّها تنهار أنديتنا. فلئن حصلت على الشقة والأثاث والثلاجة وماكينة الغسيل والتلفزيون الياباني -عندئذ ينتهي كل شيء! ويصبح واضحًا فورًا أنه لا يوجد لدي ما أفعله في هذا النادي. الشباب لا يأتون إلينا، فهم لا يفهموننا. بدا كما لو أنه جرت معادلتنا بالمشاركين في الحرب الوطنية العظمى، لكنَّ أولئك دافعوا عن الوطن، أما نحن؟ كنا نقوم بدور الألمان- كما قال لي أحد الشبَّان. وأعتقد أن الأمر كذلك. كذلك... هكذا ينظرون إلينا، ونحن نغتاظ منهم. كانوا يستمعون هنا إلى الموسيقى ويرقصون مع الفتيات، ويطالعون الكتب، أما نحن فكنا نأكل العصيدة النيِّئة وتنفجر بنا الألغام. كلُّ من لم يكن معي هناك، ولم يرَ، ولم يتألَّم، ولم يُمتحن بالكرب، هو غير موجود بالنسبة إليَّ.

بعد عشرة أعوام حين ستبدأ بالظهور آثار الإصابة بالتهابات الكبد ورجات الدماغ والملاريا، سيتمُّ التخلُّص منا؛ في العمل، وفي الوطن. سيكفُّون عن إجلاسنا على منصَّة هيئات الرئاسة. سنكون جميعًا عبئًا ثقيلًا عليهم. ما الغرض من كتابك؟ من أجل من؟ لن يُعجب به أحدٌ منا في الأحوال كافَّة، نحن الذين عدنا من هناك. وهل يمكن أن تُروى جميع الأحداث كما هي؟ وكيف رقد الجمال والبشر القتلى في بركة دم واحدة، واختلطت دماؤهم؟ من يحتاج إلى هذا؟ نحن جميعًا غرباء في ديارنا، وكل ما بقي لدي هو بيتي وزوجتي والطفل الذي ستلده قريبًا. وثمَّة عدَّة أصدقاء من هناك، وأنا لا أثق بأي أحد غير هؤلاء.
أنا لا أثق فعلًا.

  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
لقد أعادوا إليّ شخصاً آخر، وليس ولدي
  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
إن حدود الأخلاق بالنسبة إلى هؤلاء الفتيان محددة بالأمر العسكري.
  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
ترتبط بعلاقات صداقة طيبة مع أحد الفتيان، ثم ترى كيف تعلّقت أحشاؤه فوق الأحجار، وتريد الانتقام.
  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
إن ما ينقذ الإنسان في الحرب هو تشتت وتبدد وعيه. لكن الموت من حوله يتسم بالحماقة يحدث بالصدفة، من دون أية أفكار مسبقة.
  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
أرى من يوم إلى آخر كيف ينحدر الإنسان إلى الأسفل. ونادراً ما يرتقي إلى الأعلى.
  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
لا يرد في أي دستور نص حول حق الإنسان في عدم القتل، وعدم تعلم القتل.
  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
لو لم أطالع دوستويفسكي لكنت أسيرة اليأس والقنوط الشديد.
  • تعليق
  • مشاركة
  • 0