عن عبد الخالق الركابي

عبد الخالق الركابي، قاص عراقي ولد في محافظة واسط في قضاء بدرة عام 1946 وتخرج من اكاديمية الفنون الجميلة، ثم عمل في التدريس تسع سنوات. بدأ الركابي حياته الأدبية شاعراً وأصدر مجموعة شعرية عام 1976 بعنوان (موت بين البحر والصحراء)، و بعد هذه المجموعة الش..

كتب أخرى لـِ عبد الخالق الركابي


thumb

thumb

thumb

thumb

thumb

thumb

مقامات اسماعيل الذبيح (622 صفحة)

عن: دار ميزوبوتاميا (2013)

الطبعة : 1
التصنيفات : أدب

كان والدُه يعمل جاهداً على إيقاظهِ ليعرف منه سرّ اعتصامه بغرفته حتى تلك الساعة؛ فعمد إلى مواصلة ضجيجه في الجانب الآخر من الباب صارخاً بزوجته تارة لأنها لم تملأ له الإبريق قبل شروعه في وضوئه، وطوراً لأنها تأخرت في تقديم فطوره، وثالثة لأنها لم تعد قهوته كما ينبغي، حتى إذا ما أعيته الحيلة اقتحم غرفته متلمساً سبيله في الظلام نحو فراشه ليسأله بشكل مباشر إن لم يكن بصدد التوجه إلى عمله؟ فاكتفى إسماعيل، وهو ينقلب على جنبه الآخر، بأن أجابه بالنفي.


  • الزوار (279)
أضف مقتطفاً

كان والدُه يعمل جاهداً على إيقاظهِ ليعرف منه سرّ اعتصامه بغرفته حتى تلك الساعة؛ فعمد إلى مواصلة ضجيجه في الجانب الآخر من الباب صارخاً بزوجته تارة لأنها لم تملأ له الإبريق قبل شروعه في وضوئه، وطوراً لأنها تأخرت في تقديم فطوره، وثالثة لأنها لم تعد قهوته كما ينبغي، حتى إذا ما أعيته الحيلة اقتحم غرفته متلمساً سبيله في الظلام نحو فراشه ليسأله بشكل مباشر إن لم يكن بصدد التوجه إلى عمله؟ فاكتفى إسماعيل، وهو ينقلب على جنبه الآخر، بأن أجابه بالنفي. .....وعلى مدى ثلاثة أيام متلاحقة بقي مرابطاً في غرفته، لا يغادرها إلا لقضاء حاجته، مقيماً أوده بتناول لقمة أو لقمتين من أطباق الطعام التي كانت أمه تدخل بها إلى غرفته لتعود فتخرج بها بعد ساعات رامقة إياها بنظرات أسى لكونها لم تكد تمس، حتى إذا ما حلّ اليوم الرابع غادر البيت ليتوجه إلى عمله، ولكنْ دون رغبة منه؛ فبرغم إيمانه بأنه مُلزم بإعالة والديه، إلا أنه كان يشعر، في الوقت نفسه، باستحالة تمكّنه من معاودة سيرته الأولى وكأن شيئاً لم يحدث. كان عليه أن يبرهن لنفسه قبل غيره، في الأقل، أنه قد تغيّر، ولم يعد ذلك الشاب البسيط الذي يتقبل الحياة على علاتها********وهكذا واصل مزاولة أعماله السابقة قسراً: يعمل يوماً لينقطع أياماً، صامّاً سمعه عن التنبه لتشكّي أبيه لأمه من قلة ما يقدمه إليه من نقود، فإذا ما أصيب بعارض برد أو بوعكة صحية مثلاً لازم فراشه أياماً كانت تتحول أحياناً إلى أسابيع؛ فمرّت عليه مدة قاربت العامين وهو على تلك الحال يوم برّح به الحنين إلى ارتياد أماكن لهوه القديمة في منطقة الميدان، بيد أن الغريب في الأمر هو أنه لم يكد يقترب من هناك ليُستقبل بضجة الأغاني المعهودة حتى فرّ كالملدوغ، وقد تجسدتْ في ذهنه تلك اللحظة الكريهة التي كان يجاهد على نسيانها حين انفرج فم التركي عن تلك البصقة التي أصابته في وجهه.............استدار ليجتاز، بخطى متعثرة، بضعة أزقة متشابكة أفضت به إلى محلة (باب الأغا) حيث البضائع معروضة بسخاء وبأشكال مغرية في الدكاكين والمتاجر المتراصة جنباً إلى جنب. واجتاز (عقد الصخر) في اتجاه رأس الجسر مراقباً بوجوم حشود الناس والعربات المتجهة نحو جانب الكرخ، والقادمة منه. ومر بالمدرسة المستنصرية ليستريح قليلاً في (مقهى الشط)، مراقباً باعة الصحف يتجولون في أرجاء المقهى محمّلين برزم منها؛ فابتاع واحدة كيفما اتفق، وانصرف إلى قراءة العناوين، مصغياً، في الوقت نفسه، لهواة (اﻟﭽالغي البغدادي) وهم يتحاورون بينهم مرددين أسماء مطربي المقام المفضلين لديهم ولاسيما (أحمد زيدان). *****وكان قد انقضى أكثر من ساعة على جلوسه حين ألقى بجريدته برماً على الطاولة الملطخة بآثار أعقاب إستكانات الشاي، وغادر المقهى متخذاً سبيله نحو (شريعة المصبغة) القريبة حيث أصحاب الزوارق يتسكعون بتكاسل هنا وهناك في انتظار الزبائن انتظار النوارس المحلّقة في سماء دجلة للأسماك التي تلوح لها من بين الأمواج. وفجأة تنبه إسماعيل لهم وقد اشرأبّوا بأعناقهم مثل مجموعة خيول سباق تتهيأ للانطلاق، متطلعين بلهفة نحو ثلاث نساء سافرات الوجوه كنّ يقتربن من الشريعة، وقد لفت كل واحدة منهن رأسها بغطاء، رافلات بأزر مختلفة الألوان، تتوسطهن واحدة بهرته ببياض بشرتها وسعة عينيها اللوزيتين اللتين مرت بهما عليه بنظرة عابرة لتتخطاه مخلّفة له رائحة عطرها النفّاذة......وتجمّع أصحاب الزوارق حولهن، وكلٌّ يحاول إغراءهن باختيار زورقه، حتى إذا ما فاز واحد منهم بذلك أخذ الآخرون يشيعونه بنظرات حسد، وهو يتقدمهن، منحدراً نحو شاطئ النهر حيث زورقه كان في انتظاره وسط مجموعة زوارقهم المشدودة إلى الضفة

- ترى من تكون هاتيك النساء الفاتنات بوجوههن السافرة على غير العهد بالمسلمات؟

سأل إسماعيل نفسه وهو يدنو متمهلاً من واحد من أصحاب الزوارق ليسأله، على استحياء، عنهن، فعقد الرجل جبينه وضيّق عينيه ليسأله دهشاً إن كان حقاً يجهل من تكون تلك الفتاة التي كانت تتوسط صاحبتيها؟ وحينما أكد إسماعيل جهله صاح الرجل بأصحابه وهو يشير إليه:

- تعالوا واسمعوا هذا الفتى الذي يجهل من تكون سارة خاتون.

وتحلّق الرجال حول إسماعيل مبدين دهشتهم لكونه لا يعرف ابنة (أتوهانيس إسكندريان) الذي يكاد يملك نصف بغداد!

- وإلى أين اتجه بها ذلك الزورق؟

عاد إسماعيل يسأل، فتبرع رجل آخر بالرد:

- إلى بيتها الكائن في محلة (كرادة مريم)

وأضاف آخر:

- وهو واحد من جملة بيوت تملكها، تتوزع بين الصابوﻨﭽية، ورأس القرية، وأماكن أخرى.

- ومن أين كانت قادمة؟

جازف إسماعيل بالسؤال، فأوضحوا له أن من دأبها القدوم، كل يوم أحد، لزيارة عمتها في محلة (رأس القرية) أو لتؤمّ كنيسة (كوك نزر) القائمة قرب منطقة الميدان، لتعود بعدها إلى بيتها نافحة صاحب الزورق الذي يوصلها إلى هناك بسخاء. ......بعد مرور أسبوع، وفي صباح يوم الأحد، قضى إسماعيل وقتاً طويلاً أمام المرآة لينهمك في حلاقة ذقنه، ملقياً على بشرته المتوردة وعينيه الصفراوين الواسعتين نظرات رضا، حتى إذا ما استحمّ وتعطّر ارتدى ثوبه الأبيض عاقداً على خصره حزامه الجلدي. وبعدما دسّ قدميه في خفين جديدين، وأغرق رأسه في طاقيته، ملقياً على إحدى كتفيه كوفيته، غادر البيت متجها نحو (شريعة المصبغة) ليحظي بمرأى سارة لحظة مغادرتها الزورق صاعدة الجرف في رفقة صديقتيها لترمقه بنظرة جديدة مصحوبة بابتسامة قبل أن تغيب وسط حشود الناس.******وقضى إسماعيل ساعات في انتظار عودتها، مزجياً الوقت بتأمل بيوت الجانب الآخر لدجلة تعلوها مآذن المساجد هنا وهناك. حتى إذا ما لمحها راجعة بين صديقتيها شعر بوجيب قلبه يتردد في صدره بإيقاع غريب ازداد سرعة حين رآها تتجاهل تزاحم أصحاب الزوارق من حولها لتتجه نحوه طالبة منه، بصوت يذوب حلاوة، إيصالها بزورقه إلى (كرادة مريم)، فارتجّ الأمر على إسماعيل، ولم يستطع النطق، في حين ضجّ أصحاب الزوارق من حوله وهم يؤكدون لسارة أنه ليس أكثر من مستطرق! *****عاد إسماعيل إلى البيت عند الظهيرة حزيناً محبطاً. وعلى مدى أسابيع لازم غرفته مفكراً بالوسيلة التي تكفل له الدنو من سارة دون أن يثير لغط الآخرين، وطوال تلك المدة كان يسمع أمه، في الجانب الآخر من باب غرفته، وهي لا تكف عن ترديد شكواها من أن المؤونة في البيت قد أوشكت على النفاد، حتى إذا ما خرج من غرفته ذات يوم جابهته بسؤال مباشر إن كان سيظل مضرباً عن العمل؟ فسارع إسماعيل إلى اغتنام الفرصة مبدياً استعداده للعودة إلى العمل بعد شراء زورق له.

- شراء ماذا؟

تساءل الأب وفي ظنه أن سمعه قد خدعه، فعاد إسماعيل يؤكد الأمر بقوله:

- زورق من تلك الزوارق التي يعمل عليها (البلّامة) على امتداد دجلة ناقلين الناس بين عشرات الشرائع المتوزعة على جانبي النهر لقاء أجور مجزية.

التفت الأب نحو زوجته ليسألها وهو يبادلها نظرة دهشة:

- من الذي أوحى له بهذه الفكرة الغبيّة؟

وتابع متهكماً مردداً مثلاً شعبياً وقد التفت نحو ابنه:

- (سبع صنايع والبخت ضايع)!

لكن ذلك لم يمنع الأب من مغادرة البيت صبيحة اليوم التالي ليعود بعد ساعات معلناً عن شرائه الزورق الموعود، تاركاً إياه عند الشريعة يختض وسط زوارق أخرى تحت حراسة رجل كان قد أقام له كوخاً على الشاطئ ليقوم بتلك المهمة لقاء أجور شهرية.

ورفع صوته لكي يتناهى إلى سمع ابنه القابع في غرفته:

- ذاك هو الزورق على أهبة الاستعداد في انتظار من يشمّر عن ساعديه للعمل عليه.

صباح اليوم التالي توجه إسماعيل إلى الشريعة مبكراً، وارتقى قاربه الجديد الذي كان يفوح منه مزيج من رائحة خشب الصاج ودهن السمك والطلاء. والتقط العصا ليغرز رأسها الملبّس بالحديد في الأرض ضاغطاً بكل قوته على الرأس الآخر الذي بين يديه ليبعد قاربه عن الشاطئ مودعاً من قبل أصحاب الزوارق الأخرى بنظرات ترقّب وانتظار مطمئنين إلى أنه لا مفر له من أن يستغيث بهم - وهو في أول عهده بالتجديف - لمساعدته في تحريك زورقه وسط صخب الأمواج الباعثة على الدوار. لكنه أولاهم ظهره تاركاً التيار ينحدر به، حتى إذا ما نأى عنهم، واطمأن إلى أنه أصبح أبعد من أن يتصيدوا أخطاءه، جاعلين منه مادة لسخرياتهم، انصرف، بكل جدية، إلى معالجة المأزق الذي وجد نفسه فيه؛ فقد اكتشف مرعوباً أن تصوّره المسبق عن سهولة التجديف محض هراء؛ فقوة العضلات وحدها لم تكن تكفل له توجيه القارب نحو الاتجاه المطلوب، بل كان ملزماً بالتحايل على حركة المياه، وعلى التيارات الخفية المدوّمة في الأعماق، والتي كانت تجرف القارب، على غير توقع، في اتجاهات لا تخطر في البال ما لم يسارع إلى تدارك الأمر محاولاً ترويض قاربه في تحرّكه العشوائي ترويض الخيّال لفرسه. ***هكذا دأب إسماعيل على الانفراد بقاربه وسط أمواج دجلة أياماً متلاحقة كان يشعر خلالها وكأن ثمة سكاكين تحزّ عضلات كتفيه وذراعيه، إلا أنه وجد أن النتيجة التي انتهى إليها كانت تستحق تلك الجهود المضنية التي انسلخ بسببها باطن كفيه في أكثر من موضع.*****يوم الأحد المنتظر بادر هو، هذه المرة، بالتقدم من سارة خاتون لحظة عودتها، بصحبة صديقتيها عارضاً عليها خدماته. فسألته، وقد تكور خداها، وتلألأت عيناها اللوزيتان بنظرة باسمة:

- ما جدوى عرض خدماتك وأنت لا تملك زورقاً؟

- ذاك هو زورقي الجديد في انتظار تشريفك إياه بمقدمك!

أجابها وقد تقدمها هابطاً الجرف نحو الشاطئ يشيّعه أصحاب الزوارق الأخرى بنظرات حقد وكراهية. وقفز إلى زورقه ملتقطاً من داخله (الدواسة) الخشبية التي مدها بين حافة الزورق والشاطئ حيث أرتقتها الفتيات الثلاث ليتخذن مواضعهن في القارب، متأملات بصمت إسماعيل، وهو يعيد (الدواسة) إلى موضعها ليجلس بعدها بين المجدافين مواجهاً صدر الزورق. *****أخذ يجدف بهدوء منحنياً بنصفه العلوي إلى الأمام غارزاً، في الوقت نفسه، المجدافين إلى أقصى مداهما، ليعود إلى الوراء ساحباً المجدافين في اتجاهه قبل أن يعاود الانحناء من جديد، هكذا مضى ينساب بقاربه على وجه الماء مصحوباً بصخب النوارس ورائحة المياه الزنخة الثقيلة التي تكاد تكتم الأنفاس. ووسط إيقاع حركاته المنتظمة كان يلاحظ، بطرف عينيه، الفتيات الثلاث، وقد تجمعن على بعضهن، متبادلات كلاماً هامساً، تتخلله ضحكات مكتومة تأخذ بمجامع أجسادهن، رامقات إياه، بين لحظة وأخرى، بنظرات خاطفة*****. لم يكد يدنو من محلة (كرادة مريم) حتى أهابت به سارة لينحرف بقاربه يميناً موقفاً إياه بإزاء سلّم حجري تلامس أولى درجاته المياه ليدرج صاعداً على امتداد الجرف المرتفع نحو حديقة خلفية عامرة بخضرة الأشجار والنباتات المتسلقة، تشمخ، إلى الوراء منها، جدران قصر فخم.

- أريدك أن تنتظرني، كل يوم أحد، في هذا الموضع في الموعد الذي أتوجه به عادة إلى شريعة المصبغة.

كلّمته سارة آمرة بعدما نقدته أجرته. وغادرت القارب في أثر صديقتيها، في حين بقي إسماعيل يتأمل ذلك القصر لحظات متوقفاً بنظراته عند عش لقلق يعلو أحد أبراجه الشاهقة. ******منذ ذلك اليوم لم يخلف إسماعيل مواعيده الأسبوعية، مستمتعاً بتلك الرفقة الأنثوية الحافلة بحفيف الملابس الأنيقة، ورائحة العطور، والهمسات اللذيذة المصحوبة بضحكات ألذّ دون أن يطمح إلى ما هو أبعد عن تلك الرفقة؛ ففضلاً عن كون سارة أرمنية، وبالغة الثراء، كانت بمنتهى الرصانة والوقار حينما يجد الجد: تستطيع بنظرة واحدة تحذير الطرف الآخر من تخطي الحدود. إلا أن إسماعيل كان، في الوقت نفسه، وهو يجدف بكل قوته عكس التيار عائداً نحو شريعة المصبغة، يستعيد الحكايات العديدة الدائرة حول بنات ملوك وأميرات عشقن فتياناً فقراء لا يكادون يملكون ثمن خبز يومهم، فكان ينحني على المجدافين بكل ثقله مردداً بأمل:

- لم لا؟ فكل شيء جائز!

ذات يوم أحد طلبت سارة من إسماعيل، لحظة مغادرتها القارب وتحفزها لارتقاء درجات السلم عائدة إلى قصرها، أن ينتظرها عصر الغد، لحظة غروب الشمس، في الموضع نفسه!..

ما معنى هذا؟ ترى أهناك قصة غرام على وشك الحدوث فوق ظهر هذا القارب بين أرمنية بالغة الثراء وابن حمّال يكدّ نهاره وراء لقمة خبزه؟!. *****بقي إسماعيل يهذي بذلك الكلام على امتداد ليلة مؤرقة أعقبها نهار طويل ما كادت شمسه تغرب حتى كان قد ركن قاربه عند السلّم الحجري في انتظار مقدم سارة التي سرعان ما ظهرت مشرقة الوجه، تحيط بها جوقة نساء تمايل الزورق تحت ثقلهن. *****كنّ في كامل زينتهن، يرتدين ثياباً عجيبة لم يسبق له أن رأى لها مثيلاً، ويتحلين بالذهب والمجوهرات، وتفوح منهن روائح عطور نفاذة. وكنّ يتحدثن بانطلاق عن الحفلة التي سيتمتّعْنَ بها الليلة. *******جدّف إسماعيل مصعّداً بقاربه عكس التيار، مقرّعاً نفسه لانسياقه وراء أحلامه الغبية التي لا تستدعي غير الرثاء، متخذاً سبيله، دون أن تكون به حاجة لإرشادات مَنْ معه، نحو سفينتين راسيتين قرب الشاطئ وهما تسبحان في بحيرة من الأضواء وقد زينتهما الأعلام!*****غادرت سارة ومن معها قاربه على مقربة من تينك السفينتين طالبة منه انتظارهم هناك حتى انتهاء الحفلة. ومرت الساعات به ثقيلة، وهو يجدف بقاربه محوّماً حول السفينتين اللتين سرعان ما ضجتا بصدح موسيقى وغناء رددت المياه أصداءها، ولمح، في حومانه بقاربه على غير هدى، الرجال والنساء وقد أخذوا يتمايلون على سطح السفينتين في رقصات صاخبة جعلت حشود الناس تتجمّع على الشاطئ لتتفرج على ما لم يسبق لها أن رأت له مثيلاً في تاريخ بغداد. ******وكان قد امتلأ ضجراً من الانتظار حين عادت الفتيات بعد مرور ساعات وهنّ في ذروة مرحهن، يثرثرن، ويتضاحكن معلقات بخبث عما جرى، رامقات سارة بنظرات ذات مغزى مصحوبة بتعليقات ماكرة، حتى إذا ما غادرن القارب بعد وصولهن إلى المكان المعهود خاطبته سارة طالبة منه ألا يمر عليها يوم الأحد القادم وذلك لارتباطها بما سيشغلها عن الذهاب إلى الشريعة، لكنها لم تنس أن تضيف مطالعة إياه بنظرة باسمة:

- بيد أن ذلك لا يعتقك من ضرورة وجودك قريباً منا؛ فقد نحتاجك لأمر ما.. تزويدنا بالسمك مثلاً

ومرّتْ بإسماعيل ليلة مضنية لم يغمض له فيها جفن، وثمة فكرة واحدة تراوده بإلحاح من أن حدثاً على جانب عظيم من الأهمية قد وقع جعل سارة تتغير بهذا الشكل. حتى إذا ما مر يومان أو ثلاثة اكتشف سر ما حصل؛ ففي مقهى الشط - حيث اعتاد الجلوس قبل توجهه إلى الشريعة - أخذ البغداديون يتداولون شائعة سرت بينهم سريان النار في الهشيم: فقد قيل إن والي بغداد ناظم باشا حضر تلك الحفلة الخيرية التي أُقيمتْ على ظهر السفينتين ليكون ريعها لبناء مستشفى الغرباء، وإنه ذهل بجمال سارة وفتنتها، فسعى، على جلال قدره، إلى التعرف إليها، مبدياً لها إعجابه، مسبغاً عليها عنايته لافتاً بذلك أنظار الحضور من قناصل أجانب وزوجاتهم فضلاً عن بعض الأسر المسيحية البغدادية! *******ولم يكتف رواد المقهى بتداول تلك الشائعة بل أخذوا يبدون استهجانهم لرقص الرجال علانية مع النساء في مدينة يدين أهلها بالإسلام. وسرعان ما أضحى ذلك الحفل مدار مقالات نشرت في صحيفتي "صدى بابل" و"الرقيب" تابعها إسماعيل يومياً ملاحظاً أن كل جريدة تناقض الأخرى بين مؤيدة لإقامة تلك الحفلة كونها من سمات التحضّر، وبين منتقدة لما وقع فيها من رقص وغناء يخلان بالأعراف والتقاليد المتوارثة.*******وكان لا بد من مرور بعض الوقت قبل أن تنجلي الأمور على حقيقتها: فحين كان إسماعيل يغادر المقهى إلى الشريعة القريبة كان يُجابَه بأخبار جديدة؛ فأصحاب الزوارق كانوا يهرعون نحوه حال ظهوره ليتزاحموا حوله سائلين إياه عن آخر فضائح (صاحبته)، وحينما لا يحير جواباً كانوا لا يتورعون - بدافع الشماتة دون شك - عن تزويده بتلك الأخبار، زاعمين أن تلك الفتاة اللعوب لم تكتف بفضيحة إيقاعها والي بغداد الكهل في شباكها، بل إنها عمدت، بعد مرور أيام، إلى طلب مقابلته، حتى إذا ما جاءتها الموافقة ذهبت إلى قصره القائم على دجلة وبرفقتها عمتها صوفيا - من باب التمويه كما لا يُخفى على اللبيب - أما ما الذي جرى في ذلك اللقاء؟ فذلك ما يُفترض ألا يغيب عن العاقل؛ فما الذي يُتوقع حدوثه بين والٍ ولهان صاحب سطوة ونفوذ وحسناء تسعى وراء المغامرة غير الأمر المتوقع حصوله بين الذكر والأنثى؟!******وهنا كان يعتور تلك الأخبار شيء من تناقض؛ إذ لو كان الأمر كذلك فما مسوّغ فرض الوالي رقابة مشددة على سارة خاتون تطورت أحياناً إلى ضرب من مضايقة شاع أمره بين الناس؟ فقد قيل إنها استيقظت ذات صباح على قرع شديد على باب بيتها، فلما أسرعت إلى إحدى النوافذ لتطل من خلالها رأت عدداً من رجال (الجندرمة) يسألون خادماتها عنها طالبين حضورها، فهرعت من فورها، وقد تملكها الرعب، إلى ارتقاء السلّم نحو سطح دارها لتجتاز السياج الواطئ الذي يفصلها عن سطح الدار الملاصقة العائدة للقنصل الألماني، طالبة منه أن يحميها. ولم تمر سوى أيام حتى صدر قرار عجيب من الوالي يقضي بمنع أصحاب الزوارق من مساعدة سارة في تنقلاتها بين دارها وأطراف بغداد، مكبلاً بذلك تحركاتها؛ فمحلة (كرادة مريم) كانت تعدّ إحدى محلات بغداد النائية التي تبعد مسافة مديدة عن جسر بغداد الوحيد القائم قرب شريعة المصبغة مما كان يضطرها إلى الاستعانة بأصحاب الزوارق لمساعدتها في تنقلاتها الكثيرة بين جانبي بغداد. وقد دفع صدور هذا القرار ببعض أصحاب الزوارق ـ ممن يتمسكون بأهداب الدين ـ إلى استغفار الله لما أشاعوه عن هذه اليتيمة المظلومة من أخبار كاذبة.

ولم يكن إسماعيل يكتفي بالإصغاء إلى هذه الأخبار المتناقضة، بل كان يعمد، من حين إلى آخر، وبعدما يكون قد استوفى رزقه لذلك اليوم ضامناً بذلك رضا أبيه، كان يعمد إلى الحومان بقاربه قرب الحديقة الخلفية المطلة على دجلة منتحلاً صفة صياد سمك منشغل بعمله. كان يرى سارة أحياناً جالسة في حديقتها تلك معزولة عن الدنيا كلها غير مدركة أنه بإيماءة صغيرة من يدها، على استعداد لانتهاك الحظر المفروض عليها؛ إذ إنه كان يراها في تلك اللحظات، برغم ثرائها الطائل، ضعيفة، وجديرة بالشفقة، وهي تسرح ببصرها على امتداد المياه حين تعكس آخر أضواء النهار الراحل، غير منتبهة بالتأكيد لسحر غروب الشمس قدر تنبهها للمأزق الذي تجد نفسها فيه.******عصر ذات يوم لاحظ إسماعيل دهشاً قارباً يقف براكبه عند درجات السلّم الحجري، فالتقط مجدافيه ليدفع زورقه في ذلك الاتجاه محاولاً أن يخمن من يكون الرجل الذي ينتهك الحظر بمثل هذه الجسارة. بدا الرجل بملابس الأفندية يتلفّت حوله بقلق قبل أن يرتقي الدرجات نحو الحديقة حيث تجلس سارة على كرسيها. ولم تكد تمرّ دقائق حتى ارتفعت صرخات استغاثة دفعت بإسماعيل إلى أن ينطلق بزورقه نحو السلم ليشدّ حبله إلى فرع صفصافة تكاد تمس بأغصانها المياه، مجتازاً درجات السلم وثباً حيث لمح الرجل وهو يطارد سارة متقافزاً كالخنزير وسط شجيرات الورد، والنباتات المتسلّقة، قالباً، في طريقه، المنضدة، والكراسي، وأصص النباتات، فاندفع إسماعيل نحوه، وقد أعماه الغضب، ليمسك به من الخلف. لكنه فوجئ به ينتفض لينفلت منه، ويستدير نحوه صارخاً به، وقد خرج عن طوره

- من أنت؟ ومن الذي سمح لك بالتدخل في شؤوننا الأسرية؛ فسارة ابنة عمي؟!

تجمّد إسماعيل في موضعه مصعوقاً، وتنقل بعينيه بين الرجل وسارة المحتمية خلف جذع شجرة، محاولاً أن يفقه سرّ ما يجري.

- إسماعيل... أدركني... إنه يحاول اختطافي!

صاحت به سارة مستنجدة، فلم يشعر إلا وهو يعالج ذلك الرجل بلكمة محكمة التسديد جعلته يبصق دماً. وحين حاول الاندفاع نحو إسماعيل ليأخذ بثأره عالجه هذا بأن نطحه بضربة جبارة من رأسه جعلته ينهار بين قدميه مثل خرقة. حتى إذا ما مرت لحظات صاح الأفندي، وقد أخذ يحبو مبتعداً عنه قبل أن يثب واقفاً

- لن تتخلّصي مني بهذه السهولة، وإسماعيلك هذا لابد له من أن يدفع الثمن غالياً

  • تعليق
  • مشاركة
  • 0