عن نجيب المانع

نجيب المانع (1345 ـ 1412هـ/1926 ـ 1991م) كاتب، روائي. من مواليد الزبير في محافظة البصرة، كان خلال فترة الخمسينيات الميلادية من الوجوه الثقافية البارزة من العراق. ثم تجنس بالجنسية السعودية. وصل عدد الكتب التي ترجمها إلى نحو ثلاثين كتاباً، من أبرزها تر..

قرّاء هذا الكتاب يقرؤون أيضاً


thumb

thumb

thumb

thumb

thumb

thumb

الكتاب على رفوف القـرّاء


ذكريات عمر أكلته الحروف (247 صفحة)

عن: مؤسسة الانتشار العربي (1999)

الطبعة : 1
التصنيفات : مذكرات شخصية و سير

من ألطف وامتع المذكرات التي قرأتها ، لغته راقية وغني بالتجارب المؤثرة وآراء في الشعر واللغة والفن والموسيقى والسينما والفلسفات الخاصة بالمؤلف والتي تنم عن خبرة ومعرفة أدبية وفنية عريضة وآراءه في أدباء عصره العرب منهم وغير العرب ، كما لا يخلو من حس الفكاهة واذكر من اجمل الفصول في الكتاب تلك القصة التي تحكي عن دولة يعتبر ( الإتقان ) فيها جريمة يعاقب عليها القانون .


  • الزوار (274)
  • القـٌـرّاء (1)
  • المراجعات (1)
ترتيب بواسطة :

الكتب ناس... ولها، مثل أحوال الناس، أحوال، بعضها يستقبل بالاحتفاء والرعاية، وبعضها يترك مرمياً على الأرصفة والأرفف، وبعضها يأتي بين بين، ولا توازن في معظم الأحيان بين قيمة الكتاب وما يؤول اليه من احتفال أو إهمال. ولم أر كتاباً شكا من اليتم والوحدة مثل كتاب الأديب الراحل نجيب المانع، الذي صدر أخيراً بعنوان: "ذكريات عمر أكلته الحروف"*.


كنت دائماً في انتظار تحقيق مشروع سمعت به بعد وفاة نجيب المانع في نهاية عام 1992، يهدف الى جمع ما يمكن الحصول عليه من آثاره الأدبية وطبعها. أسعدني ذلك وتوقعت أن أرى نتائج هذه المبادرة، حتى امتد الزمن فخرج إلينا هذا الكتاب مثل طائر مجهول بلا مقدمة ولا إشارة الى محتوى الكتاب وطبيعة نصوصه ولا تعريف بالكاتب أو أدبه. لا شيء سوى عبارة تقول إن الكتاب: "طبع على نفقة حمدي نجيب"!


"ذكريات عمر أكلته الحروف" مجموعة فصول متفرقة متصلة، تشكل جوانب من السيرة الذاتية للمؤلف، وهي سيرة معنية بالتطور الأدبي والمواقف النقدية ومن خلالها يعرّفنا نجيب المانع بنفسه عبر نصوص تكاد تكون في كثير من الأحيان ضرباً من الاعتراف. وفي الوقت الذي نهجت السير الذاتية اليوم نهج الكشف والبوح بتعرية الجسد، فإن جرأة المانع تتجلى في الكشف عن ذاته بتعرية مواطن الضعف والخلل التي نمت معه، ووقفت في معظم الأحيان عقبة كأداء أمام عطائه. وليس ذلك غريباً على من يعرف المانع، فهو من أشد الناس تعاطفاً مع الضعف البشري الذي يراه من سمات النفوس الكبيرة، على عكس التفاخر والنفاجة التي ابتلى بهما معظم المثقفين العرب. وحديثه عن نفسه، في نشأته وتفتحه على الشعر والأدب والفنون الشرقية والغربية، وبلورة شخصيته الأدبية، وتوصله الى قيمه الفنية، فضلاً عن كبواته وخيباته، هو اقتراب من نفوس كثيرة ترفل في عسل الرضا والاكتفاء، وتتكئ على قيم مجتمع يحرّم ، أو يكاد، التعرض بالنقد الى الأحياء، ويحفظ حرمة الأموات، فيغدو النقد الأدبي والفني فيه، ناهيك بالنقد الاجتماعي والسياسي، ضرباً من المستحيل.


يلجأ نجيب المانع في متابعاته هذه الى السيرة المضادة، وهي سيرة لا تلتزم التتابع الزمني، وتصوير معاصريه تصويراً واقعياً، وإنما تمضي بانتقاء ينبع من لحظة تفتحه على مصادر المعرفة في نقاء رمل الزبير، ثم انتقاله الى البصرة وبغداد لينتهي به المطاف الى لندن، وهو المكان الذي كتب فيه هذه السيرة، من دون أن يأتي على ذكره، فلندن كانت الأرض، أما المكان الذي يعيش فيه الكاتب فهو المكان قلباً وانتماء.


وعلى هذه الفطرة نشأ نجيب المانع 1926 - 1992، وعلى أساسها توجه نحو الحياة، وتفتحت نفسه على حب الانسان، في سنواته المبكرة، فماذا وجد؟


كان يرى الشعر في كل مكان، ويحزنه أن يرى العماء يسود الأنظار: "لقد وهب اللّه الناس شعراً أينما التفتوا، ولكنهم عمي عن رؤية الشعر وسماعه فهم لا يرون إلا نثر كراهيتهم، وغيظهم وتكاسلهم...".


ولم أر أديباً ناء كاهله بعبء الثقافة كما رأيت نجيب المانع. كان نهمه للقراءة لا حدود له، ولا يؤرقه شيء بقدر ما يؤرقه عدم قدرته على متابعة ما يجري في الساح العربية والعالمية من تطورات سياسية وثقافية. وهو إذ نشأ متشرباً روح الأدب العربي وشعره، تفتحت عيناه على آداب العالم من خلال الأدبيات والدوريات العربية التي كانت تصدر في مصر خلال النصف الأول من القرن العشرين، وما كان يصدر من عمالقة الأدب، وحملة لواء النهضة العربية الفكرية والأدبية. وإذا كان بدء اطلاعه على آداب الغرب من خلال قطبين رئيسيين هما العقاد، وحماسته للأدب الأنكلوساكسوني، وطه حسين والمدرسة الفرنسية، فإن ذلك مجرد مقدمة ساقته الى تعلم الانكليزية والفرنسية بغية فهل الثقافة من مصدرها قدر الإمكان. وكان لدراسته الحقوق في بغداد، ثم استقراره فيها، بعد أن أمضى سنوات الدراسة الثانوية في البصرة، كل الأثر في الاندماج بالحياة الثقافية في المدينة التي كانت تشهد غليانها الثقافي، كما تشهد غليانها السياسي، ولا سيما في النصف الثاني من الأربعين.


ولم يقتصر انفتاح نجيب المانع في الثقافة على الأدب فقط، وإنما نمت لديه، منذ بداية نشأته، رغبة في التعرف الى الفنون السمعية والبصرية. ومع تطور مدركاته، تطورت معرفته بهذه الفنون، لتغدو الموسيقى جزءاً أساسياً من تكوينه الثقافي، وفيضاً من نور يتوغل في أعماقه، وكانت لدى نجيب المانع مكتبة موسيقية كلاسيكية غنية، إذ أصبحت الموسيقى الملاذ الآمن الوحيد الذي لا ينافسه سوى أمهات كتب الأدب. كان معلم نفسه، واكتشف من خلال تجربته سلبيات هذه المدرسة وايجابياتها، ووضع يده على ما فيها من جهد مضاعف، وما قد تفضي إليه من مزالق، ولكنه تعلّم من خلالها حرية الانطلاق في رحاب الانسانية الخالصة. في حياته محطات كثيرة، ومواقف احتدامية كانت غالباً ما تنتهي بكوارث مادية ومعنوية. وكان لعدم التوافق بين مبادئه الانسانية والممارسات السياسية ما جعله يفقد وظائفه التي تنقل بينها بدءاً من الوظائف الكتابية البسيطة، الى العمل في وزارة الخارجية، وانتهاء في شركة إعادة التأمين في بغداد ثم في بيروت، فضلاً عن محاولاته ممارسة العمل الحر في المحاماة، جميعها انتهت نهايات محتدمة، وما كان يساهم في دعم أوضاعه المادية بعض الشيء غير الترجمة، التي أحبها، وأبدع فيها.


حاول نجيب المانع أن يضع خبراته ويسخر ثقافته في عمل أدبي قصصي، فكانت له قصص قصيرة ذات طابع تصويري واقعي مأسوي هي ضرب من الكوميديا السوداء، يقف بعضها في ذروة الانتاج القصصي العربي. وحين أراد أن يضع ثقل ثقافته في عمل إبداعي يتحدث فيه عن المدينة بوصفها الأرض التي تتعايش فيها الثقافات بتجانس وتوافق، أخرج روايته الوحيدة "تماس المدن" فجاءت مثقلة بعدد من المشاريع الروائية، ولم تحقق انتشارها أو تستقطب اهتمام النقاد، وقوبلت بالصمت والإهمال. ولم يكن ثمة ما ينوء به ظهره مثل إحساسه بالهيبة أمام الكتابة، وترهبه لها. فكلما أقدم على أعمال قلمه، يتمثل أمامه عظماء الأدب من المتنبي والمعري والجاحظ الى دستويفسكي وبروست، فترتجف يداه أمام حجم التحدي.


كان ناقداً حازماً متشدداً، فاضحاً كل ادعاء، وجد الطريق أمامه شبه مغلق، فما كان له غير أن يعري نفسه، ويمارس عليها معرفته النقدية بكل ما امتلك من أدوات، ولم أر رسالة أشد إفصاحاً وأشد ألماً على النفس كرسالته التي يوجهها الى ذاته في هذا الكتاب، فهي صورة جلية عن كل ما كان يعانيه من مشكلات خاصة وعامة. كان الإنسان في أعماق هذا الأديب عملاقاً مقيداً، فإذا انطلق أخاف الآخرين في غرابة ملامحه. كان يرى ذروة التعاطف الانساني في الأحاسيس الصغيرة التي تعامى عنها المجتمع لشدة انبهاره بالضياء الذي يخفي بريقه الكاسح كل أثر للظلال.


وكان إحباطه الأكبر في المشهد الثقافي العربي أن يرى أن الكاتب في حالة تصادم دائم مع العوائق التي تحول دون وصوله الى الناس أو تواصله معهم. ومن أشدها وجعاً المواقف السلبية التي تسود في العلاقة ما بين الكاتب والناشر، والكاتب والقارئ، ولا سيما لكاتب لا مورد مادي له سوى أدبه ومعرفته.


تتلخص دعوة نجيب المانع الأدبية والإنسانية في قضيتين أساسيتين كان يرى أن التخلص منهما أمر ضروري لدخول العرب الى رحاب العالم الواسع، وهما ظهور العربي بحجمه الحقيقي، من دون تفاخر وادعاء، أولاً، وتخليص النثر العربي من حالة الانحطاط الذي آل إليه ثانياً: "المشكلة في الانحطاط العربي الحالي أن العربي يمجد نفسه بوصفه نقياً بريئاً كريماً شجاعاً قديراً ذكياً على مجرى الفخر القديم الذي ربما كان نافعاً يوماً ما ولكنه مصيبة كبرى في أيامنا هذه". يقول هذا وفي ذهنه نماذج لشخصيات أدبية عاصرها، وشهد علو نجمها، وخبر حقيقة شأنها، ولأن ما يتصف به هذا الشاعر أو ذلك الأديب من سمات إيجابية أو سلبية تكوّن قيمة أخلاقية أو فنية عامة.


ويرى نجيب المانع أنه حين ألهب ظهره بالسياط كان يريد أن يكون أول شهيد: "يبشر بالوعي العربي المنتظر ولادته... فالتحرير العربي الضخم يبدأ من قول عربي واحد حين يختار لوزارة ما أنا لا أصلح وزيراً، ومن قول عربي واحد فقط أنا لا أصلح قاضياً لأني أصدر أحكامي عن هوى".


المسألة الأخرى التي أرّقت المانع، هي قضية النثر العربي وانحطاطه مع الزمن الحاضر. فهو يرى أن انحطاط العرب رهن بانحطاط نثرهم. وحين يتحدث عن غياب النثر الغني لغة وفكراً، تتصاعد حدة انفعاله ويتفاقم ألمه إلى حد الانفجار فيجهش بالبكاء أينما كان. لقد آلمه أن يرى النثر وقد تحول الى أداة توصيلية، وفقد قدرته على أن يكون نثراً لذاته، كما كان نثر طه حسين: "حين أقلب الصحف العربية أرى كلاماً مستعجلاً لاهثاً وألفاظاً هاربة وامتناعات أدائية ولا أرى كتابة. وإذا كانت هناك محاولة للنثر الفني فهي تتخذ طريقاً مرعباً وهو النثر التشاعري". ووقف متحيراً أمام انهماك بعض الروائيين المحدثين في اتباع الرواية الجديدة من غير تبصر فيها: "فهم يكتبون نثراً تحت النثر".


كانت الدعوة الى نثر عربي تسطع فيه الفكرة من خلال الكلمة لدى نجيب المانع قضية حياة، وهو من أجل توضيح ما يعني بـ"الكتابة"، التي هي أرقى مراتب النثر، يقسم الكتابة النثرية الى أصناف هي: الكتابة الميتة، وكتابة تحت الكتابة أو ما دونها، والكتابة ذات الصياغة الحيادية غير المشرقة، والكتابة التشاعرية، والكتابة التكتبية أي المتكلفة التي يعذب الكاتب بها نفسه قدر ما يعذب قارئه.


تبعثر نتاج نجيب المانع، عومل بإهمال يفوق إهمال النقاد ومؤرخي الأدب له في العراق، وغاب عنا شاهد من أكثر الشهود مصداقية لتدوين سنوات من عمر الثقافة العراقية مملوءة بالعطاء، ومملوءة بشخصيات أدبية تكاد تقترب من الأسطورة، ولكن غاب عنا نتاجهم لعلة فيهم أو في الظروف التي تحكمت بوجودهم، نساء ورجالاً. والنتيجة واحدة: ضياع خيوط كثيرة من نسيج ثقافي شديد التناغم على رغم طبيعة عناصره المتضاربة، خيوط تبعثرت في رياح السنوات والأحداث الجارفة تبعثر مبدعيها.


في خريف عام 1992 أغمض نجيب المانع عينيه على كرسيه الهزاز في إغفاءة أزلية، وحيداً في داره في لندن، لا يؤنس وحدته سوى كتاب نام على صدره، عاجزاً عن نقل ما شهد من اضطراب في لحظات الصمت الأخير.


* نجيب المانع: "ذكريات عمر أكلته الحروف"، دار الانتشار العربي، بيروت 1999.


  • أعجبني
  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
  • 0