عن صالح علماني

مترجم من فلسطين، يترجم عن الإسبانية. ولد في سوريا / حمص عام 1949، و درس الأدب الإسباني. أمضى أكثر من ربع قرن في خدمة الأدب اللاتيني ليُعرّف القرّاء العرب على هذا النوع من الأدب يعمل صالح علماني منذ ربع قرن على ترجمة أدب أميركا اللاتينية والآداب المكت..

عن خوسيه ماريا ميرينو

كاتب اسباني معاصر  مولود عام 1941. وكان بدأ شاعراً، لكن روايته «قصة آندرِس تشوث» التي نشرها عام 1976كرسته كروائي على حساب الشاعر. وتميز بصورة خاصة بمساهمته البارزة في تطوير فن القصة القصيرة الاسبانية خلال العقود الماضية وقد امتد نشاطه الثقافي ال..

كتب أخرى لـِ خوسيه ماريا ميرينو، صالح علماني


thumb

thumb

thumb

thumb

thumb

thumb

رؤى لوكريثيا (361 صفحة)

عن: دار بلومزبري – مؤسسة قطر للنشر (2013)

رقم الايداع : 13 9789992194737
الطبعة : 1
التصنيفات : أدب

في مدريد في السنوات الأخيرة من القرن السادس عشر، ترى الفتاة الفقيرة الجاهلة «لوكريثيا » رؤى رهيبة معلنةً النهاية الكارثية للملكية الإسبانية وحكم الملك «فيليبه» الثاني، بما في ذلك المعارك البحرية وغزوات الهراطقة. ولكن عندما تبدأ هذه الروى في التحقق تنقلب الإمبراطورية الإسبانية رأسًا على عقب.

رواية مثيرة، تعتمد على الأمانة الشديدة في سرد الأحداث وذكر الشخصيات التاريخية الحقيقية.

«رؤى لوكريثيا» تُعيد خلق زمن لا يختلف كثيرًا عن زمننا، فتكسر الحواجز بين الواقع والخيال. رواية لا تُنسى عن مصير أولئك الذين يجرؤون على الحلم.

حصل هذا العمل الروائي الرفيع على واحدة من أهم الجوائر الأدبية للغة الإسبانية عام 1996، وهي جائزة "ميجيل دليب" المرموقة.


  • الزوار (515)
  • المراجعات (3)
ترتيب بواسطة :



بقليل من التأمل يستطيع قارئ رواية"رؤى لوكريثيا"للكاتب الاسباني خوسيه ماريا ميرينو ان يربط بين الشواهد التي اثبتها في مقدمة روايته وبين مضمون الرواية نفسها. فالشواهد تلك لا تبدو توطئة لعالم الرواية ومناخاتها فحسب بل تبدو تأكيداً جديداً على العلاقة بين المرئي واللامرئي من جهة وعلى العلاقة بين الوقائع والاحلام من جهة أخرى. وهو اذ يستند الىقول آرثر شوبينهاور بأن"الأحلام واليقظة هما صفات من الكتاب نفسه"وقول ماريا ثامبرانو بأن"لا شيء من الحشو في الاحلام فهي إظهار لا سبيل الى قمعه لشيء خفي"يحاول بالمقابل ان يزيل الحواجز القائمة بين الحياة القائمة في الواقع والحياة المتخيلة في الكتابة فيستشهد برؤى بطلته لوكريثيا دي ليون ويورد على لسانها هذه الفقرة:"جاءني الرجل المعهود، وكان يحمل في يده مشعلاً ملتهباً، وقال لي: من أجل ظلمة الأزمنة لا بد من كل هذا النور".


لا يفصح خوسيه مارينو عن الحقبة الزمنية التي تدور خلالها حوادث روايته الا في القسم الاخير من هذه الرواية الممتعة والمقلقة في آن واحد حيث يتبين لنا بأن زمن الاحداث هو العقد الاخير من القرن السادس عشر. ولكنه يقدم على رغم ذلك اشارات كثيرة يمكن ان تدل على الزمن الافتراضي للوقائع كالاشارة الى انقسام المسيحية بين الكنيسة الأم في روما وبين حركة مارتن لوثر، او الاشارة الى المخاوف الاسبانية المستجدة من الغزو العثماني او من هجوم جديد يشنه المسلمون لا على الاندلس فحسب بل على اسبانيا، أو الاشارة ايضاً الى حقبة محاكم التفتيش، وهي من بين الحقب الاكثر سواداً في تاريخ اسبانيا والغرب. واللافت في هذا السياق هو غياب الجانب المبهج او الاحتفالي عن عالم الرواية على رغم ان قرناً واحداً يفصل حوادثها عن تاريخ سقوط الاندلس وعن تمكن ايزابيل وفرديناند من دحر أبي عبدالله الصغير واجلائه الى ما وراء جبل طارق. بل يبدو في ثنايا السطور ان المقارنة بين ما حققه الغزاة المسلمون من انجازات ثقافية وعمرانية، فضلاً عما أظهروه من مرونة وتفهم للآخر، وبين واقع اسبانيا اللاحق لا بد وأن تكون في مصلحة الغزاة المدحورين في غير وجه من الوجوه.


تكشف رواية"رؤى لوكريثيا"في جانبها الاعمق والأهم عن المأزق الخطير الذي عاشته اسبانيا في أواخر القرن السادس عشر حيث كان الصراع يدور على اشده بين الملك الاسباني المستبد والمحاط بالفساد من كل جانب والكنيسة التي يحلم بعض رجالها بالانقلاب على الملكية وبتحقيق ما اعتبروه وعداً الهياً بوراثة بابوية روما وباستئناف الحروب الصليبية وبهزيمة انكلترا والقضاء على هرطقة اللوثريين. في تلك الفترة من الانقسام السياسي والاجتماعي ومن العجز الاسباني عن مواكبة حركة التنوير المتسارعة التي تشهدها دول الجوار الأوروبي يظهر عدد كبير من المتنبئين والعرافين وأصحاب الرؤى الذين يبشر بعضهم بنهاية العالم وبعضهم الآخر بقيامة المسيح. ولم تكن المراهقة الأمية لوكريثيا سوى واحدة من هؤلاء المتنبئين المنتشرين على مساحة البلاد الاسبانية الشاسعة. لكن تحقق الكثير من الاحلام التي تراءت لها خلال فترات متقاربة جعل أمها آنا أوردونيت تفاخر بابنتها في الكثير من المحافل حيث يبدأ صيتها بالذيوع، لتتعرف الى الجندي المتنبئ ميغيل دي بدرولا الذي ما لبث ان تعرض للاعتقال على يد محاكم التفتيش بعد ان اتهم بتحضير انقلاب خطير.


لم يمنع اعتقال الجندي المتنبئ لوكريثيا من متابعة أحلامها ونشرها على الملأ، حتى تمكنت خلال فترة وجيزة من لفت انتباه عدد من رجال الكنيسة الذين رأوا في أحلام الفتاة المراهقة اشارات الهية حقيقية باقتراب الواقع الاسباني المزري من نهايته وببداية عصر جديد تكون كلمة الفصل فيه للكنيسة المسيحية الحقة، واذ بدأت رؤى لوكريثيا بتجاوز التوقعات العادية والمحدودة حول موت هذا الشخص او ذاك لتضع ضمن دائرتها نذراً أكثر هولاً تتعلق بدمار اسبانيا وبهزيمة اسطول الارمادا العظيم امام الاسطول الانكليزي وبموت الملك الوشيك. عمد بعض رجال الكنيسة مثل دون الونسو دي تابيس ومساعده الراهب لوقا وآخرين الى تدوين احلام الفتاة وتوزيع نسخ منها على جميع الناقمين على الملك والمنتظرين نهايته بفارغ الصبر. هكذا عظم شأن لوكريثيا بين ليلة وضحاها وتمت احاطتها بالكثير من الرعاية والاهتمام المادي والمعنوي، كما تعرفت في تلك الفترة الى الشاب الوسيم دييغو دي فيكتوريس الذي كلفه دون ألونسو بتدوين احلامها في غيابه والذي تزوجت وحملت منه في السر قبل ان ينكشف امرها لدى محاكم التفتيش وتساق الى السجن ومن ثم المحاكمة بعد ذلك. ومع انها نجت من الحكم بالاعدام بتهمة الهرطقة والتجديف فقد آل امرها اخيراً الى السجن ومن ثم التشرد والجوع مع طفلتها الوحيدة.


لا تقع رواية"رؤى لوكريثيا"التي ترجمها صالح علماني وصدرت عن دار المدى في خانة الواقعية السحرية التي شهدت ازدهاراً لافتاً في أدب أميركا اللاتينية خلال النصف الثاني من القرن العشرين، وهي في المقابل لا تنتمي الى الرواية التاريخية التي شهدنا نماذجها لدى غير كاتب من الكتاب المعاصرين. فهي استطاعت الافلات من الاولى عبر استخدام الاحلام كذريعة مناسبة لتجنيب الفانتازيا الروائية، كما انها لم تأخذ من التاريخ سوى محطات عابرة ومتباعدة، فيما ان القيمة الاساسية للعمل تستند الى التأليف والسرد ورسم الشخصيات التي انتزعها الكاتب من خياله الشخصي. واذا كان الاسلوب أحيل الى الواقعية والتقشف البلاغي في معظم الاحيان الا ان الكاتب يبرع في بناء المشاهد وتقصي الحالات النفسية والانسانية وربط الخاص بالعام وحبس أنفاس القارئ في بعض اجزاء الرواية، ولو اننا نلمس شيئاً من الاطالة والتكرير والتراخي في اجزاء اخرى. كما ان الترسل السردي النثري يخلي مكانه احياناً للروح الشاعرية التي لا يملك الادب الاسباني فكاكاً من أسرها:"كانت لوكريثيا تشم رائحة نبض الارض المتجدد، وتلحظ في لعابها دنو الازهار، وفي خديها النسمات الدافئة الخفيفة التي تحمل من الجبال الاعلان عن ذوبان الثلوج. وكان ذلك كله يستغرق اهتمامها من دون ان تشاء هي ذلك، كما لو انها قد تحولت الى جزء اضافي من تجدد ثمار العالم".



  • أعجبني
  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
  • 0



يعيد الروائي الاسباني خوسيه ماريا ميرينو قراءة حقبة عصيبة من تاريخ بلاده، هي حقبة الصراعات الكبرى، في الداخل والخارج، في رواية"رؤى لوكريثيا"حيث تجري الأحداث في نهاية القرن السادس عشر، في الإمبراطورية الاسبانية التي نشرت نفوذها في العالم الجديد، بينما كانت محاكم التفتيش تنشر الرعب في كل الأوساط الاجتماعية، وتصادر الرأي الآخر في زمن تضيع المسافة بين الجنون والحكمة، ويسهل فيه التكفير والقتل، ويحكم على البريء ليس بما فعل أو ما يمكن أن يفعل فحسب، بل بما يرى في مناماته وأحلامه أيضاً.


ومع كثرة المتنبئين والمشعوذين، كان للعلماء والمبدعين نصيب وافر من التعذيب والتكفير والقتل، كما هي حالهم اليوم، في مساحات واسعة من الشرق، حيث تستعيد القوى الظلامية المتطرفة أدوات محاكم التفتيش وتضيف إليها مزيداً من المحرمات ومزيداً من أدوات التعذيب والتدمير والقتل.


في رواية"رؤى لوكريثيا"دار المدى، ترجمة صالح علماني مزيج من الواقعي والخيالي، في سيرة حياة فتاة من عائلة فقيرة تسرد في كل صباح أحلامها الليلية التي تشي بكوارث قادمة، مما يثير الرعب في منزلها، فيعاقبها أبوها بالجلد، وتطلب أمها من الكاهن أن يخلص ابنتها من هذه الرؤى التي تأتيها رغماً عنها، وتكمن خطورة هذه الأحلام في الصور التي يظهر فيها كبار الشخصيات السياسية والدينية الأكثر شهرة وتأثيراً كالملك والبابا والمطران، ومن في حاشياتهم:


"قالت انها ترى في أحيان كثيرة مواكب غامضة في الشوارع تشبه بعض الشيء مواكب تماثيل الوحوش المخيفة، ومواكب أخرى بتماثيل وأناس متنكرين، وحشوداً تتقدم في صفوف طويلة تملأ الساحات، واعترفت أيضاً بأنها ترى أمامها الملك في قاعاته في القصر، أو في الاسكوريال، أو في بيوت الراحة التي يمتلكها، وهو يبدو مريضاً جداً، بينما تحلق الكواسر في سماء حمراء".


تتسرب نصوص تلك الرؤى وتجد من يدونها ويفسرها كل صباح، ويرفعها فوق مستوى الرؤى والأحلام الأخرى، حينما يعطيها صفة النصوص المقدسة، ويقوم منتسبو جمعية الاصلاح الجديد السرية بتوزيعها والترويج لها، وأخذت تلك الرؤى أهمية إضافية بعد أن تحققت في الواقع، ونالت لوكريثيا مزيداً من الاهتمام، فدخلت حياتها في دائرة الخطر، وبدا هذا الخطر واضحاً حينما استجوبها معاون المطران واعتقلها لفترة وجيزة كانت بمثابة انذار فعلي، لأن أخبار رؤاها عبرت حدود مدينة سان سيباستيان إلى المدن الاسبانية الأخرى، لتوظيفها في خدمة أفكار ممنوعة، تسري في الخفاء، وتنقل صور الكوارث والأوبئة والحروب الطاحنة في البحر حيث تتعرض أعداد كبيرة من السفن الاسبانية للدمار، وهذا ما حدث فعلاً للأسطول الأقوى في العالم"الأرمادا"الذي كان يحاصر انكلترا، حين هبت عليه عاصفة بحرية، استغلها المتمردون الهولنديون، فدفعوا زوارق محملة بحطب مشتعل نحو سفن"الأرمادا"، واستغل الإنكليز حال الاضطراب التي أصابت الجيش الإسباني فشنوا هجوماً واسعاً،


وأغرقوا أكثر من نصف السفن الحربية الإسبانية، بمن فيها، وكان عدد المفقودين حوالى عشرة آلاف محارب. ومع أن لوكريثيا أصيبت بالصدمة، إلا انها لم تستطع إخفاء شعورها بالزهو، من تحقق رؤيتها، وصحة أحلامها.


كان مؤسسو جمعية الاصلاح الجديد حريصين على تنمية رؤى لوكريثيا واستثمارها في برنامجهم الاصلاحي، وربط مصير لوكريثيا بمصيرهم، ولهذا اختاروا شاعراً شاباً من أتباعهم لتدوين أحلامها كل صباح، آملين أن تتطور العلاقة بينهما إلى حب وتنتهي بالزواج، وهذا ما حدث فعلاً، ولكن الأحداث المتسارعة والهزائم والكوارث كانت تدفع السلطات نحو مزيد من التشدد والقمع، كما يحدث دائماً.


تتوالد الأسئلة المصيرية، المشحونة بالخوف، وتتوالى الاعتقالات، وتنتشر بين الناس حالات رعب آخر، متوجسين كارثة جديدة، يحملها الغزو الخارجي، بعد أن تراجعت قوة"الأرمادا"، وضعفت حماية السواحل الإسبانية.


في ظل الهزيمة تغير ايقاع الخوف نفسه فشمل القامع والمقموع، وتزايدت ضراوة السلطة، فلا حدود للممنوعات، ولا قيود على اجراءات محاكم التفتيش. أما الذين لا يختفون في السجون، فيمكن أن يعيشوا في المسافة المعتمة، بين الحياة والموت، حيث تتغير صور الرؤى والأحلام في السجون الضيقة، وهذا ما كان ينتظر لوكريثيا وكل الذين ينتظرون أحلامها ورؤاها، أو ينتظرون أن تتغير أقنعة السلطات المتخلفة، أو تتساقط مع كل حلم جديد.


  • أعجبني
  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
  • 0

عُرف عن الرؤى أنها تختزل أحداثا، وتستوحي وقائع، وتنتقي شذراتٍ متناثرة من الأحداث، فتبني من ذلك أحلاما يغلب عليها التشظّي، وندر أن تطلّعت الأحلام الى صوغ مصير إمبراطورية ومستقبل إمبراطور. ولكن حدث ذلك في رواية "رؤى لوكريثيا" للكاتب الإسباني "خوسيه ماريا ميرينو"؛ فعدّت تلك الرؤى نُذر شؤمٍ تنبّأت بتفكك الإمبراطورية الإسبانية، وقد تحقّق مضمون بعضها في الوقت الذي كانت فيه لوكريثيا ترويها للمحيطين بها، مثل دمار أسطول "الأرماد" قرب الشواطيء البريطانية، ثم تحقّق معظمها بعد ذلك، حينما انتهى الملك فيليب الثاني، بما يماثل الاستباقات التنبؤية بمصيره، فتقرّح جلده، وشلّت أطرافه، وأصبح قعيد الأسكوريال، ثم طال احتضاره على خلفية من طلب الغفران، ولكن الإشارة الأكثر أهمية في تلك الأحلام لها صلة بانحسار هيبة إسبانيا، وانكفائها على نفسها، وتراجع نفوذها العالمي، وكأن تلك الرؤى بذرت أفول عصر الإمبراطورية التي لم تكن تغيب عنها الشمس الى أن حملت ذلك الوصف، بعد مدة، الإمبراطورية البريطانية، وارثة المجد الإسباني.


جعل المؤلّف من عهد فيليب الثاني(1527-1598) خلفية زمانية ومكانية لأحداث روايته، وهو الملك الذي حكم إسبانيا مدة 44 عاما من عمره البالغ نحو 70 سنة، وكان، فضلا عن ذلك، لمُدد متفاوتة، ملكا قرينا لإنجلترا، لأنه تزوج ملكتها ماري الأولى، وملكا لتشيلي، ونابولي، وصقلية، وهولندا، والبرتغال بعد أن ضمها إليه، فالتحقت المستعمرات البرتغالية بالتاج الإسباني، فضلا عمّا كان يعود لإسبانيا من بلاد كثيرة فيما وراء المحيط الأطلسي بعد أن قُضي على ممالك الأزتيك والأنكا وغيرها، ثم السيطرة على الفلبين في الشرق، وبذلك استقام أمر إسبانيا كأعظم إمبراطورية في العالم في القرن السادس عشر، وقد خاض فيليب الثاني حروبا ضد انجلترا، وفرنسا، وانخرط في صراع طويل مع الدولة العثمانية في البحر الأبيض المتوسط، فارتسم خوف متعاظم من المسلمين في عهده، مما جعل كل ذلك مادة مغذّية لأحداث للرواية.


ارتسمت لفيليب الثاني، في السرد وفي التاريخ، صورة طاغية مؤمن، وقد تولّى تربيته رهبان متشدّدون، غذّوه بالايمان الكاثوليكي، الذي رآى فيه المذهب القويم في المسيحية، وربما خطر له أن يكون مزيجا من ملك وقديس، وكان يرى بالكنيسة الكاثوليكية خير حافظ للملكية، واعتبر ممارسة الحكم نوعا من الواجب المقدس الذي ينبغي عليه أن ينتدب نفسه له، وآمن بوحدة دينية كونية تقودها الكاثوليكية، ونادى بحرب صليبية جديدة، وتنفيذا لما كان يعتقده من إيمان شبه مغلق، أطلق العنان لمحاكم التفتيش، وفوّضها التنقيب في النوايا والضمائر، وامتحان الخصوم بالتأكّد من صحة إيمانهم، وتصحيح معتقداتهم، والتنكيل بهم. وهو الذي حرّم العادات الاسلامية، وحظر استخدام اللغة العربية نهائيا في إسبانيا، ومنع اقتناء الكتب العربية وتداولها، وتولّى كبح ثورات المورسكيين في الأندلس، واستأصل فكرة عودة المسلمين إليها، وإلى كل ذلك فقد عرف عنه عزوفه عن المخالطة، وحب العزلة، والاعتكاف في "الأسكوريال"، فيما كانت إمبراطوريته تترامى في أطراف العالم، وتتوزع في خمس قارات، لكنه انتهى مشلولا وقد تقرّح جلده، وسعى، قبل وفاته، في طلب المغفرة من الأعمال التي مارسها طوال حكمه.


جعل فيليب الثاني من مدريد عاصمة لإسبانيا بعد أن كانت طليطلة هي العاصمة، وشيد الأسكوريال، وجعله صرحا منيفا لإقامته وعبادته، ورمزا لهيبة إسبانيا، وفيه دُفن حينما وافته المنية، وكاد ينقطع عن العالم في السنين الأخيرة من حياته، وهي الفترة التي غطتها أحلام "لوكريثيا" إذ ترنحت الإمبراطورية تحت ثقل الثورات في المقاطعات التابعة لها، والتحديات العثمانية في الشرق والجنوب، فطول مدة حكم الملك، وظهور النزعات الانفصالية، وتوسّع الإمبراطورية في غرب العالم وشرقه، أضعف قبضة الامبراطور، الذي أحاط نفسه بالقساوسة، موليا ظهره للواقع ومؤمنا بأن الربّ سيحافظ على الإيمان الصحيح في إمبراطوريته، وسيدفع خطر النحل التي تنهش مَلِكا نذر نفسه للدفاع عن كلمة الله في الأرض، وبذلك ارتسمت خلفية ثرية لأحداث رواية "رؤى لوكريثيا".


اخترقت الأحلام متن الرواية، وغمرتها بكليتها، بل إن كافة أحداثها تكوّنت إما بناء عليها أو بعلاقة لها صلة بها، فشكّلت الأحلام، وما دوّن حولها من تفسيرات وحواش، المادة السردية لها، ومصدر الأحلام هو الخوف من خطر يتهدّد الإمبراطورية، فشبح الأعداء الدينيّين والمذهبيّين لم يزل مخيما في الأفق العام للمجتمع الإسباني. من الصحيح أنه أُجهز على الوجود الإسلامي في غرناطة قبل نحو قرن من وقوع أحداث الرواية، لكن الخوف منه مازال قابعا في المخيال العام، أما حركات الاصلاح الديني فكانت تجتاح أوربا بكاملها، وهي تزدري الانغلاق الذي اتصفت الكاثوليكية به، وتطالب بالخروج عليه، وكل ذلك غذّى الأحلام بإحالات واقعية وجدت آثارها في تلك الرؤى التي تشطح فيها "لوكريثيا" عن جادة الصواب، كما انتهى الى ذلك قرار محاكم التفتيش، لكنها كانت رؤى صادقة من وجهة نظر خصوم الملك والطبقة السياسية والدينية المناوئة له.


إن النظر الى أحلام "لوكريثيا" بوصفها انعكاسات مجتزأة من أحداث تاريخية لا يتوافق مع أغلبها، فهي تكهّنات خاطفة فيها من التنبؤ بمقدار ما فيها من الغموض الذي يمكن أن يقع تأويله حسبما يريد مفسّر الأحلام، فالأحداث تقع لأن "لوكريثيا" حلمت بها، وليس لأن أحلامها نتاج أحداث تأكّدت في الواقع، لكن التأويل الأرجح هو أنها خواطر حلمية تومض بخفوت على خلفية من هلع سكن النفوس من المسلمين والهراطقة الذين رأى فيهم الإسبان عدوا متحفّزا لغزوهم، فكل واقعة تكتسب معناها من ذعر يسكن النفوس أكثر مما يعبّر عن وقائع تاريخية، ولما يصدف أن تتقارب أحداث الواقع مع أحداث الرؤى يصار الى ترجيح أنها تنبؤات استبقت بها "لوكريثيا" التاريخ نفسه.


أضيفت الصبغة التنبؤية على أحلام "لوكريثيا" من الطبقة السميكة للتأويلات التي غمرها بها رجال دين في أثناء عملية التدوين، والنسخ، فربطت الأحلام بالمستقبل بدل أن تربط بالماضي، وما رفع من درجة أهميتها اعتبارها رؤى صادقة تهجس بالأخطار قبل حدوثها. وتغيير وظيفة الأحلام من إرتباطها بأحداث وقعت إلى اعتبارها علامة على أحداث سوف تقع، وضع وظيفة الأحلام على محكّ الجدل بين الأنصار والخصوم، وقد أشار "فرويد"، إلى أنه "كان للأحلام في العصور القديمة أهمية كبيرة في التنبؤ بالمستقبل" لكن تلك نظرة خاطئة، من وجهة نظره، وفيها من التقويل أكثر ما فيها من صدق القول، فالأحلام "تحيطنا علما بالماضي"، لأن "الحلم فرع من الماضي بكل معنى من المعاني". وفي ضوء ذلك كان ينبغي النظر إلى أحلام "لوكريثيا" على أنها نتاج مخاوف الماضي، وليس تمخضات استباقية لأحداث آتية، فذلك ما رغب فيه خصوم الملك. مع الأخذ في الحسبان بأن المعرفة التي تحيطنا بها الأحلام عن الماضي أقرب ما تكون إلى السراب، فهي لا تعطي تأكيدا واضحا على مضمونها، لكنها توحي به على سبيل الرمز والتورية، ثم أنها نبذ متناثرة سرعان ما يستعصي على الذاكرة استعادة تفاصيلها؛ لأنها لا تمتثل لمنطق العقل، ولا تخضع للترتيب الذي يتيح الفرصة لوصفها بدقة.


لا ينبغي الإفراط في تأويل أحلام فتاة بريئة تبصّرت في أمر بلادها، فقد كانت جاهلة، لا تعرف بحال الإمبراطور والإمبراطورية، وقد طافت بأحلامها في أرجاء تلك البلاد المزعزعة، على أن التأويل المناسب لرؤاها ينبغي أن يستند الى رهانات الصراع حول السلطة في إسبانيا خلال النصف الثاني من القرن السادس عشر. ومع أن الحدود الفاصلة غابت، أو كادت، بين رؤى فتاة طرية العود ومدوّنات محرّفة أنجزها قساوسة ورهبان لهم طموح بالوصول إلى مواقع عليا في البلاد، فسعوا الى نشرها بين الناس للنيل من ملك ساس البلاد بما يخالف طموحاتهم، ومصالحهم، فلا يجوز نسيان أمر جلل، وهو صعوبة فصم العلاقة بين الأحلام وصيغها المدوّنة، فما انتهى بين يدي الملك، ومحاكم التفتيش، كدليل إثم، هو المدوّنات الكتابية لها وليس الصيغ الشفوية التي كانت "لوكريثيا" تحدّث بها الجماعات التي الملتفّة حولها بغية استخدام أحلامها وسيلة ضغط على الملك بالتحذير من مصير سيّء يلحق به وبالإمبراطورية.


  • أعجبني
  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
  • 0