عن طلال فيصل

هو كاتب وطبيب نفسي ومترجم متميز يترجم من الانجليزية والفرنسية ويدرس الايطالية والروسية. شغوف بالعلم والمعرفة فبعد انتهائه من دراسة الطب التحق بكلية الاداب قسم الفلسفة لثلاث سنوات متتالية. ترجمته المجانية للرويات والحوارات الصحفية أتاحت له فرصة السفر ..

عن توماس ترانسترومر

توماس يوستا ترانسترومر (15 أبريل 1931 - 26 مارس 2015) من أكبر شعراء السويد في القرن العشرين، ويعتبر واحداً ممن يشكلون وجه الثقافة السويدية في العالم، في صف واحد مع إمانول سفيدنبوري وأوغست ستريندبرغ وإنغمار برغمان. وقد حصل على جائزة نوبل في الأدب عام ..

كتب أخرى لـِ توماس ترانسترومر، طلال فيصل


thumb

thumb

thumb

thumb

thumb

thumb

قرّاء هذا الكتاب يقرؤون أيضاً


thumb

thumb

thumb

thumb

thumb

thumb

الكتاب على رفوف القـرّاء


ذكريات تراني (90 صفحة)

عن: الهيئة المصرية العامة للكتاب (2015)

رقم الايداع : 9789779102115
الطبعة : 1
التصنيفات : أدب

يمثل كتاب "ذكريات تراني" للشاعر السويدي توماس ترنسترومر، ترجمة: طلال فيصل، تقديم: روبن فلتون (هو مترجم ترنسترومر للإنجليزية وأقدرهم علي فهم شعره حسب الشاعر)، سيرة حياتية لمرحلتي الطفولة والمراهقة وهنا يبرز السؤال هل الطفولة مؤثرة علي المدي البعيد؟

يقول ترنسترومر: نعم، الطفولة وسنوات التكوين، ونواته، الجزء الأكثر كثافة، هي بواكير هذه الطفولة، الفترة الأولي التي تتحدد فيها الملامح الأهم لوجودنا. أحاول أن أتذكر، أحاول أن أخترق وصولاً إلي هناك لكن الوصول إلي تلك المناطق الكثيفة صعب وخطير ويمنحني الشعور أني أقترب من الموت ذاته ويضيف: تجاربنا المبكرة، في معظمها، يصعب الوصول إليها، فهي لا تزيد علي كونها مجرد مرويات، وذكريات للذكريات، وإعادة تركيب مبنية علي حالات مزاجية تتوهج بشكل مباغت في الحياة. وبذلك يتفق مع الكاتب البرتغالي جوزيه ساراماجو الذي اعتبر مرحلة طفولته في كتابه"الذكريات الصغيرة" أفضل وسيلة لفهم نفسه، مضيفا "من يعتقد أن السنوات الأولي من حياتنا هي فترة نعيشها وننساها فأنا أعتقد عكس ذلك تماماً".

يشير روبن فلتون في تقديمه للكتاب أن ترنسترومر عادة ما يواجه بسؤال أن هناك جانبا دينياً عميقاً في قصائده في بلد علمانية كالسويد وكانت إجابته: يمكن القول إنني أتعامل مع الواقع وكأنني أري الوجود بمثابة لغز كبير، وأنه في بعض الأحيان في لحظات معينة، فإن هذا اللغز يحمل طاقة هائلة، وفي هذا السياق غالباً ما أكتب. ومن ثم فإن هذه القصائد تشير دائماً لسياق أكبر، سياق لا يمكننا إدراكه بعقلنا اليومي المعتاد، رغم أنه يبدأ أحياناً بشيء صلب تماماً.

يقول المترجم طلال فيصل انه عندما شرع في ترجمة هذا الكتاب فكر في إجراء مقابلة صحفية مع ترنسترومر للاقتراب أكثر من عالم الشاعر، لكنه تراجع عن الفكرة عندما أخبره الأصدقاء أن ترنسترومر مصاب بجلطة في المخ منذ العام 1996 ، كانت سبباً في إعاقة حركته وقدرته عن الكلام، وأن زوجته هي التي تتولي الإجابة عن الأسئلة لذلك لن تكون المقابلة ذات فائدة.

ويشير المترجم إلي أن هذا الكتاب هو أفضل مدخل لقراءة أدب الشاعر توماس ترنسترومر الحاصل علي جائزة نوبل للآداب العام 2011 ،لأن فيه المكونات الأولي لإبداعه والمواضيع التي ستشغله طيلة مشواره الإبداعي بعد ذلك، كان من المفترض أن يتضمن الكتاب ستة عشر فصلاً بدلاً من الثمانية لكن مرضه حال دون ذلك.

في " ذكريات تراني" يتحدث ترنسترومر عن علاقاته العائلية فهناك والدته التي عاش معها بعد طلاقها من والده ومعلمته وجده لأمه الذي كان متعلقا به كثيرا فقد كان أول من عرفه علي المتاحف والمكتبات. يقرآن معاً، حتي أنه يحتفظ بصورة زيتية قديمة له تتوسط غرفة نومه يلقي عليها السلام كل ليلة قبل أن يخلد للنوم. ويضيف ترنسترمر" بيننا صداقة عميقة".

يتحدث ترنسترومر في الكتاب عن أكثر التجارب مرارة في حياته وهي إصابته في سن الخامسة عشرة بمرض نفسي يبدأ مع حلول المساء ويفلت من قبضته ببزوغ الفجر وهنا يقول: كنت أشعر أني محاطاً بالأشباح لم أكن أنام إلا قليلاً، أجلس في السرير وأمامي كتاب سميك، قرأت عدة كتب سميكة في تلك الفترة، ولكني لا أستطيع أن أقول إني قرأتها بالفعل لأنها لم تترك أي أثر في ذاكرتي. كانت الكتب مجرد حجة لإبقاء النور مضاءً. ربما هي التجربة الأكثر أهمية علي الاطلاق، غير أنها انتهت وكنت أظنها جحيماً إلا أنها كانت مطهراً.

يكشف الشاعر توماس ترنسترومر ولهه بالكتب ففي مرحلة الطفولة المكان المخصص له في المكتبة ركن الأطفال والتي تمثلت في حياة الحيوانات فقط. وبما انه حاول مرارا استعارت كتب من ركن الكبار إلا أن طلبه يقابل بالرفض من عاملة المكتبة لذلك اتفق مع قريب له ان يمنحه بطاقته، ويضيف: "واصلنا تمثيلية أنني أستعير الكتب من أجله، وهكذا صار بإمكاني الدخول حيث أريد. كان اهتمامي مكرساً للكتب غير الأدبية، تركت الأدب لمصيره وكذلك رفوف كتب الاقتصاد ومشاكل الاجتماع فقد كان التاريخ مثيراً لاهتمامي، أما الطب فقد كان يخيفني". 

خلود الفلاح


  • الزوار (316)
  • القـٌـرّاء (2)
  • المراجعات (4)
ترتيب بواسطة :

يعتبر كتاب الشاعر السويدي توماس ترنسترومر(1931 - 2015) "ذكريات تراني"، الكتاب النثري الوحيد له، إذ أن هذا الكتاب صدرَ مؤخراً عن الهيئة العامة للكتاب المصرية، وترجمه إلى العربية الكاتب والمترجم المصري طلال فيصل، وبإمكاننا أيضاً أعتبار هذا الكتاب سيرة ذاتية غير مكتملة، ففي زيارة استثنائية قام بها المترجم إلى بيت ترنسترومر بغية إجراء حوار، مع الكاتب، والتقرب من عالمه، قالت له السيدة ترنسترومر أنه "أفضل مدخل لقراءة أدبه وشعره، لأن فيه المكونات الأولى لإبداعه والمواضيع التي ستشغله طيلة مشواره الإبداعي بعد ذلك، تضيف في أسى هادئ أن الكتاب كان من المفترض أن يكتمل ستة عشر فصلاً – بدلاً من الثمانية التي صدرت – لكن مرضه حال دون إتمام الكتاب والفصول التي يريد فيها تدوين بدء تجربته مع الكتابة والشعر ومعلميه الأوائل". هكذا سنقرأ بين دفتي الكتاب عن ترنسترومر الطفل، والذي نشعر بأن الرجل الذي بلغ الستين من عمره – هي مرحلة كتابة الكتاب – لازال طفلاً، يبحث عن وجوهه الذي لم يعد يراها في المرآة "دائماً ما نشعر أننا أصغر من أعمارنا الحقيقية. أحمل بداخلي وجوهي الباكرة، مثل جذع شجرة يحوي حلقاته، ومجموع هذه الوجوه هو "أنا". لا تبصر المرآة غير وجهي الأخير، بينما أعرف أنا تلك السابقة عليه". لكن قراء توماس ترانسترومر سيحرمون بالمقابل، من كشوفات وأسرار عملية الكتابة عند هذا الكاتب الذي كان بالأصل قليل الإنتاج. مع ذلك نشعر أن الكتاب هو إعادة بث الروح في صور لماض، يبدو أن الزمن فشل في تحويلها للأبيض والأسود، إنها مازالت ناضجة في ذاكرة ترنسترومر، ويقول في أول فصل، والذي جاء عنوان "ذكريات": "حياتي "... حين أفكر في هذه الكلمة أبصر إزائي شعاعاً من الضوء، أتفحصه عن قرب فيتخذ شكل مذنّب؛ له رأس وذيل. رأسه، الطرف الأكثر التماعاً، هو الطفولة وسنوات التكوين، ونواته، الجزء الأكثر كثافة، هي بواكير هذه الطفولة: الفترة الأولى التي تتحدد فيها الملامح الأهم لوجودنا". بهذا العمق والروح الشاعرية يبدأ ترنسترومر بالحديث عن ذكرياته، وكأنه كان منتظراً هذه اللحظة من عمره، كي يكتب ما خزنته ذاكرته من خيالات، وغموض تلك الطفولة التي يتخطاها الزمن ويبقى على أسرارها داخل كل إنسان، ولعل هناك بعض التأويلات تتفتح في الذهن، وبعضها ينثر بين حنايا اللغة "تجاربنا المبكرة في معظمها، يصعب الوصول إليها؛ فهي لا تزيد على كونها مجرد مرويات، وذكريات للذكريات، وإعادة تركيب مبنية على حالات مزاجية تتوهج بشكل مباغت في الحياة". يسترجع ترنسترومر المكان الذي نشأ فيه في مدينة استكهولم، والأجواء التي أحاطت في تلك المرحلة المبكرة من الطفولة، كأن يتكلم عن جده الذي تربطه به علاقة وطيدة "كان جدي يتكلم بطريقة طريفة تنتمي للقرن التاسع عشر. يمكن للكثير من تعبيراته أن تبدو اليوم قديمة لدرجة مدهشة، لكنها من فمه، وفي سمعي، كانت مألوفة للغاية. كان قصيراً نوعاً ما، له شارب أبيض وأنف بارز معقوف – يبدو مثل الأتراك كما كان يقول عن نفسه". ويكشف ترنسترومر عن اهتماماته في تلك المرحلة، إذ كان يحب زيارة المتاحف الخاصة بالتاريخ الطبيعي، كما كان مهتماً بجمع الحشرات وتحنيطها والاحتفاظ بها. ونرى أن الجدّ كان له تأثيراً كبيراً على الشاعر إذ أنه كان سبباً لتحول اهتمامه بعد ذلك إلى الآلات البخارية "كنت أنا وجدّي نتوجه مرتين أسبوعياً من سودر لزيارة المتحف، لا بدَّ أن جدي كان مفتوناً بنماذج القطارات، وإلا ما كان تكلف مشقة كل هذه الزيارات "حتى أن هذا الاهتمام سيكشف لترنسترومر، أي من الشخصيات هو "في ذلك الوقت كنت أريد أن أكون مهندس قطارات، وكنت على الرغم من ذلك، أكثر اهتماماً بالآلات البخارية عن الآلات الكهربية وبعبارة أخرى، كانت شخصيتي رومانسية أكثر منها عملية". يتنقل بنا ترنسترومر من حديثه عن المتاحف إلى الحديث عن فترة دخوله المدرسة، والتي كانت موازية لفترة الحرب العالمية الثانية أيضاً، وكيف تشكل وعيه السياسي، وما كان مفهوم السياسة بالنسبة له كطفل "في ربيع 1940 كنت في التاسعة من العمر، صبياً نحيلاً؛ منحنياً على الجريدة اليومية مُكباً على خريطة الحرب، حيث العلامات السوداء تشير لتقدم وحدات الجيش الألماني. كانت هذه العلامات تخترق فرنسا، ولم تكن بالنسبة لنا، نحن أعداء هتلر، أكثر تهديداً من كائنات طفيلية تعيش في أجسادنا. كنت أعتبر نفسي على الحقيقة واحداً من أعداء هتلر". ويذكر ترنسترومر حادثة طريفة عن مدرسة النحو – تكافئ في العالم العربي القسم الأدبي حسب المترجم – إذ أن المدرسة التي كان اسمها سودرا، خلّدَ جوها العام المخرج السويدي الشهير إنغمار بريغمان في فيلمه Hets "عذاب" ويقول ترنسترومر أنه تم تصوير هذا الفيلم في المدرسة وكنا نحن مجاميع الطلاب الذين نظهر في أجزاء عديدة منه. والفيلم كان يدور عن مدرس سادي يقوم بتعذيب طلابه. ونفاجئ أن ترنسترومر كان قد زار مصر في أيام شبابه، وتحديداً مدينة طنطا، وقد تحدث عن هذه الزيارة، عن طريق إجابة عن سؤال صحافي حول ديوانه "سماء نصف مكتملة" إذا أن الديوان كما يروي ترنسترومر "كان بمثابة تسجيل مباشر لما اختبرته بالفعل في تلك الزيارة البعيدة؛ لم يكن هناك خيال أو اختراع من جانبي – قصائد الديوان هي محاولة لتكثيف تلك المشاهدات التي واجهتني في ذلك النهار من عام 1959 في بلدة طنطا في مصر". ونشير أنه في العام 2005 ترجمت الأعمال الشعرية الكاملة لترنسترومر إلى اللغة العربية، كما حاز على العديد من الجوائز الأدبية، وأبرزها جائزة نوبل للآداب عام 2011، ورحل عن عالمنا في 26 مارس من هذا العام 2015.

  • أعجبني
  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
  • 0

الشاعر السويدي الفذ توماس ترنسترومر، حاصل جائزة نوبل للآداب 2011 يترك للقارئ ومحبي شعره ذكريات مرهفة وشفيفة سماها ذكريات تراني» وذلك قبل رحيله بأعوام قليلة، ساعياً بهذا العنوان لأنْ يعطي صورة مختلفة، ومدلولاً آخرَ، مغايراً لما تعارف عليه من عناوين للكتب والمذكرات والسير الذاتية. فهو هنا يقدّم الإبدال للمعنى، أي قلب المفهوم والتصوّر المعروف للتسميات الدارجة مثل «أرى ذكرياتي»، وهو حتى في كتابة النثر، يسعى إلى تقديم النادر والمحيّر والغامض للمفردة ودلالتها الفنية، كمعاني شعره وغموضه الكريستالي، وجمله البلورية الموحية، الموصولة بالصور الخلاقة، ذات الشفافية الفيروزية التي يزخر بها شعره الملموم والمقتصد، ذلك الشعر المتّسم بالحذف والبخل والتقتير والعسر في إهدار الكلمات. من هنا مذكراته، هي أيضاً تخضع للمواصفات ذاتها، فالمروي قليل وشحيح ومتقشف في تسطير السطور السردية، وكأننا أمام نوع من البوح المستتر، رغم ظهوره، والمنزوي رغم إعلان تصريحه بالعبور إلينا. إنّ أشعار توماس ترنسترومر كلها لا تتعدى الأربعمئة صفحة، كتبها خلال عمر طويل،عاشه الشاعر في العاصمة السويدية ستوكهولم، وخاض عبره، غمار العمل والكتابة والقراءة والتوله والولوع بالموسيقى منذ صغره، ومراقبة الألوان، حيث المعرفة العميقة بالفن التشكيلي، كالرسم والنحت والفوتوغراف، وعرف أيضاً فنّ الترجمة، فترجم لعمالقة الشعر العالمي ونقلهم إلى السويدية، وكذلك نُقلتْ أعماله المعدودة إلى كل لغات العالم، ذلك أن جمال شعره والسحر الذي يتركه لدى القارئ، هو الذي يُحفّز المشتغلين بالترجمة على ترجمته وتقديمه إلى لغتهم، لكي يتزوّد الكلّ بهذا الختم السري الذي يتركه توماس ترانس ترومر، على شعره الجديد، المغاير والبهي . لعل هذه القلة في كتابة الشعر التي أشرنا إليها لدى ترانس ترومر، هي الأخرى، قد انعكست بدورها على نثره، وما كتبه من مرويات، وهي تعدّ في خانة النزر اليسير لقلة صفحاتها، لكن ما ورد في هذه الصفحات القليلة يُعد كافياً لإضاءة حياة ترانس ترومر شبه المستقرة، والتي لا تحفل بالتحوّلات والتقلبات والمغامرات الكبرى، مثل تلك التي قرأناها لدى بابلو نيرودا على سبيل المثال، أو رسول حمزاتوف الشاعر الداغستاني الكبير، ذلك الذي أتحفنا بذكريات دافئة، لا تنسى، أو لدى رامبو الذي كُتِبَتْ سيرته من قبل آخرين، لغرابتها وفوضويتها وبوهيميتها، وحين كُتِبَتْ أدهشت العالم كله لجمال تحولاتها، وللمغامرات التي حفلتْ بها تجربته الفتية، بسنواتها القصيرة التي جابت العالم، ووصلت إلى عدن لتستقر هناك وتكون الخاتمة التراجيدية لها. لكن توماس ترنسترومر، الرجل الهادئ والحالم بالسلام والهدوء، انحاز إلى الصمت خلال سِني حياته، وهو شبيه بصمت الفيلسوف والمتصوّف والمفكر، فكيف إذا كان هنا صمت الشاعر الذي تنضاف إليه كل تلك التسميات. أجل إن الشاعر ترانس ترومر هو جامع لكل هذه الصفات في شعره، فهو شعر حالم، غارق في المتخيّل واليوتوبيا، شعر المسترسلين في عالم مجهول تحيطه الغياهب، ومن هنا سر قلة حروف يومياته، أو مدوّنته النثرية، تلك المدوّنة التي وضعته هكذا شاعراً وناثراً حصيفاً، بين كثيرين متشابهين، لامعاً في العتمة، ومشرقاً وبارزاً بين الظلال. بينما زوجته التي رافقته طيلة حياته ترى غير ذلك، فهي تقول إنه كان يتمنى أن يتوسع في ذكرياته، ولكن المرض الذي اقعده وشله هو الذي دعاه إلى المختصر من الكلام، أو هو الذي دفعه إلى عدم إكمال ما انتوى كتابته قبل أن يتعرض في سنواته الستين إلى تلك الجلطة الدماغية التي عطلتْ جزءاً من كيانه وطاقته الجسدية والعملية. ربما من هنا أيضاً، كانت سيرة الشاعر السويدي ترنسترومر قليلة الصفحات، وتحت ضغط هذا العامل المفاجئ لحياته، كتب سيرة الطفولة والصبا والمراهقة، وما حفلت به من تداعيات شخصية، وجدها كافية وقادرة على إنارة بعض تفاصيل حياته الطفولية، إذ غالباً ما يميل الشعراء في العادة إلى عالم الطفولة والتمسك به، كونه الأقرب إلى أفق أحلامهم وتصوّراتهم ورؤاهم اليومية، وهو يشكل بسمائه الرحبة وطبعه الملون المادة الدسمة، ذات المخزون الهائل الذي لا ينضب، في استشراف عملية الكتابة، حيث اللجوء إلى ذلك العالم الصغير سيغدو هو المَعين والنبع الذي يغترف منه على الدوام الفنان والشاعر والحالم. قام بترجمة مذكرات ترنسترومر، وبجهد مكين المصري طلال فيصل، ممهداً له بمقدمة ضافية، محاولاً إعطاء صورة واضحة ومنسجمة ومتآلفة، عن شعر وحياة ترانس ترومر، ولكي يعمم الفائدة ويكون كتابه ذا مصداقية أعلى وأكثر حرفية من ناحية الترجمة، يقوم ذات يوم برحلة هدفها زيارة بيت الشاعر في العاصمة السويدية ستوكهولم، لتعزيز وتمتين رؤى الكتاب ببعض الأسئلة والمناحي التوضيحية، تلك التي ستساعد بالتأكيد عمل المترجم وتدعم رؤيته العملية والفنية في شؤون كانت خافية عليه. ورغم وجود ذلك العائق الصحي الذي ألمّ بحياة الشاعر، لكن زوجته وشقيقة شعره السيدة مونيكا، هي من سيقوم بدور الوسيط، بين الاثنين لدفع اللقاء كي يتوهج، ويعطي ثمره، ويُفيد الكتاب في تبيان ما التبس، من معان وخفايا، هي تكون قد المّتْ بها، وشاركته إياها طيلة أكثر من خمسين عاماً، منذ كانت في سن الثامنة عشرة، يوم زواجها وقضاء شهر العسل، ويا للمصادفة أن يكون قضاء ذلك الشهر في مدينة طنطا، خلال السنوات الخوالي من نهاية الخمسينيات المصرية. وحين يصف المترجم لقاءه بالشاعر ترنسترومر، حينذاك، نراه يمد الكتاب بكمية من الفرح، حول ذلك اللقاء المؤنس، واصفاً حينها، أناقة البيت وبساطته وسكنه فيه مدة تزيد عن أربعين عاماً، فهو عالمه ومكانه ومساحته الجمالية والفنية، وفيه يرزح ويقطن ويسكن ذلك المخيال الفريد الذي أنتج فيه كل تلك الفرائد الشعرية. تبدأ سيرة ترانس ترومر ومرحلة التذكر منذ سن الثالثة، مسترجعاً بذلك اسم لعبته «سابينا» وذكرى والده الذي كان على وشك مغادرته لهم، بسبب خلاف عائلي، علاقته كانت قد توطدتْ بجّدِّه لأمّه الذي كان يكبره، حسب تعبيره بواحد وسبعين عاماً، جدّه البحار الذي سيفيده كثيراً ويجعله يتعلق بحياة رومانسية وشاعرية. حين يحدث الطلاق بين والده وبين أمه، تنتقل العائلة إلى السكن في منطقة تعجّ بالفئات الدنيا، من الطبقة المتوسطة، أناس من طبائع مختلفة، يصفهم الشاعر وهو في السابعة، بشكل دقيق، مثل المصوّر الصحافي جارهم، والسكير الذي يتمهّل عند مدخل البناية المتكوِّنة من خمسة طوابق، يصف المتسوّلين الذين يطرقون الباب بحثاً عن النقود، لكن الأم لا تنهرهم، بل تعد لهم السندويتشات بدلاً من النقود، ويصف جارهم الذي يتحدث في الهاتف بصوت عال، مع فتح زجاجات البيرة ذات أغطية الفلين التي تحدث قرقعة، وغيرها من الذكريات التي تجلب التهكم والسخرية، وعالم الدعابة وحسها الذي تميز به ترنسترومر حين يلتقي بأصدقاء وزوار يأتون إليه لوفادته والتقرّب من عوالمه الشعرية والفنية. في مرحلة لاحقة، من سنوات الطفولة التي تتقدم باتجاه الصبا، يضيع الصبي ترانسترومر في الزحام، بعد ذهابه صحبة أمّه، إلى حفلة موسيقية في المدرسة، لكنّ الصبي الذكي والألمعي، سيعود إلى البيت مشياً على الأقدام، ليصل إلى منزلهم ويتلقفه جدّه، بينما الأم كانت في مراكز الشرطة، محاولة عبره العثور عليه. منذ سنّ الخامسة يُغرم الشاعر السويدي الأشهر، بمتاحف القطارات، ومن ثم بمتاحف التاريخ الطبيعي وبالفن التشكيلي. حين تبدأ سنوات 1944 وهي سنوات الحرب العالمية الثانية، يصبح المدرسون منحازين بطبيعتهم إلى عالمين في السياسة، وكان هناك العديد من المدرسين الميّالين إلى النازية، وأحدهم كان يقول على حد تعبير الشاعر: فيما إذا لو سقط هتلر فلسوف أسقط أنا أيضاً، لكنه وكما يعلق ترانس ترومر، لم يسقط، بل درّس لي بعد ذلك اللغة الألمانية واحتفل بفوز هرمن هسه بجائزة نوبل حينذاك. يقول الشاعر السويدي الحائز جائزة نوبل، إنه قد تعلم اللاتينية وقرأ بها شعر هوراس، ثم اجتذبته الحداثة الشعرية، ليقرأ بعد ذلك، عوالم بوكن الشعرية، وهو أحد أساتذته ومُدرّسيه الشعر اللاتيني. وعن الشعراء الذي أحبّهم في حياته يذكر في لقائه للمترجم المصري، الشعراء: ميووش البولندي وبرودسكي الروسي ومارتنسون السويدي، وهؤلاء الثلاثة نالوا جائزة نوبل، بالإضافة إليه. توماس ترنسترومر: «ذكريات تراني» ترجمة: طلال فيصل الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة 2015 90 صفحة

  • أعجبني
  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
  • 0

هذا الكتاب هو السيرة الذاتية للشاعر السويدي الكبير توماس ترنسترومر، والذي جاء في تقرير الأكاديمية السويدية عند منحه جائزة نوبل في الآداب لعام 2011: “إن أعمال ترنسترومر تعيد قراءة الذاكرة والتاريخ والموت بشكل أعمق”. يستهل ترنسترومر ذكرياته التي بين يدي القارئ الكريم هكذا: “حياتي”.. حين أفكر في هذه الكلمة أبصر إزائي شعاعاً من الضوء، أتفحصه عن قرب فيتخذ شكل مذنب: له رأس وذيل، الطرف الأكثر التماماً، هو الطفولة وسنوات التكوين، ونواته، الجزء الأكثر كثافة، هي بواكير الطفولة: الفترة الأولى التي تتحدد فيها الملامح الأهم لوجودنا، أحاول أن أتذكر، أحاول أن أخترق وصولاً إلى هناك، لكن الوصول إلى تلك المناطق الكثيفة صعب وخطير، ويمنحني الشعور أن أقترب من الموت ذاته، ابتعد، يزداد ذيل المذنب نحولاً، هذا هو الطرف الأول والأكثر خفة، ولكنه كذلك الأكثر اتساعاً. إنني الآن في الستين وأنا أكتب هذا الكلام. أولى ذكرياتي القابلة للتأريخ هي شعور، شعور بالفخر، كنت قد بلغت الثالثة، وتم التعامل مع ذلك باعتباره أمراً بالغ الدلالة، وأنني الآن شخص كبير في السرير في غرفة شديدة الإضاءة، وأتمكن بعد محاولات جاهدة في النزول إلى الأرض مدركاً على نحو مدهش أنني حدث كبير. كان لديّ دمية منحتها أجمل اسم يمكنه أن يخطر ببالي: كارين سبنيا، والتي لم أكن أعاملها باعتبارها أماً، لكن بشكل أقرب لكونها رقيقة أو حبيبة. ويذكر: طوال فترة طفولتي كنت مفتوناً بالمتاحف. في البداية كان متحف التاريخ الطبيعي بفريسكاتي، في الطرف الشمالي لـ ستكهولم. وذات يوم التقيت شخصا ما، كلا، لم يكن زائراً، كان أستاذاً في العلوم أو شيئاً من هذا القبيل يعمل في المتحف، كان ضئيل الحجم مثلي، تحدث بصوت خافت لنفسه ثم ما لبثنا أن وجدنا أنفسنا نتناقش في المحار والرخويات.. بفضل وجود، انتهت محاورتنا إلى السماح لي بدخول قسم من المتحف غير متاح. منحني نصائح طيبة عن إعداد الحيوانات الصغيرة قبل أن أدلف للقسم الذي كان مجهزاً بأنابيب زجاجية دقيقة. ويذكر: كنت أنزلق للمكتبة كل يوم تقريباً. كان أكثر اهتمامي مكرساً للكتب غير الأدبية، تركت الأدب لمصيره، وكذلك رفوف كتب الاقتصاد ومشاكل الاجتماع. كانت الجغرافيا هي ركني المفضل، كنت مخلصاً تماماً لرف أفريقيا، الممتد أمامي، أستعيد عناوين مثل “جبل إلجون”، “صبي السوق في أفريقيا”، و”لوحات للصحراء”. يخطر في بالي تساؤل عما إذا كانت تلك الكتب التي تملأ الرفوف أيامها لا تزال موجودة. ويقول: اثنان فحسب من زملاء فصلي في المدرسة الابتدائية، استكملوا الدراسة بمدرسة ثانوية، ولم يتقدم بأوراقه لمدرسة سودرا للنحو اللاتيني سواي. ثمة ذكرى بارزة ليومي الأول في مدرسة سودرا، خريف 1942 وهي كما يلي: أجدني محاطاً بعدد من الصبيان في الحادية عشرة، لا أعرف منهم أحداً، كانت معدتي ترتجف، وكنت قلقاً ووحيداً، بينما الآخرون يبدو أنهم يعرفون بعضهم البعض جيداً.. من اللحظة الأولى بدا واضحاً أن مدرسة النحو أمر مختلف تماماً عن المدرسة الابتدائية، كانت مدرسة سودرا خشنة، فكانت مدرسة بنين فقط، مثل دير للرهبان، أو ثكنة عسكرية، ولم يتمكنوا حتى سنوات قليلة خلت من تهريب سيدتين داخل طاقم المدرسة! ويضيف: كنت أحد الطلاب المتفوقين لكني لم أكن الأفضل. كان علم الأحياء هو مادتي المفضلة، لكن في معظم فترة الدراسة الثانوية كان مدرس الأحياء الخاص بي طاعناً في السن. في زمن مضى كان قد لطخ سجله الوظيفي، وتم توجيه التحذير له، وصار بعد ذلك مثل البركان المشتعل. كانت المواد المفضلة بالنسبة لي هي الجغرافيا والتاريخ. كان لديّ فيهما مدرس مساعد يدعى بروثمان، ذو بشرة حمراء، متفجر الطاقة، وكان شاباً صغيراً ينتصب شعر مقدمة رأسه إذا مسه الغضب، وهو ما كان يحدث كثيراً. ويذكر: ذات شتاء وكنت في الخامسة عشرة من العمر، أصبت بنوع مفرط مرضيّ، بدأ ذلك في أواخر الخريف، ذات مساء ذهبت للسينما وشاهدت فيلم “الأيام المهدورة” الذي يدور حول رجل سكير، ثم ينتهي إلى حالة من الهذيان متتالية مروعة، ربما تبدو لي اليوم طفولية، لكنها لم تكن كذلك وقتها. وأنا راقد في سريري انتظاراً للنوم كنت أعيد تشغيل الفيلم في ذهني، كما يفعل المرء عقب ذهابه للسينما.. فجأة ينقلب جو الغرفة إلى توتر ورهبة، شيء يستولي عليّ، يبدأ جسدي وساقاي بالخصوص في الارتعاش، أصير لعبة بزمبلك تم ملؤها وراحت تهتز وتتقافز بلا حول ولا قوة. كنت خائفاً من الانسياق للجنون، لكن بشكل عام لم أكن أشعر بأنه يتهددني أي مرض – من الممكن أنه أحد الوسائس المرضية – لكنها كانت القوة العامة للمرض، بالأحرى هي التي أثارت تلك المخاوف، كما يحدث في الأفلام. ويقول: في خريف 1946 التحقت بالقسم اللاتيني في المدرسة الثانوية، كان ذلك يعني التقاء مدرسين جدد بدلاً من مال (البغل)، وساتان (الشيطان)، وسلومان (الرجل البليد)، كان ذلك يعني مدرسين جدداً منحناهم أسماء مثل: جلار، فيدو (الاسم الأكثر شيوعا للكلاب في السويد)، ليلان (ما يوازي كلمة “عروسة”)، موستر (العجوز)، وبوكن (الجدي النطاح)، هذا الأخير هو الأكثر أهمية، لأنه كان معلماً فصلياً وكان تأثيره علي أكبر مما كان عليه لي أن أعترف وقتها، بالرغم مما حدث من صدام بين شخصيّتينا. وينهي حديث الذكريات، قائلاً: في المقر الدراسي للعام قبل الأخير لي في المدرسة، كان اتجاهي لشعر الحداثة قد بدأ في الظهور، وكنت أشعر بجاذبية الشعر القديم، وحين بدأنا دروسنا في اللاتينية تنتقل من النصوص التاريخية حول الحروب والقناصل وأعضاء مجلس الشيوخ إلى أشعار كاتولوس وهوراس، استحوذ عليّ عن طيب خاطر العالم الشعري الذي كان يترأسه بوكن. يذكر أن كتاب “ذكريات تراني” تقديم: روبن فلتون، ترجمة: طلال فيصل. صدر ضمن إصدرات الهيئة المصرية العامة للكتاب ويقع في نحو 90 صفحة من القطع الكبير.

  • أعجبني
  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
  • 0

في «سلسلة الجوائز» التي تصدرها الهيئة المصرية العامة للكتاب، وبترجمة طلال فيصل، تأتي هذه السيرة الذاتية الروائية المكثفة للشاعر السويدي الحاصل على نوبل؛ توماس ترنسترومر (1931 – 2015) تحت عنوان «ذكريات تراني»، لتكون العمل النثري الوحيد لهذا الشاعر. ورغم أننا أمام سيرة ذاتية قصيرة وربما غير مكتملة، إلا أنها تمنحنا بعد قراءتها معلومات وافية عن العالم الذي يعيشه هذا الشاعر العملاق، أو وفق رأي زوجته: «إنه أفضل مدخل لقراءة أدبه وشعره، لأن فيه المكونات الأولى لإبداعه والمواضيع التي ستشغله طيلة مشواره الإبداعي». يستهل ترنسترومر ذكرياته بقوله: «حياتي... حين أفكر في هذه الكلمة أبصر شعاعاً من الضوء، أتفحصه عن قُرب، فيتخذ شكل مذنَّب له رأس وذيل. رأسه الطرف الأكثر التماعاً هو الطفولة وسنوات التكوين، وأما الذيل الأكثر اتساعاً فهو الذي أقف عنده الآن حيث مرحلة الشيخوخة». هكذا سنقرأ بين دفتي هذا الكتاب الممتع عن ترنسترومر الطفل، والذي نشعر بأن الرجل الذي كتب هذه المذكرات بعد تخطيه الستين لا يزال طفلاً غرّاً يبحث عن وجوهه التي يتطلع إليها في المرآة حيث نجده يقول عن ذلك: «دائماً ما نشعر أننا أصغر من أعمارنا الحقيقية، أحمل بداخلي وجوهي الباكرة، مثل جذع شجرة يحوي حلقاته، ومجموع هذه الوجوه هو أنا، لا تبصر المرآة غير وجهي الأخير، بينما أعرف أنا تلك السابقة عليه». لكن قُرَّاء توماس ترنسترومر سيحرمون بالمقابل، من كشوفات وأسرار عملية الكتابة عند هذا الكاتب الذي كان أصلاً قليل الإنتاج. مع ذلك، نشعر أن هذه السيرة المختصرة إنما هي إعادة بث الروح في صور لماض، يبدو أن الزمن فشل في تحويلها إلى الأبيض والأسود، إنها ما زالت ناضجة في ذاكرة ترنسترومر، «ذكرياتي تراني». بهذا العمق ومن خلال تلك الروح الشاعرية، يبدأ ترنسترومر بالحديث عن ذكرياته، وكأنه كان منتظراً هذه اللحظة الحرجة من عمره، كي يكتب ما خزَّنته ذاكرته من خيالات وأحلام يقظة مدفونة في اللاشعور، وغموض تلك الطفولة التي يتخطاها الزمن ويبقى على أسرارها داخل كل إنسان منا، ولعل هناك بعض التأويلات تتفتح في الذهن، وبعضها ينثر بين حنايا اللغة، وهو ما عبر عنه بقوله: «تجاربنا المبكرة في معظمها، يصعب الوصول إليها، فهي لا تزيد على كونها مجرد مرويات، وذكريات للذكريات، وإعادة تركيب مبنية على حالات مزاجية تتوهج بشكل مباغت في الحياة». يسترجع توماس ترنسترومر المكان الذي نشأ فيه في مدينة ستوكهولم، والأجواء التي أحاطت به في تلك المرحلة المبكرة من الطفولة، كأن يتكلم عن جده الذي تربطه به علاقة وطيدة: «كان جدي يتكلم بطريقة طريفة تنتمي للقرن التاسع عشر، يمكن للكثير من تعبيراته أن تبدو اليوم قديمة لدرجة مدهشة، لكنها من فمه، وفي سمعي كانت مألوفة للغاية، كان قصيراً نوعاً ما، له شارب أبيض وأنف بارز معقوف، يبدو مثل الأتراك كما كان يقول عن نفسه». ويكشف ترنسترومر عن اهتماماته في تلك المرحلة، إذ كان يحب زيارة المتاحف الخاصة بالتاريخ الطبيعي، وكان مهتماً بجمع الحشرات وتحنيطها والاحتفاظ بها، كما كان يفعل الشاعر الألماني غوته، ونرى أن الجدّ كان له تأثير كبير وواضح على الشاعر إذ إنه كان سبباً لتحول اهتمامه بعد ذلك إلى الآلات البخارية: «كنتُ أنا وجدي نتوجه مرتين أسبوعياً من قريتنا (سودر) لزيارة المتحف، لا بد أن جدي كان مفتوناً بنماذج القطارات، وإلا ما كان تكلف مشقة كل هذه الزيارات». لكن هذا الاهتمام سيكشف بعد ذلك لترنسترومر، أياً من الشخصيات هو، وما هو هدفه في الحياة: «في ذلك الوقت كنت أريد أن أكون مهندس قطارات، وكنت على رغم ذلك، أكثر اهتماماً بالآلات البخارية عن الآلات الكهربية. بعبارة أخرى، كانت شخصيتي رومانسية أكثر منها عملية». يتنقل بنا ترنسترومر من حديثه عن المتاحف إلى الحديث عن فترة دخوله المدرسة، والتي كانت موازية لفترة الحرب العالمية الثانية أيضاً، وكيف تشكَّل وعيه السياسي، وما كان مفهوم السياسة بالنسبة إليه كطفل: «في ربيع 1940 كنت في التاسعة من العمر، صبياً نحيلاً، منحنياً على الجريدة اليومية مُكباً على خريطة الحرب، حيث العلامات السوداء تشير إلى تقدم وحدات الجيش الألماني، كانت هذه العلامات تخترق فرنسا، ولم تكن بالنسبة إلينا، نحن أعداء هتلر، أكثر تهديداً من كائنات طفيلية تعيش في أجسادنا. كنت أعتبر نفسي على الحقيقة واحداً من الأعداء». ويذكر ترنسترومر حادثة طريفة عن مدرسته التي تعادل في العالم العربي القسم الأدبي إذ إن المدرسة التي كان اسمها «سودرا»، على اسم القرية، قد خلّدَها المخرج السويدي الشهير برغمان، في فيلمه «عذاب». ويقول ترنسترومر أنه «تم تصوير هذا الفيلم في المدرسة، وكنا نحن مجاميع الطلاب الذين نظهر في أجزاء عديدة منه، والفيلم كان يدور عن مدرس سادي يقوم بتعذيب طلابه». ويفاجئنا ترنسترومر في نهاية هذه المذكرات بأنه كان قد زار مصر في أيام شبابه، وتحديداً مدينة طنطا؛ عروس الدلتا، وقد تحدث عن هذه الزيارة، من طريق إجابة عن سؤال صحافي حول ديوانه؛ «سماء نصف مكتملة»، إذ إن الديوان كما يروي ترنسترومر؛ «كان بمثابة تسجيل مباشر لما اختبرته بالفعل في تلك الزيارة البعيدة؛ لم يكن هناك خيال أو اختراع من جانبي، فقصائد الديوان هي محاولة لتكثيف تلك المشاهدات التي واجهتني في ذلك النهار من عام 1959 في بلدة طنطا في مصر». إننا نجد أنفسنا عقب الانتهاء من قراءة تلك المذكرات أمام رجل غريب الأطوار، لا يعبأ بشيء في هذه الدنيا، فالكون عنده كيان واحد، والخيال هو الواقع، والموتى متطابقون تماماً مع الأحياء.

  • أعجبني
  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
  • 0