عن ماريو بارغاس يوسا

خورخي ماريو بيدرو فارغاس يوسا (بالإسبانية: Jorge Mario Pedro Vargas Llosa، ولد في 28 مارس 1936، أريكويبا، بيرو) روائي وصحفي وسياسي بيروفي / إسباني. حصل على جائزة نوبل في الأدب عام 2010. برز في عالم الأدب بعد نشر روايته الأولى "المدينة والكلاب" التي ن..

عن راينر ماريا ريلكه

رينيه كارل فيلهلم يوهان يوزيف ماريا رايلكه الشهير بـ راينر ماريا رايلكه (4 ديسمبر 1875 - 29 ديسمبر 1926) شاعر نمساوي - بوهيمي/ رومانسي / حداثي، ويعد واحدًا من أكثر شعراء الألمانية تميزًا. ركّز في شعره على صعوبة التواصل في عصر الكفر والعزلة والقلق الع..

كتب أخرى لـِ ماريو بارغاس يوسا، راينر ماريا ريلكه، أحمد المدني


thumb

thumb

thumb

thumb

thumb

thumb

قرّاء هذا الكتاب يقرؤون أيضاً


thumb

thumb

thumb

thumb

thumb

thumb

الكتاب على رفوف القـرّاء


رسائل إلى شاعر ناشئ ، روائي ناشئ

عن: دار التكوين للطباعة والنشر والترجمة (2010)

الطبعة : 1
التصنيفات : أدب،نقد

تكتمل تجربة الكتابة الخلاَّقة حين يستطيع صاحبها امتلاك القدرة الكافية للتنظير للكتابة، سواءً عبر حواراته أو ضمن رسائله النقدية الموجهة إلى الكتَّاب الناشئين، ووضع وصايا نقدية تهتم بالجانب الجمالي للنصوص وتنطبق على عموميات الكتابة الأدبية، ويعتبر هذا إنجازًا فكريًا يساهم في تميز خصوصية الخلاَّق. كما أن تجربة التواصل هي من الصعوبة إلى الحد الذي تظل فيه محصورة ضمن حدود الاحتمال والتراوح بين الحضور والغياب لعناصر واقع التجربة ككل. ماذا يحدث حين يريد المرء أن يكون شاعرًا مثلاً؟ هل هنالك مقاييس معينة يجب علينا تعميمها حتى يولد لدينا شاعر حقيقي؟! كذلك الأمر بالنسبة إلى المرء إذا أراد أن يصبح روائيًا. هل نستطيع الجزم أن أبوَّته محصورة في هذا الكاتب الكبير أو تلك المدرسة السردية؟ أسئلة كبيرة تخص تصوير مراحل تطور الإنتاج الأدبي، يضعها كتاب رسائل إلى شاعر ناشئ روائي ناشئ لخلاََّقين اتثنين شديدي التمرس بالنصوص الأدبية شعرًا وسردًا، هما راينر ماريا ريلكه وماريو فارغاس يوسا، بترجمة أحمد المدني وتقديمه (دار التكوين، 2010، دمشق).


  • الزوار (620)
  • القـٌـرّاء (4)
  • المراجعات (3)
ترتيب بواسطة :

هل يمكن أن نتعلم الأدب أو الكتابة الإبداعية ؟ إن سؤال من هذا النوع داخل ثقافتنا من شأنه أن يخلخل المسلمة التي اعتادت أن يكون الأدب ملكة خاصة يولد الإنسان بصحبتها كامتياز (جيني) ومن ثم ترافقه في جميع مراحل حياته دونا عن الآخرين. بالطبع ظهور الموهبة وفاعليتها وتحولها من الحالة الكربونية الخام المتوارية بين صخور المنجم إلى الحالة الألماسية الساطعة المبهرة يحدده مدى وعي الموهوب نفسه أو المبدع بها ، ومدى حرصه على أن يكون له مشروع إبداعي يكرس له جميع تفاصيل حياته ووقته وشغفه ويقظته ومنامه . لكن يبقى السؤال هل يمكن تعلم الكتابة الإبداعية ؟ وقلق البدايات كثيرا مايدفع البعض أن يأخذ بطاقة عبوره النهر ممن سبقوه أو ممن يثق بأقلامهم ، أو على الأقل من الذين يستطيعون أن يفسروا له غموض وضبابية البحر اللجي وتلك اللواعج والصبوات الغامضة بداخلهم والتي تسوقهم باتجاه عالم الكتابة . وهذا ماحدث أثناء الرسائل التي تبادلها الشاعر الفرنسي (ريلكه ) مع ضابط شاب كان يطمح أن يصبح شاعرا ، الرسائل مجموعة في كتيب صغير ترجمه(أحمد المديني) بلغة جذابة ،ولجمال المحتوى وعمق الأفكار اقتطع لكم أجزاء منه. يرد ريلكه على انزعاج الشاعر الشاب من رفض عدد من المجلات النشر له فيقول (إن نظرتك متجهة نحو الخارج ، وهذا أمر عليك أن تتجنبه من الآن ، فلا أحد يستطيع أن يمنحك العون أو النصح ، لا أحد، لا يوجد سوى طريق واحد التمسه بنفسك ، ابحث عن الحاجة التي تجعلك تكتب ، اختبر ان كانت جذورها تتغلغل إلى أعماق قلبك) . ويؤكد على أهمية دعم ثقافته الشخصية (عش قليلا من الوقت مع الكتب ، والتي ستحتويك بدهشة إدراك العالم ، وغناه وعظمته اللامحدودة ، أحبها بعمق لأن هذا الحب سيعود إليك ألف مرة ، وسيعبر نسيج كينونتك كخيط جوهري يختلط بتجاربك الشخصية ). وأكد (ريلكه)على أهمية الوحدة كونها النبع الصافي للإبداع ( أحب وحدتك وتحمل وزرها،ولتكن الشكوى التي تلحقك منها بردا وسلاما عليك ، تقول إن الأقربين إليك بعيدون عنك،واعلم أن الوحدة فضاء يتكون حولك ، فضاء فسيح يقارب النجوم ، فاستمتع بمشيئتك وإلى الأمام فلا أحد قادر على أن يتبعك، وكن طيبا مع من هم وراءك ، واثقا من نفسك وهادئا أمامهم ، لا تدوخهم بشكوكك، لا ترعبهم بمعتقداتك، أو بحماسك ، إنهم لن يستطيعوا فهمك ، حاول التواصل معهم في ما هو بسيط وصادق .) يكتب له أيضا في ما يتعلق بالمادة التي يستقي منها الشعر (طبق أفكارك على العالم الذي تحمله بداخلك ، وسم هذه الأفكار كما تشاء ) وفي النهاية يذكر له في مقطوعة غاية في الجمال أنجع السبل للتغلب على مخاوفه (كل الأشياء المرعبة مجرد أشياء بلا آمان وتنتظر منا أن ننجدها ، فليس علينا أن نرتعب حين يصعد منك حزن لم يسبق أن عشته من قبل، وإذا مر بك قلق ما مثل ظل أو شعاع برق ، فحري بك أن تفكر بأن أمرا ما يتكون فيك ، وإن الحياة لم تغفل عنك، وبأنها تحملك في يدها ولن تتخلى عنك، ثم لماذا تريد أن تستثني من حياتك الآلام والقلق والاكفهرار، فهذا هو سبيلك الوحيد لتتطور). المفارقة أنه بعد مراسلات طويلة بين (ريلكه) والشاعر الشاب لم يصبح شاعراً بل بقي في مهنته العسكرية وارتاح لذلك .

  • أعجبني
  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
  • 0

«رسائل الى شاعر شاب» لريلكه: هل أنت مضطر للكتابة؟.. في العام 1903 كان راينر ماريا ريلكه في الثامنة والعشرين من عمره، وكان وطد لنفسه مكانة في عالم الشعر والثقافة الألماني في شكل عام. لكنه كان يشعر بالسأم... ولما كان السأم بالنسبة إليه لا يتناسب ابداً مع النشاط الإبداعي الذي كان يتوقعه لنفسه في تلك السن، لم يجد امامه إلا أدب الرسائل يزجي به الوقت، مستخدماً تلك الرسائل للتعبير عن نفسه. ولئن كان ريلكه في تلك المرحلة قد تراسل مع عدد من كبار الفنانين والأدباء من امثال غرهارت هاوبتمان وآلن كاي وآرثر هوليتشر، فإن ذلك لم يمنعه من ان يتراسل ايضاً مع عدد من الأدباء الشبان الذين كانوا، حينها، في بداياتهم، وكان يحلو لهم ان يرسلوا إليه نتاجاتهم. وكان من بين هؤلاء شاعر شاب يدعى فرانتز كزافر كابوس، لا تتجاوز سنّه التاسعة عشرة. وإذ كان كابوس هذا قد ارسل الى ريلكه بعض قصائده لكي يعطيه رأيه فيها، وجد هذا الأخير في ظروف الشاب وموهبته ما أغراه بأن يكتب إليه عدداً لا بأس به من الرسائل، ستكون هي نفسها تلك التي انتزعت من مراسلات ريلكه العامة، لتنشر، للمرة الأولى، مستقلة في العام 1929، تحت عنوان «رسائل الى شاعر شاب» وتصبح واحداً من اكثر كتب ريلكه شعبية، بل «المفتاح» الذي يلجأ إليه دارسو حياة ريلكه وأعماله للغوص عميقاً في افكار الرجل. > وهنا، إذا اشرنا الى ان كابوس نفسه، حين نشر الكتاب، كان اضحى كاتب روايات جماهيرية ترفيهية بعدما صار مراسلاً حربياً وتخلى عن كل نزعاته الإبداعية القديمة، فإن من المؤكد ان هذا ما كان من شأنه ان يعني شيئاً لريلكه. وذلك بكل بساطة لأن الشاعر الكبير حين كتب تلك الرسائل الى الشاعر الشاب، كان كمن يكتب الى نفسه مستخدماً كابوس مجرد مرآة لذاته. فهو مثله كان تلميذاً في مدرسة حربية، ومثله بدأ خوض الشعر باكراً، ومثله استبدّت به في ذلك الحين اسئلة حافلة بالقلق. ومن هنا، فإن مصير كابوس لا يشكل معضلة، إذ كل ما في الأمر ان ريلكه استخدم التراسل معه لمجرد ان اعطاه هذا التراسل فرصة ليقول باكراً اشياء كثيرة حول الشعر والحياة والله والفن والمدينة وروما والجنس والرجل والمرأة وتماثيل رودان، بين امور اخرى. ويعزز هذا ان ريلكه حين نشر الرسائل في كتاب، تعمّد ألا يضم إليه اياً من رسائل كابوس إليه. > إذاً، كانت الشرارة تلك الرسالة الأولى التي بعث بها إليه كابوس في العام 1903 سائلاً اياه النصح والرأي حول قصائده، وهل عليه ان يكمل او يتوقف؟ وكان جواب ريلكه في الرسالة الأولى، ان عليه - اي على الشاعر الشاب - ان يسأل نفسه بداية: «هل انا حقاً مضطر الى الكتابة»؟ فإذا كان الرد نعم، من دون لبس او غموض، فسيكون في وسع ريلكه ان يشجعه، من دون لبس او غموض ايضاً... اذ عند ذاك، «يمكنك ان تخوض هذا المصير، خضه واحمله على كاهليك، بثقله وعظمته، من دون ان تطلب مقابل ذلك اي أجر او ثواب يأتيك من الخارج». وانطلاقاً من تلك الشرارة، اي ذلك الجواب الأول، نمت بالتالي تلك المراسلات التي يعطيها، وحدتها وجمالها، عاملان اساسيان، اولهما بالطبع، التعاطف الذي احسّه ريلكه تجاه ذلك الشاب - الذي سيصبح اشبه بقرين له، بأنا/ آخر يتأمل من خلاله ذاته - وثانيهما الأمل الذي طالما كان ريلكه عبّر عنه في قيام «بشرية مستقبلية، ستكون قادرة، بين امور اخرى، على تجاوز كل الصراعات التي ستكون ولّدتها، ومن بينها بخاصة، الصراع بين الرجل والمرأة... اذ ان ريلكه يكرّس لهذين جزءاً كبيراً وأساسياً من النصوص. ولافت هنا ان راينر ماريا ريلكه، الذي كان في تلك الفترة المبكرة من حياته يتطلع الى المثّال رودان لكي يكون مثالاً وقدوة له، ها هو يصبح في شكل مفاجئ وحاسم في الوقت نفسه، قدوة لشاعر شاب يتطلع إليه بلهفة. > يبلغ مجموع عدد هذه الرسائل عشراً، وهي في مجموعها تشكل ما يمكن اعتباره «دليلاً روحياً» يفترض به ان يقود خطى الشاعر الشاب، لكنه في الحقيقة اتى كما لو انه يقود خطى ريلكه نفسه. ومن هنا قيمته الفائقة. ذلك ان ريلكه، في معرض اجابته عن قلق مراسله وأسئلته، لا يعالج هنا سوى الأمور الأكثر جوهرية، اي تلك المطروحة عادة على كل شاعر وعلى كل مبدع يرى ان الإبداع وسيلة لحياته. وريلكه يضع، كشرط اساسي لوجود الإبداع، مسألة وحدة المبدع، اي العزلة التي تتطلع إليها، عادة، نفوسنا في لحظات صفائها، اذ من هذه الوحدة ينبع كل ما هو نقي وواضح فينا «فإن كل ما نتطلع إليه ونحاول ان نبدعه، إنما ينبثق من ذلك المكان القصي في داخل ذواتنا، المكان الذي لا يمكننا ان نتقاسمه مع اي كان، والذي يحملنا بعيداً بعيداً من صخب العالم وضجيجه». ويستطرد ريلكه هنا قائلاً: «أن يكون المرء فناناً مبدعاً، معناه ان ينمو مثل شجرة لا تدفع نفسها دفعاً، بل تقاوم مسلمة روحها الى رياح الربيع القوية، من دون خشية من ألا يأتي الصيف ابداً. فالصيف يأتي، لكنه لا يأتي حقاً إلا من اجل اولئك الذين يعرفون كيف ينتظرون». والحال ان المرء لن يدرك بسهولة اهمية هذه العبارات والاستعارات إلا على ضوء قراءته لبعض اجمل أشعار ريلكه مثل «مرثاة دوينو» و «سوناتات الى اورفيوس». > غير ان الأكثر لفتاً لأنظار القراء، في هذه الرسائل، يبقى دائماً ذلك النص الفاتن حول المسائل الجنسية ومسائل العلاقة بين الرجل والمرأة، ذينك اللذين يعتبر ريلكه ان الصراع بينهما هو واحد من الصراعات الأقدم والأعمق في تاريخ البشرية، «مع انه صراع لا ينبغي له اصلاً ان يكون موجوداً». ففي الحقيقة - وكما يرى ريلكه في جوهر كلامه - ليس بين هذين الكائنين تنافس وتناحر، بل تكامل اساسي ولا بد منه، ويضيف الشاعر، وهو يتنقل في نصه من الفن الى الجنس، تماماً كما فعل من قبله افلاطون في «المأدبة»، بأن «الخصب في العلاقات الجنسية الإنسانية بين الذكر والأنثى، له اهمية الخصب في الفن نفسها، بمعنى ان ثمة تساوياً في ما يلده اللحم وما يلده العقل والروح، إذ ان اصل الولادتين واحد وغايتهما واحدة، طالما ان شهوة الجسد تمنحنا معرفة لا حدود لها، معرفة شاملة، واستحواذاً تاماً على الكون كله... «ففي فكرة ابداعية واحدة، يمكن ان يعاد إحياء ألف ليلة حب منسية تأتي لتعطي تلك الفكرة عظمتها وسموها». فالحب، هنا، بالنسبة الى ريلكه، معرفة، وإذا كان الإنجاب، بالنسبة الى الإنسان، توليد كينونة ما، أفليس توليد الكينونة يعني في الوقت نفسه «الخلق في حميمية الامتلاء»؟ وإذ يرى ريلكه هنا ان الجنسين هما اقرب الى بعضهما بعضاً مما يخيل الى الناس عموماً، يطوّر هنا مفاهيمه معرباً عن هذه الفكرة التي ستلعب دوراً اساسياً في كتاباته لاحقاً، فكرة فحواها ان «تجدّد العالم لن يقوم إلا في موقف جديد يتخذه الرجل إزاء المرأة...». ويستطرد ريلكه: «ان الرجل والمرأة لن يبحثا عن بعضهما بعضاً من الآن فصاعداً كي يتناحرا، بل كي يوحدا ما بين فرديتيهما الخلاقتين». > ولد راينر ماريا ريلكه العام 1875 في براغ لأسرة كانت متماسكة، غير ان ريلكه سينفصل عن اهله في العاشرة من عمره، وسيكون في الحادية عشرة حين يدخل المدرسة العسكرية في سان - بولتن، ثم المدرسة العسكرية العليا في ماهريخ - فسكرتن. وفي العام 1894 نشر عمله الأول «حياة وأغنيات». طبعاً لم يضمن له هذا العمل المبكر شهرة كبيرة، لكنه كان خطوة اولى على طريق ستتواصل حتى رحيله في الأيام الأخيرة من العام 1926. اما اعماله الكاملة فتنشر للمرة الأولى في العام 1927، وهي تضم الكثير من الأشعار وأدب الرحلات والنصوص الإبداعية والنقدية، التي جعلت من ريلكه احد كبار الكتاب والشعراء عند بداية القرن العشرين.

  • أعجبني
  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
  • 0

على رغم انشغاله الكبير في إنتاج الشعر لم يتوانَ ريلكه عن إسداء النصح عبر رسائله التي كان يردُّ من خلالها على شاب يمتهن الحياة العسكرية ويجرب كتابة الشعر، لكنه في حيرة من أمر أبياته ومشاعره وحياته، فيحاول التواصل مع الشاعر ريلكه عله يسبر أسلوبه ويصنع خصوصيته الجمالية عبر ذلك الحوار الممتد على طول عشر رسائل اختارها المترجم من بين مجموعة كبيرة من رسائل ريلكه. هذا الشاب الذي يدعى رانز كرافر كابوس لم يصبح شاعرًا على الرغم من سنوات الحوار التي دارت بينه وبين ريلكه. في رسائله يدخلنا ريلكه إلى أبسط تفاصيل ظهور الحالة الأدبية لدى الشاعر، إذ يخاطب محاوره الناشئ حول ضرورة تخليه عن هاجس النشر وعدم الانزعاج إطلاقًا من رفض محرري المنابر الأدبية تبني أعماله. بالتأكيد لن يموت لو منع من النشر، فأهمية التمسك بالذات والاتجاه نحو الداخل تعتبر في رأي ريلكه الدافع الرئيسي لاختبار الشاعر قدرته على التوجه نحو جذور القلب، والعناية بحساسيتها الفنية لا تأتي من إطراءات الآخرين ومديحهم، لأن الخارج لا يعطي أجوبة ولا يصنع ذاتًا خلاَّقة، بل يشوش بعنف على التطور الداخلي للأديب. تلك الأفكار حاول ريلكه تعزيزها من خلال أمثلة واستنتاجات كبرى وصل إليها في تحليله لقضايا طبيعية يعيشها المرء على الدوام مثل الجنس، يقول: إن شهوة الجسد هي شيء من حياة الحواس في المستوى نفسه الذي للنظرة الطاهرة، إنها تجربة بلا حدود، العيب ليس في التجربة ولكن في العدد الكبير ممن يعيشونها ويسيئون استعمالها، يعتبرونها مجرد مهيج بالنسبة إليهم، واسترواح في الأوقات المتعبة من حياتهم وليس تكثيفًا لذواتهم. وفي الجمال: إن كل جمال هو شكل عار من الحب والرغبة. هكذا يرى الشاعر الألماني أن تلك الحياة ليست مرحلة ويجب فصلها عن الروح بل عليها أن تعاش طولاً وعرضًا بكل تفاصيلها وبوضوح الذوات، بحسب قانون كل إنسان، ويبدو الشاعر أكثرهم صخبًا وحاجة ليقول ذاته من دون أن يشبه أحدًا، وربما عليه أن يكون في أكثر الأحيان وحيدًا في لعبة الحياة، ومتوحدًا مع نفسه: أحِب وحدتك وتحمَّل وزرها، كن طبيعيًا مع من هم وراءك، لا تدوِّخهم بشكواك ولا ترعبهم بإيمانك وبحماستك، إنهم لن يستطيعوا فهمك، تواصل معهم في ما هو بسيط وصادق. في الجانب الآخر يطالب ريلكه ذاك الكاتب الناشئ بأن يذخر وأن يراكم، فالعطاء هو اكتمال. هذا العطاء لا يأتي بسرعة كما يريده الشباب عندما يعشقون، حيث يضيعون أدواتهم بين أشياء الصمت والوعود، والناس بقدر ما نظروا إلى الحب على أساس أنه مجرد متعة، جعلوا الوصول إليه سهلاً ومبذولاً وغير محفوف بأي خطر، كما لو كان متعة وفرجة. الكتابة الخلاَّقة هي في النهاية حالة جمال فنية، وصناعة هذا الجمال لا تأتي بسهولة، فالصبر على التثقيف والتأمل وتوطيد العلاقة مع الذات كما يبرره ريلكه هو قتل مرض الغرور، يقول: كن صبورًا مثل مريض، وواثقًا مثل ناقة، ولعلك هذا وذاك، بل لعلك أكثر، إنك أيضًا الطبيب، فأسلم نفسك لنفسك. لكن يوجد دائمًا في المرض ما لا يقدر الطبيب أمامه إلا الانتظار فلا بأس منه. إذًا، لا تغرق في ملاحظة نفسك، وتجنَّب أن تستخلص مما يجري أمامك من خلاصات عجلى... دع الأمور تمشي على سجيتها. وعليه، فإن الانتظار يولد النضوج، ويحرر الذات من عقد التشابه وتقليد الآخرين في الخلق من دون الشعور بذلك. في معظم رسائله يرى ريلكه أن الطفولة هي محور مفصلي للحقيقة الشعرية، حتى في الأماكن الفقيرة دلالة كما السجن مثلاً، بالرغم من أن جدرانه تخنق كل ضجيج العالم فسيبقى للشاعر دائمًا طفولته الثمينة تلك، حيث الغنى الملكي، كنز الذكريات. فالطفولة تقوي الوحدة وتصبح وحشة الوحدة ملاذًا مغلقًا على ضجيج الخارج، يؤوي إليه الخلاَّق في ساعات القلق اليومي. إن العمل الفني يكون جيدًا حين تلده الضرورة، ورصد الأعماق النفسية والجسدية والفكرية والخيالية يعطي الكاتب جوابًا عن سؤال: هل عليَّ أن أخلق؟ من هذا الجواب يرى ريلكه أن على الشاعر قطف الصوت من دون أن يضغط على المعنى. إن أبرز ما يمكن قوله في مجمل رسائل ريلكه، الصدق والواقعية التحليلية الذكية التي يتمتع بها، فهو بعد كل رسالة يطور ذاته الناقدة والشاعرة في آن واحد، حين تصله قصائد أو رسائل من الشاعر الناشئ كابوس كما يعترف له في آخر رسائله اعترافًا يندر أن يتفوه به أي شاعر آخر، يقول: إن هذا الذي يحاول أن يخفف عنك وزرك، بهذه الكلمات البسيطة والهادئة ليس بمنجى هو الآخر، من كثير من الصعوبات، وحياته ليست خلوًا من المتاعب والأحزان. ولو كان على غير هذا الوضع لما استطاع ملاقاة الكلمات التي يمنحك إياها بمحبة. رسائل يوسا  يقدم الروائي ماريو فارغاس يوسا مجموعة نصائح نقدية إلى روائي ناشئ. مجموعة رسائل على شكل أحد عشر فصلاً يتضمنها الجزء الثاني من هذا الكتاب، حيث تطالعنا الدلائل الشرطية والتحليلية التي تثبت بلا جدل أن القص بصفة عامة كجنس أدبي، المعول فيه ليس على محكيِّه بل كيفية ما يحكى، ووسائط هذا الحكي مع الطرائق والخصوصية المرهفة، التي يتجلى بها، وهي عديدة متنوعة من قبيل الأسلوب وموقع السرد أو المواقع المتعددة التي يتخذها السارد وهو يعرض سرده بما يؤثر طبعًا على تلقينا له، والمنحى الذي يذهب فيه، ومنه أيضًا مقام الفضاء، والزمن، وقوة أو سلطان الإقناع، وغير ذلك مما يصنع البناء الفني لكل عمل سردي خاضع لنظام وطرق فنية محكمة. هذا ما يود يوسا تعريفه من خلال تلك الرسائل، والمثال الأوضح على ذلك في رسالته  حكمة الدودة الوحيدة التي يشرح من خلالها أن الموهبة هي نقطة الانطلاق الضرورية للحديث عمَّا يحرك الكاتب ويقلقه، ودعم هذه الموهبة في حاجة إلى توافر ما يشبه الدودة الوحيدة في عقله حتى تنهال على الكتب وتقرأها تباعًا ومن دون عجلة، بحيث أن الاستعداد المبكر لخلق كائنات وحكايات يكمن في التمرد على ذاك المخزون المعرفي والثقافي وتجاوزه، على الرغم من أن عملية الكتابة الخلاَّقة تشبه العملية الدينامية وتحارب طواحين الهواء وتهدف إلى أن تحل وهمًا محل العالم المحسوس والموضوعي للحياة المعيشة، العالم الزائل للمتخيل. في باب آخر يتحدث يوسا عن الأصالة التي يشرح فيها معنى أن يكون الكاتب أصيلاً، يقول: إن التخييل من حيث التعريف، خداع، إي ما ليس حقيقة أو واقعًا ويوهم به، وكل رواية هي كذب يصطنع الحقيقة، خلق تكمن قوة الإقناع فيه تحديدًا في الاستعمال الفعال من لدن الروائي لتقنيات إيهامية وشعوذية شبيهة بصنيع الحوار في السرك أو المسرح. يمكن أن يحدث ذلك شريطة أن يخضع الروائي الأصيل بطواعية لفروض الحياة، بالكتابة في المواضيع التي تمليها، وبرفض ما لا يولد بحميمية من تجربته الخاصة ولا تصل إلى وعيه بالضرورة المطلوبة. وهذا كله من أجل ماذا؟ يجيبنا يوسا ببساطة: إن الأدب هو أفضل ما اخترع لمكافحة الشقاء. ترتبط فاعلية الكتابة الروائية بخاصيتين هما، يقول يوسا: التماسك وطابع الضرورة... الحكاية المنقولة في الرواية يمكن أن تفتقر إلى التماسك، لكن اللغة التي تعبر عنها لا بد أن تتسم به، لكي تسمح لانعدام التماسك هذا بالظهور كما لو أنه طبيعي وجزء من الحياة. وعليه، فإن صدق التجربة الحياتية يفرض الخصوصية في فرادة التجربة الروائية. يعرفنا يوسا إلى تقنيات السرد وتفكيك الأزمنة من خلال فصول رسائله، كما يتيح لنا فرصة التماس أمثلة مختلفة حول ما يقوله، بالإضافة إلى تعريف بسيط عن النقد الذي يشك باحترافه إذ يقول: يمكن النقد أن يكون مرشدًا ذا قيمة عظيمة لينفذ إلى العالم وإلى صنائع المؤلف، بيد أنه وحده حتى لو كان متينًا وكاملاً لا يستطيع استنفاذ ظاهرة الإبداع وشرحها في كليتها، ذلك أن النقد تمرين للعقل والذكاء أما الإبداع الأدبي فيدخل بكيفية حاسمة أحيانًا عناصر الحدس والحساسية والتخمين بل والصدفة التي تفلت من شباك البحث النقدي. إذًا، من المستحيل بحسب رأي كلٍّ من ريلكه ويوسا أن نعلِّم أحدًا كيف يخلق، وأقوى ما نستطيع هو تعليمه القراءة والكتابة!

  • أعجبني
  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
  • 0
أضف مقتطفاً

رسا إلى شاعر شاب:
لقد كان لك كثير من الأحزان العظيمة التي انقضت
وها أنت تقول إن هذا الطابع العابر، هو ما صعب عليك احتماله لقسوته.
وأنا أدعوك الى أن تفكر جيدا: ألم تخترقك هذه الأحزان في الصميم؟

ألم تتغير فيك أشياء كثيرة؟ بل ألم تتغير أنت ذاتك، في نقطة ما أو موضع ما من كيانك، فيما كنت حزينا؟
ان الأحزان التي نحملها فتطغى على أصواتنا ونحن بين الناس، هي وحدها الأحزان الخطرة والسيئة. انها تشبه تلك الأمراض التي تعالج علاجا سطحيا وسخيفا فتتراجع قليلا ليكون ظهورها- بعد ذلك - مرعبا. انها تتراكم في الداخل، وهي من الحياة؟
ولكنها حياة لم تحيا , حياة يمكن أن تقتلنا.
لو كان بامكاننا أن نرى أبعد قليلا مما تتيحه معرفتنا، وخلف الأبواب الأمامية لحدسنا، لكان بوسعنا أن نحتمل أحزاننا بثقة أكبر من تلك التي نحتمل بها أفراحنا.
ولعل مرد ذلك، الى أن أحزاننا تمثل اللحظات التي ينفذ- خلالها- الى داخلنا شيء جديد ومجهول.
وفي تلك اللحظة تصمت أحاسيسنا، في تردد خجول، ويتراجع فينا كل شيء، فيخيم سكون ويستوي ذاك الجديد الذي لا نعرفه، صامتا، هناك في الوسط.
وإني أعتقد أن جل أحزاننا هي لحظات توتر تشعرنا بالعجز عن الحركة، فرط ما بنا من صمم تجاه حياة احساساتنا الموسومة بالغرابة. ومعنى ذلك أننا وحيدون مع ذاك الغريب الذي نفذ الى داخلنا ، ومعناه أيضا ، أن كل ما هو مألوف ومعتاد لدينا، قد أخذ منا، وأننا نجد أنفسنا وسط مرحلة تحول، حيث لا نقدر على الوقوف دون حراك. وسأفسر لك الآن لماذا يكون الحزن عابرا؟
ان ذاك الجديد الذي انضاف الينا فصار فينا، قد نفذ الى قلبنا، الى أكثر مخابئه حميمية
حيث ينتفي ليمتزج بالدم فنكف عن ادراك ما هو، ويمكن أن يخيل الينا أن شيئا لم يحدث، والحال أننا تغيرنا مثلما يتغير بيت بدخول ضيف. لا نستطيع أن نقول من الذي دخل، وقد لا نعرف ذلك أبدا، ولكن مؤشرات عديدة تجعلنا نفكر في أن المستقبل هو الذي اقتحم دواخلنا بهذه الطريقة كي يتحول فينا، زمنا طويلا قبل حلوله الفعلي.
لهذا السبب يكون من المهم أن يبقى الانسان وحيدا ومنتبها، عندما يكون حزينا: لأن اللحظة التي يبدو أن لا شيء يأتي خلالها او يتحرك، هي اللحظة التي يدخل مستقبلنا- خلالها- فينا. وهذه لحظة أقرب الى الحياة من اللحظة الأخرى الصاخبة حيث يأتينا المستقبل كما من خارج.
وبقدر ما نكون هادئين وصابرين ومنفتحين - في حزننا- بقدر ما ينفذ فينا هذا الجديد عميقا دونما معكر. وبقدر امتلاكنا له، بقدر ما يكون قدرنا: قدرنا الذي عندما يطلع يوما ما من ذاك "الجديد"، ليقترن ببقية الأقدار، نشعر في أعماقنا كم نحن أهل وأقارب. انه من الضروري الا يداهمنا شيء غريب، عدا ما هو لنا منذ زمن بعيد: وفي هذا الاتجاه بالذات يتشكل تطورنا تدريجيا، في هذا السياق وجب أن نعيد التفكير في عدة مفاهيم متعلقة "بالحركة" .
ولقد تسني لنا أن ندرك تدريجيا، أن ما نسميه قدرا، يخرج من الانسان
ولا يداهمه من الخارج، ولم يدرك عدد كبير من الناس ذلك: لأنهم لم يمتلئوا بقدرهم - فيما هو يحيا داخلهم - ولم يحولوه فيهم، لقد بدا لهم "غريبا"، الى حد جعلهم يجزمون - في رعبهم المربك - انه لم يحل فيهم الا للتو: وهم يقسمون على أنهم لم يجدوا في ذواتهم شيئا شبيها به، قبل ذلك.
و مثلما أخطأنا طويلا بخصوص حركة الشمس، فإننا نتمادى في أوهامنا حول حلول (هذا الغريب ).
ان المستقبل ثابت، يا عزيزي
وأما نحن فاننا نسبح في الفضاء اللانهائي ... فكيف لا يشكل الأمر علينا؟
وحتى نعود الى موضوع العزلة، فانه بات جليا- أكثر فأكثر- انها ليست شيئا يمكن أخذه او تركه
نحن متوحدون، ويمكن أن نوهم أنفسنا بأن الأمر ليس كذلك، بيد انه يحسن أن نفهم اننا متوحدون، ويحسن بكل بساطة أن ننطلق من هنا، وحينها سيعترينا الدوار بالتأكيد، لان كل النقاط التي ألفت عيوننا ان تقع عليها، ستسحب منا؟ فينتفي كل قريب، ويتناص كل بعيد في بعده. ان كل من ينقل - فجأة ودون سابق انذار- من غرفته
قمة جبل شاهق، يعتريه نفس الاحساس بالدوار:
انه يشارف على الامحاء بفعل حالة من الضبابية لا مثيل لها
ويفعل كونه تحت رحمة شيء لا مسمى. انه يخيل اليه انه سقط أو ألقي به في الفضاء فتحطم وتناثر ألف قطعة: فاي الأكاذيب، لا يبتدعها عقله، في هذه الحالة، حتى يستعيد حواسه؟!
وبهذه الطريقة تتغير- بالنسبة الى من يغدو متوحدا- كل المسافات والمقاسات، وتحدث هذه التغيرات فجأة.
وتماما مثل الرجل الذي فوق قمة الجبل، فانه يشكل تخيلات غير معتادة و إحساسات غريبة، يبدو وكأنها تنمو فوق كل ما هو محتمل. غير انه من الضروري أن نحيا هذا أيضا. علينا ان نحتمل وجودنا أكثر ما يمكن
وحتى ما كان شديد الغرابة، ينبغي ان يكون ممكنا في هذا الوجود. وهنا تكمن الشجاعة الوحيدة التي نحن مطالبون بها:
ان نكون شجعانا أمام ما هو أغرب وأبعث على الدهشة، وأقل قابلية للايضاح. واذا كان تخاذل الناس - بهذا الصدد- قد ألحق ضررا بالغا بالحياة؟ فان التجارب المعيشة التي نسميها "انبثاقات"، وكل ما نسميه "عالم الأرواح"، والموت: كل ما هو شديد الالتصاق بنا.. وجد نفسه بفعل المقاومة اليومية خارج الحياة، الى حد أن الحواس التي كانت تسمح بالامساك به، اعترافا الضمور. دون أن نتحدث عن الله، بيد أن الخوف مما هو غامض لم يفقر وجود الفرد فحسب: وانما ضيق بفعل تأثيره العلاقات بين البشر، فاجتثت من مجرى نهر الامكانات اللانهائية، لترفع فوق ضفة نهر جرداء، لا شيء يدركها. لأن الكسل ليس وحده القادر على جعل العلاقات البشرية تتكرر رتيبة، لا تتجدد، وانما هنالك ايضا الخجل أمام كل تجربة جديدة وغير منظورة، نشعر اننا دون مستواها. وحده، من هو مستعد لكل شيء ولا يرفض أمرا، حتى ما كان غامضا: سيعيش العلاقة مع شخص آخر مثل شيء حي يستنفد تجربته الخاصة.
واذا مثلنا هذا الوجود بغرفة كبيرة نسبيا، فان معظم الناس لا يتعلمون سوى معرفة زاوية من الغرفة
أو مكان ما من النافذة، او جزء (صغير من الأرضية )، يمشون عليه ويجيئون، وهكذا، فهم يجدون نوعا من الأمان، ومع ذلك، فكم هو انساني هذا اللاأمان المحفوف بالمخاطر، والذي يدفع السجناء- في حكايات ادغار الان بو الى تلبس أشكال زنزاناتهم المعتمة والمرعبة، حتى لا يكونوا غرباء عن مخاوف اقامتهم.
ولكننا لسنا سجناء، وليست هناك أية فخاخ حولنا:
لا شيء هنا ينبغي أن يخيفنا او يعذبنا، فنحن في الحياة مثلنا في أكثر العناصر ملاءمة لوجودنا، فضلا عن أن آلاف السنين من التكيف ، جعلتنا نشبه هذه الحياة، الى حد أننا- اذا بقينا ساكنين - بالكاد نميز أنفسنا عن كل ما يحيط بنا بفضل نوع من التماهي السعيد. ولسنا محقين في أن نكون حذرين من عالمنا، لأنه لا يناصبنا العداء واذا كانت فيه مخاوف، فهي مخاوفنا نحن، أو فيه مغاور، فتلك المغاور لنا. واذا كانت في هذه المغاور مخاوف، فعلينا ان نحاول حبها. ويكفي أن ننظم حياتنا وفق المبدأ الذي يدعونا الى التمسك بالأصعب حتى يستحيل ما يبدو لنا اليوم شديد الغرابة، أكثر الأمور ألفة وأوفاها.
كيف لنا أن ننسى الأساطير القديمة التي كانت في بدء كل الشعوب: أساطير التنينات التي تنقلب، في اللحظة القسوى أميرات؟ فربما تكون كل التنينات في حياتنا أميرات جميلات ومقدامات، تنتظر رؤيتنا يوما ما ربما يكون كل مرعب يحتاج مساعدة، ويريد منا أن نساعده.
عزيزي السيد كايبس، لا ينبغي أن تخاف، عندما ينهض أمامك حزن أكبر من كل الأحزان التي صادفتك؟
أو عندما تمر كآبة على يديك وعلى جميع حركاتك، مثل النور وظل السحب، ينبغي ان تشعر ان شيئا ما يحدث لك، وأن الحياة تحضنك ، ولم تنسك ولن تتخلى عنك، لماذا تريد أن تطرد من حياتك كل نوع من الاضطراب، أو الوجع والاكتئاب، وأنت لا تعلم شيئا عما تعمله هذه الحالات فيك؟
لماذا تجلد ذاتك بالتساؤل عن مصدر كل ذلك، وعن ماله؟
وأنت تعلم أنك في مرحلة تحولات، وانه لن تكون لك رغبة أكبر من رغبتك في أن تتحول.
واذا كان ما يحدث لك مشوبا بالمرض، فاعلم اذن، أن المرض وسيلة يتمكن بها الجسم من التخلص من كل ما هو غريب عنه؟ ومن ثمة، فليس علينا الا أن نساعده على ان يكون مريضا كليا وعلى أن يعبر عن نفسا، لأنه بذلك يستطيع أن يتطور.
عزيزي السيد كابيس، كثير من الأشياء تحدث الآن في ذاتك، وينبغي أن تكون صابرا مثل مريض، وواثقا مثل من يتماثل للشفاء: لأنك قد تكون هذا وذاك معا، وفضلا عن ذلك فأنت - أيضا- الطبيب الذي ينبغي أن يسهر على نفسه.
وفي كل مرض هنالك أيام لا يستطيع الطبيب خلالها الا ان ينتظر، وهذا ما ينبغي أن تفعله اليوم باعتبارك طبيب نفسك.
لا تراقب نفسك كثيرا، ولا تخرج باستنتاجات متسرعة مما يحدث لك: دعة - فقط - يحدث. والا فانك ستنقاد ببساطة الى القاء نظرات لوم ( أخلاقية ) على ماضيك، الذي يساهم بالتأكيد، بكل ما يهب الآن للقائك، في حين أن كل ما يعتمل فيك الآن من تيه ذاك الولد الذي قد كنت، ومن أمانيه وتطلعا ته، ليس هو ما تتذكره، وتدينه.
ان الوضعية الاستثنائية لطفولة متوحدة ومحرومة، وضعية في غاية الصعوبة والتعقيد، فهي منذورة الى تأثيرات مختلفة في نفس الوقت.
يجب ان نكون حذرين ازاء الاسماء، فكثيرا ما تتحطم حياة على اسم الجريمة وليس على الفعل ذاته.
هذا الفعل الذي هو بدون اسم، والذي قد كان ضرورة دقيقة من ضرورات الحياة، وكان يمكن أن يدمج فيها دون صعوبة.
واذا بدت لك القوى المبذولة كبيرة، فذلك لانك تمنح الانتصار أكثر من قيمته: فهذا الانتصار ليس الأمر "العظيم" الذي تعتقد أنك أنجزته، حتى وان كنت محقا فيما تشعر به، العظيم هو أنه كان هنالك شيء أمكن لك أن تضعه مكان هذه الحماقة، شيء حقيقي وواقعي.
وبدون ذلك فان انتصارك ما كان يمكن أن يكون الا ردة فعل أخلاقية عديمة القيمة؟
في حين أنها غدت بهذه الطريقة مرحلة من مراحل حياتك. حياتك - عزيزي السيد كايبس - التي أفكر فيها حاملا لك كثيرا من الأماني الطيبة.
هل تذكر كيف كانت حياتك تتطلع الى الخروج من الطفولة والتوجه نحو "الكبار"؟
اني اراها الآن وهي تتطلع - منفصلة عن الكبار- الى الأعظم، لذلك فهي لا تكف عن أن تكون صعبة، ولكنها لذلك أيضا، لن تكف عن النمو. واذا كان لي أن أقول لك شيئا آخر، فهو ما يلي:
لا تعتقد أن من يحاول مواساتك يعيش دون عناء، بين الكلمات السهلة والهادئة التي تمنحك الراحة أحيانا. ان في حياته الكثير من العناء والحزن.. حياته التي تظل بعيدة، دونك.
ولو كان الأمر على غير ذلك، لما كان له أن يجد كلماته أبدا.
المخلص: وينير ماريا ريلكه
فوروبوج، السويد
في 4 نوفمبر 1904

  • تعليق
  • مشاركة
  • 0