عن سعود السنعوسي

كاتب وروائي كويتي نشر عدة مقالات وقصص قصيرة في جريدة "القبس" الكويتيةكاتب في مجلة "أبواب" الكويتية منذ 2005 وحتى توقف صدورها في 2011عضو رابطة الأدباء في الكويتعضو جمعية الصحافيين الكويتية 2009-2011صدر له عن الدار العربية للعلوم:- سجين المرايا، رواية ..

كتب أخرى لـِ سعود السنعوسي


thumb

thumb

قرّاء هذا الكتاب يقرؤون أيضاً


thumb

thumb

thumb

thumb

thumb

thumb

الكتاب على رفوف القـرّاء


فئران أمي حصة (440 صفحة)

عن: الدار العربية للعلوم ناشرون (2015)
، منشورات ضفاف

الطبعة : 1
التصنيفات : أدب

ما عادت الفئران تحومُ حول قفص الدجاجاتِ أسفل السِّدرة وحسب. تسلَّلت إلى البيوت. كنتُ أشمُّ رائحةً ترابية حامضة، لا أعرف مصدرها، إذا ما استلقيتُ على أرائك غرفة الجلوس. ورغم أني لم أشاهد فأرا داخل البيت قط، فإن أمي حِصَّه تؤكد، كلما أزاحت مساند الأرائك تكشف عن فضلاتٍ بنيةٍ داكنة تقارب حبَّات الرُّز حجما، تقول إنها الفئران.. ليس ضروريا أن تراها لكي تعرف أنها بيننا! أتذكَّر وعدها. أُذكِّرها: "متى تقولين لي قصة الفيران الأربعة؟". تفتعل انشغالا بتنظيف المكان. تجيب: "في الليل". يأتي الليل، مثل كلِّ ليل. تنزع طقم أسنانها. تتحدث في ظلام غرفتها. تُمهِّد للقصة: "زور ابن الزرزور، إللي عمره ما كذب ولا حلف زور..".


  • الزوار (3,357)
  • القـٌـرّاء (33)
  • المراجعات (5)

أفضل مراجعة على هذا الكتاب


سلبتني الرواية وقت فراغي كاملاً بجدارة و دون أي أسف، أخذني الكاتب في رحلة القفز الرشيق بين زمنين برفقة ثلاثة أجيال و رابع لا يعرف عن الأقصى شيء و احتار في موقع القدس. عزيزي، إن أراد صاحب اليد الخفية فبكل بساطة عليه أن يستغل سذاجة جهلنا المتزمّت، فهو يعظّم الجوامع و يهمّش الفوارق حيناً و يعظّم الفوارق و يهمّش الجوامع أحياناً، فالبذرة موجودة مزروعة في البواطن و لا تحتاج إلا لبعض "مطر" فتنبت و تتأجج حارقة كل شيء، أخذني الكاتب بابداعه إلى زمن عشته و كأني كنت معهم، لربما لأنني و البطل و فهد و صادق ابناء نفس الجيل أو أكبُرهم قليلاً، لكن في مكان آخر بعيد عن الكويت ساحة الرواية، و لم أستشعر أي فرق فكأننا كلنا في الهم شرق، في بلدي ما من، عذراً، "روافض" ليكون هناك بالمقابل "نواصب"، رغم أسفي لاضطراري استخدام هذه النعوت التي أمقتها كمقتي كل النعوت الجمعيّة، لكن لن يحير صاحب اليد الخفية في إيجاد ما يعظّمه من فوارق إن أراد. ينبهنا الكاتب إلى مصير يستشفه في النفوس، في المستقبل القريب، إن لم نتدارك بوعي عزّ وجوده في هذا الزمن الذي طغى به صوت الطبول على كل صوت متعقّل و سلبت الرعونة الهوجاء كل منطق، ينبهنا لمصير أسود قاتم تحوم في سمائه تباعة الجيف و تزكم ريحه النتن روائح كريهة تشتعل نيرانه لتترك بعدها رماد كل ما كان يوماً جميل، أو أن تسقط علينا السماء أجمعين. ختاماً، أبدع الكاتب سعود السنعوسي و تفنن في قفزه حتى التقاء الأزمان من ماض إلى مستقبل مروراً بحاضر مؤلم.

  • أعجبني
  • تعليق
  • مشاركة
  • 2
  • 2
ترتيب بواسطة :

عندما أتحدث عن "فئران أمي حصة"، و حين أفكر في هذه الرواية، فلا يسعني إلا أن أقول أنها من أجمل و أعظم الروايات التي قرأتها حتى هذه اللحظة؛ هذه اللحظة التي أكتب فيها هذه القراءة.

 

لا أدري كيف تمكن الكاتب و هو بهذا العمق الأدبي و الخبرة الروائية التي أجدها قليلة مقابل ما تمكن منه في هذه الرواية؛ فلا أدري حقاً، كيف تمكن من أن يبلغ هذا المبلغ الكبير من الجمال الأدبي و الذي لم يعكر صفو الجمال الروائي في ذات الوقت.

فالكتَاب، معظم الروائيين، لا يجيدون هذا الائتلاف بين الروائية و الأدبية فيما ينتجونه من الروايات. فتجد الكاتب في روايته ما إن بلغ مبلغاً جيداً من الجمال الأدبي، فهو بشكل لا يتنبه إليه يسيء إلى الجزء الروائي من روايته. و العكس كذلك، فالكتاب، معظمهم، في رواياتهم حين يدمجون بين هاتين الصفتين، و يعتلي شأن الروائي على الأدبي، يفتقد الجانب الأدبي من رواياتهم المذاق الجيد و لربما يكون مراً مما لا يمنح القارئ فرصة اكمال قراءة الرواية رغم عظمتها الروائية.

لكن، هنا، حين أتحدث عن "فئران أمي حصة" لكاتبها، سعود السنعوسي، فأنا أتحدث عن عمل و انتاجٍ عظيم، ائتلف فيها بشكل فذ جميل الجانب الأدبي و الروائي معاً. دونما أن يعكر أحدهما صفو الآخر، و دونما أن يسيء أحدهما في حضوره لغياب الآخر حتى!

 

لا يسعى قول شيء عن هذه الرواية إلا أنها جميلة! ماذا! جميلة؟ هذا غير صحيح. حتماً هذا غير صحيح. هذه الرواية انتاج كبير. مشروع عظيم، إرث نفيس. إرث أهداه الكاتب "سعود السنعوسي" للمكتبات العربية، و غير العربية كذلك. لا بد من أن تنال هذه الرواية حقها في بلوغ قيمتها الحقيقة. إنما هي إرث، و علينا بكل تأكيد الحفاظ عليها. علينا حتماً الحفاظ على هذا الإرث مئات السنين، بل آلافاً من السنين القادمة ما لم نحافظ عليها ملايين السنين كما أتمنى.

 

ما إن أتحدث عن الجانب الروائي للرواية، فالكاتب بلغ فيها مبلغاً عظيماً حقاً. كيف صنع الشخوص، و كيف كان يبث فيهم حضوراً و روحاً يمنح فيها القارئ فرصة الشعور بوجودهم و كأنه سبق و أن التقى بهم في حياته لا و كأنهم شخوصٌ على ورق وحسب. ناهيك عن الحبكة الروائية الفذة التي اجتهد الكاتب في صنعها.

فقد تمكن الكاتب من أن يجعل القارئ يشعر بكل ما اعترى الشخوص من مشاعر، و أن يحدثهم بعواطفه و يحاورهم في رأسه بمشاعره. فالكاتب تمكن بشكل بليغ احضار عواطف الشخوص في حضورهم لدى القارئ. بشكل يجعل القارئ حتماً يتساءل ما إن فعلاً هل قد سبق له و أن التقى بهم أو صادفهم أو حتى سمع عنهم في حياته ذات مرة؟ فكمية الحقيقة في العواطف بعيداً عن كمية الحقيقة في الحبكة التي لا يسعني إلا الإشارة إلى تمكن الكاتب منها بشكل فذ، كانت تمنح القارئ حضوراً عاطفياً لدى شخوص الكاتب. فلا يشعر القارئ و لو للحظة أنه دخيلٌ على حياة الرواية بينما يقرأ. و ما إن يبلغ الكاتب هذا المبلغ من جعل القارئ يغوص في الرواية، فهو حتماً كاتب متمكن أيمّا مكنة!

 

بعيداً عن الروائية في الرواية، فمن ناحية المعالجة في طرح القضايا، كان الكاتب يمنح القارئ فرصة استكشاف الأمور من غير أن يكشف له شيئاً، و من غير أن يعرض له ذلك حتى كما يتبين للقارئ. إلا أن الكاتب كان يعرض الكثير بل العديد من القضايا في هذه الرواية، التي تبدو للمعظم و كأنها طرحت شأنا ًو قضية واحدة ليس إلا.

و في هذا الصدد، فالكاتب كان جيداً جداً بل ممتازاً جداً في كيفية جعل الأمور تظهر على هيئة لا تبدو عليه. مانحاً بذلك فرصة للقارئ من أن يتمكن من اكتشاف كل شيء دسه الكاتب في روايته، بنفسه. كأنما الكاتب يقول بتصرفه هذا: إن على المرء أن يجتهد في معرفة ما يظهر أمامه، فلن يعرفه و إن أُوضِح له ذلك آلافاً من المرات ما لم يجتهد في ذلك بنفسه. و هذا جد صحيح. فالرواية لم يكن فيها الكاتب يظهر الأمور كما تبدو عليه لأي قارئ وحسب، و إنما كان يتطلب كل شيء جهداً من قبل القارئ ليصل إلى ما أراد الكاتب أن يبلغه و يعلمه من خلال روايته هذه، فئران أمي حصة.

 

لهذا، فإن هذه الرواية، من الروايات التي لا يصُح قراءتها في أي وقت و لا في أية حالة. تحتاج إلى حضورٍ ناضج، و فكر مستعد لتلقيها. هذه الرواية دسمة، ثقيلة، بل بها من القنابل الموقوتة الكثير المهيب. كما و على القارئ أن يكون حتماً جاهزاً لما سيجده من أمورٍ في هذه الرواية. و حين أقول على القارئ، فأنا هنا لا أتحدث عن أي قارئ. فأي قارئ سيجد الرواية مملة، مضجرة، لا تحكي و لا تروي سوى حياة أصدقاءٍ من مختلف الطوائف ذات الدين الواحد. لكن، ذلك القارئ العميق، القارئ الجيد، القارئ المتمكن من القراءة. المتمكن من قراءة السطور و ما بينها من سطور خفية و دلالات، هو  حتماً الذي سيجد ما لهذه الرواية من قيمة بليغة. هو حتماً الذي سيعلم أن إرثاً ما يقع بين يديه الآن بينما يقرأ.

 

إن الكاتب في هذه الرواية كان يطرح بشكل بديهي قضية ما، و هو الأمر الأول و الأخير الذي سيظهر لأي قارئ. لكن، أولئك القراء الجديرون بقراءة هذه الرواية، سيجدون كيف تمكن الكاتب بشكل فذ طرح فكرة بأفكارٍ عدة كثيرة. و كأن الأمر أشبه بفقاعة كبيرة بداخلها الكثير من الفقاقيع الصغيرة، و لن يتراءى لأي رائي تلك الفقاقيع الصغيرة ما لم يرى الكبيرة بكل ما تصنعه من حضور.

و على هذا، فأنا متأكدة من أن أي قارئ سيجد أن الرواية تتحدث عن الكويت، عن الطوائف، عن الأصدقاء و لا شيء آخر سوى ذلك. إلا أن هذا غير صحيح. فالرواية مبطنة بأمور كثيرة تجعلني أقول من غير أدنى شك و تردد أن هذه الرواية لا بد من أن تكون عالمية. ترى لماذا و هي التي اقتصرت فيما طرحته شأن الكويت وحسب؟ لأن هذا غير صحيح بتات البتة، و ما هذا إلا ما سيتبين لأي قارئ غير جدير بقراءتها وحسب.

 

بينما الحقيقة، أن هذه الرواية طرحت أمراً عالمياً ينطبق في كل بلد و كل مكان و في الأرض كله. و هو ما لا يتبين لأي قارئ يكون. لأن الرواية دسمة، و لأن الرواية ثقيلة. لأن الرواية درسٌ مؤلم. و الأهم من هذا كله، لأن الرواية، تحذير. تحذير بليغ دامي. و الذي يجدر بنا الإنصات إلى هذا التحذير جيداً قبل أن تدمى قلوبنا مما تحذرنا الرواية منه و الذي يجوب العالم كله لا الكويت وحسب. بأشكال عدة، بطرق مختلفة، و بأنماطٍ غير متشابهة. لهذا، فإن هذه الرواية عالمية، لا بد من أن تكون كذلك من غير جدال.

 

بعيداً عن كل هذا، أود الإشارة إلى العنوان الذي عنونها الكاتب بروايته "فئران أمي حصة"، و التي ما إن تلتقطه مسامع أحدهم، حتى تبث في نفسه ارتجافاً و وجلاً لا يدريه و لا يعلم لم قد يعتريه هذا؛ فقد توفق الكاتب و أجاد عنونة الرواية من غير أدنى شك بهذا العنوان. إلا أن الغلاف و الصورة التي تحملها الرواية، لربما لم تكن في محلها تماماً. إذ أنها كانت تحدد صورة، ما كانت الرواية تتحدث عنها. و أعني بذلك أن للصورة التي حملتها الرواية دلالة لأمر محدود ليس من السهل أن يتضح للقارئ ذلك، و بتحديدها ذلك كسرت احدى نوافذ الرواية العدة. فقد كان هناك خطأ ملموس في ذلك من قبل الكاتب و ما اختاره من صورةٍ لروايته. إلا أن هذا، لم يسيء بشكل كبير إلى الشكل النهائي التي ظهرت فيها الرواية ككتاب. كون أن ما كان مكتوباً في مقدمة الرواية، و غلاف الكتاب، الجزء الخلفي منه، و كذلك المداخل، كانت كفيلة بأن تزيل الانطباع السيء التي تبثه الصورة في نفوس مقتني الكتاب. فالنصوص المكتوبة في بداية الرواية و في مؤخرة الكتاب، كانت لها من التأثير الإيجابيّ ما يكفل بأن يغير الانطباع التي تركته الصورة في نفوس من همّ بقراءتها. و مع ذلك، لم تكون هذه النصوص تفسد من الرواية و شغف القارئ في قراءتها. إذ أن معظم الكتاب، يسيئون في اختيار النص الذي يعتلي مقدمة الرواية و غلاف الكتاب، الجزء الخلفي منه. حيث أن معظم النصوص تفسد من شغف القراءة لدى القارئ للرواية و تفضح شيئاً كبيراً من الرواية. إلا أن الكاتب هنا، كان فطن لهذه النقطة جيداً جداً؛ و أجاد ذلك بذكاء.

 

على سيرة النصوص، فالرواية و الطريقة التي كُتبت فيها، كانت تبلغ مبلغاً كبيراً من الإجادة الأدبية و التي أشرت إليها في بداية هذه القراءة. فالكاتب، لم يسيء لجمال الحبكة و الروائية الفذ التي اجتهد في صنعها في الرواية بجمال اللغة الأدبية التي استعملها في رواية روايته. فبغض النظر عن الحقائق التي كانت الرواية تحملها بجمالي أدبي فذ و صياغة لغوية بهية، كانت الرواية مليئة جداً بالجمل التي تختصر قصصاً كثيرة تروى هنا و هناك. و بالرغم من ذلك، لم تكن تسيء للرواية و تضيف عليها زيادة بلا هدف و لا حضور، تلك الجمل. فعندما نتحدث عن عملٍ من أعمال "سعود السنعوسي" يصعب على القارئ أن يجد فيها نصاً أو جزءً بلا هدف في وجوده أو حضوره. فكل شيء في الرواية يدل على شيء، و كل شيء يُحدِث بشيء، كما و أن كل شيء يفضي إلى شيء آخر؛ فلا شيءٌ كان بلا كيان. و هذا كفيل بأن يمنح الرواية نصيباً كبيراً من التقييم الإيجابي.

 

بعيداً عن الجانب الأدبي، أود الإشارة إلى مقدرة الكاتب في جعل القارئ شغوفاً باستكمال القراءة رغم صناعته للروايةٍ تحمل من الشخوص و الأحداثٍ عدداً هائلاً كبيراً دونما أن يسبب ذلك تشتتاً و لا ضياعاً للقارئ. و هذا حتماً قدرة روائية كبيرة. فقليلون أولئك الكتاب الذين تتعد في روايتهم الشخوص و تتكاثر فيها الأحداث و تتشابك دون أن تسبب ضياعاً للقارئ فيما يقرأ. و كان الكاتب في "فئران أمي حصة" مقتدراً على ذلك بجدارة.

 

نقطة أخيرة لا بد من الإشارة إليها لعجيب ما صنع الكاتب في ذلك. فهل من الممكن أن يصدق أحدٌ أن تنتهي الرواية و لا أحد قط يعلم ما اسم البطل؟

رغم هذا و ذاك، سأعود مجدداً لأقول أن الرواية ليست لأي قارئ يكون. هذه الرواية لا يستحق قراءتها إلا من هو جديرٌ بذلك. و لا يحق لأحد أن يقرأها ما لم يكن جديراً بقراءتها. فهذه الرواية إرث، و عندما أقول إرث، فلا يجدر لأي أحد يكون أن يحمل الإرث بين يديه ما لم يكن جديراً بحمله حتماً.

 

 

 

 


  • أعجبني
  • تعليق
  • مشاركة
  • 1
  • 1


‫#‏فئران_أمي_حصة‬ لـ ‫#‏سعود_السنعوسي‬
الكاتب الذي يهمّه وطنه قبل أي شيء، السنعوسي..
رواية بمثابة تحذير شديد البلاغة، لتوعية الكويتيين بشكل خاص والعرب بشكل عام على ما سينالهم من خراب إن اشتعلت الفتنة بين الطوائف..
سأقف عند بعض الأمور:
1- الرواية تجري في مسارين، الأول منذ طفولة الراوي من 1987 وصولًا إلى 2017، في خلالها يسترجع ذكرياته الماضية من متاهات تفكيره، حرب الكويت - العراق، تفجيرات 2001، أغاني عبد الكريم عبد القادر، روايات إحسان عبد القدوس، والثاني هو ما يحدث حاليًا في زمن الرواية عام 2020، من رحلة البحث عن فهد وصادق حتى حضور الموت بسبب عراك طائفي.
2- في كل مشهد تقريبًا تجد السنعوسي يستشهد بمقطع من أغاني عبد الكريم، كأن الأخير لم يُبق شيئًا لم يحكِ عنه.
3- رغم الحروب والدماء، كان هناك مجال للحب، حوراء وفهد، هو وفوزية، وهنا كان إحسان عبد القدوس.
4- الكتكوت "الراوي" والبريء بأسئلته حول ماهية الطائفية، يتحول إلى رئيس جماعة أولاد فؤادة المنادين بالوحدة.
5- السنعوسي تنبأ مرتين، الأولى عندما توقع أن تمنع روايته "إرث النار" في روايته، فمنعت "فئران أمي حصة" والثانية عندما كانت الرواية مجسدة على أرض الواقع بتفجيرات الكويت الأخيرة.
6- صراع الآباء، صالح وعباس، وحدة الأبناء، فهد وصادق.. رسالة من السنعوسي أن الخير سيكون على يد الجيل الصاعد.
7- الكاتب كان قمة في الرقيّ والاحترام، فأسماء الطوائف لم تتكرر سوى ثلاث أو أربع مرات فقط في رواية تجاوزت ال 400 صفحة، واستبدلها بـ "نا"، "نحن"، "هم"..
* الآن تبدأ الحكاية، وليكن ما كتب كابوسًا مضى.

  • أعجبني
  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
  • 0

إذا زاد منسوب الفكرة عن الحد في العمل الإبداعي، كما يقرر هيغل، استحال الفعل إلى خطاب. وهذا هو ما حدث في رواية «فئران أمي حصّة»، الصادرة حديثاً عن الدار العربية للعلوم ناشرون ومنشورات ضفاف، إذ يبدو أن سعود السنعوسي أسس روايته على الفكرة. وانجرف بقوة ناحية الموضوع، ولم يفكر في حبكة المادة الخام التي يختزنها في وعيه ووجدانه، حيث استجلب أزمة حياتية صاخبة من خارج النص، وفرضها على مجمل عناصر السرد، بعد أن حولها إلى كتلة من الأحداث الضاغطة، أو ما يُعرف نقدياً بالقيمة المهيمنة. ويبدو أنه أراد، من خلال قوة الطرق على الموضوع، أن يدق جرس الإنذار للمجتمع الكويتي، الذي يعاني من احترابات طائفية وعنصرية، على إيقاع أحداث سياسية عاصفة تلقي ظلالها على وجدان ومعتقدات الفرد الكويتي وتفسّخ نسيجه الاجتماعي، أو هكذا تبدو الرواية تصريحاً وتضميناً، بمعنى أنها تستجيب للنقد الموضوعاتي أو ما يُصطلح عليه في الحقل الثقافي بالنقد الثيمي، حيث يتكرر الظهور المتعدد لذات الموضوع عالي الحساسية، وكأنه يمارس الحفر في النقطة ذاتها بدون التقدم خطوة إلى الأمام. متوالية من الأحداث المزلزلة التي مرت بها الكويت خلال العقود الماضية يستدعيها السنعوسي ليرصد أثرها على الذات الكويتية المسالمة المحبّة للحياة، حيث يتطرق للحرب العراقية الإيرانية واحتلال العراق للكويت وتفجير الحادي عشر من سبتمبر/أيلول وغيرها من الأحداث التي أدت إلى مضاعفات وتأثيرات حادة في عمق البُنى الفكرية والوجدانية للإنسان الكويتي، من خلال مجموعة من الأطفال (فهد وضاوي وصادق) الذين ينتمون إلى مذاهب مختلفة ومتعايشة، وإلى بيئات قبلية وحضرية قادرة على التجانس والسلم الاجتماعي، حيث يكبرون في ظل نوبات من الكره الاجتماعي بسبب تلك الأحداث الكبرى التي تستفز المكوّن العقائدي لكل فئة، وتدفعهم للتمترس في خطوط دفاعهم العقائدية في التماثلات المادية الشكلية الهشة لـ(العمامة واللحية والبشت)، إذ لا يبرئ أحدا من هدم معبد العائلة الكويتية الواحدة. تلك هي البنية الكبرى للنص. فالفئران التي يلوّح بها، ويحذر من أنها آتية، كما يكرر، تأخذ أحياناً شكل الملاحدة وأحياناً شكل المتمذهبين. وهكذا حسب السياق واللحظة والذات التي تترقبها، وهذه هي أرضية الأفكار والوقائع والأحاسيس المتسلطة على سعود السنعوسي، التي يفرشها ليقيم عليها دعائم سرده، إلا أنه لا يحرك أبطاله بأي اتجاه، فهم على درجة من السلبية والخنوع وكأنهم من الوجهة الفنية مادة ذائبة في مجرى الأحداث واللغة، أو المعادل الموضوعي لحجم الكويت السياسي قبالة ثلاث دوائر كبرى هي، العراق والسعودية وإيران ومن فوقها أمريكا بكل جبروتها، بمعنى أنه ينقل بأمانة بانورامية كل ما مرت به الكويت من موقع المتفرج، حيث يختصر ما بعد تحرير الكويت وطبيعة الولاء والحسّ الكويتي العام بعبارات دالّة «ما عاد للـ»ريِّس» حضور في بيت آل يعقوب، والمحبة العراقية صارت سعودية، صار صوت أبي سامح الفلسطيني صوتاً آخر لشاب سوري». كل حدث يتم ادخاله في السرد يكون بمثابة الدليل على تعمُّق الهوة ما بين الأسرة الكويتية الواحدة واتساعها، كقضية إعدام الكويتيين بعد حادثة الحرم، وإشكالية تأبين عماد مغنية، وبروز تنظيمات موالية لـ»القاعدة» في الكويت ومحاولة قتل جنود المارينز وغيرها من العلامات التي يراقبها الطفل الذي ينمو السرد على إيقاع نموه، ويسجلها بعينيه، سواء ككتابات شاحبة على الجدران، أو كأفلام مصورة في الأخبار، أو كمشاهدة واقعية، فيما يبدو محاولة لنقل السرد من مستواه التأمّلي المباشر إلى تعقيدات السوسيو- ثقافي، والسوسيو- تاريخي. وهنا مفارقة كبرى. فهو كروائي يبدو على درجة من الامتلاء الإرشيفي والوعي الإخباري الاختزالي للحدث الكويتي، فيما تعاني شخصياته من الخواء المعرفي والعجز الأدائي. والغريب أن سعود كروائي يقف على مسافة بعيدة جداً من كل ما يحدث، حيث يتخفف سرده من العاطفة، وتنسلخ مفرداته وعباراته من الدفقة الشعورية، لدرجة أن النص كله يفتقر إلى دفء وحميمية السرد، عدا مفاصل قليلة جداً مقارنة بحجم الرواية. ربما لأنه بالغ كثيراً في الاتكاء على الموضوع، ولم يجد لسرده من غطاء وجداني إلا صوت الفنان عبدالكريم عبدالقادر، الذي يحايث كل ذلك التاريخ الممتد من ثمانينيات القرن الماضي إلى اللحظة الراهنة، فكل مناسبة رياضية أو قومية أو سياسية تكون له أغنية تلخص الحدث وتمدد مساحة المجد، حيث تتحرك الرواية بكل وقائعها تحت هذه المظلة الوارفة. فهو (يغنينا كلنا) بتعبير سعود. وبالتالي جاء صوته كقيمة توحيدية لإرادة ومزاج الإنسان الكويتي. كما جاء طيف المعلق الرياضي خالد الحربان واللاعب مؤيد الحدّاد في هذا السياق، وكذلك الجدل حول اسم الفنان عبدالحسين عبدالرضا. لا انفعالات ولا مفاجآت في «فئران أمي حصّة»، وكأنها قد خرجت من مختبر الموضوعية البارد، فالسرد أفقي واقعي متجرد من الخبرة الحواسية، وتحت سجادة العرض البانورامي تلك يمكن التقاط نبرة وعظية تضاعف سكونية السرد. كما يمكن استشفاف ذلك من عدة دلائل أهمها انعدام وجود شخصيات على درجة من الاستواء أو الانبناء، مقابل حضور أصوات لا تلبس لحم وأحاسيس الشخصية الروائية. الزمن أيضاً على درجة من الهلامية، وإن كان سعود السنعوسي قد لجأ هنا إلى تقنية سردية لا تجعل من أي لحظة زمنية مرتكزاً لما قبلها أو بعدها، حيث صار يسرد الوقائع المنقضية والأحداث الآفلة بصيغة المضارع «يحدث الآن»، وكأنه يعتمد على فن الحدوث، بمعنى أنه لم يفصل الزمن الكويتي إلى حاضر وماض ومستقبل، بل تعامل مع الزمن ككتلة واحدة متصلة بالمفهوم البرجسوني، وهذا التسييل للزمن، هو الذي أوحى بأن الخراب الذي يحاول التحذير من ويلاته، لم يترسّب في الماضي، بل هو قيد الحدوث، وما زالت مضاعفاته حاضرة. هنا يكمن السر ربما، في عدم لجوئه إلى السرد الميلودرامي، الذي تقتضيه مثل هذه الأحداث، وعدم تفخيخ روايته بعبارات شاعرية مدّوخة تعادل الشعاراتية، لأنه جعل من الرواية بمجملها كتلة من الخراب الآيل للسقوط على الجميع. كما يتمثل ذلك في صوت الأم حصّة، الباقي رنينه في الدار بعد رحيلها، كإحالة ضمنية للأصالة والرحابة والتسامح. وانطفاء الرومانسية من خلال عَمى فوزية وهي تقرأ إحسان عبدالقدوس، واختفاء البلاي ستيشن التي كانت لعبتهم في الديوانية لتحل محلها سجالات وأخبار ضاوي الذي صار له ملف أمني في وزارة الداخلية، واقتتال الكويتيين على إيقاع التناحر الطائفي في العراق المجاور. كما يؤرخ لكل ذلك التيه والدمار في الفضاء الاجتماعي الكويتي بتفجيرات المقاهي الشعبية عام 1985، أي قبل شهر واحد من حصوله على دراجته الهوائية، حيث صارت والدته تمنعه من الخروج بها إلى الشارع لأن الهلع والخوف استبد بها. بالصوت الجريح، صوت عبدالكريم عبدالقادر يحاول سعود السنعوسي تشخيص الذات الكويتية المرعوبة، المنفصمة، المرتبكة، التي تغير ولاءاتها وتحالفاتها وتجدد مخاوفها بتجدّد الأحداث. يكاشفها بهواجسها، بأمراضها، بهامشيتها واستلحاقها الآلي بمواطن القوة ومنازع الشرور الطائفية والقبلية. فالمعاني العميقة لا تقال في سطح النص، وذلك هو المركز الحيوي الذي يُفترض أن تنهض عليه ثيمة الرواية، حيث تتحشد محاوره في كتلة دالة، ومنه يمكن استخلاص منظوراتها، فالروائح المتعفنة الحامضة للفئران اللامرئية هي النسيج التحتي للنص، وسعود هنا في جدليته التي يقيمها كمؤلف، لا يلمّح بقدر ما يؤسس لبؤر متوترة وحساسة، حيث يحاول أن يحرك البنية الدلالية الغائرة في النص ليؤرجح بنيته الشكلية، ولكن كل ذلك يبدو مطموراً تحت وطأة الموضوع وتتالي الحوادث. من هذا المنظور يمكن مقاربة «فئران أمي حصّة» كأحداث تحاول أن تُروى، حيث يستجمع كل ما يثار في الحيز الاجتماعي ويفصّحه، بمعنى أن يحوّله إلى لسان أو منظومة من التداعيات القابلة للانتظام في سياق روائي، إلا أن الحسّ الإخباري الطاغي يعزز خمول البنية الداخلية للنص، ويمنع حضور الأبطال، ويعطل المفهوم البنائي التركيبي للنص. فالرواية تفتقر إلى عمودها الفقري المتمثل في الحبكة، وبالتالي يتضاءل وجود التوتر الدرامي في كل مفاصلها، بل ينعدم حضوره، وهو أمر طبيعي ومتوقع بناء على تأسيس فرشة الرواية، لأن الموضوعاتي يقع خارج النص وليس داخله، وهذا هو ما يوحي أحياناً بارتجال الوقائع، وعدم تمريرها في مختبر التجربة ومعمل الخبرة الذاتية لسعود، لكأنه يراهن وبقوة على حساسية المضامين التي يدفع بها في سياق النص. كمن يرسم لوحة محتشدة بالعناصر والوحدات بنى سعود نصه، إلا أن نظام العلاقات في لوحته/روايته يعاني من اختلال في إعادة تركيب الموضوع وفي مفاعلة الزمان مع الفضاء المعاش، حيث تبدو الخلفية مشغولة بعناية أكبر من الوحدة الرئيسة في العمل. والسبب كما يبدو ناتج عن دخول سعود إلى روايته بكامل وعيه، والوعي من الوجهة الموضوعاتية، يتحول بشكل آلي إلى موضوع، وهذا هو ما يفسر التوسع الشبكي لنصه في الاتجاه التحذيري من الفتنة ذاته، والتمدُّد الخيطي بهذا المنحى، المستند في جوهره إلى سطوة المنطق، وهو أمر يبدو على درجة من الوضوح عند رصد ملفوظات النص واستنطاق مدلولاته، فهو صادر عن ذات تحاول تثبيت مبدأ، وعليه تراكم مفاهيمها وتلهث وراء الحدث. ربما جاء صوت عبدالكريم عبدالقادر كمقترح روحي لتذكير الذات الكويتية بمنابع الخير والحب والجمال فيها، وهو كذلك تحت كل الاعتبارات الحياتية، إلا أنه بموجب المقاربة النقدية يمثل في سياق النص بنية إشعاعية لا حد لتأثيراتها، حيث يستدعي صوته في «وطن النهار» ليستحضر الوطن من خلاله، وبالتالي فهو بصدد تشييد بنية شبكية تلامس اللحظة الكويتية بكل تفاصيلها وتعقيداتها، كما يمارس الحنين بارتدادات ذات مغزى «كانت معي، طول العمر، عين وهدب .. كانت معي، من الصغر، حبّ انكتب». ليواصل رسم الخط البياني لتلك الذات المتعبة بصوت المطرب المحبوب الشائخ (نبي نعيش). هكذا يترنح على صوته ويتأمل تحولاته التصورية، من المنطلق البارتي، التي يظهر فيها شاباً كويتياً متأنقاً، وفي لحظة من لحظات العتمة يظهر على غلاف كاسيت بلحية مرسلة. وكأنه يرصد التبدّل القسري لذات مستلبة. وفي ما يبدو محاولة لتفجير النص من خلال حساسية الموضوع أيضاً، يعود إلى ذات المكمن، أي بحة الصوت الجريح الذي يغني أغنية المجد «غصباً على الآلام، ترجع وطن من جديد» ليسأل نفسه بحرقة «إزاء وطن رجع، أو أرجعوه، بعد احتلال، ترفض الفكرة بأنهم ما أرجعوه ولكن شبّه لهم». بالمفهوم البروستي، تبدأ العبقرية الروائية مع انهيار الأكاذيب التي ترتكز على الأنا، وهذا هو الخيط الذي التقطه سعود وأراد نسج روايته بأول طرفه، إلا أنه وهو يجادل في «فئران أمي حصّة» فكرة الزمن المستعاد، بكل عفته وطمأنينته، لم يستنفد المادة الخام للأربعة عقود الماضية من خلال ثورة روحية أخلاقية، كما يتطلب فعل الاستعادة، بقدر ما قدم عرضاً بانورامياً ممتداً في زمن سائل، أشبه ما يكون بنشرة أخبارية طويلة.

  • أعجبني
  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
  • 0

انتزع الروائي ســعود السنعوسي في روايته «فئران أمي حصة» (الصادرة عن الدار العربية للعلوم ناشرون، ومنشورات ضفاف) من صميم الحياة نصّاً واقعياً، وهندسه على هيئة أحجية تناثرت في أروقة الماضي. وحين قفز منه، قرأ المستقبل فوصل إلى عام 2020م، منطلقاً من الكلّي العائم المـــتمثل في دقائق التاريخ الذي يعيد نفسه «أنا التاريخ كله، وأحذركم من الآن»، إلى الجزئي الذي كشــف المغزى وراء شعار الرواية «الفئران آتية... احموا الناس من الطاعون»، مشيراً بذلك إلى آفة الطائفية، التي تمددت في شرايين أهلها ونفوسهم، فطاولت نقمتها كل شيء. قسّم الكاتب روايته إلى نوعين من السرد، النوع الأول ما رواه تحت عنوان: «يحدث الآن» من خلال تحديد الزمن بالساعة والدقيقة، والنوع الثاني ما رواه تحـــت عـــنوان: «إرث النـــار»، مقــسم إلى أربعة فئران، وكل فأر يتألف من عدة فصول. في الفأر الأول، استخدم الكاتب في سرده ضمير المتكلم، أما في الفأر الثاني فاستخدم ضمير المخاطِب لنفسه وللآخرين. وعاد في الفأرين الثالث والرابع إلى السرد بضمير المتكلم. شاء الكاتب أن يُبقي اسم راويه مجهولاً، وربما يعود السبب في ذلك إلى أن الراوي -على الرغم من أنه كان شاهداً على الحدث- لم يتجرّع كأس الفتنة الطائفية، إلا أنه اكتوى بنارها كما الآخرين. لكنّ الكاتب أفصح عن أسماء الشخصيات الرئيسة الأخرى المتمثلة في «الشيعي» صادق وأخته التوأم حوراء، والسني فهد وعمته فوزية وجدّته حصّة، وضاوي ابن خال الراوي، وأيوب. أما الشخصيات الثانوية المؤثرة فتمثلت في أهل الأولاد. ورصد الكاتب حركة شخصياته التي كان يجمعها الحي الواحد، وصوّر تفاعلها مع ازدواجية زمان الرواية. وسمّى الأماكن بأسمائها الحقيقية. بدت الرواية كأنها لوحة عن الحياة، وأحداثها محصلة ثقافية عقدية، بشخصيات محاصرة بقدرها، وكلّ ذلك من خلال تقنية كتابية جديدة، اعتمد فيها الكاتب على تراص الحكايات، متبعاً نظام الاستطراد السردي حين غاص في التفاصيل: «حطّت حمامة رمادية على سور البيت. انصرفت إليها أمي حصّة. نثرت حبّات الرز بين الحشائش تحثّها على الاقتراب: «تع تع»، استجابت الحمامة فحطّت على الأرض. نبهتني: لا تفزعها». هذا إضافة إلى التوسع الوصفي الذي شمل الشكل واللون والرائحة والصوت: «تسمّرنا أمام شاشة التلفزيون في غرفة جلوس بيت آل يعقوب. أفراد البيت وتمثال أمي حصّة وصادق وأنا... صوت التلفزيون المرتفع وصمت هدير الكنديشة. رائحة الشاي بالزعفران. الحليب بالزنجبيل. صوت قشور المكسرات تنفلق بين الأصابع والأفواه من حولي»، فضلاً عن التفريغ النفسي الذي ظهر على شكل شحنات نفسية تماهى فيها الدال بمدلوله: «أجلس على ركبتي قرب النقالة داخل سيارة الإسعاف. أمسك بطرف اللحاف أزيله ببطء. إن كان اللثام، ذات يوم، قد كشف عمّن كنت أظنه يُشبه خالي حسن، فإن اللحاف في سيارة الإسعاف يكشف عما لا يشبه ابنه. شيء يشبه الجسد ينث رائحة شواء». وازَن السنعوسي بين ما سرده الراوي من أحداث يوم واحد، بدأ في الساعة الثانية عشرة ظهراً وانتهى عند الساعة الثانية عشرة صباحاً، على شكل حاضر ارتدى عباءة المستقبل، وبين ماضٍ استعاده من رواية له تُعدُّ للنشر أطلق عليها: «إرث النار»، التي استرجع من خلالها الأحداث التاريخية التي أسست لأحداث لاحقة، وضمّنها العديد من الرسائل التحذيرية الكامنة وراء التأليف، من خلال تصاعد بعض القيم وتراجع أخرى، وأعطى صورة مظلمة لمستقبل الأمة التي توشّح بموروثها الجديد الفتّاك. استعاد الكاتب أحداث غزو العراق للكويت، سنة 1990م ووصف هول الصدمة على أهلها: «كنتم تنامون على أصوات القذائف ورائحة الشموع المنطفئة. تهتز الأرض من تحتكم. يتصدع من شدة القصف زجاج النوافذ»، وهذه الصورة التي استعادها الراوي من الماضي، تنبأ بعودتها بعد ثلاثين عاماً ولكن في حلّة مختلفة. وأشار إلى التغيير الكبير الذي يطرأ على ثقافة الأمم، فوصف كيف أصبحت أميركا بين ليلة وضحاها أمل الشعب الكويتي: «أميركا التي ما رأيتموها، أطفالاً، إلا بصورة تظهر في أفلام الآكشن وبرامج المصارعة الحرّة باتت خلاصكم»، فاندلعت حرب «عاصفة الصحراء»، وتحرّرت الكويت في 26 من فبراير 1991م، وسرد الراوي باستنكار واقعة طرد الفلسطينيين من الكويت بعد التحرير. لم يغفل الكاتب إضاءة البعد الاجتماعي من خلال فوزية، التي بدت الحلقة الأضعف والعينة التي تشير إلى وضع «البنت» في المجتمع الكويتي، فقد حرمها أخوها صالح من إتمام تعليمها الجامعي، كي يجنبها مخالطة الذكور. وهو الذي حلق شعرها بعدما سمع باقتياد بعض الفتيات إلى المراكز الأمنية أثناء الغزو العراقي، وقد كانت والدتها حصّة تردد: «صالح رجل البيت، رجل على شقيقته»، وإصابتها بالعمى جرّاء مرض السكر لم تشفع لها عنده، فمنع عنها صديقها الراوي الذي كان يقرأ لها الروايات بحجة أنه وصل سن البلوغ. والعلاقة العاطفية الوحيدة في الرواية هي تلك التي نشأت بين فهد السنّي وحوراء الشيعية، وحين تزوجا لم يُعلِما أحداً على أي مذهب عقدا زواجهما بسبب الخلاف الذي نشب بين والديهما بهذا الشأن. لعبت الجدة حصّة دوراً كبيراً في مسار أحداث الرواية، بكل ما كانت تؤمن به، ومن خلال القصص التي كانت ترويها، وأهمها قصة سهيل وصاحبه مع الفئران. فلم يكن للفئران من وسيلة للحصول على خيرات أرضهما إلا أن يدب الخلاف بينهما، والوسيلة الوحيدة لذلك كانت الحبيبة المشتركة «عاقبة»، التي هاجمتها الفئران، وحين صرخت مستنجدة... هبّ سهيل وصاحبه من أجل نجدتها ونيل ودّها: «تشاجر سهيل وصاحبه.. حمل سهيل حجراً شجّ رأس صاحبه» وحين ظن سهيل أن صديقه قد مات، اعتزل العالم ولجأ إلى جنوب السماء. وحين استفاق صاحبه ضاع وهو يبحث عنه، فأحالت الفئران الأرض خراباً. وماتت الجدّة حصّة، ولم ينس الراوي كلامها عن الفئران: «ليس ضرورياً أن تراها لكي تعرف أنها بيننا». وبعد مرور أعوام على الحرب، بدأت الصراعات الطائفية تنحت آثارها في البشر والحجر، لذلك أسس الراوي وأصدقاؤه مجموعة أطلقوا عليها اسم «أبناء فؤادة»، وهدفهم التوعية من الفتنة، إلا أن المجموعة قوبلت بالرفض: «الموالون للحكومة أسمونا معارضين. المعارضون اتهمونا بالموالاة. الجماعات الدينية لم تر فينا عدا جماعة خارجة». بقي ما كان يرويه الكاتب تحت عنوان يحدث الآن يشوبه الغموض، ولكن عند منتصف الرواية، بدأ القارئ بالشعور أن ما يحدث الآن يسير بالتوازي مع ما حدث بالماضي، والرابط المشترك بينهما هو هدير مولدات الكهرباء وأصوات التفجيرات المدوّية وسيارات الإسعاف ورائحة الدخان والموت، والفارق الوحيد هو نوع الغزو، الذي كان في الماضي خارجياً، أما الآن فداخلي بين أبناء الوطن الواحد. احترق مركز أبناء فؤادة واحترق في داخله ضاري، فوصف الراوي وضع الكويت في ذلك النهار من عام 2020م: «إن البلاد تشتعل. لا رجال إسعاف... ولا متطوعون قادرون على انتشال آلاف الجثث». وقصة سهيل وصاحبه اللذان فرقتهما الفئران، تكررت بين الأصدقاء فقتل أحدهما الآخر بسبب ذلك السم الذي تجرعوه في بيوتهم صغاراً، وكان مفعوله أقوى من الأخوّة والصداقة والنسب والوطن! وأخيراً، لا بدّ من الإشارة أن الرواية على الرغم من براعة كاتبها في هندسة نصها، إلا أنه قد شابها الحشو، والإطالة غير المبررة، التي وصلت في كثير من الأحيان إلى حد الملل.

  • أعجبني
  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
  • 0