عن جابرييل جارسيا ماركيز

غابرييل خوسيه غارثيا ماركيث ، روائي وصحفي وناشر وناشط سياسي كولمبي. ولد في مدينة أراكاتاكا في مديرية ماغدالينا وعاش معظم حياته في المكسيك وأوروبا ويقضي حالياً معظم وقته في مدينة مكسيكو. نال جائزة نوبل للأدب عام 1982 م وذلك تقديرا للقصص القصيرة والروي..

كتب أخرى لـِ جابرييل جارسيا ماركيز


thumb

thumb

thumb

thumb

thumb

thumb

الكتاب على رفوف القـرّاء


القصص القصيرة الكاملة (491 صفحة)

عن: دار المدى للثقافة والنشر (2009)

رقم الايداع : 9782843059445
التصنيفات : أدب

يضم الكتاب أربع مجموعات قصصية كتبها ماركيز في فترات وظروف مختلفة

وقد ترجمت بعض هذه القصص في كتب متفرقة مثل (جنازة الأم الكبيرة) و(إيرنديرا البريئة) و(اثنتا عشرة قصة تائهة)

وبعضها شكلت نواة لرواياته مثل قصة (أحد هذه الأيام) التي تحولت فيما بعد إلى رواية (ساعة الشؤم)


  • الزوار (1,248)
  • القـٌـرّاء (1)
أضف مقتطفاً

ضوء مثل الماء
..
في عيد الميلاد، عاد الطفلان الى طلب زورق التجديف.
قال الأب:
حسن، سنشتريه حين نعود الى كارتاخينا.
لكن توتو، في التاسعة من عمره، وجويل في السادسة، كانا أشد تصميماً مما اعتقده أبواهما. فقد قالا معاً:
-لا. إننا نحتاجه الآن وهنا.
قالت الأم: أولاً لا يوجد ماء للإبحار سوى الماء الذي ينزل من الدش.
وقد كانت هي وزوجها على حق، ففي بيتهم في كارتاخينا دي اندياس يوجد فناء فيه رصيف على الخليج، ومكان يتسع ليختين كبيرين، أما هنا في مدريد فيعيشون محشورين في شقة في الطابق الخامس من المبنى رقم «47»
في شارع باسيودي لاكاستيانا. ولكنهما في النهاية لم يستطيعا هو أو هي، أن يرفضا، لأنهما كانا قد وعدا الطفلين بزورق تجديف مع آلة سدس وبوصلة، فإذا فازا بإكليل الغار في السنة الثالثة ابتدائية، وقد فازا به. وهكذا اشترى الأب كل شيء، دون أن يخبر زوجته، وهي الأكثر معارضة لتحمل ديون من أجل الألعاب، كان زورقاً بديعاً من الألمونيوم، مزين بخط ذهبي عند حد الغطاس. وقد كشف الأب السر عند الغداء.
ـ الزورق موجود في الكراج.
المشكلة أنه لا يمكن الصعود به في المصعد أو على السلم، وفي الكراج لا يوجد مكان كاف. ومع ذلك، دعا الطفلان أصدقاءهما يوم السبت التالي للصعود بالزورق على السلم، وتمكنوا من حمله الى غرفة المستودع في البيت.
قال لهم الأب: تهانينا.. ثم ماذا الآن؟
قال الأطفال - الآن لا شيء كل ما كنا نريده هو حمل الزورق الى الغرفة، وها هو ذا هنا.
يوم الاربعاء ليلاً، وكما في كل أربعاء، ذهب الأبوان الى السينما، أما الطفلان اللذان صاحبا وسيدا البيت، فقد أغلقا الأبواب والنوافذ، وكسرا أحد مصابيح الصالة المضاءة. فبدأ يتدفق تيار من الضوء الذهبي والبارد من المصباح المكسور، وتركاه يسيل الى أن بلغ ارتفاعه أربعة أشبار. عندئذ أقفلا التيار، وأخرجا الزورق وأبحرا بمتعة بين جزر البيت.
وقد كانت هذه المغامرة الخرافية نتيجة طيش مني حين شاركت في ندوة حول شعر الأدوات المنزلية، فقد سألني توتو كيف يضاء النور بمجرد ضغط الزر، ولم تكن لدي الشجاعة للتفكير بالأمر مرتين حين أجبته:
الضوء مثل الماء: يفتح أحدنا الصنبور، فيخرج.
وهكذا واصلا الابحار كل أربعاء ليلاً، وتعلما استخدام آلة السدس والبوصلة، وحين كان الأبوان يرجعان من السينما يجداهما نائمين على اليابسة كملاكين. وبعد عدة شهور، كانا يتحرقان للمضي الى ما هو أبعد من ذلك، فطلبا أجهزة للصيد تحت الماء، مجموعة كاملة، أقنعة، أقدام زعنفية، أسطوانات أكسجين، وبنادق هواء مضغوط.
قال الأب: أمر سيء. أن يكون لديكما في غرفة المستودع زورق تجديف لا يمكن استخدامه في شيء. ولكن الأسوأ من ذلك هو أن تطلبا حيازة أجهزة غوص.
قال جويل: وإذا فزنا بالغار الذهبية في الفصل الأول من السنة؟
فقالت الأم مذعورة - لا - لا شيء آخر.
لامها الأب على عدم تساهلها.
فقالت: المشكلة أن هذين الولدين لا يفوزان بقلامة ظفر لمجرد القيام بالواجب، أما من أجل نزواتهما فإنهما مستعدان للفوز حتى بكرسي المعلم.
ولم يقل الأبوان في نهاية الأمر «نعم» ولم يقولا «لا». ولكن توتو وجويل اللذين كان ترتيبهما الأخير في السنوات السابقة، فازا في يوليو بالغارونيتين الذهبيتين وثناء المدير العلني. وفي ذلك المساء بالذات، ودون أن يطلبا، وجدا في غرفة نومهما أجهزة الغوص في علبتها الأصلية. وفي يوم الاربعاء التالي، بينما كان الأبوان يشاهدان «التانغو الأخير في باريس» ملأ الطفلان الشقة الى ارتفاع ذراعين، وغاصا مثل سمكتي قرش وديعتين تحت الأثاث والأسِرّة، وأخرجا من أعماق الضوء الأشياء التي كانا قد فقداها منذ سنوات في الظلام. وعند منح الجوائز النهائية، أختير الأخوان كتلميذين مثاليين في المدرسة، وقدمت لهما شهادات امتياز. وفي هذه المرة لم يطلبا شيئاً، لأن الأبوين سألاهما عما يريدانه، وقد كانا عاقلين لدرجة أنهما لم يرغبا إلا في إقامة حفلة في البيت لتكريم زملائهم في الصف.
كان الأب متألقاً وهو يتحدث على انفراد مع زوجته.
ـ هذا دليل على نضجهما.
فقالت الأم:
ـ الله يسمع منك.
وفي يوم الاربعاء التالي وبينما الأبوان يشاهدان فيلم «معركة الجزائر» رأى الناس الذين كانوا يمرون في شارع كاستيانا شلالاً من الضوء يهوي من عمارة قديمة مختفية بين الأشجار، كان يخرج من الشرفات، ويتدفق بغزارة على واجهة المبنى، ويجري في الجادة العريضة في سيل ذهبي يضيء المدينة حتى غواداراما.
حطم رجال الإطفاء الذين استدعوا على عجل باب الطابق الخامس.
ووجدوا البيت طافحاً بالضوء حتى السقف. كانت الاريكة والمقاعد المغلفة بالجلد تطفو في الصالة على مستويات متعددة ما بين زجاجات البارد والبيانو بشرشفه الذي صنع من المانيلا، والذي كان يتحرك وسط الماء مثل سمكة مانتاريا ذهبية. وكانت الأدوات المنزلية في أوج شاعريتها، تطير بأجنحتها الخاصة في سماء المطبخ. وأدوات الجوقة الحربية التي كان الطفلان يستخدمانها للرقص، كانت تطفو على غير هدى بين الأسماك الملونة التي تحررت من الحوض الذي تحبسها فيه ماما. وكانت تلك الأسماك الملونة التي تحررت هي الوحيدة التي تطفو حية وسعيدة في المستنقع الفسيح المضيء. وفي الحمام كانت تطفو فراشي أسنان الجميع وواقيات منع الحمل المطاطية التي يستخدمها بابا. وأنابيب الكريمة وطقم أسنان ماما الاصطناعية. وكان تلفزيون الصالة يطفو مائلاً وهو لا يزال مفتوحاً يبث الحلقة الأخيرة من فيلم منتصف الليل المحظور على الأطفال.
وفي نهاية الممر، كان الصغيران يطفوان بين ماءين.. توتو جالساً في مقدمة الزورق، متشبثاً بالمجدافين والقناع على وجهه، وهو يبحث عن فنار الميناء الى حيث سمح له الهواء الذي في الاسطوانة، وجويل يطفو في مؤخرة المركب وهو لا يزال يبحث بآلة السدس عن موقع نجم القطب. وكان يطفو في جميع أرجاء البيت رفاقهم في الصف السبعة والثلاثين وقد تخلدوا في لحظة تبولهم في أصيص الجرانيوم، وغنائهم النشيد المدرسي بكلمات محورة من سخرية المدير، أو تناولهم خفية كأس براندي من زجاجة بابا. ذلك أنهم كانوا قد فتحوا أنواراً كثيرة في وقت واحد جعلت البيت يطفح، وغرق جميع التلاميذ.. تلاميذ الصف الرابع الابتدائى في مدرسة سان خوليان في الطابق الخامس من المبنى «47» في باسيو دي كاستيانا في مدريد بأسبانيا المدينة البعيدة عن الأصياف الملتهبة والرياح المتجمدة، والتي لا بحر فيها ولا نهر، والتي لم يكن سكان يابستها يوماً من الأيام ماهرين في فنون الإبحار في الضوء.
..
ضوء مثل الماء
ترجمة: صلاح علماني

  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
في يوم من الإيام
..
فجر الاثنين ، دافئ وغير ممطر. أوريليو أسكوفار، طبيب أسنان من دون شهادة، مبكر جدا في النهوض، فتح عيادته عند الساعة السادسة. تناول بضعة أسنان اصطناعية، مازالت موضوعة في قوالبها الكلسية، من علبة زجاجية ، ووضع مجموعة من الأدوات على الطاولة مرتبا إياها حسب حجمها كما لو كان يجهزها للعرض. كان يرتدي قميصا عديم الياقة مغلقا عند العنق بزر ذهبي، وبنطلونا بحمالات. وكان منتصب القامة، نحيفا، قلما ينسجم مظهره مع الموقف، تماما كما هي حالة الأصم.
عندما انتهى من ترتيب العدة على الطاولة، سحب المثقاب ناحية كرسي المعالجة وجلس ليباشر في صقل الأسنان الاصطناعية. وكان يبدو شارد الذهن، لا يفكر في تفاصيل العمل الذي يؤديه بدقة وثبات متواصلين، وكانت قدمه تظل تضغط على عتلة المثقاب حتى عندما تنتفي حاجته إلى الآلة.
بعد الثامنة توقف لبرهة كي ينظر إلى السماء من خلال النافذة فرأى صقرين منشغلين في تجفيف نفسيهما تحت الشمس على سقيفة البيت المجاور. عاد إلى عمله وهو يقول لنفسه بأن المطر سيسقط قبل موعد الغداء.
صوت ابنه الحاد والمفاجئ شتت تركيزه
ـ بابا.
ـ ماذا ؟
ـ العمدة يريد أن يعرف إذا كنت ستخلع له ضرسه.
ـ قل له بأنني غير موجود.
كان منشغلا بصقل سن ذهبية. حملها أمامه وراح يتفحصها بعينين نصف مغلقتين. عاد ابنه ذو الأحد عشر عاما يصرخ مجددا من غرفة الانتظار.
ـ يقول بأنك موجود، وأيضا لأنه يستطيع أن يسمعك.
ظل الطبيب منشغلا بتفحص السن. وعندما أنجز عمله واخذ السن شكله النهائي وضعه على الطاولة وقال:
ـ هذا أفضل.
شَغَّل المثقاب ثانية، وأخذ بضعة قطع تركيب من علبة كارتونية حيث يحتفظ بالأشياء التي تحتاج إلى انجاز، وباشر بعملية التعديل والصقل.
ـ بابا.
أجابه مستخدما نفس التعبير
ـ ماذا؟
ـ يقول بأنك إذا لم تخلع له سنه فسوف يطلق النار عليك.
دون تعجل، وبحركة شديدة الهدوء أوقف المثقاب، دفعه بعيدا عن الكرسي، وسحب الدرج السفلي للطاولة، وكان هنالك مسدس. قال:
ـ حسنا، قل له أن يأتي ويطلق النار علي.
دفع الكرسي بمواجهة الباب، وكانت يده تستقر على حافة الدرج. ظهر العمدة عند الباب. كان قد حلق الجانب الأيسر من وجهه، لكن الجانب الآخر كان متورما وبلحية لم تحلق منذ خمسة أيام. رأى الطبيب في عينيه ليالي من التوجع والأرق، فأغلق الدرج بأطراف أصابعه وقال برفق:
ـ اجلس.
ـ صباح الخير.
أجابه الطبيب:
ـ صباح الخير.
وبينما انشغل الطبيب بتسخين أدواته، أسند العمدة رأسه على مسند الكرسي الخلفي فشعر بشيء من الارتياح. كانت أنفاسه تطلق بخارا في الهواء. كانت عيادة بائسة: كرسي خشبي قديم، مثقاب يعمل بدواسة، وعلبة زجاجية تحوي قناني السيراميك. في المواجهة للكرسي نافذة تغطيها ستارة من القماش. عندما شعر العمدة باقتراب الطبيب شبك ساقيه وفتح فمه.
أدار أسكوفار رأس العمدة باتجاه الضوء. وبعد أن تفحص السن الملتهبة، أغلق فك العمدة بحركة حذرة، ثم قال:
ـ سأقلعه ولكن من دون مخدر.
ـ لماذا؟
ـ لأنه لديك خرّاج.
نظر العمدة في عيني الطبيب. قال أخيرا وهو يحاول أن يتبسم.
ـ حسناً.
ولم يرد الطبيب على ابتسامته. جلب إناء الأدوات المعقمة إلى الطاولة وراح يخرجها من الماء المغلي بملقط صغير بارد، دون أن يبدو عليه بأنه في عجلة من أمره. دفع المبصقة بطرف حذائه، وذهب ليغسل يديه في المغسلة. قام بكل ذلك دون أن ينظر إلى العمدة، لكن العمدة لم يرفع عينيه عنه.
كان سن عقل سفلي. فتح الطبيب قدميه وأمسك بالسن بالكلاّب الساخن. تشبث العمدة بذراعي الكرسي، واضعا كل قوته في قدميه. شعر عندها بفجوة باردة في كليتيه، لكنه لم يصدر صوتا. حرك الطبيب رسغه فقط. ومن دون حقد، وبرقة لاذعة قال:
ـ الآن ستدفع لموتانا العشرون.
شعر العمدة بانسحاق العظام في فكه، وامتلأت عيناه بالدموع. لكنه لم يتنفس حتى أدرك بأن السن قد أقتلع، ثم رآه من خلال دموعه. في تلك اللحظة كان عاجزا تماما عن فهم عذاب الليالي الخمس الفائتة.
انحنى على المبصقة، لاهثا يتصبب منه العرق. فتح أزرار سترته الضيقة ومد يدا الى جيب بنطلونه ليخرج المنديل. ناوله الطبيب قطعة قماش نظيفة. قال له:
ـ جفف دموعك.
كان العمدة يرتعش وهو يجفف دموعه. وأثناء انشغاله بغسل يديه، رأى أسكوفار السقف المتداعي وشبكة العنكبوت المغبرة وبيض العنكبوت والحشرات الميتة. عاد الطبيب وهو يجفف يديه. قال للعمدة:
ـ خذ غرغرة ماء بالملح، ثم اذهب إلى الفراش .
نهض العمدة واقفا. أدى تحية وداع عسكرية ثم تحرك باتجاه الباب وهو يدفع ساقيه، ودون أن يغلق أزرار سترته الضيقة. قال:
ـ ابعث بالفاتورة.
ـ لمن ؟ لك أم للبلدة ؟
لم ينظر إليه العمدة. أغلق الباب وراءه وهو يقول:
ـ لا فرق.
..
في يوم من الإيام
ترجمة رافع الصفار

  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
مشاهدة المطر في غاليسيا
..
لا بد أن يكون صديقي القديم الرسام والشاعر والروائي هيكتور روخاس هيرازو ـ الذي لم أره منذ وقت طويل ـ قد شعر برعشة الشفقة عندما رآني في مدريد في زحمة المصورين والصحفيين؛ لأنه جاء إليّ وهمس: «تذكر أن عليك أن ترأف بحالك من وقت إلى آخر.» وفي الواقع، مضت شهور ـ وربما سنوات ـ منذ أن أعطيت نفسي هدية تستحقها بجدارة. وهكذا قررت أن أمنح نفسي ما كان، في الحقيقة، واحداً من أحلامي: زيارة إلى غاليسيا.‏

لا أحد يستمتع بالأكل يستطيع أن يفكر بـِ غاليسيا دون التفكير أولاً بملذات مطبخها. «الحنين يبدأ بالطعام،» قال تشي غيفارا، مشتاقاً ربما إلى المشاوي الكثيرة في وطنه الأم الأرجنتين، بينما كان برفقة رجال وحيدين في الليل يتحدثون عن الحرب، في سييرا مايسترا. وبالنسبة إلي، أيضاً، بدأ شوقي لـِ: غاليسيا بالطعام حتى قبل أن أذهب إلى هناك.

والواقع أن جدتي، في البيت الكبير في أراكاتاكا، حيث عرفت أشباحي الأولى، لعبت دور الخباز المبهج، واستمرت به حتى عندما غدت عمياء تقريباً، وإلى أن فاض النهر، ودمر الفرن الذي لم يرغب أحد في البيت بإعادة بنائه. لكن شعور جدتي الشديد بعملها كان قوياً إلى حد أنها عندما لم تعد تستطيع أن تصنع الخبز أخذت تصنع اللحوم المدخنة. لحوم مدخنة شهية، مع أننا نحن الصغار لم نحبها ـ لا يحب الصغار أشياء الكبار غير المألوفة على الإطلاق ـ وعلى الرغم من ذلك فإن نكهة ذلك الطعم الأول ظل مطبوعاً في ذاكرة بلعومي إلى الأبد. لم أجد ذلك الطعم ثانية أبداً في أي من اللحوم المدخنة الكثيرة المختلفة؛ التي تناولتها فيما بعد في أي من أيامي الطيبة والعصيبة إلى أن تذوقت بالمصادفةــ بعد أربعين سنة، في برشلونة ــ شريحة نقية من لحم كتف الخنزير. وكل متعة الطفولة وشكوكها وعزلها الطفولة عادت إليّ فجأة مع نكهة تلك اللحوم المدخنة غير المنسية؛ التي صنعتها جدتي.‏

ومن تلك التجربة نما اهتمامي في اقتفاء أثر نسب تلك النكهة، و، في البحث عنها، وجدت نسبي بين خضار أيار المهتاج وبحر الريف الغاليسي الخصيب وأمطاره ورياحه الدائمة. وعندئذٍ فحسب عرفت من أين حصلت جدتي على سرعة التصديق الذي سمح لها أن تعيش في عالم أسطوري. كان كل شيء فيه ممكناً، وحيث كانت الإيضاحات المنطقية معدومة تماماً في الواقع، أدركت من أين جاء ولعها في تحضير الطعام، والزوار المفترضين، وعادة غنائها طوال اليوم. «يجب أن تحضر طبق اللحم والسمك لأنك لا تعلم أبداً ماذا يريد الناس عندما يأتون إلى الغداء،» كانت تقول، عندما كانت تسمع القطار يصفر. لقد ماتت بعد أن تقدم بها العمر كثيراً وفقدت بصرها، وحسها بالواقع مشوش بالكامل إلى حد أنها كانت تتحدث عن أقدم ذكرياتها كما لو كانت تحدث في تلك اللحظة، وتتحدث مع الموتى الذين عرفتهم أحياء في شبابها البعيد. كنت أخبر أحد الأصدقاء الغاليسيين بذلك في الأسبوع الأخير في سانتياغو دي كومبوستيلا وقال: «إذاً يجب أن تكون جدتك غاليسية، لا ريب في ذلك، لأنها كانت مخبولة.» وفي الواقع كل الغاليسيين الذين أعرفهم، وهؤلاء الذين قابلتهم دون أن يتسنى لي وقت كي أعرفهم، يبدو أنهم من مواليد برج الحوت.‏

لا أعرف من أين يأتي العار من كونك سائحاً. لقد سمعت الكثير من الأصدقاء وهم في زخم سياحي تام يقولون إنهم لا يريدون أن يختلطوا بالسياح، غير مدركين أنهم على الرغم من عدم اختلاطهم بهم، سياح مثل الآخرين تماماً. عندما أزور مكاناً ولا يتاح لي الوقت لأعرفه إلا سطحياً، أفترض أني سائح دون خجل. أحب أن أشارك في تلك الرحلات السريعة التي يوضح فيها المرشدون كل شيء تراه خارج النافذة ـ «على يمينكم ويساركم سيداتي وسادتي...» ـ وأحد الأسباب هو أنني أعرف مرة وإلى الأبد كل شيء، لا أزعج نفسي كي أراه عندما أخرج فيما بعد لأكتشف المكان بطريقتي الخاصة.‏

وفي كل حال، لا تدع سانتياغو دي كومبوستيلا وقتاً لمثل هذه التفاصيل: فالمدينة تفرض نفسها مباشرة، بالتمام والكمال، كما لو أن المرء مولود فيها. فقد اعتقدت وثابرت على الاعتقاد، حقاً، أن ما من ساحة في العالم أجمل من ساحة مدينة سينا. والساحة الوحيدة التي جعلتني أرتاب في اعتبارها الساحة الأجمل هي ساحة سانتياغو دي كومبوستيلا. فاتزانها ومظهرها الفتي يمنعك من التفكير بعمرها المهيب؛ بدلاً من ذلك، تبدو كما لو أنها قد شيَّدتها يوم أمس وحسب جماعة ما فقدت حسها بالزمن. قد لا يأتي هذا الانطباع من الساحة ذاتها لكن من كونها ـ مثل كل زاوية في المدينة ـ منغمسة حتى روحها في الحياة اليومية. إنها مدينة مفعمة بالحياة، يحثها حشد من الطلاب السعداء المسترسلين في مرحهم الذين لا يمنحونها فرصة كي تتقدم في العمر. وعلى الجدران التي ظلت سليمة، تمد حياة الشجيرات طريقها عبر الشقوق في صراع عنيد لتعيش إلى ما بعد النسيان، وعند كل خطوة، كما لو كانت الشيء الأكثر طبيعية في العالم، تواجه المرء معجزة الحجارة في بريقها الكامل.‏

أمطرت السماء لثلاثة أيام، ليس على نحو عاصف، بل مع فترات غير مألوفة من الشمس المشرقة. ورغم ذلك، لم يبدُ أن أصدقائي الغاليسيين قد رأوا تلك الفترات، واعتذروا عن المطر طوال الوقت. وربما كانوا غير واعين أن غاليسيا دون مطر ستغدو شيئاً مخيباً للآمال، لأن بلدهم بلد أسطوري ـ أكثر مما يدرك الغاليسيون أنفسهم ـ وفي البلاد الأسطورية لا تشرق الشمس أبداً. قالوا لنا: «لو قدمت في الأسبوع الأخير لاستمتعت بمناخ ممتع» والخجل بادٍ على وجوههم. «إنه مناخ غير عادي في مثل هذا الوقت من السنة،» أصروا ناسين فال ـ إنكلان وروزاليا دي كاسترو وكل شاعر غاليسي عاش أبداً، الذين تمطر السماء في كتبهم من بداية الخليقة، وخلالها تهب الرياح التي لا تهدأ أبداً، وربما الشيء نفسه الذي يبذر البذور المجنونة هو الذي يجعل كثيراً من الغاليسيين مختلفين على نحو مبهج.‏

أمطرت في المدينة، وأمطرت في الحقول المفعمة بالحياة، وأمطرت في جنة البحيرة في أروزا ومصبات نهر فيغو؛ وفوق الجسر، وأمطرت في بلازا دي كامبادوس غير الهيابة وغير الحقيقية تقريباً، وأمطرت حتى على جزيرة لا توخا، حيث يوجد فندق من عالم وزمن آخر، يبدو أنه ينتظر حتى يتوقف المطر، وتهدأ الرياح وتشرق الشمس لكي يبدأ الحياة. لقد مشينا تحت هذا المطر كما لو كنا في حالة من نعمة إلهية ونحن نأكل المحار بوفرة، المحار الوحيد الحي الباقي في هذا العالم المُدَمَّر؛ ونأكل السمك الذي، في الصحن، كان لا يزال يبدو كالسمك؛ والسلطة التي تستمر بالنمو على الطاولة. وعرفنا أن كل هذا بفضل المطر الذي لم يكف عن الهطول أبداً.‏

والآن بعد سنوات كثيرة منذ أن سمعت الكاتب الفارو كنغويرو وهو يتحدث عن الطعام الغاليسي في أحد مطاعم برشلونة، وكان وصفه باهراً جداً إلى حد أنني أخذته على محمل هذيان غاليسي. فبقدر ما أستطيع أن أتذكر سمعت مهاجرين غاليسيين يتحدثون عن غاليسيا، فكرت دائماً بذكرياتهم ملونة بأوهام حنينهم إلى الوطن. واليوم أتذكر ساعاتي الاثنين، والسبعين في غاليسيا، وأتساءل فيما إذا كانت كلها حقيقية، أو إذا ما بدأت أنا نفسي بالسقوط ضحية الهذيان مثل جدتي. فبين الغاليسيين ـ كما نعرف جميعاً ـ لا يمكنك أن تؤكد أمراً أبداً.‏

ت.حسام الدين خضور

  • تعليق
  • مشاركة
  • 0