عن جان ماري غوستاف لوكليزيو

ولد جان ماري غوستاف لوكليزيو في نيس عام 1940 من أب بريطاني ذي أصل بريتوني وموريسي ومن أم فرنسية. قبل التحاقه بوالده عام 1948 في نيجيريا، ربته أمه وجدته، حيث كان لتلك المرحلة أكبر تأثير على اتجاهه نحو الكتابة، فقد اكتشف فيها الكتب التي كانت تملأ المنز..

عن محمد برادة

د. محمد برادة كاتب، ناقد ومترجم ولد 1938 بالعاصمة المغربية الرباط. انتقل مع عائلته في طفولته بمدينة فاس، سافر إلى مصر للدراسة في جامعة القاهرة, حيت نال فيها سنة 1960 الإجازة في الأدب العربي وفي سنة 1962حصل على شهادة الدراسات المعمقة في الفلسفة بجامعة..

كتب أخرى لـِ جان ماري غوستاف لوكليزيو، محمد برادة


thumb

thumb

thumb

thumb

thumb

thumb

قرّاء هذا الكتاب يقرؤون أيضاً


thumb

thumb

thumb

thumb

thumb

thumb

الكتاب على رفوف القـرّاء


الربيع وفصول أخرى (125 صفحة)

عن: دار شرقيات للنشر والتوزيع (1995)

التصنيفات : أدب

في سنة 1989 قرأت مجموعة "الربيع وفصول أخرى" فأعجبت بها وبادرت إلى ترجمة إحدى قصصها "افتتان" على أمل أن يسمح الوقت بترجمتها كاملة وتقديمها إلى القارئ العربي، لأنها تكشف عن طريقة لوكليزيو المتميزة في كتابة القصة، ولأنها تتوفر على وحدة في الموضوع تكاد تجعل منها رواية متعددة المداخل. أكثر من رابطة وعلامة تجمع بين القصص الخمس لهذه المجموعة، لتضفي عليها نوعاً من القرابة والظلال المشتركة بالرغم من تباين حكاياتها. وفي طليعة عناصر القرابة، وجود خمس فتيات - نساء بوصفهن شخصيات أساسية في كل واحدة من تلك القصص. ولقد ظلت شخصية "سابا"، بطلة قصة "ربيع" المنحدرة من قبيلة زايان بجبال الأطلس المتوسط المغربية، تلاحقني وتنقلني إلى عالمها التخييلي الغني بالصور عبر رحلتها المستحيلة، بحثاً عن هوية مفقودة ومهددة باستمرار..


  • الزوار (524)
  • القـٌـرّاء (1)
أضف مقتطفاً

جاذبية
.
أتذكر هذا اليوم جيدا، بعد عدة سنوات عديدة، لا تعني شيئا أذكر قدومي في كل لحظة، وأنا أراقب اللحظة التي تترك فيها الفتاة المكان المعتم الرطب كي تجلس وجدتها على الطريق المفروشة بالحصى. كانت شمس الشتاء تضيء ملابسها وشعرها، وتعكس لمعة بشرتها. في يوم ما، وجدت المقعد خاليا، والفتاة جالسة مكان جدتها، وعندما رأتني انتصبت واقفة،
وركضت صوبي، ثم توقفت بالقرب مني، فزعت من الحركة الاخيرة، وتساءلت في نفسي : "هل هي مريضة ؟" قالت بصورة فجائية : "لا، غير موجودة، تتسوق في المدينة"، قالته بصوتها الواضح على انه اهم شيء في الوجود، في الواقع، كان ما قالته لي هاما للغاية، فأحسست بشيء ما يصاحبه، في نظراتها، في الضوء، في جمال وجهها، جبهتها، شعرها، كتفيها، جسدها النحيل، وثوبها الاسود.
«وأنت الى أين ؟». اذكر الخجل الذي منعني من القول ان هذه الطريق التي امشي فيها يوميا تربط بين مسكن جدتي ومدرسة الليسيه، تافهة وسخيفة الا انها تزيد من أهمية اللقاء بيننا، حينذاك لم اقل لها : «انني ذاهب الى المدرسة»، بل قلت : «انا ذاهب الى هناك»، ولم اشر الى «هناك» ولم استطع القول انني ذاهب لجدتي للغداء، اولتمضية «السهرة» لديها، اذ انها اقرب الناس الي، كما هو الحال تماما مع جدتها. (هذه العجوز لا تشبه جدتي، جدتها شحاذة طيبة، وجدتي قاسية رهيبة، والايام التي تجلس فيها على مقعدها اكتفي بالابتسام، والفتاة ذات الرداء الاسود، تلاحقني بنظراتها، وهي جالسة في هدوء، لا تنبس ببنت شفة، تلاحقني فيخفق قلبي بقوة حتى اجتاز المنعطف الثاني).
أحب رؤية الفتاة ذات الرداء الاسود، في كل مرة وانا راجع من مدرسة الليسيه، او في ايام السبوت والاحاد، ألقاها واقفة في ممر البناية الضيق، لأطرح عليها اسئلة، معرفة من تحبه، من ترغبه، واترقب الاجابات في عينيها واسمع خفقات قلبها، واضم عينيها الصغيرتين، أحاول فهم أي شيء، عرض أي شيء، لكنني لا اعتقد غيابها عن آخر الممر. كانت طيفا، خيالا، ودائما حاضرة في هذا المكان العبثي الكائن على ناصية الشارع الملآن بالشاحنات والعربات، في البرد القارس ووحدة الممر، أسفل البناية العالية، امام الزفرات الصادرة من الغرف التحت ارضية، كنت في حلم، حلم ساحر وغامض، مشهد خلاب وفاتن بعيد عن الواقع عبر الاحزان، واسرار الاحياء المجهولة، مشعوذ مثل هذه الفتاة الصغيرة التي اراها الآن، مشعوذ يؤدي حركات بهلوانية امام والده وهو يطلق ضحكة متقطعة متقلصة على وجهه الشائخ، لكنني لا اعرفه ولا افهمه، انه الحلم في أبهي صوره، صور معتمة مشوشة، وهذه النظرة لا تصدر من اي كائن آخر متواجد على سطح عالمنا، هذه النظرة قد تكون حبا أو موتا، رغبة، خوفا او معرفة، كبرياء او احتقارا ربما...
الآن، أذكر ان فتاة غريبة تقف في آخر الصالة الواسعة الخالية المرعبة تمسح نظراتها العالم بأسره. اذكر نسياني لكل لحظة مرت بي- ذات ظهيرة، قبل قدوم فصل الصيف، كانت الرياح عنيفة والسماء زرقاء صافية، كان اليوم احد على ما اذكر، لم أذهب يومها الى الليسيه، ورحت الى البناية العالية البيضاء، وبلغت مدخل الممر الضيق، لم اجد المقعد المصنوع من القش، فشعرت بانقباض ووحشة في صدري وأنا أفكر في غيابها، غياب أصوات الاطفال، الضحكات، الصرخات الباكية، الكلمات المنطوقة بألسنة مجهولة، كلمات جافة وعنيفة، أحيانا ناعمة كالموسيقي.
بالقرب منى، وفي هذه اللحظة، كانت حاضرة الى درجة انني استطيع لمسها، تتطلع ناحيتي بعينيها الغائرتين، اللامعتين، نظراتها التي لا استطيع تجنبها، تحاشيها، نظراتها المتسائلة. فيما بعد، سمعت صوتها، مهمهما بكلمات مبهمة، سمعت صوتها الخفيض، الاجش ذا اللكنة الغريبة - أهي الاسبانية، الروسية، البرتغالية ؟ تقول، تأتي، تظهر، تتذكر، كما كان الامر عندما لفظت (R). وهي تشدد في نطق المقاطع الاخيرة من الكلمات. تلتفت الى امها، العجوز ذات نظرة الساحرات، التي تشحذ من طاولة الى أخرى، تتحدث اليها بلغتها الغريبة ولذلك تبينت عددا من الكلمات الاسبانية، لا اعرف - ابدا - ان كانت تتحدث عني ! تتفحصني العجوز بنظرة مشحونة بالغضب، وتدير جسدها عني تمر على طاولات الرواد.
كانت نفس النظرة، التي عرفتها سلفا، تشدني دوما الى الوراء، الى هذه البناية القائمة على ناصية الشارع وقتما رحت الى المدرسة ذات شتاء، متمشيا في بطء جوار شارع الكورنيش وعند اجتيازي للمنعطف - تلك بناية ضخمة كتب عليها بأحرف كبيرة كلمة واحدة لا انساها ابدا، مثلت لي شيئا غامضا محذرا : جوديكس.JUDEX
رأيت بناية الغرباء التي يقطنون فيها، التحت ارضية، وفي كل مرة، امشي امامها تتسارع خفقات قلبي بسبب صوتها، ضجيجها، وجه امرأة ألمحه مع زفراتها واستماعي الى بكاء طفل وليد. لا يحدث هذا مع أطفال الاثرياء، غير انه بكاء خفيض بطىء وممتد. ذات ليلة، تجولت في هذا الشارع، ربما خطوت مسرعا على غير العادة دون تفكير في العودة، كانتا حاضرتين، اسفل البناية البيضاء، في الممر الضيق القصير المفضي الى المدخل. كانتا حاضرتين : العجوز المرتدية السواد ذات نظرات الساحرات، جالسة على مقعد من القش، وأمامها تقف الفتاة ضئيلة في ملابسها السوداء ساكنة كأنها تنتظر أحدا ما شيئا ما، وجهها شاحب، مختفي خلف شعرها الاثيث، وعيناها ساكنتان لامعتان. اخطو مسرعا نحوهما، تستدير ناحيتي في هدوء. تتطلع الي، اليوم نظراتها تجتاحني، تحررني وتبدلني، لكنني لا ارغب في التحدث، في البداية، كانت نظراتها حارقة، مضطربة، وسط وجهها الشاحب، نظراتها بائسة متسائلة، هذا النداء، هذه العذرية، لم يغيبا عنها رغم مرور الايام.
كانت نظراتها تلاحقني، نظرات حساسة في الضوء الذي يغمر عتمة الليل، أعتقد بوقوفي ثابتا أمام هذه النظرات، هنا، في هذا المسكن، فأقول في نفسي : تكمن المأساة في كون هذه الغرف تعيش بلا انارة، انهم يعيشون في سجن، يعيشون كالعبيد. كنت واقفا في منتصف الممر، والفتاة ساكنة لا تنتبه الى الآخرين، من يستحثون خطواتهم على الطوار. انا وحدي من تتطلع اليه كأنني من تريده (انا من تنتظره). أنا وحدي من اختارته، كم مضيت من وقت واقفا على الطوار متعلقا بنظراتها المتكدرة الغامضة، قلبي يخفق بشدة، ولا اعرف شيئا آخر لا أعرف، واليوم يثيرني التساؤل عن أخطائي بقدومي الى هذا المكان، لكنني اذكر انظارهما تتنقلان من طاولة الى أخرى، لا احتمل ذلك، سوف اصرخ وأدق على طاولتي :
"هنا ! انظرا ناحيتي ! انا هنا، هنا !" ادارت الفتاة رأسها نحوي، وقد شعرت بنظراتي القاسية المكفهرة، وتخيلت صرختي الصامتة. التفتت ناحيتي بجسدها، كانت جميلة،رائعة تحت اضواء السقف، تخيلتها واقفة على خشبة مسرح تحت الاضواء القوية، وجهها أخاذ، منحوت بدقة مع شيء من التوقد والحيوية في عينيها المتعبتين، في رسمة شفتيها ونضارة وجنتيها. وضعت قبضة يدها اليسرى في يدي اليمنى وطرحتهما في غيظ،وعلى الرغم من بعد المسافة تماثل ايقاع تنفسنا.
اذ ذاك تلاشى خوفي ولم أحس بأي غضب، خوف او نفاد صبر، بل شعرت بالنشوة كلما تطلعت الي تلك المرأة المجهولة. وغاصت نظراتها في دواخلي – لم أعش ما يحدث حاليا، من قبل، لم اشعر أبدا بهذا الضياع، بالنسبة لي، كان حضورها يملأ جنبات الصالة، وخارجها ايضا، المدينة الغريبة في الليل، كل شيء، والصور العابرة ترحل فيهم وتنسل هاربة كي تملأ المدينة والحياة، لذلك وقفت ساكنا، دون حركة، ربحت قليلا نتيجة حظ غامض غبي. كم مضى من وقت علي هنا ؟ لا اعرف، لا استطيع القول، وطوال ساعات وأيام وقفت في صالة الاحتفالات حيث يتحرك الناس كالأشباح فيما العجوز المجنونة تقفز بخطواتها المهتزة من طاولة الى أخرى وهي تصدر انينا خافتا، وتهمهم بدعوات أو تلاوات. وطوال ساعات وايام كانت نظرة الفتاة الغجرية الحزينة تستعر كالشمعة فكنت أشعر بغربة الرغبات، الحرارة والأشياء عني، كل ما رأيته خلال الثمانية عشر عاما الاخيرة، اكد لي مدى غربتي عن المكان وانساني هذه الاعوام كالحلم الضعيف. لم احفظ شيئا او ابحث عن اي انسان في يوم ما من حياتي مثلما حدث معي اليوم - ثمانية عشر عاما من الحب المتقلب، ارتياد المطاعم، حضور الحفلات التافهة، الرحلات الجماعية حيث تنبثق الاباحية والمساخر. ثمانية عشر عاما ابعدتني عنها، عن نظراتها، تلك الشعلة المنكسرة اللامعة في عينيها، وكذلك عن جمالها الابدي الحقيقي.
مر الوقت سريعا كالحلم، كانت تلك حياتي، في مدنه، مع ناسه، مهنتي، اصدقائي، صديقاتي، رحلاتي الخيالية، كل ما سبق انعكس في عينيها اللامباليتين. الملتهبتين، بقوة اشد من اي اضواء أخرى تومض في الحفل. خفق قلبي بجنون باحثا عن تحطيم قفصه. لحظتئذ، توحدت نظراتنا، فوجدت نفسي ذاتها اخيرا. لم يتغير شي ء "بي" منذ كنت طفلا أبلغ الثالثة عشرة من عمري، ادخل الى مسكننا بعد المدرسة اعبر الطريق وانا احمل كراساتي، وكتبي تحت ابطي، وقد احطتهما بغلاف بلاستيكي، على امتداد الطريق (الطريق المؤدية الى ايطاليا، وهي الطريق التي تجتازها الشاحنات، الحافلات والعربات وسط سحابة ثقيلة من الغاز المحترق). ارتقي الربوة متجها نحو الممر، تقريبا بعد المنعطف الكبير الذي تصر الاطارات عنده، فأرى هذه البناية ذات الطوابق السبعة، المطلة على الطريق الشبيهة بباخرة عملاقة خاوية، لم احبها قط، وغالبا ما كانت البناية تجذب نظري اليها، احيانا، تهتز ستر الطوابق العليا بفعل الهواء صوب الفتاة الاسبانية، فأرى وجهها، أرى وجهها شاحبا، شبحيا، اما الطوابق السفلى فهي من تجذب نظري حقا اليها. في هذه الطوابق، يتكلم من أعرفهم، ويعجون داخل هذه الخلايا المعتمة. كانت الموسيقى رائحة المطبخ.
بدت لي هذه الليلة مرة أخرى تساءلت : مرة أخرى ؟ هل رأيتها من قبل، في زمن آخر او في نفس المكان ؟ هل تقابلنا قبلا ؟ فلماذا اجتاحني هذا الاحساس بخفقات القلب وقت ولجت هذه الصالة الواسعة ؟ كانت العجوز ذات النظرات القاسية تصحبها، وكانتا ترتديان السواد كالغجر، اجتازت الفتاة جانبا من المشرب في ثقة. وجهها جميل وضاء، واضح بفعل الاضواء المنعكسة عليه والمثبتة في السقف. لماذا احسست وجودها قبل رؤيتها، عفوا قبل رؤيتهما، لما دفعت الباب الزجاجي، احسست انهما قادمتان من جوف الليالي الغامضة الى هذه الليلة الرهيبة، كأنهما لاجئتان الى هذه الصالة الواسعة التي تشبه القفص ؟ ذاك ما احسسته متغلغلا في دواخلي كالنظرة الغريبة، كنسمة هواء على جلدي، حقا، انه خطر محدق بي.
حين دخلتا الى هذه الصالة الغريبة، أنشأتا ترفلان في ثوبيهما، الأولى شابة جميلة لها وجه حلو الملامح، الاخري عجوز سمراء جافة الطبع، منغلقة، نظرتها قاسية، لكن حين تسارعت نبضات قلبي في قوة، حسبت لهذه اللحظة اهمية كبيرة، اذ انني - وحتى الآن - لم اجد ما اعيش له. لم انجز شيئا الا مصادفة، واذا تركت مقعدي وانتصبت واقفا. كنت كمن على وشك الرحيل او المرور امامها، لا اعرف حقا.
رأيتهما تخطوان في الصالة الواسعة، هي في المقدمة، لا مبالية، تتهادى عند كل طاولة، ونظرات العجوز تلاحقها، باحثة عن شيء ما، وعندما وصلتا الى نهاية الصالة فهمت سبب حضورهما، فمع كل وقفة تجذب العجوز وردة من سلتها وتقدمها الى احد الرواد الذي يشيح بوجهه كالباقين عنها في غيظ وقرف احيانا، اما الفتاة، فجمالها الأخاذ، وجهها الاسمر، عيناها الواسعتان، فمها بشفتيه الممتلئتين، يداها الرقيقتان، وجسدها اللدن الرشيق، يجبرهم على ملاحقتها بأعينهم، وهم يتجنبون الخوض في الحديث الغامض، اللامبالاة الخادعة او الغضب المثير، وقد اطلقت العجوز صوتا غريبا، حوله الخوف الى صياح. انهما تتقدمان، في حركة دؤوبة متواصلة، شطر آخر الصالة الواسعة، التي غدت في لحيظات مكانا صامتا وخاليا. كنت، انا القاعد الى طاولتي الموضوعة في منتصف الصالة، لا أرى سواهما ولا اسمع الا همهمتهما، لاحظت حركاتهما، تسمعت كل همهمة خارجة من فمهما، خاصة صوت العجوز الخفيض النائح والصوت الانوف للفتاة الجميلة، في توقفهما امام كل طاولة بلا عودة الى أخرى توقفتا عندها قبلا. نظراتهما المصوبة صوب البعيد نظرات غامضة لامعة بوميض حاد، نظرات شبه مذعورة. كان قلبي ينبض بقوة بين اضلعي، والعرق يبلل راحتي يدي. ممن خفت ؟ كيف تستطيع المتشردتان الغجريتان تهديدي ؟ (لأنني - في الوقت الحاضر- لا استطيع الارتياب من كونهما متشردتين، بثوبيهما الفضفاضين الطويلين وشعريهما المشعث، و«الكحل» الفاحم السواد المرتسم حول عيني الفتاة، وكذا وجه العجوز الشحاذة، ذو الجرح الغائر من «ضربة» مطواة). غير انني تأثرت من هذا المشهد، كأنه موجه لي وحدي، كأن المرأتين لم تدخلا الصالة لبيع الزهور وانما للبحث عني.
حين انتقد ذلك، خفق قلبي سريعا وقويا، ذلك هو الخوف، والآن يمنعني الغضب عن التفكير ويجبرني على المكوث قاعدا في مكاني، أراهما وأتابعهما، لا احتمل العجوز القبيحة الشرسة التي ترتدي السواد، مشيت في الممر المفروش بالحصى محاولا منع اصدار أي صوت لوقع قدمي عليه. ممن خفت ؟ ليس الخوف، انما الوحدة الموحشة في هذا الصباح تحت السماء الرحبة مثلما يجري في هذه الصالة الواسعة، بجانبي تلاحق السيارات الرائحة والغادية على امتداد الطريق وفوقي نوافذ البناية مغلقة. نوافذ عمياء دنوت من البوابة، وعلى حين غرة ظهرت امامي، ضوء الشمس يلمع على شعرها وفي عينيها، ولأول مرة ألفيتها تضحك. كان وجهها يعبر عن الحرية والسعادة الوحشية، ذاك تعبير قوي يلمع في عينيها بقوة لا احتمله.آنذاك، لم تعد طفلة، كانت امرأة في خطوها نحوي، امرأة جميلة، حرة ومرغوبة ومشت الي، لمستني بذراعيها، وقفنا صامتين في مهب الريح وفي منتصف الممر المفروش بالحصى - لم اشعر بما حدث، هذا التعبير افقدني هيبتي، نظراتها نقية، هادئة وراغبة، الا انه حدث ما اشعرني بالخوف وليس بالوحدة، الخوف من ان أكون «محجوبا» أن أكون شخصا آخر، بتبديل قدري. رغبت في التراجع، وهي - الفتاة - شعرت بالصقيع الذي اجتاحني وهزني، فقالت عددا من الكلمات بصوتها الاجش، خفق قلبي وخجلت، قالت : «ماذا هناك ؟ هاذا تريد؟».. كانت عيناها تسألني بالحاح، تبحث عن الحقيقة في دواخلي، لكنني فضلت الصمت. فكرت في الرحيل ومقابلة زملاء المدرسة الذين ينتظرونني عند الموقف للعب الكرة، او العودة الى مسكن جدتي، والتهالك في النوتيل لقراءة المعجم، وانا استمع الى الموسيقى وارنو الى ضوء الشمس، كانت الفتاة الغجرية تتحدث، وعواطفها الجياشة تفرز لكنتها الاجنبية، غير الموفقة : «انها غير موجودة، لن تأتي الليلة». شرعت في التحدث ولم اجد الكلمات المناسبة : «لا استطيع الجلوس لكنني..» تابعتني بعينيها وانا اتقهقر للخلف بظهري حتى بعدت عن المكان، مشيت بخطوات وئيدة، ثم اسرعت الخطو، واخيرا ركضت، ركضت انا العاشق ووقع قدمي على الطوار يصم أذني، لا أعرف وجهتي، لا اتذكر بالضبط موطىء قدمي، خلال هذه الظهيرة في الشوارع المقفرة وحدائق المدينة.
فيما بعد هدمت البناية، سألت رئيس العمال عنهما، هز كتفيه وقال : «أين ذهبتا ؟ كيف اعرف وجهتهما؟ ذهبتا الى هناك، الى اي مكان بعيد، هؤلاء الغجر لا يمكثون في اي مكان لفترة طويلة..» منذ ذاك لم أرهما، ألتهمهما الزمن، ومشاغلي الحياتية، فمسحتهما من ذاكرتي الى ان ظهرتا امامي من جديد، في هذه الليلة، وقد توقفت الفتاة امامي وراحت تتطلع الي. فجأة اشاحت بوجهها عني، ونظراتها تحمل تعبير الخوف والقلق.
رددت الصالة الواسعة الخالية جلبة ولغط الرواد بين جنباتها، وقد انسابت موسيقى «رومبا» لتزيد من دوار رأسي. من بين الطاولات انسلت العجوز ممسكة سلتها الملآنة بالورود، تصحبها الفتاة التي ترتدي السواد في خفة جلية حتى اختفيتا من المكان.
وفي لحظة واحدة، كما يجري في الحلم رأيت خيالهما أمام الباب حتى ابتلعهما الليل.
____________________________________________
من : الربيع وفصول أخرى، دار جاليمار، باريس،1988.
ترجمة: أحمد عثمان

  • تعليق
  • مشاركة
  • 0