عن غسان كنفاني

غسان كنفاني (عكا 1936 - بيروت 8 يوليو 1972) روائي وقاص وصحفي فلسطيني تم اغتياله على يد جهاز المخابرات الإسرائيلية (الموساد) في 8 يوليو 1972 عندما كان عمره 36 عاما بتفجير سيارته في منطقة الحازمية قرب بيروت. كتب بشكل أساسي بمواضيع التحرر الفلسطيني، وهو..

كتب أخرى لـِ غسان كنفاني


thumb

thumb

thumb

thumb

thumb

thumb

قرّاء هذا الكتاب يقرؤون أيضاً


thumb

thumb

thumb

thumb

thumb

thumb

الكتاب على رفوف القـرّاء


رجال في الشمس

عن: مؤسسة الأبحاث العربية (2009)

أضافه : Ahmed Abdel Hamid

"رجال في الشمس"، هي الصراخ الشرعي المفقود، انها الصوت الفلسطيني الذي ضاع طويلا في خيام التشرد، والذي يختنق داخل عربة يقودها خصي هزم مرة اولى وسيقود الجميع الى الموت. وهي كرواية لا تدعي التعبير عن الواقع الفلسطيني المعاش في علاقاته المتشابكة، انها اطار رمزي لعلاقات متعددة تتمحور حول الموت الفلسطيني، وحول ضرورة الخروج منه باتجاه اكتشاف الفعل التاريخي او البحث عن هذا الفعل انطلاقا من طرح السؤال البديهي :"لماذا لم يدقوا جدران الخزان".


  • الزوار (2,024)
  • القـٌـرّاء (16)
  • المراجعات (5)
ترتيب بواسطة :

إن الأدب الراقي السهل الممتنع والذي يأخذ أكثر من تفسير ومن وجه وتحتمل أكثر من قراءة ويشير لأكثر من مرحلة تاريخية أو واقعة في ذات الوقت. أدب غسان كنفاني بحد ذاته كان يحمل أكثر من وجه وأكثر من رؤية سواء للواقع الحالي أو لمرحلة تاريخية سلفت، أو لواقع مستقبلي لم يحضره غسان إنما استطاع عبر وعيه الفكري والسياسي أن يحسن استقرائه. رواية الشهيد غسان كنفاني كباقي رواياته حشدت أكثر ما يمكن أن يقال فيها من محاولات استقراء للماضي أو واقع الرواية أو مستقبل الشعوب العربية وتحديدا الشعب الفلسطيني الذي جاءت الرواية لتحكي وقائع نكبة عام 1948م التي ألمت بالشعب الفلسطيني وأنجبت الو جيل من اللاجئين الفلسطينيين. هذه القراءة التي أقوم فيها حول الرواية لا تتناول الرواية من زاوية محددة كما تناولها البعض ، فهي لا تقتصر فقط على قراءة الشخوص أو قراءة الأحداث على حدا، لكنها قراءة لبعض الأحداث في النص ودمج بعض الشخوص في ذات الأحداث للخروج بإسقاط حقيقي للرواية على الواقع،ومن هنا سأحاول استقراء بعض الفقرات من جسد الرواية، وأحاول إسقاطها على التاريخ الذي تسبب بنكبة العام 1948م، ومن ثم محاولة أخرى لإسقاط زوايا أحداث الرواية على الواقع لأوضح كذلك مدى عمق رؤية الشهيد كنفاني في استقراء المستقبل لنعطيه رؤية أكثر واقعية وأكثر تحليلية ولنبدأ بهذين المقطعين اللذين يجسدان الصورة الحقيقة للقيادة العربية التي تجسدت في أبي خيزران الرجال الثلاثة " أبو قيس، أسعد، مروان ". المقطع الأول : "ساقاه معلقتان إلى فوق وكتفاه ما زالتا فوق السرير الأبيض المريح والألم الرهيب يتلولب بين فخديه.. كانت، ثمة، امرأة تساعد الأطباء. كلما يتذكر ذلك يعبق وجهه بالخجل.. ثم ماذا نفعتك الوطنية ؟ لقد صرفت حياتك مغامراً ، وها أنت ذا أعجز من أن تنام إلى جانب امرأة ! وما الذي أفدته ؟ ليكسر الفخار بعضه. أنا لست أريد الآن إلا مزيداً من النقود.. مزيداً من النقود. السيارة تمضي فوق الأرض الملتهبة.. ويدوي محركها بالهدير. دفعه الشرطي أمام الضابط فقال له: تحسب نفسك بطلا وأنت على أكتاف البغال تتظاهرون في الطريق ! بصق على وجهه ولكنه لم يتحرك فيما أخذت البصقة تسيل ببطء نازلة من جبينه، لزجة كريهة تتكوم على قمة أنفه.. أخرجوه، وحينما كان في الممر سمع الشرطي القابض على ذراعه بعنف يقول بصوت خفيض: " يلعن أبو هالبدلة ".. ثم أطلقه فمضى يركض. عمه يريد أن يزوجه ابنته ولذلك يريده أن يبدأ.. لولا ذلك لما حصل الخمسين ديناراً كل حياته. " يصف النص السابق عملية إخصاء تم إجرائها مشهد حقيقي لما أراد غسان أن يجسده في القيادة العربية التي قادت الجيوش العربية لتحرير الشعب الفلسطيني من هجمة العصابات الصهيونية التي دربتها وسلحتها بريطانيا قبل خروجها من فلسطين وسلمتها مراكز القرار وجميع المستعمرات. تصوير عملية منولوج يستذكر فيه أبو خيزران عملية إخصاء تعرض لها بتفاصيلها الحية جاءت بتفاصيلها في مشهد صور كذلك إلى جانبه امرأة تقوم على إسعاف هذا الخصي من جراحه لم تكن مصادفة فحضورها كان يشير إلى شخوص من خلف الستار حاولت إنقاذ هذا الخصي مما وقع فيه، وتلا هذا المشهد الحدث الذي تسببت له بهذا، حيث أنه ركب بغلاً وشارك متظاهرين مظاهراتهم، رغم أن أبو خيزران لم يكن ينوي أصلاً المشاركة بهذه المظاهرة بل سار فيها بناء على أمر من عمه الذي وعده بخمسين ديناراً، وهذا ما كشف صورة حقيقة عن هذا الانتهازي المتسلق والذي صعد بعد عملية إخصائه لمركز قيادي وتابع حياته بشكل معتاد ، بل وتمادى فيها وفاحت رائحة فسقه كما سيظهر معنا لاحقا من خلال المشهد التالي. كانت الهدف الحقيقي من إخصاء هذه القيادة العربية التي تجسّدت في أبي الخيزران خوفا من أن تجسد مشهدا وطنياً حقيقياً، لكن كنفاني تدارك الأمر بعد ذلك حين صور مشهد الإهانة والبصقة التي ألصقها الضابط الذي جسّد قيادة الاخصاء التي مثلت الدول الكبرى والتي قامت بدورها أولاً بإخصاء القيادة العربية ومن ثم اهانتها وإذلالها دون أن تحاول هذه القيادة الخيزرانية أن ترد الاهانة أو تدافع عن نفسها دفاعاً شجاعاً يعكس شخصية رجولية حقيقية، وقبلت بها لتعكس نفسها ساقطة منحطة قابلة بذلها وخنوعها . و استدرك كنفاني الأمر ليكشف عن السبب الحقيقي الذي جعل هذه القيادة تصعد سلمها لم يكن الهدف وطنيا ً والذي كان هدفاً مادياً بحتاً ( خمسون دينارا هي التي جعلت أبو خيزران يركب البغال مع المتظاهرين) إذا هي في الأصل قيادة انتهازية أوصلتها انتهازيتها إلى مرحلة الاخصاء والذل والمهانة هذه القيادة المخصية وبالرغم من أنها كانت فاقدة لرجولتها إلا أنها استكملت مشاريعها السيئة التي تجسدت في معاشرة رجل مخصي لامرأة فاسقة تعمل راقصة في البصرة وهذا أشبه بما قاله الراحل الشاعر الفلسطيني معين بسيسو: والمخصي على المخصي قد وثبا فأنجب مسخه العجبا قد تبدو هذه العبارة قريبة من مدى الوصف المطلوب لتوضيح علاقة شبيهة بعلاقة رجل مخصي في مومس في علاقة في الأصل هي علاقة غير شرعية . وعند الانتقال إلى الحوار الذي تلا وصول أبو خيزران إلى النقطة الجمركية وقيام صاحب عمله بالسؤال عنه عدة مرات يعني أنه تأخر أياماً في البصرة من اجل تلك الراقصة المومس، الأمر والذي تسبب في تأخر الرجال الثلاثة في الخزان أكثر من الوقت اللازم ليتسبب في موتهم الذي هو الهزيمة. "نظر الجميع إلى بعضهم فيما انقلب وجه أبي الخيزران الهزيل فصار مبيضاً من فرط الرعب وأخذ القلم يرتجف في يده. قصة تلك الراقصة.. ما اسمها يا علي؟ أجاب على من وراء الطاولة الفارغة: كوكب. ضرب أبو باقر طاولته بيده واتسعت ابتسامته: كوكب ! كوكب ! يا أبا خيزرانة يا ملعون.. لماذا لا تحكي لنا قصصك في البصرة ؟ تمثل أمامنا أنك رجل مهذب، ثم تمضي إلى البصرة فتمارس الشرور السبعة مع تلك الراقصة.. كوكب.. آه.. كوكب هذا هو الاسم. طاح أبو الخيزران محاولا أن لا يتجاوز حد المزاح : أي كوكب وأي بطيخ ! دعني أمضى قبل أن يطردني الحج…….. - تذهب إلى البصرة وتدعي أن السيارة قد تعطلت.. ثم تمضي مع كوكب أسعد ليالي العمر! يا سلام يا أبو خيزرانة.. يا سلام يا ملعون.. ولكن قل لنا كيف أحبتك؟ الحج رضا يقول أنها من فرط حبها لك تصرف نقودها عليك وتعطيك شيكات.. آه يا أبو خيزرانة يا ملعون" هذا الحوار جسد ما ذكر سابقاً حول قراءة الحدث في تفاصيله البسيطة، مومس تعاشر مخصي ويتسبب في تعطيل عمله وبث الدعاية السيئة لنفسه ، وهذا ما يمكن أن يسمى بأنه رائحة الفساد قد فاحت من داخل جحور وقصور هذه القيادة قبل أن تفكر في خوض التجربة وبالتالي كان لدي من سيقادون إلى المعركة قيادة انتهازية جاءت في المكان غير المناسب والوقت غير المناسب بين الثوار فتم إخصائها بسبب الشك بأنها شاركت بالتظاهر مع المتظاهرين وفي الواقع كان هدفها مادي انتهازي، وكذلك بعد عملية الأخصاء جسدت بصقة الضابط في وجهه أبي الخيزران واهانته بشدة وصمت أبو الخيزران على هذه الإهانة مدى ما تحمله هذه القيادة من حقارة وذل واستكانة على نفسها ، فهي قيادة مهزومة في الأصل في داخلها ، انتهازية ، ومن ثم مخصية، وبعد ذلك قيادة تفوح منها رائحة الفساد الحقير الذي كان أشبه بمعاشرة راقصة مومس لرجل خصي ، كل هذه العوامل مجتمعة - مع أن واحدا منها كان كافية لو وجد في القيادة لان يقود للهزيمة - إن اجتمعت كل هذه الصفات في ذات القيادة أن توصل لهزيمة نكراء. والسؤال الذي يأتي ليطرح نفسه في هذا الوقت: لماذا إذا اختار الرجال الثلاثة أبي الخيزران لعقد صفقة الموت هذه ؟ الواقع الذي حتمه غسان أن هذه هي القيادة الأكثر وصولية وأكثرها قرباً منهم من ناحية لا من حيث الصفات لكن من حيث القدرة على التعاطي والإمكانيات المتاحة، فمثلا أشار لقصص شبيهة استرشد شخوصها في مرشدين قد غدروا بهم وتسببوا في موتهم وهي ربما ظاهرة لدى غسان تشير لأحزاب وأفراد على مستوى صغير حاولت أن تقود الأمة فأدت لهلاكها مما دعا الرجال إلى السير خلف قيادة اشمل دون علم مسبق بأن هذه القيادة هي قيادة مخصية لها رائحة نتنة تفوح من داخلها من انتهازية قد استشعرها الرجال من خلال الجزء الذي عقدوا فيه الصفقة المالية. في المشهد ما قبل الأخير من الرواية الذي قام به أبو الخيزران بإلقاء الرجال الثلاثة على المزبلة غير مكتفي بقيادتهم للموت (الهزيمة) بل وكشف عن وجهه الانتهازي الحقير وهي الشخصية الحقيقة لأبي الخيزران حين قام بإلقائهم على قارعة الطريق ليزيح المسؤولية عن نفسه وينقلها لأخر مخلياً مسؤوليته بسهولة عما تسبب به من موتهم: "قفز إلى الخارج وأغلق الفوهة ببطء، ثم هبط السلم إلى الأرض، كان الظلام كثيفاً مطبقاً وأحس بالارتياح لأن ذلك سوف يوفر عليه رؤية الوجوه ، جر الجثث - واحدة واحدة - من أقدامها وألقاها على رأس الطريق، حيث تقف سيارات البلدية عادة لإلقاء قمامتها هبت نسمة ريح فحملت إلى أنفه رائحة نتنة.. قال في ذات نفسه :"هنا تكوم البلدية القمامة " ثم فكر: " لو ألقيت الأجساد هنا لاكتشفت في الصباح، ولدفنت بإشراف الحكومة " هذا المشهد جسد الفكرة الحقيقة لما قامت به القيادة العربية من إلقاء الشعوب المهزومة المتجسدة في الرجال الثلاثة على قارعة الطريق كي تدفن بإشراف الحكومة بمعنى أن القيادة ألقت بالشعوب التي تسببت بهزيمتها إلى هيئة الأمم المتحدة وهيئة إغاثة اللاجئين الناتجين عن الهزيمة لتتولاهم الأمم المتحدة التي تجسد في الرواية في الحكومة. ولنسير باتجاه الخاتمة التي حملت السؤال الذي حاول فيه أبو الخيزران إلقاء اللوم على الموتى المهزومين الذين قادهم هو للهزيمة وبالتالي للموت ، وكذلك رددت الصحراء من خلف أبو خيزران والأرض قالت ذات السؤال الذي كان في مشهد الرواية على شكل صدى الصوت ، علماً بأن الصحراء لا ينتج الصوت الصادر فيها لصدى مما يدلل أن هذا الصدى لم يكن بصدى حقيقي للصوت إنما كان صوت الصحراء وصوت الأرض الحقيقي الذي ردد ذات السؤال : "انزلقت الفكرة من رأسه ثم تدحرجت على لسانه: - " لماذا لم يدقوا جدران الخزان؟... " دار حول نفسه دورة ولكنه خشي أن يقع فصعد الدرجة إلى مقعده وأسند رأسه فوق المقود: - لماذا لم تدقوا جدران الخزان؟ لماذا لم تقولوا؟ لماذا وفجأة بدأت الصحراء كلها تردد الصدى: - لماذا لم تدقوا جدران الخزان؟ لماذا لم تقرعوا جدران الخزان؟ لماذا؟ لماذا؟ لماذا؟" هذا السؤال الذي أبقاه كنفاني مبهم الإجابة في ذلك العام من إنجاز الرواية لكنه عاد ليجيب عليه مرة أخرى عبر رواياته في رواياته الأخرى (أم سعد -ما تبقى لكم -عائد إلى حيفا)..جواب لا يؤمن إلا بالمقاومة وحرب التحرير الشعبية الطويلة الأمد التي تذيب الخلافات بين الفصائل بالاحتكام إلى إرادة الشعب لا إرادة القيادات الخيزرانية .. جاء الجواب واضحا وصارخا في رواية عائد إلى حيفا على لسان الأب " سعيد س" الذي قال في ختام الرواية في جواب على السؤال المبهم الذي أبقاه كنفاني مفتوحاً مبهم الإجابة فيرواية رجال في الشمس : "فالإنسان كما قلت قضيه ، وفي الأسبوع الماضي التحق خالد بالفدائيين" وفي العبارة الأخرى : التي ختم بها الرواية قائلاٍ على لسان "سعد س" أيضا : " أرجو أن يكون خالد قد ذهب .... أثناء غيابنا "! فكان هذا جواب السؤال ، المقاومة الشعبية والعمل الفدائي المخلص الحقيقي هو السبيل الوحيد لطرق الخزان وخلق جيل قادر على أن يهزم الهزيمة التي خلفتها لنا القيادة العربية الخيزرانية التي قادتنا على الحرب في عام 1948 تسببت في تشريد ألاف الفلسطينيين من مدنهم وقراهم إلى مدن أخرى في داخل فلسطين وإلى الدول المجاورة.

  • أعجبني
  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
  • 0

في روايته «رجال في الشَّمس» ينطلق غسّان كنفاني، الرِّوائيّ الفلسطيني الشّهيد، من الواقع اليومي المعيش للشعب الفلسطيني: ركض الفلسطيني وراء الرغيف الهارب عبر الصحراء إلى الكويت. وتتحرَّك القصَّة عبر أربع شخصيَّات رئيسيَّة تمثل الأجيال الفلسطينيَّة المختلفة، والهموم اليوميَّة التي تشدّها إلى بعضها، هموم المخيَّم والتوق إلى سقف الباطون وإلى الحياة. أبو قيس، رجل عجوز، الأرض لا تزال تحت جسده ترتعش مثل امرأة، ورائحتها تجعله “يتنسَّم شعر زوجته حين تخرج من الحمَّام وقد اغتسلت بالماء البارد… الرائحة إيّاها، رائحة امرأة اغتسلت بالماء البارد وفرشت شعرها فوق وجهه وهو لم يزل رطباً». لكن الحياة شيء مختلف. فالموت أفضل من حياته. لا بدّ من بعض المال. وحين تأتيه فكرة السَّفر إلى الكويت لجمع الثروة يدور بينه وبين زوجته الحوار التالي: «ماذا تريدين يا أم قيس؟  حدّقت إليه وهمست: -    كما ترى أنت.. -    سيكون بوسعنا أن نعلم قيس.. -    نعم.. -    وقد نشتري عرق زيتون أو اثنين.. -    طبعاً.. -    وربّما نبني غرفة في مكانٍ ما.. -    أجل.. -    إذا وصلت.. إذا وصلت..»( ). أسعد: أسعد هو الآخر يحلم بالدنانير في الكويت. اقترض خمسين ديناراً من رجل يريد تزويجه ابنته. وهو في هذه الصفقة لا حول له. فندى قدره كما يعتبرها عمّه لمجرّد أن أباه قرأ الفاتحة مع عمِّه حين وُلد هو ووُلدت هي في يوم واحد. وأسعد له تجاربه مع المهرِّبين. فقد دفع عشرين ديناراً ليهرّبه أبو العبد من عمّان إلى بغداد. فأخذ الدراهم وتركه وحيداً في منتصف الطريق. مروان: مروان لا يزال صغيراً. شقيقه الذي في الكويت تركهم بدون معيل لأنه تزوّج. ووالده هو الآخر ترك أمّه ليتزوج بشفيقة التي فقدت ساقها أثناء قصف يافا والتي تملك بيتاً في طرف البلدة. إذن عليه هو أن يعيل العائلة. أمام أبواب المهرِّبين في البصرة كان الثمن غالياً 15 ديناراً. لكن أبا الخيزران يعرض على مروان تهريبهم إلى الكويت بخمسة دنانير. أما الطريقة فهي بواسطة ناقلة ماء. يبقون في الخزان ست دقائق عند عبور الحدود العراقيَّة – الكويتيَّة. لم يكن الأمر سهلاً، فعند الوصول إلى نقطة الحدود يبدأ أبو باقر وبقيَّة موظفي الحدود بممازحة السائق. تنقضي نصف ساعة. ثم في عرض الصحراء يفتح أبو الخيزران باب الخزان ليجد الثلاثة جثثاً في داخله. الشخصيَّات الثلاث التي تتحرَّك داخل هذه القصَّة لا يمكن فهمها دون فهم البؤس اليومي الذي يعيشه سكان المخيّمات. إنَّها شخصيَّات واقعيَّة تريد الخلاص بسرعة. أمَّا أبو الخيزران الذي فَقَدَ رجولته في الحرب، فإنه يريد هو الآخر تجميع الثروة بواسطة التهريب. فقد “ضاعت رجولته وضاع الوطن وتباً لكلّ شيء في هذا الكون الملعون». وحين يتلاقى بمروان ويعرض عليه تهريبه يقبل منه خمسة دنانير فقط بينما المهرّبون المحترفون يطلبون خمسة عشر ديناراً سلفاً. لكن المفاجأة كانت على الحدود. حين يبدأ الموظَّفون بممازحته حول علاقاته الجنسيَّة بالراقصات في البصرة. في غمرة الممازحة يموت الثلاثة. فيرميهم أمام المزبلة في الكويت بعد أن يسرق دراهمهم. ثم «انزلقت الفكرة من رأسه ثمَّ تدحرجت على لسانه: لماذا لم يدقوا جدران الخزان؟ دار حول نفسه دورة ولكنه خشي أن يقع فصعد الدرجة إلى مقعده وأسند رأسه فوق المقود. لماذا لم تدقوا جدران الخزان؟ وفجأة بدأت الصحراء كلها ترد الصدى: لماذا لم تدقوا جدران الخزان؟ لماذا لم تقرعوا جدران الخزان؟ لماذا؟ لماذا؟ لماذا؟»( ) قصَّة كنفاني هذه تمثل قفزة نوعيّة على المستوى الفني. الشخصيَّات تتحرَّك بحرِّية. إنها من أجيال مختلفة وأمامها هدف واحد. القضية تبدو للوهلة الأولى بعيدة. إنهم فقط يعانون النتائج. تماماً مثل أبي الخيزران. ثم فجأة نكتشف في نهاية القصَّة أن الجميع يعانون من فقدان الرجولة. وأن الصحراء تئنّ من تحت أقدامهم تسألهم لماذا الصمت. هذه القصَّة الرمزيَّة تتحاشى جميع مشاكل وتعقيدات الأدب الرمزي. رمزها واضح وجليّ. الشعب الفلسطيني يموت كلّ يوم في الخزان دون أن يصرخ، فعلى الأرض أن تصرخ الآن. البطل في هذه القصّة هو الكادح الفلسطيني. لكن الفنان يمسك جيِّداً بمقود عربته. إن النتيجة التي وصلوا إليها تكمن في كونهم لم يدقوا الجدار. ويطرح كنفاني السؤال اللافح: لماذا؟ القضيّة بدأت تأخذ حجماً جديداً. إنها مرحلة جديدة في الوعي. التفاعل مع الحياة الرتيبة المرهقة بدأ يُنتج أسئلته. والسؤال الرئيسي بحاجة إلى جواب. الكاتب يتمسَّك جيِّداً بمقوده فالغرق في مجانيَّة الموت يجب أن يصحبه سؤال. وسؤال جارح تردِّده الصحراء حتى تتبدَّى معالم الطريق( ). في هذه القصَّة يكون الفشل منذ البداية، غير مفسَّر وغير مبرَّر، غير تفسير الصدفة والحظ السيء. ومن ناحية أخرى نحن نعرف أن الذين وصلوا إلى الكويت وإلى أمكنة أخرى، من الفلسطينيّين وحصلوا على حياة جديدة أكثر بكثير من الذين ماتوا على الطريق. ولكن لماذا يهتمّ غسَّان كنفاني بالأقليّة ويهمل الغالبيَّة؟ «الفلسطيني» في «رجال في الشَّمس» لا يملك الاختيار، «الشَّخص الآخر» يختار. لو كان «شخصاً آخر مقبولاً» لاجتاز الحدود بالطريقة القانونيَّة كما فعل الآخرون المقبولون، لأنه غير مقبول، فعليه أن يختفي عند نقطة الحدود ليصبح «كله فلسطينيَّاً»، عندها يقتلوه. فهذه هي الطريقة التي يتعامل بها العالم مع الذين «كلهم فلسطينيِّين» خارج المخيم. لذلك اهتمَّ غسَّان كنفاني بالعدد القليل الذي مات ولم يصل لأن أفراده كانوا «فلسطينيِّين فقط» وأهمل العدد الكبير الذي وصل لأن أفراده يعيشون حياة «الموت المؤجَّل»، ومقدار التأجيل يخضع لمقدار فائدة «الشخص الآخر» للعالم. الحدود، الصحراء، والشَّمس، كانت اختياراً فنيَّاً فقط. عندما قرأنا القصَّة بعيداً عن الصَّحراء والشَّمس شعرنا مع الكلمات الأولى بنبض قلوبنا يرتفع كصوت طبول تأتي من بعيد، تشتدّ مع كل مقطع، مع كل صفحة، وتعلو في النهاية كصوت طبول الموت، فتضيق أنفاسنا ونحن نرى القبر يلتهم أربعة من الفلسطينيِّين، ونجبر على أن نتساءل: متى يأتي الدَّور؟  كان سرّ إعجاب القرَّاء بـ «رجال في الشَّمس» أنها فضحت سرّ كل واحد فيهم. ولهذا كانت رواية أصيلة وحقيقيّة. ولكن هل هي حقاً «رواية»؟  لا، إنها أصيلة وحقيقيَّة ولكنها ليست رواية بالمعنى الفني للكلمة، أيام كتابتها لم يكن باستطاعته أن يكون روائياً. الروائي هو الذي يعيد «ترتيب العالم» بالشكل الذي يقتنع به. فإذا كانت مهمَّة العالم الاجتماعي دراسة الظواهر الاجتماعيّة من حوله، ليكتشف بقوَّة التجريد، ومن بين آلاف الظواهر والعوامل المتشابكة بالحياة، العوامل القليلة الهامَّة، والعلاقات الأساسيَّة بينها، ليخرج بنظريَّة قادرة على تفسير العالم والتنبُّؤ بالمستقبل، كذلك، فإنَّ مهمَّة الروائي دراسة تصرُّفات الناس من حوله وبقوَّة حدسه الإنساني يكتشف جذور إرادة الحرّية في هذه التصرُّفات، حتى تكون الرواية فهماً مكثفاً للوضع الإنساني، يتنبأ بمصير الإنسان. مادة الرواية الإنسانيَّة دوماً واحدة، العلاقة بين الإنسان وقوى الاضطهاد. كيف يقاوم الضعيف قوى الإرهاب التي تريد إلغاء إنسانيَّته. الضعف يأخذ أشكالاً عديدة، والإرهاب يأخذ أشكالاً أكثر، ولكن يظلّ الصراع بينهما هو ما يشكل معنى الرواية. الفلسطينيُّون بعد 1948، وقبل المقاومة لم يقولوا لا للإرهاب، كانوا يتعايشون معه، يتحايلون عليه بواسطة «الشخص الآخر» في كلّ منهم. لذلك، فعندما نقرأ أي قصَّة فلسطينيَّة مكتوبة عن تلك الفترة فنحن نستطيع التنبُّؤ بكلِّ ما يحدث بعد قراءة الصفحة الأولى. الفلسطيني لا يفاجئ أحداً. نبدأ في الصفحات الأولى من «رجال في الشَّمس» نتعرَّف على «الأربعة» وندرك فوراً أن عمليّة التهريب ستفشل، الأربعة لا يستطيعون مفاجأتنا بأيِّ شيء آخر. والمؤلف لا يستطيع أن يفاجئنا، لكنه يستطيع أن يحتفظ بنا معه حتى نهاية الرواية، وفي النهاية ننسى «الأربعة» ولكننا لا نستطيع أن ننسى غسّان كنفاني، والأهم لا نستطيع أن ننسى أنفسنا. قيمة الكتاب الأصيلة هي أن الكاتب استطاع أن يُبقينا معه حتى النهاية ليُرينا أن فشل الكتاب بأن يكون «رواية» هو في نهاية المطاف فشلنا نحن القرّاء لأن نكون مادَّة الرواية الإنسانيّة، لأن نكون الناس الذين يقولون للإرهاب: لا( ). أبو قيس، في هذه الرواية، ينأى عن الأرض، لكنه إذ يمنح صدره لتراب الأرض البعيدة، فإن قلبه يخفق بدبيب الأرض الأولى، المفقودة. «أراح أبو قيس صدره فوق التراب النديّ، فبدأت الأرض تخفق من تحته: ضربات قلب متعب تطوف في ذرّات الرمل مرتجة ثمّ تعبر إلى خلاياه»( ). وليست الأرض قريبة من القلب، لكنها متوحّدة فيه تخفق مع خفقاته، وتستمدّ رائحتها من تلك الألفة الحارَّة التي يستنشقها الرجل في المرأة المعشوقة غبّ اغتسالها بماء بارد( ). هذا الاقتراب من الأرض المفقودة، يتسامى بها عن المسافات، ليحرقها بالذاكرة والحلم. فنسيج رحلة الإنسان الفلسطيني يبقى متمحوراً حول الأرض. كلّ الأفعال، الأحلام، الهواجس، الطموحات، يظلّ محورها الأرض. وحتى الموت فإنه لا يكتسب معناه بعيداً عن الأرض، فيصبح مجَّانياً ورخيصاً حينما يكون خاتمة الرجال في رحلتهم الطامحة إلى إيجاد بديلهم الوهمي للأرض. ومن هذا النسيج الواقعي، يستمدّ غسان كنفاني خيوطه لينسج كلماته في تمحورها حول الأرض( ). في «رجال في الشمس» تتحوّل المرأة استعارة للأرض، فنقرأ في البداية وصف أبو قيس للأرض في اعتبارها امرأة، ولرائحتها التي تشبه رائحة امرأة تخرج من الحمَّام، ولنبضها الذي يشبه نبض العصفور( ). إن الأرض هي ذروة العلاقات الحميميّة للفلسطينيّ مع الأشياء. إنها نقطة الدائرة التي انزلق عنها الفلسطيني في الانحناءة الهابطة في رحلة الغربة، وهي النقطة ذاتها التي يطمح للوصول إليها بارتقائه للانحناءات الصاعدة عبر الممارسة النضاليّة. أن يشهد انغلاق الدائرة بوصول الفلسطيني إلى أرضه، كان همّ غسان كنفاني في ممارسته السياسيّة وحلمه وطموحه. وأن يعبّر عن رحلة الإنسان الفلسطيني، عبر تفصيلات مسارها في محيط الدائرة من النقطة ذاتها: الأرض وإليها، كان همّه في ممارسته الفنيّة، رغم أن الفارق بين الممارستين هو مجرَّد فاصلة صغيرة وهميَّة لدى غسَّان كنفاني، روائياً ومناضلاً. - زمان الفلسطيني ومكانه: فرضت تجربة الاقتلاع والنفي القسري للفلسطيني عن أرضه، نوعاً من الخصوصيّة في علاقته مع الزمان والمكان. فمهما تعدّدت الأمكنة في المنافي، فإن الحلم يظلّ يشدّ الفلسطيني إلى مكانه، ومهما تراكم عليه الزمن، فإنه يظلّ يشدّ أوتار الذاكرة نحو الزمن المفقود، وهو يطمح في استعادتهما معاً: المكان المفقود والزمن المفقود. ظلَّ المكان المفقود طويلاً حلماً بعيد التحقّق. وكلما كان الزمن يمضي برتابته، فإنه كان ينأى بالفلسطيني بعيداً عن المكان، ويبعد الحلم عن احتمالات التحقق. لكن التحوُّل في حركة التاريخ الذي صنعه الإنسان الفلسطيني بممارسته النضالية، كسر رتابة الزمن، فأصبح الحلم قابلاً للتحقق، إذ أصبح الزمن الفلسطيني يتجه في حركته نحو المكان الفلسطيني المفقود. في «رجال في الشمس» تكمن شهادة غسَّان كنفاني. فقد غرق الرجال الثلاثة في أوهام المكان البديل، لأن حلمهم، في زمن الوهم، كان بعيداً عن التحقق. في هذه الرواية لا يقدّم المكان دلالته في ذاته كمكان فحسب، وإنما يكتسب من الزمان دلالات أخرى. فالصحراء، بامتدادها وفراغها وعريِّها، بصفرتها الباهتة الموحية، هي مسرح الحدث في زمن الفرار والاستنكاف. ولأن المكان يشهد على ذاته في مثل ذلك الزمان، فإنّ الصحراء تحمل دلالات الموت والضّياع، وفي جبروتها تكمن القسوة، ويكمن الموت للرجال الموغلين في جوفها نحو المكان البديل لكي يصنعوا فيه زمناً بديلاً. هناك، وفي ذلك الزمن، كانت الصحراء جسراً من جسور الوهم. إن «هذه الكيلو مترات المئة والخمسين أشبهها بيني وبين نفسي بالصراط المستقيم الذي وعد الله خلقه أن يسيروا عليه قبل أن يجري توزيعهم بين الجنة والنار»( ). لكن الرجال الثلاثة، عبروا ذلك الجسر نحو الموت المحتم. ومع أن للصحاري ذات السمات التكوينيَّة المكانيَّة، إلا أن الصحراء، في زمن آخر، تظلّ قادرة على أن تحمل دلالات أخرى مغايرة. في هذه الرواية، يقوم كنفاني ببناء المسرح، الذي ستفرض حجم خشبته دائرة تحرّك الأبطال الأربعة. فهم محاصرون. وحين يحاولون الهرب من حصارهم، لا بدّ لهم من المرور في الصحراء. ولا وسيلة سوى خزّان شاحنة يقدِّمه سائق فَقَدَ رجولته في الحرب، فيموت الثلاثة في الخزان، ويقوم السائق برميهم وأخذ نقودهم. إن السؤال الذي يخرج من فم أبي الخيزران: «لماذا لم تدقوا جدران الخزان؟»، هو خاتمة الفصل السلبي الذي تتمحور حوله علاقات أبطال الرواية. غير أن هذه الشخصيّات تتطوَّر ضمن إطارين: أ- التوازي: لا تتمّ حركة تطوُّر الشخصيَّات – النماذج – في خطوط متوازية. فلكل شخصيّة تاريخها الخاص، الذي يشكل دافعها إلى الهجرة. والشخصيّات هذه تمثل ثلاثة أجيال وكل جيل له قضيّته الخاصّة، في إطار القضيَّة العامة يتمّ نمو الشخصيَّات إذن خارج دائرة علاقاتها ببعضها، يوحّدها الطموح إلى الارتقاء الاجتماعي بشكل فردي (هذا إذا أخذنا الشخصيّات واقعيَّاً وجرَّدناها من دلالاتها الرمزيّة). ب- نقطة اللقاء: هذه النقطة ليست مصادفة محضة كما يبدو من خلال قراءة الرواية بشكلٍ أوّلي. إنها نقطة حتميَّة، لا تأتي من تطوّر الأحداث، بل تأتي من مصدرٍ آخر – تطوُّر الدلالات. فاللقاء على طريق الموت، يتمّ هنا بشكل يخرج عن سياق الرواية، إنه ملحق بتطوُّر من نوع آخر يجري في الواقع، الذي تحاول الرواية إعادة ترتيبه. ويلتقي هذان المستويان في مسيرة الصحراء، لكن اللقاء يأخذ طابعاً فاجعاً، فهو يتحوّل إلى لحظة موت جبانة، دون طرح السؤال الذي يقود إلى التمرّد. والسؤال الذي يطرحه السائق في نهاية الرواية سؤال مستحيل. فالأسئلة السهلة الجذريّة، لا يطرحها سياق واحد. الذي يطرحها هو جدل أكثر من طرف. لكن صوت كنفاني هو الذي يتقمّص حنجرة السائق. لذلك يأتي السؤال ليستوعب ذهول القارئ في قفزة إلى خارج السياق. يندرج هذان المستويان في بنية تشكيليَّة تعتمد أربعة أشكال فنيَّة: 1-    الحوار الداخلي: الذي يحمل القضيَّة ليغرسها على علاقاتها بالذات والأرض. فالحوار الداخلي، هو المسافة التي تسبق الوصول إلى اتخاذ قرار. 2-    الذكريات: التي تنقل القضيَّة إلى أزمنة مختلفة، وتقوم بعمليّة توحيد هذه الأزمنة في لحظة الحركة. لكن التذكر لا يمس الزمن الواحد، الزمن العادي الذي تتحرّك فيه الرواية. 3-    السَّرد: يقوم السَّرد الروائي بعمليّة الانتقال من مرحلة في تطوُّر الأحداث إلى مرحلة أخرى. إنه سرد يتمّ بلغة الفعل الماضي. وينجز مهمته عبر اللجوء إلى وصف التفاصيل وإبرازها. 4-    الشعر: لغة كنفاني لها دلالة الإيصال التي تصل إلى ذروتها في السَّرد. ودلالة الإيحاء التي تتمحور في الحنان الشعري الذي يتعامل في أحشائه الأبطال مع أرضهم وطموحهم: «كلما تنفس رائحة الأرض وهو مستلقٍ فوقها خُيِّل إليه أنه يتنسّم شعر زوجه حين تخرج من الحمّام وقد اغتسلت بالماء البارد… الرائحة إيَّاها، رائحة امرأة اغتسلت بالماء البارد وفرشت شعرها فوق وجهه وهو لم يزل رطيباً… الخفقان ذاته: كأنك تحمل بين كفَّيك الحانيتين عصفوراً صغيراً…»( ). في هذه الرواية التي تدور أحداثها في حدود عام 1958، أي بعد مرور عشر سنوات على النكبة، يشي الزمن السردي بالوضع الحياتي للفلسطيني في المخيَّمات، حيث كان في مرحلة الغربة والتفكك والضياع. فالحركة الزمنيّة بعيدة عن المكان – الأم (المخيَّم)، كما أنها اتسمت بالقفز على المكان البديل إلى بديل آخر (الكويت عبر الصحراء). إنها حركة تتجاوز الحاضر والماضي (في فلسطين) لتقفز نحو المستقبل المجهول، وفي تجاوزها تلغي ماضي الانتماء والاستقرار وحاضر الاضطراب، وتذهب إلى مستقبل دون انتماء. هنا يتحوَّل الخزان – المخبأ الذي يربط مصائر أبي قيس وأسعد ومروان والذي يشكل أداة الهرب من المكان – الأم، إلى خزان حصار فاختناق فموت لأنه في حركته يتجه نحو المكان الخاطئ. وهكذا، ففي الابتعاد الزماني – المكاني، يتوهّم الثلاثة الحلّ. إلا أن الخزان يتحول إلى رمزٍ للعجز في المواجهة؛ إنه الزمن الفلسطيني الساكن بعد النكبة، الهارب من الأسئلة، زمن مسيَّر، مستلب في حركته (أبو الخيزران هو الذي يتحكم بالزمن أي بالحياة أو الموت). فالحصار الذي كان مفترضاً أن يكون دقائق معدودة تحوَّل إلى عشرين دقيقة كانت كفيلة باختناقهم، لأن هؤلاء الفلسطينيّين لا يتحكمون بزمنهم، بل أبو الخيزران وشرطة الحدود هم المتحكمون، فيكون موتهم ثمن عدم التحكم بزمنهم، ذلك لأن صانع زمانه هو المتحكم بقراره. ولذا يكون حصارهم في الخزان لحظة منعزلة، تختزل القلق المصيري بعد النكبة، الغربة في المنفى، وقلق الأسئلة. وتكون تلك اللحظة سدّاً مرفوعاً بوجه المستقبل – لأنها التحمت حتى الموت مع المكان البديل وتخلت عن المكان الأصيل. في هذه البنية الزمنيَّة السرديَّة، تلعب الذاكرة دوراً مميَّزاً. فهي تعود إلى الماضي المرتبط بالمكان الأم (أبو قيس وتعلقه بأرضه)، أو بالقضيّة (أسعد ونضاله السياسي). إلا أن هذا التذكر المتعلق بالماضي لا يشكل تواصلاً مع الحاضر عن طريق كشفه إلا للقارئ فحسب؛ في حين أن الشخصيّات تتعرَّض لِمَا يشبه الانفصام في الذاكرة، فيصير الحاضر عندها منسلخاً عن الماضي بدل أن يكون الماضي عبرة للحاضر. إن هذا التناقض بينهما يشكل عائقاً أمام انفتاح الزمن على المستقبل، إنه صراع مميت ينتهي بمحو الحاضر للماضي، فيلغي المستقبل. ولذلك كانت البنية السَّرديَّة لهذه الرواية مقفلة على مستوى الحركة وعلى مستوى الزمن. فالزمن يشكل هنا حلقة دائريَّة مأساويَّة داخلها مفقود لأنه أضاع التوجّه الصحيح. وزمن الهروب هو في النهاية زمن التوهُّم والفراغ. لقد حاصر الموت «رجال في الشمس» من الداخل والخارج لموقفهم السلبي، ورغبتهم في الفرار، فكان الفرار موتاً أطلَّ عليهم من الشمس الحارقة التي حاصرتهم وهم داخل صهريج المياه في تلك الصحراء الواسعة المكشوفة. أراد هؤلاء الرجال البحث عن حياة هادئة مطمئنة، منسحبين بذلك من القضيَّة، فكان الفرار موتاً باعهم إليه فلسطيني مثلهم بعد أن خدعهم واستغل حاجتهم الكبيرة وأموالهم القليلة. وقد قبلوا بإرادتهم وبوعيهم وضع المدفونين أحياء، إلى أن يستحيلوا فعلاً إلى جثث ملقاة بالعراء تنتظر مَنْ يدفنها. ومن الصور القاسية أن الذي يسلمهم إلى هذه الميتة الشنعاء فلسطيني مثلهم. وهو في الوقت نفسه شهيد ومجرم، وإنسان فَقَدَ من إنسانيّته بقدر ما فَقَدَ من رجولته. وإلى جانب هؤلاء يعيش فريق آخر من العرب في حجرات مكيّفة الهواء، غافلين عن المأساة الكامنة على مقربة منهم، لأن المدفونين أحياء لا يقرعون جدران الخزان. أراد غسان كنفاني في روايته هذه تعرية وإدانة واقع اجتماعي، وكانت وسيلته إلى هذا، تلك السلبيَّة الفرديَّة التي تمثّلت في محاولة الخلاص الفردي التي تحرّكها – رغم امتلائها الرمزي – المصالح الشخصيَّة، إلى جانب ما في واقع الفرار من سلبيَّة لا يمكن أن تمثّل موقفاً ثورياً. وهكذا وضع المؤلف أمام الواقع هذه الحقيقة التي عراها «إن مَنْ يفرُّ بعيداً عن الأرض يجد الموت». كانوا يعتقدون أن الفرار سيجلب لهم الظلّ والاستقرار، فإذا هو يستحضر لهم الموت دون أية فائدة على المستويين الخاص والعام. بعكس الفرار تجاه الأرض والموت على صدرها. وهذا الفرار تجاه الأرض وما يعكسه من إصرار لمناضلين شرفاء يسعون إلى تحقيق معنى الحياة( ). إن هذه الرواية تحمل في داخلها ذلك التزاوج الفذ بين الواقع والرمز معاً دون أن يؤثر تغييب أحدهما على الرواية عند قراءتها من جانب واحد. فهي ترصد واقعاً مُعاشاً بأحداثه وشخصيَّاته وزمانه وأشيائه، وتظلّ، في الوقت نفسه، قابلة لمنح دلالات رمزيّة لتلك الأحداث والشخصيَّات. في ذلك تتجلى عبقريَّة الرواية، من إمكانيَّة قراءتها من زاوية واحدة، زاوية الواقعيَّة أو زاوية الرمز، أو من الزاويتين في اندماجهما وتشابكهما معاً. رغم أن غسَّان كنفاني كان يطمح إلى إيصال الجانب الرمزي في الرواية، فيؤكد أنها إذا «… كانت قد عجزت عن نقل هذه الناحية (أي البُعد الرمزي)، فإني أعد نفسي مخفقاً»( ). مثل هذا الإقرار من قِبَل الكاتب نفسه، يبيح للدارس والناقد البحث عن المعنى الرمزي للرواية ودلالات الأحداث والشخصيَّات والأشياء فيها، والذي يصل أحياناً إلى حدود الإسقاط الذاتي والمغالاة في القراءة الرمزيَّة للرواية. ويحاول فضل النقيب أن ينفي رمزيَّة الرواية بتأكيده أن سرّها لم يكمن في أن فيها رمزيّة «تلخص القضيَّة كلها، وأن سائق السيَّارة الذي كان مهتمّاً بالمغامرة الجنسيَّة، وهو عاجز جنسياً، يرمز للجيوش العربيّة التي كانت مهتمّة بشهوة الحرب وافتراس إسرائيل وهي عاجزة حربياً. هذه رمزيَّة مبتذلة لا تعجب أحداً. الحقائق التي يعرفها كل الناس لا تثير اهتمامهم عندما تطلّ عليهم من جديد بقناع الرمزيَّة»( ). وتقرِّر رضوى عاشور أن أبا الخيزران هو «… رمز لقيادة الشعب الفلسطيني التي قصّرت أثناء النكبة وبعدها مباشرةً في الاضطلاع بدورها. وقد تكون الإشارة هنا أيضاً للقيادات العربيّة، الملوك والرؤساء العرب، إبان فترة 1948»( ). لكنها تعود لتؤكد بأن ثراء تلك الشخصيَّة يستعصي على اختزالها إلى مجرَّد إشارة سياسيَّة محدَّدة في معناها. فيتأكد حضور تلك الشخصيَّة بواقعيَّتها التي هي أغنى من كل رمز يمكن إسقاطه عليها أو إقحامه من خلالها. وتتسع دائرة الاجتهاد لتتسع معها دائرة رؤية الرمز في تفاصيل الرواية: الصهريج، الشمس، الصحراء، الجرذان، الموت. وكلها أشياء قابلة في حدّ ذاتها لتشكيل عناصر رمزيّة تنسجم في مبنى رمزي عام، إذا ما نُظر إلى الرواية من هذه الزاوية. توظف بنية الرواية لصالح تبيان استحالة أي حلّ يقوم على استبدال المكان الأصيل وموصفة الأهداف خارجه، إشارة إلى أنه يكمن في مجابهة المأزق الناتج عن التشتت خارج الوطن، أي مواجهة العدو لاسترداده. الإسرائيلي في هذه الرواية لا يعترض الطريق. ليس موجوداً بعد. الشعب الفلسطيني ينهزم دون أن يرى عدوه. يصوِّر كنفاني، في هذه الرواية، مأساة الفلسطيني بعد اللجوء وما تعرّض له من ضغوط في البلدان المضيفة. كما أنه يصوّر كيف تُذلّ الإنسانيَّة في شخص الفلسطيني المهرَّب في خزان كالجرذ بحثاً عن لقمة عيش ضروريّة. واللافت في شخصيَّات المهرَّبين أن وراء هروب كل منهم مأساة إنسانيَّة وأفواهاً تطالبه بحصَّتها من الحياة؛ وليس كما جاء في تحليل بعض الدّارسين إذ اعتبروا أن الدافع وراء سفر المهرَّبين الثلاثة كان الطمع والتشبُّه بأمثال سعد الذي عاد من الكويت بأكياس النقود( ). إنها الحاجة الملحَّة لكل فردٍ منهم. فالشخصيَّات الثلاث خسرت مكانتها الاجتماعيَّة ومصدر رزقها مع خسارتها لوطنها، ونجم عن هذه الخسارة وضع جديد كان عليها أن تتعايش معه. فأبو قيس خسر زيتوناته التي كانت مصدر الخير وانتظر عشرة أعوام على أمل العودة إليها. ولما يئس من هذا الانتظار وألحّت عليه الحاجة – فابنه قيس لا يزال بدون مدرسة والصغير الآخر سوف يكبر – فماذا يفعل؟ لذا سيق إلى المغامرة رغماً عنه وقد كانت وجهته الكويت رغم معرفته المسبقة بمدى خطورة الأمر، ولكن وطأة الحياة كانت أشدّ ألماً من تلك الخطورة التي قد تؤدِّي به إلى الموت. ومع ذلك خاطر بحياته لأنه يرى أن الحياة التي يحياها ليست أفضل من الموت. وأسعد المطارد من السلطات الأردنيَّة ليس أمامه إلا هذا الهروب لأن ما سيلقاه على أيدي هذه السلطات لن يكون أرحم مما هو فيه. وهو رغم ما يتمتع به من صفات جسديَّة متفوِّقة على رفيقيه أبي قيس ومروان وحيازته على مالٍ كافٍ للتهريب، إلا أنه يواجه مشكلة من نوع آخر، إنه لا يملك أوراقاً ثبوتيَّة واسمه معمَّم على نقاط الحدود. فالكويت إذن هي الملجأ الذي يحميه ممّا هو فيه وليس بئر المال الذي يأمل أن يغرف منه ما يشاء( ). كذلك مروان، الشاب الصغير ابن السادسة عشرة الذي يقوم برحلته تلك لأن أباه وقبله أخاه تخليا عن المسؤوليَّة في إعالة الأسرة المؤلفة من زوجة وأربعة أولاد، فاضطرّ هو إلى ترك المدرسة والغوص في الصحراء أو «المقلاة»، كما كان يسمِّيها، وهو لا يريد المال لترفه الشخصيّ إنما ليرسل «كل قرش يحصِّله إلى أمِّه، سوف يغرقها ويغرق إخوته بالخير حتى يجعل من كوخ الطين جنة إلهيّة ويجعل أباه يأكل أصابعه ندماً»( ). والثلاثة لا يملكون الأجرة المتعارف عليها للتهريب الرسمي( ) – إذا صحَّ التعبير – لذلك فهم مضطرُّون لقبول شروط مهرِّب هاوٍ يدعى أبا الخيزران ويعيش ثلاثتهم أمل الوصول إلى الكويت لتتحقق أحلامهم المتواضعة بحياة سويّة كغيرهم من الناس. لذلك تحمَّلوا شمس آب المحرقة داخل الخزان الفارغ، لأن المأساة التي يعيشونها أقسى من شمس آب في صحراء قاحلة، وما سيلاقونه على أيدي السلطات العربيَّة – لو كُشِفَ أمرهم – أمرّ على نفوسهم ممَّا يلاقونه داخل الخزان. فالإرهاب الذي تمارسه السلطات على التعساء المهرَّبين كان قاسياً ولربَّما أقسى من الموت خنقاً في خزان، لذلك لم يقرعوا جدران الخزان، لأن الأمل في الخلاص كان يحدوهم حتى الرمق الأخير( ). حتى سائق الصهريج الذي خلا قلبه من كل مشاعر الإنسانيَّة، والذي يؤمن بحقيقة واحدة هي أن المال يأتي أولاً، ويستغل خزان الماء لأعمال التهريب، ويغرِّر بثلاثة من أبناء وطنه، لم يصل إلى هذا الموقف السلبي من الحياة إلا بعد أن تعرّض لحادثٍ قاسٍ أفقده رجولته. لأنه كان في السابق إنساناً سوياً ينفعل ويتفاعل مع مجتمعه. كان سائقاً ماهراً لم يتورّع عن اللحاق بالمجاهدين عندما قامت الثورة. أما ما أفقده هذا الإحساس الوطني والإنساني، فهو ما تعرّض له من أذى جعله يحقد على كل القيم والمبادئ التي كان يؤمن بها من قبل «… عشر سنوات طوال وهو يحاول أن يقبل الأمور، ولكن أيَّة أمور؟ أن يعترف ببساطة بأنه قد ضيَّع رجولته في سبيل الوطن؟ وما النفع؟ لقد ضاعت رجولته وضاع الوطن وتباً لكل شيء في هذا الكون الملعون…»( ). إن واقع الشخصيَّات الظاهري في هذه الرواية، يجعلها تحمل دلالات إنسانيَّة شاملة تنطبق على كثير من فئات الكادحين في العالم العربي. تحاول «رجال في الشمس»، قدر الإمكان، التطابق مع مسيرة النضال الفلسطيني في المنفى. فهذا النضال يسير ضمن قطبين متداخلين: -    المثقف الذي يحاول الالتصاق بالجماهير لأنه يخرج منها مباشرة، حياته الخاصَّة جزء من حياتها العامّة. فالمخيَّم والتشرُّد لا يسمحان بحيِّز من الحياة الخاصَّة والثقافة الخاصَّة. إنهما يفرضان التحاماً، حتى ولو كان من طينة الصرخة التي يطلقها «أبو الخيزران»، أي صرخة يريد المؤلف خوضها حتى لا يختنق القارئ. ولا تهبط العلاقة إلى السكوت الكامل. -    وحركة الجماهير التي تندفع في تحول رومانسي سريع. هذا التحوُّل ليس نتيجة حتميّة لواقعها، إنه نتيجة علاقة هذا الواقع بالأيديولوجيا العاجزة عن صياغة أجوبة محكمة لأسئلة طرحتها على نفسها، من خلال آليّة صعود الشعارات القوميّة. تناول غسان كنفاني، في هذه الرواية، الجانبين، السلبي والإيجابي، وأثرهما في تطوُّر الموقف العربي من قضيَّة فلسطين، فيتطوَّر الواقع الروائي لديه من واقع سلبي يعيشه صاحب الحقّ مسلوباً مضطهداً يائساً من حياته التي أصبحت فقداناً وضياعاً ومواتاً وصفقة للتلاعب، يتطوَّر هذا الواقع الروائي ليصبح واقعاً يتحرَّك بإيجابيّة أبطاله الجدد الذين تخلقهم ظروف مجتمعهم وتصنعهم معاركهم مع الواقع( ). في «رجال في الشمس» تبدأ مسيرة إعادة التحام المناضل بأرضه وقضيَّته عبر مواجهة عدوّه. كثير من الروائيِّين الذين كتبوا عن حياتهم أجمعوا على أن الروائي هو «الإنسان الذي يعيش في ذاته أكثر من رجل واحد». الروائي يتضامن مع الوضع الإنساني الذي يعيشه بشفافيّة تجعل أبطال هذا الوضع يعيشون في ذاته. هؤلاء «الرجال» المتصارعون داخل الذات الواحدة لا يعطون هذه الذات الحريَّة والسلام إلا عندما تحرّرهم بوسط يعبرون فيه عن أنفسهم بحرِّية، بالرواية. إذا صدقنا هذا الوصف (وليس هناك وصف آخر) فإنَّ غسان كنفاني يبدو وكأنه الروائي بشكلٍ عكسي. في ذاته يعيش رجال عدَّة، في ذاته رجل واحد لا يعبّر عن تناقضه مع العالم بوسط واحد بل بكل وسط ممكن، بالقصَّة، بالمقالة، بالخبر، بالمظاهرة، بالحزب، بالحبّ، بالكراهية، بالغضب. وعندما يعبّر عن نفسه بوسط ما فكنفاني لا يشعر بالراحة التي يشعرها الفنان، بل على العكس ينتقل لوسط آخر، ولهذا يكتب بغزارة مئة إنسان لأنه إنسان واحد. ويستعمل كل أدوات التعبير لأنه يريد أن يعبِّر عن قضيَّة واحدة، ليتمكن من ذلك لا لأنه يملك إمكانيَّة نادرة، ولكن لأنه يملك حسّ الضرورة التاريخيَّة. لقد تمكن من أن يصبح «فلسطينياً فقط» ولم يتمكنوا من القبض عليه لأنه يدافع عن نفسه بأكثر من طريقة وأسلوب( ).

  • أعجبني
  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
  • 0

( رجال في الشمس ) رواية قصيرة تقع في (110 صفحات) ،              ببساطة تحكي عن ثلاثة فلسطينيين، ونتيجة للا حتلال الصهيوني             والعنف الذي مارسه الصهاينة ضد الفلسطينيين ، ولضيق ذات اليد             وشظف العيش، قرروا الخروج من الوطن بحثاً عن لقمة الخبز .               كانت الكويت في بداية نهضتها، بدأت تستقطب العمالة العربية                                                                                                                                                                                                                      الوافدة ، فكان هدفهم الوصول إلى الكويت للعمل، ولأنهم لا يملكون أية             أوراق ثبوتية أو جوازات سفر، فكان الطريق الأقصر هو التسلل تهريباً             إلى الكويت. فاجتمع الثلاثة في البصرة، النقطة الأقرب إلى دخول الكويت             وتعرضوا لابتزاز عصابات التهريب .                   حتى يلتقوا بواحد من جلدتهم (أبو الخيزران) الذي يعمل سائقاً لأحد         خزانات المياه العائدة لتاجر كويتي، وكان في البصرة لإصلاح الخزان، فيقنعهم         فيقنعهم بأنه خير من يوصلهم إلى الكويت . وخلال نقله إياهم يطول عليهم        الوقت وهم داخل الخزان في حر الصيف الملتهب في الصحراء  يختنقوا ويموتوا        فيرميهم السائق قرب المزابل بعد أن يجردهم من أموالهم وممتلكاتهم . رابعاً : الرواية / التحليل     • إضاءة قبل البدء  1. حاول غسان كنفاني في (رجال في الشمس) أن يصف تأثير نكبة 1948            على الشعب الفلسطيني ، وقدم لنا صورة الفلسطيني اللاجئ ، وهي ذات          الصورة التي طورها في روايته الثانية (ما تبقى لكم) ليقدم  فيها الفلسطيني          الفدائي ، ثم في روايته الأخيرة (عائد إلى حيفا) ليقدم فيها الفلسطيني الثائر 2. هذا يعني أن كنفاني في روايته الأولى (رجال في الشمس) لا يدين الاحتلال    فحسب ، بل أنه يدين كل الأطراف التي تسببت في نكبة فلسطين : القيادات    الخائنة ، والقيادات العاجزة ، والشعب المستسلم الذين تخلوا عن الأرض    ليبحثوا عن خلاصهم الخاص، إنه يدين الفردية التي يراد للعربي الفلسطيني   أن يغرق فيها . 3. هذه الفكرة التي أراد الكاتب توصيلها للمتلقي في (رجال في الشمس) هي    التي لونت الرواية بالرمزية الواضحة ولغتها بالإيحائية . ولكي نستكشف ذلك    نقوم بتحليل الرواية وعناصرها الأساسية . • الـتــحــلــيــل v                                     تروي القصة حكاية ثلاثة فلسطينيين من أجيال مختلفة يلتقون حول           ضرورة إيجاد حل فردي لمشكلة الإنسان الفلسطيني المعيشية للهرب إلى الكويت ، وهم ثلاث شخصيات رئيسة : 1. أبوقيس: رجل عجوز ، مزارع بسيط فقد بيته وشجرات الزيتون ، وأصبح     يعيش مع عائلته في المخيمات ، شديد الارتباط بوطنه يحلم بعودة ما كان     لكنه لا يعرف كيف؟. خرج مضطراً ليصل إلى الكويت ويحصل على المال     ليبني بيتاً ويشتري شجرات زيتون جديدة. 2. أسـعـد: شاب مناضل تطارده السلطات لنشاطه السياسي ، يحلم للعمل في     الكويت وتكوين ثروة يردّ بها إلى عمه الخمسين ديناراً التي أقرضه إياه     شريطة أن يتزوج ابنته ، وليكون في حل من هذا الشرط. . 3. مروان: الصغير ذو الستة عشر عاما يحاول أن يتغلب على مأساته المعيشية،        فشقيقه يعمل في الكويت تركهم دون معيل لأنه تزوج، ووالده تزوج امرأة أخرى،        فكانت فكرة اللجوء إلى الكويت ملحة ليساهم في إعالة أسرته. •   هذه الشخصيات الثلاث جميعهم يعانون من الاحتلال وعنفه ، ويعانون من شظف العيش وضنكه، لذا كان هدفهم واحد هو الوصول إلى الكويت بأي ثمن حتى ولو كان طريق الهرب أثناء تلك الحقبة. وبدأت المعاناة في رحلة آلاف من الأميال وصولاً إلى أصحاب مكاتب مهربي العمالة السيئين الجشعين الذين يستغلون ظروف المضطرين للهرب إلىالكويت لطلب العمل والاسترزاق ، كل ذلك لتحقيق الحلم حتى وإن كان عب الشاحنة التي        أقلتهم كأصعب وسيلة نقل برية آنذاك، وقسوة الصيف الحارق من البصرة        إلى الكويت. وهنا تبرز الشخصية الرئيسة الرابعة . 4. أبو الخيزران: وهو سائق فلسطيني ماهر، يعمل لدى تاجر كويي ، سبق أن     تأثر بانفجار قنبلة أفقدته رجولته، وأعطته كل مرارات العالم، وأصبح       طموحه أن يكوّن ثروة يعيش بها في هدوء وسكينة. •  وتبدأ الرحلة الجهنمية في صحراء ترسل شمسها شواظاً في لهيب قاتل ، وقبل الوصول إلى نقطة الحدود بخمسين متراً يدخلون الخزان لدقائق معدودة – كما اتفق معهم (أبو الخيزران) – ريثما يـُنهي الإجراءات ويسرع إلى سيارته ليخرجهم بعد خمسين متراً . ويمر الأمر– رغم الجهد – بسلام عند نقطة الحدود العراقية، لكن المشكلة عند الحدود الكويتية إذ يتأخر عليهم نتيجة مشاغلة وممازحة رجال الجمرك الكويتي له ( فهم يعرفونه        ويعرفون التاجر الكويتي الذي يعمل أبو الخيزران عـنده ) ، هذه الممازحة        السمجة والتي أخذت وقتاً أكثر من اللازم كانت كافية لاختناق الثلاثة في        الخزان ثم موتهم. في النهاية يلقي أبو الخيزران بالجثث الثلاث في المزبلة        بعد أن يجردهم من ممتلكاتهم. •  نعود للشخصيات الأربع نتفحصهم، رغم أن كنفاني يصف الشخصيات الثلاث ببراعة ( فهم من أعمار مختلفة، ومستوى ثقافي واجتماعي مختلف وربما أحلامهم مختلفة أيضا ً)، ويصف معاناتهم ومأساتهم بفنية عالية مصوراً أحلامهم وهم يستقلون شاحنة الموت. لكنه يدين استسلامهم وضعفهم وتركهم أرضهم وتفكيرهم بالحل الفردي للمشكلة ، لذا يزيد      معاناتهم حال تركهم الوطن من خلال الشخصيات الثانوية التي يجعلها     الروائي معوقات في طريق تحقق الحلم ، سواء المهرب الفلسطيني الذي ترك     أسعد في منتصف الطريق وهرب ليتركه يواجه مصيره وحيداً إلى بغداد ، أو    المهرب العراقي الذي يساومهم ويبتزهم مادياً ، أ و رجال الحدود الذين يتسببون        في موتهم لتأخر السائق عنهم . •  وكأن الروائي يريد أن يقول أن الحل الفردي خارج الوطن لا يوصل إلى  نتيجة بل إلى الموت ، فقد ماتوا فوق مزبلة التاريخ وهم يبحثون عن  خلاصهم الشخصي بعيداً عن المكان الحقيقي الذي يجب أن يكونوا فيه فالتخلي عن الأرض يعني الموت . •  إن كنفاني حين يبرز لنا حجم معاناتهم  وشعورهم ، وإدراكنا كقرّاء لهذه المأساة ، فإنه يستبطن دواخلهم من خلال تيار الوعي في سرد الأحداث (سوف نتناول تيار الوعي لاحقاً). •  إنه يدين الحلول الفردية ولا يراها توصل إلى الهدف في حل المشكلة ، بل حتى الشخصية الثانوية أبو مروان الذي يتزوج امرأة فقدت ساقها لأنها تملك داراً من ثلاث غرف بسقف إسمنتي ، ليهرب من مسؤولياته ، حتى هذا الحل جاء كسيحاً لا يمكن أن يحقق الهدف . •  أما الشخصية الرابعة (أبو الخيزران) والذي نعده الشخصية المحورية أو      البطل (Hero  ) فقد قدمها الروائي لنا بملامح خاصة، فهو رجل وسط بين الرجال الثلاثة، وهو منهم لكنه فاقد للرجولة، يستغـل - عمله على شاحنة مياه لتاجر كويتي - في تهريب العمالة إلى الكويت في نفس الوقت يقضي أوقاتاً ممتعة في البصرة بحجة تصليح الخزان، وهو يفاوضهم - فردياً وجماعياً - مظهراً نفسه المدافع عـنهم ومخلـّصهم من عصابات التهريب،     ولديه القدرة على الإقناع، وهو السائق الذي سيوصلهم إلى الكويت بسلام ،       لكنه يوصلهم إلى الموت، بل يجردهم من ممتلكاتهم حتى بعد موتهم . •  هذه الشخصية يقدمها الروائي كنموذج للقيادة الفلسطينية القديمة التي تحولت بيد الرجعية العميلة تحركها في الخفاء ، إنها تدّعي التفكير في المجموع بينما تسعى إلى مصالحها لشخصية مهما تأذى الآخرون  و أضيروا . والروائي أيضاً يرفض أسلوب التفاوض الذي لا يوصل الشعب الفلسطيني إلى أهدافه ، إنهم يتفاوضون لتحقيق مصالحهم الشخصية كما        فعل أبو الخيزران سائق عربة الموت (إيحاء آخر) ، وبالتالي فكنفاني يدين        هذه القيادة الفاقدة للشرعية ( أبو الخيزران فاقد للرجولة – رمز آخر ) فهي        غير مؤهلة لقيادة الشعب إلى هدفه. •  والأكثر من ذلك أن كنفاني أبقى أبا الخيزران حياً لهدف ؛ وهو تجسيد        للأزمة التي لا تزال حية باقية ، مهما بلغت المأساة المتمثـلة في العق       وفقد الذكورة . •  إذن هؤلاء الشخصيات الأربع يتوزعون في رمزين ؛ الشعب الضعيف       المستسلم الذي يبحث أفراده عن الحل الفردي للمشكلة ، وهم الشخصيات       الثلاث ، ثم القيادة المتخاذلة الذليلة الجشعة والتي أوصلتهم إلى قمة       المأساة وهو الموت ورمي جثثهم في المزبلة وهو شخصية أبي الخيزران . •  بل أن هذه الرموز تصبح نماذج إنسانية، يمكن أن يمر بها كل المقهورين       المنكوبين الباحثين عن غد أفضل ( وهذا ما حدث فعلاً حين غرقت بعض       العوائل العراقية في المحيط وهم يستقلون مركباً شراعياً بحثاً عن مكان آمن           وقبل سنوات مات ثمانية عشر سودانياً جوعاً وعطشاً في الصحراء الليبية ) v  الأمر الثاني  : الذي يركز عليه كنفاني في الرواية اعتماده بشكل كبير على الحوار الداخلي أو تيار الوعي أو( المونولوج ) سواء في  سرد الأحداث أوفي أثرها على داخل الشخصية . •  قلنا أن الرواية الحديثة وظفت تقنية المنولوج كثيراً ، غير أن استخدامه في  مثل هذه الرواية الرمزية يأخذ المونولوج بعداً إيحائياً قوياً. إن كنفاني باستخدامه هذه التقنية يحاول أن يكشف الشخصيات من الداخل ويعريها أمام نفسها وأمام الآخرين، ويرصد أثر الأحداث التي تمر بها الشخصيات، وأثر العلاقات المتشابكة بينهم وبين الشخصيات الأخرى من أبي الخيزران إلى المهربين .   •  ومهما بدت الشخصيات أمامنا متماسكة قوية تسعى إلى تحقيق هدفها  بثبات ، لكن حين يستبطن الكاتب الشخصية من الداخل من خلال تقنية (المنولوج) تبرز أمامنا مدى هشاشة هذه الشخصيات وضعفها وخوفها من المجهول وقلقها على اكتشاف سرها ، حتى أبو الخيزران السائق- القائد الذي يبدو قوياً مستغـِلاً انتهازياً ، وبكل صفاقة يجرد الأموات ممتلكاتهم ، حتى هذه الشخصية عندما يعريها الكاتب بتقنية (المونولوج) نراها كم هي       ضعيفة وعاجزة ، بل وغير مؤهلة للقيادة . •  ولكثرة مقاطع استخدام (المنولوج) لا نستطيع تقديمها كلها ، لكنا سنستشهد ببعض المقاطع الأكثر إثارة وفنية وقدرة فائقة على استبطان داخل الشخصية ومنها الحوار الداخلي الذي يعـتـمل في داخل أبي الخيزران حين سأله أسعد في طريق الرحلة الجهنمية ( - قل لي يا أبا الخيزران ، ألم تتزوج أبداً ؟ )                   ( راجع الرواية، ص 60-59 / وأيضاً /79 -78  وهناك أكثر من مثال ) •  شيء آخر يأتي ضمن استخدام تقنية المنولوج الداخلي ، وهو تداخل الزمن بشكل انسيابي  ودون توقف في اندفاع الشخصية لاستبطان ذاتها ، وكان كنفاني فناناً في الانتقال عبر الزمن ، مستفيداً من تقنية السينما الحديثة. فعلى سبيل المثال في بداية الرواية حين تـتـدافع الذكريات على أبي قيس ،  تتداخل الأزمنة فينتـقـل بين الحاضر والماضي أكثر من مرة بشكل متداخل     مما يستدعي التأني في متابعته أبي قيس في شريط ذكرياته .                                                  ( انظر الرواية ، ص 8 – 7 وهناك أكثر من مثال ) •  كذلك ومن خلال تقنية المنولوج ( تيار الوعي ) ، نجح كنفاني في توظيف  أسلوب تعدد الأصوات بشكل فني ٍ بارع ، وعلى القارئ أن يتأمل تلك الأصوات  جيداً ويـُرجع كل صوت لصاحبه ‘ وإلاّ فإنه يسيء الفهم ويطلق الأحكام جزافاً .                                             ( انظر الرواية ، ص 79 -78 - 77 )   v  الأمر الثالث : الذي يركز عليه كنفاني في الرواية ، هو توظيف اللغة الإيحائية المزحمة بالرموز، وقلنا أن الرواية الرمزية تستخدم لغة مكثفة مختصرة موحية وكأنها قصيدة نثر . •  رواية (رجال في الشمس) رواية محكمة ليس فيها كلمة زائدة أو موقف بلا معنى أو عبارة إنشائية ، ولا يلجا كنفاني إلى الشعارات أوالتقريرية والمباشرة ، إنه يستخدم اللغة المجازية بشكل ممتاز، فكل كلمة توحي بشيء. واستخدام كنفاني هذه اللغة الموحية يهدف إلى شيئين: أولاً  الناحية الفنية، فالفن إيحاء لا تقرير، واللغة التي يصف بها الشخصيات      والأحداث توحي لنا بمعاني هو لا يقررها مباشرة، لكننا ندرك أنه يريدها. وثانياً  هو يربط بين الشخصية والحدث وبين هذه اللغة الإيحائية ليزيدها      عمقاً أو وضوحاً أو معاناة ً، ويزيد الحدث إبرازاً ، والمعـنى البعيد الذي      يهدف إليه الكاتب حين يسرد حدث بطريقة إيحائية رمزية. فحين استلقى أبو قيس - على سبيل المثال - على شاطئ شط العرب في البصرة نظر إلى السماء وكانت بيضاء متوهجة .. ( انظر الرواية ،  ص  8 ) ويستمر الطائر الأسود يتابع أبا قيس .. (  صوت الشط يهدر ، والبحارة يتصايحون ، والسماء تتوهج والطائر الأسود ما زال  يحوم على غير هدى)   ( الرواية ، ص 14 )  إنها المعاناة التي يحملها في داخله، تلاحقه، تقلقه من المجهول ، تمشي معه على غير هدى مثل ذلك الطائر. •  الحمامات السود نفسها  تلاحق مروان ، رآها حين نهض مبكراً لملاقاة أبي الخيزران.. ( كانت السماء ما زالت تبدو زرقاء تحوم فيها حمامات سود على علو منخفض ويسمع رفيف أجنحتها كلما اقتربت في دورتها الواسعة من سماء الفندق ) ( الرواية ، ص 36 ) إنه الموت الذي ينتظره . •  وكلمة الطريق التي تلح على وجدان أسعد لها دلالة فحين قال له المهرب   العراقي السمين في البصرة ..( بوسعك أن تستدير وتخطو ثلاث خطوات وستجد نفسك في الطريق ) ( الرواية , ص 20 ) ، الطريق هو الطريق نفسه الذي ظل يمشي فيه ساعات طوال بين الرمال والصخور في الصحراء بين الأردن والعراق وحيداً بعد أن خدعه المهرب الفلسطيني، وهو ذات الطريق الذي سيسلكه أملاً في الوصول إلى الكويت ، فيموت على قارعة الطريق.        وصورة رمزية أخرى حين قالت زوجة الأجنبي - الذي التقط أسعد في      سيارته وأوصله إلى بغداد .. ( أوف ! إن هذه الصحراء مليئة بالجرذان ،      تراها ماذا تقتات ؟ أجاب بهدوء : جرذاناً أصغر منها..) ( الرواية ، ص 29 )،     صورة رمزية تعكس حالهم، فهم الصيد السهل لمن هم أكبر منهم (المهربون )     بالنسبة لهم، وبشكل عام هي مأساة الشعب الفلسطيني.( والرموز كثيرة في الرواية)         •  أسلوب آخر يستخدمه كنفاتي في الرواية ، وهو أسلوب المفارقة لتبرز حجم     المعاناة، مثل ممازحة رجال الحدود لأبي الخيزران فسببت تأخره عن القابعين     في قعر الخزان حتى ماتوا. ومفارقة أخرى حين يتهم رجل فاقد الرجولة أنه     يقيم علاقات مع النساء،  فقد زعم رجال الحدود أن لأبي الخيزران علاقاته     غرامية . ( أنظر الرواية ، ص 87 - 85 )                                                                                              v   نقطة أخيرة   حين رمى أبو الخيزران الجثث الثلاث في المزبلة، وجردهم من الأموال والساعات وانطلق بسيارته مبتعداً ، أخذ يتساءل بدهشة :             -  لماذا لم يدقوا جدران الخزان ...؟             - لماذا لم تدقوا جدران الخزان ؟ لماذا لم تـقولوا ؟ لماذا ؟  وفجأة بدأت      الصحراء كلها تردد الصدى :   -  لماذا لم تدقوا جدران الخزان ؟؟   لماذا ؟ لماذا؟ لماذا ؟  الرواية ، ص 95   )   هي الصرخة التي أطلقها غسان كنفاني، وأنهى بها روايته، على لسان أبي الخيزران أولاً  ثم رددت الصحراء صداه. لهذا الموقف أو النهاية معـنيان، الأول بالنسبة لأبي الخيزران إنه بهذا الصوت يحاول إخماد صوت ضميره . أما صوت الصحراء والذي يحمل الحقيقة والتاريخ: لماذا يموت الفلسطينيون جزافاً؟ لماذا ؟ .. لماذا ؟ . وبقى هذه الصرخة (  لماذا لم تدقوا جدران الخزان ؟ ) تفتح باب الأمل كبيراً ، فإن رجال تحت الشمس قادمون لن يحتاجوا إلى عربة الموت ، لأنهم سيعرفون الطريق إلى شمس الحياة الحقيقية ، وهي دلالة متفائلة جسّـدها كنفاني في روايتيه اللاحقتين ( ما تبقى لكم ) حيث الفلسطيني الفدائي، و( عائد إلى حيفا ) حيث الفلسطيني الثائر .  

  • أعجبني
  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
  • 0


أسلوب غسان الرائع في توظيفه للرمز في الرواية أعطاها بُعدًا لغويًا جميلا

مع أنّها افتقرت للتصويرات الجميلة والغنى الفني الا انها حملت بين طيّاتها ماهو أعظم من ذلك

لماذا لم يقرعوا جدران الخزان ؟؟
جملة حملت معاناة كاملة بين حروفها وفوق نقاطها ,

وهل يا تُرى سَيقرع ذاك الفارغ جَوهريًّا يومًا ما !؟

//

رحمَك الله غسّان ,

  • أعجبني
  • تعليق
  • مشاركة
  • 1
  • 0

يقول الناشر في ( تمهيد ) هذه الطبعة من الرواية أن غسان يتحدث هنا بشكل ما عن "إرادة الفعل الفلسطيني" ، ثم هو لم ينتبه إلى إستغراب ( الخصيّ ) من عدم دق الثلاثي الفلسطيني المهاجر لجدران الخزان، و أنت ترى هنا صراعًا مهزومًا مقدمًا بين إرادات مختلفة، إرادة دق الخزان و الهروب من هذه المحرقة المصغرة مع فقدان فرصة "الغوص في المقلاة"، بتلميحاته الرمزية المتعددة، وإرادة الوصول إلى الكويت مع وجود فرصة لأمل أخير في النجاه لكن الموت خانهم. أم هي إرادة الموت؟، الموت دون ضجّة، هل هي إرادة (أن تسير إلى الموت بغير إرادة)؟؟!.

بالطبع لم يفكر ( الخصيّ ) في كل هذه الإحتمالات، لقد فقد ذكورته التي هي القضية الأولى لنوعه، كونه ذكر، فقد قضية كبرى، أصبح من المهم الآن " الفلوس .. الفلوس .. الفلوس"، دون تبرير فيما يمكن عمله بهذا المال، إشارة ما ها هنا. " لماذا لم يدقوا جدران الخزّان " ، هولوكست حقيقية تحدث، ذوبان من فرط الحر، لكن الفلسطينيين لا يستطيعون إحداث ضجيج كافٍ بشكل يستطيع المنافسة، و فاقد الذكورة، فقد القضية في منتصف الرحلة كالعادة، و حصل على المال، ثم " لماذا لم يدقّوا جدران الخزان ؟"

  • أعجبني
  • تعليق
  • مشاركة
  • 1
  • 0
أضف مقتطفاً

الشمس في وسط السماء ترسم فوق الصحراء قبة عريضة من لهب أبيض، وشريط الغبار يعكس وهجاً يكاد يعمي العيون..
  • تعليق
  • مشاركة
  • 12