عن الطاهر بن جلون

كاتب مغربي فرنسي. انتقل إلى طنجة مع أسرته سنة 1955 حيث التحق بمدرسة فرنسية. وكان قد اعتقل عام 1966 مع 94 طالب آخر لتنظيمهم ومشاركتهم في مظاهرات 1965 الطلابية، وهي تجربة دفعته بحماس إلى تبني نوع آخر من المقاومة أساسه الكلمة لا الفعل. ودرس الفلسفة في ا..

عن الطاهر بن جلون

كاتب مغربي فرنسي. انتقل إلى طنجة مع أسرته سنة 1955 حيث التحق بمدرسة فرنسية. وكان قد اعتقل عام 1966 مع 94 طالب آخر لتنظيمهم ومشاركتهم في مظاهرات 1965 الطلابية، وهي تجربة دفعته بحماس إلى تبني نوع آخر من المقاومة أساسه الكلمة لا الفعل. ودرس الفلسفة في ا..

عن بسام حجار

ولد في صور (جنوب لبنان) عام 1955. حصل على الإجازة التعليمية في الفلسفة العامة من الجامعة اللبنانية، وتابع دراسته العليا في باريس حيث حصل على دبلوم الدراسات المعمقة في الفلسفة. عمل في الصحافة منذ عام 1979 فكتب للنداء (1979 ـ 1982) ثم للنهار (1978 ـ 19..

كتب أخرى لـِ الطاهر بن جلون، بسام حجار


thumb

thumb

thumb

thumb

thumb

thumb

قرّاء هذا الكتاب يقرؤون أيضاً


thumb

thumb

thumb

thumb

thumb

thumb

الكتاب على رفوف القـرّاء


تلك العتمة الباهرة (223 صفحة)

عن: دار الساقي (2004)

رقم الايداع : 9781855165588
الطبعة : 4
أضافه : Mahmoud El-Shafey
التصنيفات : أدب،مذكرات شخصية و سير

رواية الطاهر بن جلّون هذه، مقتبسة عن الحقيقة، يروي لنا سجيننا معاناته، في الزنزانة "ب" مع 23 سجين غيره، ويقصّ علينا بأسلوب "باهِر" موتَ المعظم الساحِق من أصدقائه، وظروف موتهم. سُجِنوا لمحاولتهم الإنقلاب على الملك المغربي الحسن الثاني، في إنقلاب الصخيرات الشهير في 10 آب 1971. الكلمات لم تستعصِ على الطاهِر بن جلّون لوصف الحفرة -الحبس- الذي دفنوا فيهِ أحياء، على مدار 18 عاماً. لم يفقدوا إيمانهم بالله، وبقيَت ألسنهم رطبى بالقرآن والحديثِ الحسن. إرتقوا فوق عذاباتهم الجسمية، إرتقوا فوق الجوع، فوقَ التقتير، فوق الضيق، فوق العتمة، فوقَ العقارِب والصراصير، وفوقَ سخرية السجّان. وفي النهايَة، يتواطؤ السجّان مع سجينه، ويبدأ نموّ أمل الحرية، بعدَ أن قتلوه. هيَ فعلاً رواية باهِرة، فوقَ الوصف. جميلة، مؤلمة، ولا ترتوي منها


  • الزوار (2,640)
  • القـٌـرّاء (39)
  • المراجعات (4)
ترتيب بواسطة :

اختراع الحياة من اللاشيء
للمرة الثانية أقرأ تلك العتمة الباهرة، وأشعر بشيء مسّنى على نحو شخصي .. في القراءة الأولى ربما كنت قارئاً خارجياً لعالم لم أعهده، لكن عندما تُحفرُ في ذاكرتك كل تفاصيل الحياة باختبار دقيق وحي، ستعلم عمق المأساة التي يتحدث بها الطاهر.
الزمن هو الشيء الجوهري هناك.
ما جدوى العقل، هنا حيث دُفنّا، أقصد حيث وُورينا تحت الأرض وتُرِكَ لنا ثقبٌ لكفاف تنفّسنا، لكي نحيا من الوقت، من الليالي، ما يكفي للتكفير عن ذنبنا، وجُعِلَ الموت في بطئه الرشيق موتاً مُتمادياً في تأنيّه، مُستنفداً كل البشر الذين ما عُدنا منهم، وأولئك الذين مازالوا يحرسوننا، وأولاء الذين حللنا في نسيانهم التام. آه من البطء !.
على ذلك النحو يُجابهنا الطاهر منذ البداية، يكرمش كلماتهُ ككرةٍ ويرمي في وجوهنا تفاصيل المأساة والرعب البشريين. إنه يرمي الحقيقة لعوالم لم نختبرها قبلاً، عوالم أشبه بخيالٍ سمعنا عنه في حكايات الآباء.
سجن تزمامارت، ذلك المكان الموحش والكئيب، الشبيه بسجون الكاظمية في العراق، طرّة في مصر، روميّة في لبنان، جو في البحرين، وتدمر في سوريا. تختلف الأمكنة والمسافات، لكنّ الذكريات واحدة. محاولة الحياة من اللاشيء واحدة. الإنسان المهدور دون ذنب واحدٌ في كل موضع.
لكل نص أدبي بديهيات سردية. لكن في نص الطاهر، يسقط البديهي ليحلّ اللامعقول. هناك مكان وشخوص وزمان سردي، لكن زمن الشخصية مجهول. نحن نتعامل مع إحساس، مع أفكار مجردة، مع أمنيات، ومع خيال شخصي.
في سجن تزمامارت، لنا خيارات التفضيل بين وجعين، يُوزّع على كل شخص بطانيتان رماديتان طُبع عليهما الرقم 1936، ومحظور علينا أن ننادي بعضنا بالأسماء. نحن أرقام. 
كم سجين في هذا المكان الممتد بين المحيط والخليج، يمكن أن يكون بطل الطاهر؟. وكم يمكن أن تكون الذاكرة حاضرة لتستمد الشخوص الحياة ؟.
يُطالعنا الطاهر على التفاصيل الدقيقة للأفكار في الزمن المُختفي. كل ما يتم الحديث عنه هو شيء مكاني. استدلال دائم على المكان .. الفِراش، الزنزانة القبر، روائح البراز والبول. الزمان الوحيد هو الخيال.
في داخل العقل يمكن للموت البطيء أن يستمد شكل الزمن.
منذ ليلة العاشر من تموز 1971، توقفت سنوات عمري. لم أتقدّم في السن، ولم أجدد صباي.
توقف الزمن. في تلك اللحظة، تمّ التحول ليكون كل شيء عبارة عن مكان. ويجب الاستمرار مع تلك الحقيقة المؤلمة. عندما يختفي الزمن يُصبح الإنسان عُرضةً لكل ما هو محتمل وممكن من اللاوعي.
ما عادت لنا أسماء. ما عاد لنا ماضٍ أو مستقبل. فقد جُردنا من كل شيء، ولم يبقَ لنا سوى الجلد والرأس. الرقم 12 أول من فقد عقله، وسرعان ما أصبح لا مبالياً، أحرق المراحل.
أجل. هكذا تبدأ الشخوص باسترجاع الزمن. دائماً هناك ضريبةٌ بديلة للوجود البشري. عندما يُختطف الزمن من روحك فلا بُدّ من اكتشاف شيء يجعلك تستمر حتى وإن كان التضحية بالعقل، أو تمرين الروح على الروتين الأبدي.
الرقم 12 اسمه حميد، مجنون، مُتأتئ. لا شيء يوقف هذيانه وتمتماته سوى قراءة القرآن. هذيانه هو الزمن الوهمي، لكنه حقيقي في دماغه. ذاك ما يجعله قادراً على الاستمرار. الرقم 10 غربي، رجل متدين هادئ، يحلم بأن يصبح مفتي الثكنة. الطموح هو معيارٌ زمني. غربي لا يرى في الافتاء شيئاً مهماً، لكنه ضروري ليكون هناك زمن.
الرقم 15 كريم، لديه مَلكةُ معرفة الوقت. إنه إحساس دقيق. 
كان شاباً سكوتاً، قلّما يبتسم، غير أن هوسه الوحيد كان الوقت. كانت ملكاته هذه تؤهله لأن يصير روزنامتنا وبندولنا، وصِلتنا بالحياة التي خلفناها وراءنا أو فوق رؤوسنا.
في سجن تزمامارت، مثل كل سجون الديكتاتوريات، لا يملك الإنسان المهدور سوى معرفة إحساس الزمن، والخيال. تلك التفاصيل الدقيقة، الروتينية، البليدة، عندما تُصبح كل العالم والوعي والإحساس. إنها محاولة مستحيلة لاختلاق الحياة.
يدخل الطاهر إلى عمق الشخوص ليُقدّم لنا اليومي المرعب، والمُعاش الزائل بألمٍ ينسجُ في روح القارئ مادةً من الحقد على كل من يسرق الحياة والحريّة.
هل نحن الذين لم نختبر السجون يوماً، يمكن أن نكون في موضع أولئك السجناء ؟، وإن كُنّا، فكيف سنحيا ؟. ليست المشكلة بأن تكون فرداً خاضعاً لتعذيب جسدي، إن الأمر في نصّ الطاهر أعقد من ذلك، إنها حربٌ شرسة كي تشعر بآدميتك. أن تكون الشخص القادر على اختلاق التفاصيل والزمن كي تستمر في الوجود.
في السجن تنكسر الشخوص، قلائل من يملكون الثقة بالعالم الخارجي. هل زوجتي تنتظرني ؟ هل ابني الذي وُلِد وأنا هنا هو ابني ؟. هل حققوا مع أبي وصفعوه ؟ هل اغتصبوا أختي ؟.
في السجن تنكسر لأنك لا تملك يقيناً بشيء. الشك يأكل كل دماغك وروحك، ستُفكّرُ بأدق التفاصيل. الشارع، عمود الكهرباء في زاوية الحديقة، الحاوية الممتلئة، والقطط التي تأكل مخلفات البشر. كل الصور في السجن تمرّ على الذاكرة دون استأذن. ستُمضي الوقت في صناعة الوهم أو الحُلم، أو حتى الطبخ. ستُفكّرُ وتضحك من أسخف الأفكار، وستتقمّص دور المهرج أو الغاضب من الحياة. ستكتبُ كلماتك الواهية حفراً على الجدران. 
شخوص الطاهر تختلق الحياة في محاولة لإثبات أن هناك خارجاً الكثير من الأشياء التي تستحق الاستمرار. إنه صراع التخيّل بأنّ البشر يكترثون حقاً لأولئك المُضحين بأنفسهم في سبيل تحرّر الشعوب. لكن هل ذلك حقيقي ؟.
ربما يُدرك السجناء أنّ لا أحد يكترث بكل ما جرى ويجري لمستقبلهم، لكن الإقرار بالحقيقة يقتل الإنسان، لا بُدّ من التخيّل بأن ما فعلوه هو شيء يستحق الخلود والمجد.
الإنسان كائن كاذبٌ على ذاته في أقبية الديكتاتوريات. الإنسان الضحيّة لقضيّة لم يحن موعدها بعد.
من عرف الحياة حتى ليوم واحد في أقبية الديكتاتوريات، سيعلم تماماً ماذا يريد الطاهر.


  • أعجبني
  • تعليق
  • مشاركة
  • 1
  • 1

هذه الرواية قطعة من العذاب ، ستعيش مع صاحبها سجينا حتى تنهار بنفسك حين تضع يدك على وجهك في آخر الرواية لتتلمس ملامحه التي شوهها ظلام السجن و عذابه، يالجبروت الملك و قسوته!


  • أعجبني
  • تعليق
  • مشاركة
  • 1
  • 1

هو "إنسان " بقي حبيس السجن ما يقارب العقدين من الزمن ، في ظلام دامس ، حيث لا شعاع من نور ولا أثر لحياة ،إنما هو الموت وحده يلوح في أفقه . تخيلته في ذاك "القبر" حيث دفن حيا ، أردت التعقيب على ما قرأت ،ولكن لا أجد ما أقول .. هي قصة مؤلمة ، مفجعة، واقعية ولكن تتخطى خيالنا ، ،فمن قد يستطيع تخيل ما حصل ؟؟ أفكر وأتساءل ، كيف استطاع الصبر والاحتمال ؟؟ كيف صارع الموت ؟؟ بل كيف عاد الى الحياة ؟؟ وهل للحياة معنى بعد كل هذا ؟؟ كيف أطاق صبراً البقاء في حجرة لا تشبه أي شيء ، حجرة تقبع في اللامكان ،حيث لا صوت يخترق السمع سوى الصمت المطبق ، ولا نوراً يُرى سوى العتمة السوداء القاتلة ، ولاإحساس سوى الألم ألم القيود والجراح والمعاناة، يمتزج بألم أقسى وأعمق وأشد وطأة ، ألم الذل و الإهانة . أن ينتزع إنسان من حضن الحياة ليتلقفه ، لا الموت ، بل ما يشبه الموت ، ما هو أمر من الموت ، ليجرده من كل شيء ، من حريته ، من إنسانيته ، من حواسه ، وحتى من أحلامه وذكرياته، ليغدو رقما ، لا معنى له ولا قيمة ، فلا ماض، لا حاضر، ولامستقبل ، وإنما ظلام.. ظلام وليل كئيب يعقبه ظلام وليل كئيب أخر ، لتمر الأيام تليها الشهور والسنوات ، ويبقى هو ، حبيس الظلام، فينسلخ من الحياة ومن الموت ، الى برزخ بينهما ، ليعيش فيه معلقا ً، وتمضي أيام العمر في الانتظار، انتظار الحياة وانتظار الموت تقترب الحياة تارة ليجذبه الموت يأساً ويقترب الموت تارة أخرى لتجذبه الحياة أملاً كلاهما جاثمان أمام عينيه ، بين يديه ،ولا يستطيع لأحدهما وصولا ، فيبقى ميتاً على قيد الحياة ، وحيأ على قيد الموت..

  • أعجبني
  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
  • 0

الطاهر بن جلون يكتب الرعب والموت في روايته «تلك العتمة الباهرة».. بعد مرور اكثر من عشرين عاما على إغلاقه وإزاحته عن المشهد السياسي يعود الروائي المغربي الطاهر بن جلون ليبنيه من جديد حجرا حجرا وزنزانة زنزانة، ليعيد تشكيل ذلك السجن المغربي الرهيب (تزمامارت) ليكون قوامه هذه المرة الذاكرة المتدفقة، والكلمات الموجعة، وهو بذلك يفتح أبواب الجحيم عبر «تلك العتمة الباهرة» التي قادته إلى تسجيل تفاصيل المكان، وقراءة ما كان يعتمل في نفوس نزلاء هذا السجن التعساء، وكيف كانوا يصلون بخشوع في انتظار رسالة إلهية، ويبكون في أواخر الليل الطويل كما لم يبك الرجال، ويبحثون في مجاهل الظلمة عن نسغ الحياة، هؤلاء، الذين وجدوا أنفسهم، ذات يوم حزين،أحياء في مقبرة، بكل ما تحمله هذه المفردة من معان، اثر فشل الانقلاب العسكري الذي دبرته مجموعة من الضباط لقلب نظام حكم العاهل المغربي الراحل الحسن الثاني في صيف عام 1971. أثارت رواية «تلك العتمة الباهرة» عاصفة من ردود الأفعال تراوحت بين السخط، والرضا، ومنهم من اتهم كاتبها بالتقصير والصمت طيلة السنوات الماضية، وزاد بعضهم بان بن جلون يفتح هذا الملف الآن مستغلا ما وصفوه ب«الانفراج السياسي» الذي شهدته المغرب في السنوات الأخيرة، لكن بن جلون دافع عن موقفه محذرا «لا أسمح لأي كان أن يمنحني دروسا في النضال». يستلهم بن جلون أحداث روايته، التي وصفتها اللوموند الفرنسية ب«الرواية الكبيرة» من شهادة أحد الضباط من بين مجموعة ضمت ثمانية وخمسين ضابطا أمضوا فترة حكمهم في سجن «القنيطرة»، ثم نقلوا في صيف عام 1973 إلى سجن (تزمامارت) حيث قضى نحبه اكثر من نصفهم، أما من بقي منهم على قيد الحياة فقد فقدوا الإحساس بموسيقى الحياة، واصبحوا محض جسد تالف يحاول أن يرمم، عبثا، مسافات الغياب المريرة التي دامت ثمانية عشر عاما تاقوا خلالها إلى قبس من نور، إلى نسمة هواء، إلى قبلة حانية، إلى رؤية الوجه في المرآة...فقد كانوا مجرد رقم ضائع في حسابات السياسة ومقادير السلطة. ولئن كان الحديث عن تلك الذكريات القاسية ينكأ الجراح، فلعله يستعيد، من زاوية أخرى، طهارة الروح التي بقيت معلقة هناك في «بتلات الورد» الاسم الذي أطلقه السجين - الشاهد بسخرية على «افظع مكان في العالم» كاقتراح للمسؤولين إذا ما أرادوا مسح ذلك العار الذي شهده سجن تزمامارت الذي ظل طي الكتمان، بل النسيان، إلى خريف عام 1991 حيث تم الإفراج عن السجناء، ورغم أن السجن قد تم إغلاقه لكنه استحال رمزا، وشهادة لا تدحض، على عصر سياسي رديء ليس في المغرب فحسب، بل في مختلف البلاد العربية حيث لا تزال سجونها تكتظ بالمعتقلين السياسيين، وسجناء الرأي. «لطالما فتشت عن الحجر الأسود الذي يطهر روح الموت. وعندما أقول (لطالما) أتخيل بئرا بلا قعر، نفقا حفرته بأصابعي، بأسناني. يحدوني الأمل العنيد بأن أبصر، ولو لدقيقة، لدقيقة متمادية خالدة، شعاع نور، شرارة من شأنها أن تنطبع في مآق عيني وتحفظها أحشائي مصونة كسر. فتكون هنا ساكنة صدري مرصعة ليالي البلاختام هنا في هذا القبر في باطن الأرض الرطبة، المفعمة برائحة الإنسان المفرغ من إنسانيته، بضربات معزقة تسلخ جلده وتنتزع منه البصر، والصوت، والعقل». بهذه اللغة المؤلمة والنبرة الكئيبة يبدأ بن جلون روايته ليصحبنا إلى مسرح الحدث أو بالأحرى إلى قاع بئر مظلم حيث يصوغ نصا تراجيديا مفعما بالانكسار، والحرمان، وذلك بضمير المتكلم الذي هو السجين السابق الناجي من المكان الذي كان الشيء الوحيد الأليف فيه هو رائحة الموت الغامضة، فقد نشأت مودة بينه، وبين الملاك عزرائيل الذي يبعث به الله لحصاد أرواح الموتى «كنت أراه متواضعا مجلببا بالبياض صبورا، ومطمئنا. كان يخلف وراءه عطرا من الجنة». أريد لذلك المعتقل الصحراوي الواقع في مكان قصي من الجنوب الشرقي للمغرب أن يظل محاطا بالنسيان سنوات طويلة، والواقع أن السجون العربية تكون في اغلب الأحيان في الصحراء أو على تخومها، وإذا صدف أن أقيمت بعيداً عن الصحراء، فإن المنطقة التي تقام فيها تتصحر وتكتسب مقداراً من الجهامة يجعلها غريبة منفّرة، أي تفقد في المطلق صفة المكان الأليف. وكان يكفي فحسب النطق باسم «تزمامارت» في السبعينات، والثمانينات، في المغرب، حتى يتعرض الإنسان لخطر المتابعة، والتحقيقات البوليسية، فمثلما كانت العتمة الأبدية تلف الزنازين، كانت ثمة عتمة مفروضة على البناء من الخارج، إذ حوصر بستار من الرعب، والتجاهل، ورهبة حراس شرسين قساة، وهذه أيضا مسألة مدروسة إذ يتم اختيار الشرسين، والفظين، والجهلاء لكسر معنويات السجين السياسي، وإذلاله حيث يتمادى هؤلاء في تعذيب مجموعة من السجناء قادهم قدرهم الأسود إلى المشاركة في محاولة انقلابية فاشلة، ولم يكن الأمر بيدهم، بل أعطيت لهم أوامر لحراسة قصر الصخيرات الملكي الذي يوجد بضواحي مدينة الرباط فحدث ما حدث، وأضحت هذه المجموعة نهبا للجوع، والبرد، والإهمال، فئة محاصرة بين براثن القسوة، والشراسة، والذعر فكان هينا على الحنين الذي اجتاح كيانهم لأن يقضي عليهم الواحد تلو الآخر، أما من قاوم ونجا فينطبق عليه ما قاله المتنبي «...كأنك في جفن الردى وهو نائم». ففي هذا السجن كان الوقت جامدا، ثابتا كالصخر، قاسيا، فحتى هواية تزجية الوقت لم تعد تجدي، وكان الملل والضجر والسأم يثقل أعمارهم الشابة، ويقتل أمانيهم، وخلال ثمانية عشر عاما لم يشهدوا ما يخرق هذا الروتين القاتل سوى ثلاثة أمور، فقد زارتهم يمامة كهدية من السماء حمّلوها رسائل إلى الأهل، وعصفورا دوريا جاءهم يعلمهم بأحوال الطقس عبر شدوه المتقطع، وكذلك كلب سجن بجوارهم لأنه تجرأ على عض يد صاحبه المتنفذ (وهو ما فسره بعض السجناء على انه إمعان في الإذلال)، وما عدا ذلك كانت الحياة تمضي وفق إيقاع جنائزي كئيب تغدو معه ممارسة الحياة البسيطة أمنية مستحيلة كأن تشرب قهوة الصباح على شرفة منزل يغمره الضوء، أو تستظل فيء شجرة وارفة، أو ترى حصانا يعدو في السهول الخضراء، أو طفلا ينتحب أو فتاة تقيس ثوبا فالحياة، أمست، في عرفهم، «هي أن نتمكن من رفع ذراعنا وتمريرها من وراء قذالنا لكي نتمطى بمتعة، وننهض لنسير دونما غاية، نراقب الناس يعبرون أو نتوقف...نقرأ صحيفة أو نلبث ببساطة جالسين وراء النافذة لان ليس لدينا ما نفعله...». ويزداد نبرة هذا السجين - الراوي مرارة حين يبحث عن سبب لوجوده هنا، فهو لم يخطط للانقلاب، ولم يسمع به، وكل ما فعله هو انه نفذ الأوامر، ودخل إلى القصر الصيفي حيث وقع الانقلاب، وعبثا يحاول أن يجد إجابة لهذا السؤال العنيد الذي يطرحه على نفسه: هل دخل القصر ليقتل والده أم الملك ؟ ورغم أن السؤال يبقى معلقا لكن أحداث الرواية تشير إلى انه دخل القصر سعيا لقتل والده المأخوذ «برائحة العطر النسائي»، والذي أهمل أولاده، وزوجته وراح يعمل لدى أفراد السلطة كمهرج يروي لهم الطرف، والحكايات كي يزيل من نفسهم الكرب والسأم، ويجعل حياتهم اكثر غبطة، وبالمقدار الذي كان يكره به والده، الذي تبرأ منه لدى معرفته بالحدث، كان يحب أمه، فيبعث إليها برسائل وهمية، يتوق إلى الارتماء في أحضانها، ويتمنى لها - رغم بؤسه - راحة القلب والبال شاعرا بتأنيب الضمير كونه تسبب لأمه بهذه المأساة، مأساة غيابه عنها. ومثلما كان والده يلعب دور الرواي لبناء السلطة، كان هو يلعب دور الراوي أو الحكواتي لرفاقه فيقص عليهم روايات، وكأنه يقرأ من كتاب مفتوح يقرأ لهم «الأب غوريو» لبلزاك، وفقرات من أعمال فيكتور هيغو، والبير كامو، وقصائد من «أزاهير الشر» لبودلير، وحكاية «الأمير الصغير»، وكذلك يشرح لهم أحداث فيلم «حافلة اسمها الرغبة» المقتبس عن عمل لتينيسي وليامز، وفيلم «الملاك المدمر»، ويشعر بالندم كثيرا لأنه لم يقرأ «ألف ليلة و ليلة» فهي زاخرة بالحكايات الخيالية، ويشعر بالندم أكثر لان رفيقهم عبد القادر قد مات بعد إلحاح شديد منه ليقص عليه حكاية، لكنه اجل الأمر فعاجل الموت رفيقه ليترك في نفسه جرحا لن يندمل. ليل طويل ومستبد، حياة غاب عنها الأمل وليس فيها سوى العتمة، والقهر، والمرض، والعذاب، والأنين، والجوع، والعقارب، والصراصير. وسط هذه الأجواء المخنوقة، والمكابدات الموجعة، والآلام المبرحة تتقلص سنوات العمر، وتتهدل البشرة، و «يشتعل الرأس شيبا»، فيما اللسان يهذي «آه من رائحة القهوة الصباحية، والخبز المحمص...آه من وثر الشراشف الدافئة، وشعر امرأة ترتدي ثيابها...آه من صياح الأولاد في المدرسة، ورقصة الدوري في كبد سماء صافية ذات عصر... آه كم هي جميلة أشياء الحياة البسيطة، وكم هي مرعبة حين لا تعود هنا، دونها المستحيل إلى الأبد». رواية «تلك العتمة الباهرة» الصادرة عن دار الساقي (بيروت، لندن - 2002) تنتمي إلى ما يمكن تسميته بأدب السجون، وهو نوع أدبي هام في الأدب العربي المعاصر، ويكاد يكون شائعا على غرار ما كتبه الجزائري واسيني الأعرج في «ذاكرة الماء»، والسوري نبيل سليمان في روايته «السجن»، والعراقيان رفعة الجادرجي وبلقيس شرارة في «جدار بين ظلمتين»، والقاص السوري ابراهيم صموئيل في مجموعته القصصية «رائحة الخطو الثقيل»، وغيرها، وتعتبر الرواية التي نحن بصددها إضافة نوعية هامة لهذا النوع من الأدب، فهي فضلا عن كونها وثيقة ذات قيمة تاريخية تتناول مرحلة من مراحل الاعتقال السياسي في بلد عربي، لكنها، وبنفس المقدار، تتمتع بجمالية فنية وأدبية رفيعة، فقد كتبت بكثير من الشفافية، والرهافة، والشعور بالغبن. وصاحب «ليلة القدر» لا يقص في هذه الرواية تجربة ذاتية، بل تجربة شخص آخر لكنه يقصها كمن عاش التجربة من خلال مقدرته على استخلاص جوهرها، والولوج إلى أعماقها، والتقاط جوانبها الإنسانية بلغة وجدانية مكثفة وصادقة أجاد بسام حجار في نقلها إلى العربية، ويقول بن جلون - الحائز جائزة (غونكور) الفرنسية عام 1988 - في حوار له مع مجلة الاكسبريس الفرنسية «إنها الرواية التي كتبتها أكثر بأعماقي والتي كبدتني اكثر جسديا. وأنا اكتبها كان يحدث لي أن ارتجف وأتصبب عرقا باردا وان أبكي أيضا، إنها المرة الأولى التي صدرت عني ردود فعل جسدية وانفعالية رهيبة فأصبت بالأرق والكوابيس»، وكانت الثمرة ثمينة، نص ادبي من مستوى رفيع.

  • أعجبني
  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
  • 0
أضف مقتطفاً

"الوجع يمنحني صفاء غير معتاد .. أتالم ولكني أعلم ما الذي ينبغي فعله لكي تتوقف هذه المكيدة"
  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
"التذكُّر هو الموت ، لقد استغرقتني بعض الوقت كيما أُدرك أن التذكر هو العدو . فمن يستدعِ ذكرياته يمُت توًا بعدها كأنه ابتلع قرص السُم ."
  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
"إن الانسان له رفعة أكبر وهو ميت منه وهو حي ، لأنّه إذ يعود إلى التراب يمسي تُرابًا ، وما من شيءٍ أكثر رفعة من التراب الذي يوارينا ويُغمِضُ أعيُننا و يُزهِر في خلودٍ بهيًّ ."
  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
"في شخصية كل انسان يكمن قدر من السوقية !"
  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
"و للمرة الأولى منذ ثمانية عشر عاماً أقفُ قبالة صورتي . أغمضت عيني . أحسست بالخوف .
خفت من عينيّ الزائغتين ، من تلك النظرة التي أفلتت بمشقة من الموت ، من ذلك الوجه الذي شاخ و فقد سيماء انسانيته .."

  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
"إن أكثر الأمورالاعتيادية تفاهةً، تصبح في المحن العصيبة، غير اعتيادية، لا بل أكثر مايُرغَب فيه من أمور الدنيا."
  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
"ردّد في سرِّك إن الصمت مريحٌ لك وللآخرين ، وبخاصةً الآخرين ."
  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
"في تلك اللحظة عشت هنيهات من الطمأنينة الغامرة. فما عاد شيء يقدر على أن يصيبني. أن أخرج، أن أبقى، أن أنجو، أن أموت؛ سيان عندي. فلسوف أكون من الناجين ما دامت لي القدرة على الصلاة وعلى التواصل مع الخالق. لقد بلغت أخير عتبة الأبدية، هناك حيث لا وجود لحقد البشر وخستهم و صغارتهم"
  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
"كم هو صعب أن نموت ، حين نُريد الموت ."
  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
"الحِقد يُضعِف. إنّه يتأكّل الجسم من الداخل ويصيب جهاز المناعة. فعندما يقيم الحقد في دواخلنا، ينتهي الأمر بأن يسحقنا."
  • تعليق
  • مشاركة
  • 0