قرّاء هذا الكتاب يقرؤون أيضاً


thumb

thumb

thumb

thumb

thumb

thumb

الكتاب على رفوف القـرّاء


عساكر قوس قزح (274 صفحة)

عن: دار المنى (2013)

الطبعة : 1
التصنيفات : أدب

(لاسكار بلانجي ) أو (عساكر قوس قزح ) الاسم الذي اطلقته المعلمة علي تلاميذها الذين تسلقوا الشجرة بعد كل عاصفة ممطرة ليبحثوا عن قوس قزح .. قصة كفاح من أجل العلم ، قصة كفاح من أجل العدل في أغني جزر إندونيسيا ..
الرواية هي الأولي لهيراتا وقد تم تحويلها إلي فيلم سينمائي ، وترجمت إلي عدة لغات .


  • الزوار (806)
  • القـٌـرّاء (7)
  • المراجعات (5)

أفضل مراجعة على هذا الكتاب


تخيل طفلاً فقيراً يمشي كل يوم ٤٠ كيلومتراً في طريق ترابي في غابات سومطرة ، ثم يضع كتبه في كيس بلاستيكي ليعبر مستنقعاً مليئاً بالتماسيح وأصناف الخطر ، من أجل الوصول إلى المدرسة ذات الصف الواحد المسقوف بصفائح حديدية، تطير مع أي هبة ريح . ويغرق الصف وتغوص الأقدام في الوحل مع كل زخة من الأمطار الموسمية الدائمة الهطول . مدرسة بلا زي مدرسي ولا قرطاسية مناسبة أو كافية ، ولا دورات مياه ولا باحة للعب ولا ميزانية . مدرسة بمدرِّسَين مات أحدهما ، وبعشرة طلاب فقط !! ومع كل ذلك ، فالطلاب يذهبون بشغف إلى المدرسة ويتفوقون ، ويحزنون أشد الحزن لتركها أيام العطل . تذكرت نفسي أيام كانت حافلة المدرسة تأتي لتقلني إلى مدرستي كل صباح ، وأنا بدوري أدّعي "آلام البطن المبرحة " لكي لا أذهب إلى مدرستي النموذجية الخاصة، ذات الملاعب والمطاعم وقاعات الرياضة والسباحة والمختبرات والعيادات الصحية والتدفئة المركزية ودروس الكمبيوتر كل أسبوع ، والرحلات الترفيهية ، مع زي وقرطاسية متكاملين . لطالما سألت نفسي لماذا لم أحبها رغم كل ذاك؟ ولم أجد الجواب إلا عندما قرأت هذه الرواية . عندما يكون لديك معلم بنى المدرسة بجهده وعرقه ، واشترى لطلابه كتب المدرسة ومستلزماتها مما جناه من بيع ثمار مزرعته ، وعلمهم بالروح قبل اللسان . وعندما يكون الطالب الواحد لدى المعلمة يساوي نصف روحها ، وعندما تبكي المعلمة لغياب واحد من طلابها . وعندما تخيط الثياب ليل نهار لتبيعها فتشتري بها ما تحتاجه المدرسة لاستمرارها. وعندما تفني شبابها في التعليم دون أجر ، في حين أن الفرصة متاحة لها لتكسب أعلى الأجور، وتستعد للتضحية بروحها في سبيل بقاء المدرسة والطلاب . وتبقى حتى اللحظة الأخيرة تعطيهم من روحها في سبيل تعليمهم وترقيتهم وتربيتهم على أخلاق الإسلام مع كل كلمة وفعل . وعندما يكون المعلم مربياً ومصلحاً وأباً لطلابه هدفه أن يصنع منهم رجالاً ونساءً عظماء، -لا كروت ذاكرة متنقلة مملوئة بالغث والسمين من المعلومات- وعندما يكون لدى الطالب هدف سام وروح تشع أملاً بالخلاص ، وتقديراً للعلم والدراسة وصبراً عليهما. فعندها ، وعندها فقط ، سوف يحب الطالب المدرسة، ويصحو باكراً ليكون أول الطلاب وصولاً ، وسيخوض البحر حتى يصل إلى من وما يحب . هكذا كان المعلمان "بو مس وباك هرڤان" وهكذا أحبّ الطلاب العشرة العلم والمدرسة والأخلاق . فعندما ترى صفاً يكره طلابه حضوره، فألقِ لومك على مجتمع لا يزرع الا روح الكسل والخمول في طلابه الاغنياء ، فهم مكتفون ولا يحتاجون الى العلم، ويبث اليأس في نفس الطالب الفقير من أنه سيعيش ويموت دون أن يحقق شيئاً يذكر في حياته. فتذبل الهمم وتذوي العزائم ويحصل مجتمعنا على الجيل الفاشل الذي يبغي والذي صنع. ولُم من هدفه حشر المعلومات في الرؤوس كيفما اتفق، ثم قبض الأجر في نهاية كل شهر والسلام. لُم المعلم على مجتمع مدارسه ذات جدران كجدران السجون علواً ، وعلى طلاب يخاطرون ويتسلقونها ويرمون أنفسهم من فوقها هرباً وكرهاً للعلم والمدارس والحياة كلها بفضل طريقته في التعليم . ((طبعاً، إلا ما ندر من بعض معلمينا الفضلاء )) تحكي الرواية عن معاناة أطفال القرى الفقيرة للخروج من واقعهم المرير عن طريق العلم. أرادوا الحصول على مستقبل يمكّنهم من دفن فقرهم والخروج مما عاشوا هم وآبائهم وأجدادهم فيه من قبل . ولم يروا طريقاً لذلك إلا مدرسة الفقراء "المدرسة المحمدية" التي واجهت وواجهوا معها أصعب الظروف في سبيل بقائها صامدة في وجه من يريد هدمها ومن يريد إغلاقها إلى غير رجعة "لعدم مطابقتها للمواصفات" !!. حكت عن معلمتهم المناضلة وعن معلمهم الذي عاش أيامه في المدرسة ومات فيها. حكت لنا عن شعلة ذكائهم المتقدة وعن آمالهم التي ذهبت أدراج الرياح لأن أمواج الحياة العاتية أبت إلا أن تجرفهم معها محطمة آمالهم الصغيرة البسيطة في الحياة الكريمة. تبددت طاقاتهم وخبت شعلتهم وماتت أحلامهم . وعاشوا ما كانوا يخشونه .. حياة أهليهم وشقاءها. لا أدري إن كانت القصة حقيقية تماماًً أم تم اختلاق بعض فصولها ، ولكنني وجدتها جميلة وتجسد أجمل المعاني والمشاعر . لكن.. حوت الرواية بعض الفصول التي وجدتها غير مهمة ولا مؤثرة في لب القصة فمللت معها، وأحسستها إضافة للإطالة فقط . ولذلك أنقصت نجمة واحدة من تقييمي.

  • أعجبني
  • تعليق
  • مشاركة
  • 1
  • 1
ترتيب بواسطة :

يأمل الإندونيسي أندريا هيراتا أن يعثر القراء على ما يجذبهم في العوالم التي صورها في روايته "عساكر قوس قزح" التي التقط فيها جمال الطفولة وقوة الأمل لدى معلمة صبية مهمشة وتلاميذها العشرة، وهم يحاربون أعداء لا يقهرون، ويكافحون من أجل العلم والكرامة، حيث يقول إن "قصته هي قصة الناس المنسيين، وهي صوت من لا صوت لهم". بعد سنوات من المتابعة والإصرار، أفلح هيراتا في أن يحظى بمنحة دراسية إلى أوروبا، ليعود إلى بلاده ويلتقي بعض أصدقائه مجددا، يستعيد ذكريات طفولته المفعمة بالبراءة والجمال برغم ما فيها من قسوة الظروف ومرارة الأيام، ويرثي الآمال المحطمة لجيله والأجيال السابقة، كما يرصد مرحلة انتقال البلاد من سلطة سوهارتو إلى السلطة التالية، وحصول أعمال نهب للممتلكات العامة بحيث انفجر المكبوت وتعامل الناس بطريقة انتقامية مع بعضهم البعض. نعمة ونقمة يصور هيراتا في روايته -نشرتها دار المنى في السويد بترجمة سكينة إبراهيم- واقع المعيشة في جزيرة سومطرة، حيث يحترف بعض الناس الصيد وبعضهم الآخر الفلاحة، في حين يشتغل قسم قليل مع شركة التنقيب عن القصدير، وهي الشركة التي تستنزف مقدرات البلد وطاقاته وتتحكم في سوق العمل، مقسمة الناس تقسيما طبقيا. يذكر هيراتا أن جزيرة بيليتونغ الصغيرة تعتبر أغنى جزيرة في إندونيسيا، لكن غناها جعلها تنفرد بنفسها. وإلى هذه الجزيرة النائية تسللت حضارة الملايو القديمة من ملاكا، وكان ثمة سر بقي مدفونا في الأرض إلى أن اكتشفه الهولنديون، ففي أعماق الأرض الموحلة تدفق الكنز/القصدير المبارك، النعمة التي تحولت إلى نقمة على سكان الجزيرة. يصف الروائي كيف أن المدرسة المحمدية كانت ملاذا لهم، وكانت تتبع "المؤسسة المحمدية"، وهي تعتبر ثاني أكبر مؤسسة إسلامية في إندونيسيا، ويتجاوز عدد أعضائها ثلاثين مليونا، وكانت قاعدتها الأساسية "أمر بالمعروف ونهي عن المنكر". تلك الكلمات التي يقول بطل الرواية إنها بقيت راسخة لديهم طيلة رحلتهم نحو سن البلوغ. والمدرسة كانت عبارة عن غرفة متهالكة الجدران، متداعية السقف، لا تتوافر فيها أبسط الشروط، لكنها نهضت واستمرت بفضل إصرار المعلمة "بو مس" والمعلم "هرفان". بالحديث عن الأطفال الذين يشكلون "عساكر قوس قزح"، يمتاز كل طفل بميزة خاصة به، يروون لبعضهم قصصا غريبة متخيلة، وأصبحت لديهم عادة تسلق شجرة محددة بعد كل عاصفة ماطرة بحثا عن قوس قزح، ولهذا السبب أطلقت عليهم معلمتهم "بو مس" اسم "لاسكار بلانجي"، أي "عساكر قوس قزح". تتحدى المعلمة مع تلاميذها العشرة مخطط الشركة للاستيلاء على أرض المدرسة والتنقيب فيها، وأصبحت قضيتهم قضية رأي عام، ونجحت في المحافظة على المدرسة برغم الترغيب والترهيب كله، وضربت مثلا في التضحية والافتداء. وبالانتقال إلى وصف حالهم، يحكي الراوي الذي ينطق بلسان الروائي نفسه أنه تحت البيوت القائمة على الركائز حيث عاشوا حياتهم المحرومة، قبعت طبقات وطبقات من الثروة، وأنهم كانوا مثل مجموعة جرذان تتضور جوعا في مخزن يغص بالأرز، إذ انتهجت شركة القصدير أسلوب المستعمر في الهيمنة والاستغلال والابتزاز. احتفاء بالإنسانية يتناول الروائي تفاصيل حياتية تشكل هوية أبناء المنطقة هناك، فتراه يقول على لسان بطله "هويتنا لا تقوم على اللغة ولون البشرة والنظم العقائدية أو حتى بنية الهيكل العظمي، نحن عرق يقوم على المساواة". ويصف المدرسة بالتبجيل والمهابة، وأنها احتفاء بالإنسانية، بهجة الدراسة وضوء الثقافة، برغم إدراكه النجابة المهدورة والكفاءات المغدورة. ويشير هيراتا إلى جانب من التقسيم الطبقي السائد في الجزيرة، وكيف عاش الموظفون الوافدون في منطقة مخصصة للنخبة تدعى الملكية، وكان لديهم مدرسة نموذجية على عكس المدرسة المحمدية. لكن بفضل جهود المعلمة استطاع تلاميذ المدرسة العشرة الذين يشكلون فريق "عساكر قوس قزح" التفوق في مسابقتين علميتين. ويلفت الراوي النظر إلى أن ما كان يستدعي السخرية في حياتهم هو أن مجد الملكية وسحر مدرستها كانا يمولان بالكامل من القصدير المستخرج من أراضيهم. كانت الملكية معلما من معالم بيليتونغ، وقد بنيت لتكفل استمرارية حلم الانتشار الاستعماري المظلم، هدفها منح السلطة لقلة من الناس مقابل قمع العديد وتعليم القلة فقط لضمان انصياع الآخرين. يحكي هيراتا جوانب من الطقوس الاجتماعية والدينية في الجزيرة، كتوصيفه الكرنفالات السنوية التي كانت تشهدها، ناهيك عن توصيفه طقوس ما يسمى "التخاطف"، وهو يخص الصينيين، وأصبح حدثا حيويا للجزيرة كلها، حين كان يتم جمع الكثير من الأغراض والأشياء في مكان معين في موعد سنوي، والهدف الأساسي منه الاستيلاء على كيس أحمر صغير يخفى عادة في قلب جبال الأشياء الأخرى. يطمع الجميع في ذاك الكيس لأنه يرمز إلى الحظ السعيد، ومن يجده يمكن أن يعود ويبيعه للصينيين بمبلغ كبير. ويصرح الروائي باكتشافه حكمة الحياة البسيطة المتمثلة في القدر والجهد المبذول والمصير، وأنها هي مثل ثلاثة جبال زرقاء تهدهد الإنسانية، تتآمر تلك الجبال في ما بينها لتخلق المستقبل، ومن الصعب أن نفهم طريقة عملها معا. ويدرك أن أولئك الذين لا يريدون أن يعملوا بكد يقبلون بقدرهم لاعتقادهم بأنه غير قابل للتغيير لأن كل شيء مقدر في النهاية، كما يرون. ويدرك من تجربته في المدرسة الفقيرة أن الحياة الحافلة بالعمل الجاد تشبه التقاط المرء ثمرة فاكهة من سلة وهو معصوب العينين. ومهما بدت الثمرة التي يحصل عليها، يكون في النهاية قد حصل على ثمرة ما. يشار إلى أن هيراتا الذي -أكمل دراسته في المملكة المتحدة- تطوع سنة 2004 لإغاثة المتضررين من كارثة تسونامي في آتشيه. وهناك صادف مدرسة منهارة ذكرته بوعده القديم الذي قطعه على نفسه في طفولته بأن يكتب لمعلمة مدرسته الابتدائية كتابا يخلد به ذكراها ومآثرها. كما يشار إلى أن "عساكر قوس قزح" هي رواية هيراتا الأولى، وقد تم تحويلها إلى فيلم سينمائي، وترجمت إلى عدة لغات، ولاقت شهرة واسعة.

  • أعجبني
  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
  • 0

حين صدرت روايةُ عساكر قوس قزح عام 2005 بيع منها ما يزيد على 5 ملايين نسخة في أندونيسيا، و كان لها أن تنتظر ليُعاد اكتشافُها من جديد وبشكل أوسع بعد صدور الترجمة الإنجليزية للرواية في عام 2012 ولتحقق مبيعات جعلتها واحدة من الروايات الأكثر مبيعا في العالم. وجاءت الترجمة العربية لتُعرّف القارئ العربي بهذه الرواية عام 2013 حين صدرت عن دار المنى وبترجمة متميزة للمترجمة سكينة إبراهيم ، لتكون بذلك أول رواية أندونيسية تُنقَل إلى العربية، بالإضافة إلى كونها واحدة من أبرز الأعمال الأدبية العالمية التي صدرت في العقد الماضي. عساكر قوس قزح أن تعيش لتحكي (ماركيز) : إعادة إنتاج الواقعة كظاهرة ثقافية عندما قرأتُ رواية عساكر قوس قزح للمرة الأولى تذكرتُ على الفور ذلك التصدير الذي أثبته جابرييل جارثيا ماركيز في كتابه أن تعيش لتحكي: ‘الحياة ليست هي ما عاشه المرء، بل ما يتذكره، وكيف يتذكره ليحكيه’. فالرواية مبنية على أحداثٍ واقعيةٍ مستمدةٍ من حياة أندريا هيراتا، بل إن بعض المراجعات للرواية ذهبت إلى حد القول بأنها جزء من السيرة الخاصة بأندريا هيراتا. وبتجاوز النقاش حول روائية السيرة، وسيرية الرواية، الذي ليس مكانه هذا المقال الموجز، يمكن للقارئ أن يدرك أهمية البناء الروائي في هذا العمل الذي يحوّل التجربة الخاصّة إلى ظاهرة ثقافية عامة من خلال تلمس ذلك التكنيك السردي الغائي الذي تعمده أندريا هيراتا، والذي يضع القارئ عند خط رفيع بين الواقعي فيما هو سيريّ والإيهاميّ فيما هو سرديّ، مع قدرة على حفظ التوازن بين الاثنين على نحو مثير للدهشة؛ فبناء الرواية الخطيّ والتقاط التفاصيل المستندة إلى الواقع الأندونيسي تاريخيا وجغرافيا واجتماعيا وثقافيا، والبناء الواقعي للشخصيات فنيا، مع حضور بعض التقريرية، يقترب بالرواية من السيرية التسجيلية؛ على أن امتحان اختيارات الكاتب الروائية لتُظْهِر شيئا آخر. فعلى سبيل المثال يَظْهَر التنوع المذهل في مرجعيات الشخصيات الثقافية دينيا وإثنيا وطبقيا وجندريّا ونفسيّا؛ إذ تجمع المدرسة المحمدّية في قرية أندونيسية عشرة من الطلاب يحاربون من أجل الإبقاء على مدرستهم مفتوحة، وهم جميعا يأتون من مرجعيات مختلفة وشرائح متباينة تتنوع ما بين مسيحي ومسلم وبوذي ومالايوي صيني و فتاة ذات نزوع متفرّد بخصائص نديّة وطفل من ذوي الاحتياجات الخاصة بالإضافة إلى فتاة تأتي من النخبة البرجوازية التي احتفظت بالإرث الخاص للإقطاعية…الخ؛ وقد استطاعت معلمتهم الشابة أن تحافظ على الغنى المتحقق من الاختلاف فيما بينهم، وهو ما أوصلهم إلى إثبات أصالة هويتهم وفرادة إنجازاتهم من حيث هم مجموعة قائمة شرطيا على الاختلاف. إن القدرة على فهم الاختلاف كضرورة وجودية والاحتفاء به بطريقة دريديّة (نسبة إلى جاك دريدا) لَتُشير إلى إعادة إنتاج الواقعة السيريّة بوعي يتجاوز السرد التقريريّ التسجيليّ الذي يتوهم القارئ وقوعه في هذا العمل، ويثبت أن ما كان يقدمه أندريا هيراتا ليس نقلا لصورة المجتمع الأندونيسي في فترة محددة بل هو إعادة تركيب لعناصر ثقافية بوعي ما بعد حداثيّ. ويمكن لنا تتبع ذلك أيضا من خلال استعراض طريقة عرض فكرة (ضرورة المعرفة وجدوى التعليم) التي قد تظهر بشكل كلاسيكيّ مثاليّ.. على أن الأمر مع وقفة بسيطة ليَستبينُه القارئُ بطريقة مختلفة؛ إن دمج معركة المعلمة الشابة وتلاميذها من أجل الإبقاء على مدرستهم قائمة مع فكرة الصراع مع الشركات الصناعية الكبرى التي سيطرت على البلدان المستعمرة بعد خروج الاستعمار منها، يحوّل المسألة برمّتها إلى شكل من أشكال الأزمات التي تعاني منها المجتمعات المتحررة من الاستعمار، ويبيّن أن ما فعله أندريا هيراتا كان تحليلا للواقع ومساءلة للبنى الاجتماعية وتعقيدات تشكلاتها في حقبة تفكيك الاستعمارين العسكري والسياسي، دون أن يجعل الأمر حاضرا أكثر مما ينبغي رغم بقائه فاعلا في صناعة الحدثين التاريخي والروائيّ. عساكر قوس قزح- تَخَيَّلْ (جون لينون) يوتوبيا الاختلاف والتنوع يظهرُ (جون لينون) في رواية عساكر قوس قزح من خلال ملصق لواحدة من أشهر مقولاته يختاره إكال ليضعه على جدار الصف المدرسيّ في المدرسة المحمدية ؛ مجاورا لملصقين آخرين ولشعار المدرسة. كما نجد بعض تضمينات لمقولاته بين ثنايا الرواية بطريقة غير مباشرة. على أن الثيمة التي بنيت عليها الرواية في مجملها- والحاضرة رمزيا في قوس قزح الدال على التنوع والتباين الذي يحفظ لألوانه قدرتها على البروز ومن ثم يمنح قوس قزح في كليته جماليته- والقائمة على فهم إنساني عميق لمفهوم الاختلاف والتنوع لتَجعَلُ القارئ مضطرا على نحو ما إلى استدعاء واحدة من أشهر أغاني جون لينون (تَخَيَّلْ)، فهيراتا قد أثبت ما ضَمَّنَه لينون في أغنيته من حلم بعالم إنساني مشترك. على أنه في حين تظهر نسخة لينون في هيئة يوتوبيا قد تكون بالغة الحماسة والمثالية وتختفي فيها فكرة الاختلاف والتباين كشرط لتعريف الهوية الوجودية البشرية، يجعل هيراتا لشخصياته جميعها هوياتها الفريدة والخاصة ويجعل البيئة المحيطة بيئة حاضنة لكنها محفزة دائما.. تمتحن طبيعة هذه الهويات من خلال المساءلة بطريق الجدل السقراطي أحيانا ـ وإن لم تفلح في بعض الأحيان في الانفلات من إطار بعض المسلمات والتنميطات ـ والحوار المعرفي أحيانا أخرى، دون أن نجد هذه الشخصيات مقصاة بسبب مرجعياتها الثقافية أو أفكارها، ودون أن نحس في أي موضع بوجود هوية ثقافية مهيمنة وهويات ثقافية هامشية، ودون أن نجد حضورا لمفهومي التسامح والتعايش اللذين يتضمنان قدرا من التراتبية خاصا بهويات أعلى تمارس قدرا من التنازل في مقابل هويات أدنى تحاول أن تكون حاضرة شرط قبول الآخر لها. إن هذه الهويات تشكل وحدة في يوتوبيا تحتفي بضرورة الاختلاف والتنوع وإن كانت جميعها تُمْتَحن إذ تواجه بنى اجتماعية خارج المكان الجامع لها (المدرسة المحمدّية). حين يقول جوناثان سويفت: ‘نملك قدرا كافيا من المُعتَقَد ليكره بعضنا بعضا.. لا ذلك القدر ليحب بعضنا بعضا’. على طريقة جون لينون يمكننا تحييد المُعْتَقَد ليصبح العالم أفضل. على طريقة هيراتا يمكننا أن نملك حرية الاعتقاد شرط أن نمتلك ما يضمن لنا فهما أفضل للآخر و قدرة على محبته. عساكر قوس قزح هي النسخة الخاصة بأندريا هيراتا من (تخيَّل) في مواجهة الفكر الإقصائيّ بل الشوفينيّ. 

  • أعجبني
  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
  • 0

نصحتنا دراسةٌ طبية أميركية بقراءة الروايات، بسبب تأثيرها القوي، أكثر من أي عمل أدبي آخر على نفسية المتلقي. ويبدو أن الدراسة أدرجت صنوفاً أدبية وفنية عدة، في إطار معاينتها التأثيرات الأدبية والفنية على مزاج من يتلقاها، فوجدتْ أن تأثير الرواية يدوم في نفس القارئ وقتاً أطول من سائر الآداب والفنون. هذا "الكشف" العلمي لم يدهشني ألبتة. كان بإمكاني أن أكون مثاله، الدراسيَّ، الحيّ، قبل ثلاثة عقود أو أكثر. فقد مارس أبطال روائيون تأثيرات قوية عليّ، تصل أحيانا، حدَّ التقمّص. بعض هؤلاء عزَّز خياراً (الأم لغوركي)، وبعضٌ كاد أن يحدِّد خياراً (الغريب لكامو)، وبعض آخر كان ينقلني إلى عوالم الحب والانتقام (الكونت دي مونت كريستو)، وهناك من جعل ساقيَّ ترتجفان (لوليتا، لنابوكوف)، ولا أنسى من دفعني إلى النحيب واعتزال الناس "البلداء" (فيرتر لغوته). ألاحظ، قبلكم، أن لا رواية عربية بين ما ذكرت آنفاً. هذا صحيح. فروايات مراهقتي هي، لأمرٍ ما، من الروايات العالمية المترجمة التي كانت تعكف على ترجمتها وطبعها دور نشر لبنانية، ويجدها المرء على بسطات كتب الرصيف. نجيب محفوظ، غسان كنفاني، غالب هلسا، عبد الرحمن منيف (مثلاً)، هم كتَّاب ما بعد المراهقة. لغيري، يمكن أن تضم قائمة قراءات المراهقة إحسان عبد القدوس، محمد عبد الحليم عبد الله، تصرّفات مصطفى المنفلوطي بالروايات العالمية (تحت ظلال الزيزفون، غادة الكاميليا، بول وفرجيني)، لكني لم أقرأ هؤلاء، جدّيّا، لا في المراهقة، ولا في المرحلة "النضالية" التي كانت، بالنسبة لي، أشبه بطفرة، وليست انتقالاً "طبيعياً" متدرجاً. فجأة تخلصت من الروايات العاطفية، وقفزت، دفعة واحدة، إلى "ما العمل" و"الدولة والثورة"! ومن نمط الروايات التي تشير إليها الدراسة الطبية الأميركية رواية قرأتها، بشغف، أخيراً. إنها "عساكر قوس قزح" للأندونيسي أندريا هيراتا، أصدرت دار المنى ترجمتها إلى العربية. إذا تجاوزنا ما يقوله الغلاف إنها حطمت الأرقام القياسية في المبيعات (ما يجعلك تشعر أنك أمام رواية من نوع "بيست سيلر") نكون حيال رواية "ملهمة"، بكل معنى الكلمة، وفذّة في بساطتها.. ويدوم أثرها البهيج وقتاً طويلاً، بعد الفراغ من قراءتها.  "قوس قزح" ليست، إذن، من طينة الكتب الأكثر مبيعاً، ولكنها دخلت هذه الخانة بسبب بساطتها، صدقها، وغرابة عوالم واقعها، الأكثر غرابة من الواقعيات السحرية الأميركية اللاتينية. تنطلق الرواية، كما هو واضح من إهدائها، من سيرة ذاتية. فالمعلمة التي يهدي إليها الكاتب روايته هي بطلة حياتهم الواقعية. هي التي تنوِّر، حرفياً، حياتهم بالعلم، وتنقلهم من عالم الجهل الحرفي إلى معرفة ما يجري في العالم، من خلال مدرسةٍ لا تتوفر على بناء حقيقي، أو مرافق من أي نوع. غرابة الحياة وصعوباتها في مكان أندونيسي ناء، مختلط الأعراق، ليس هناك ما يشير إلى أنه موجود تحت شمس القرن العشرين، لم نصادفها، نحن أبناء البوادي والأرياف العربية النائية والفقيرة. الغرابة هنا صرفٌ، ولكن، لا تعمّد فيها. إنها غرابة واقعٍ لا يدري أنه غريب، ولا يتساءل عن ذلك، لأنه لا يعرف غير ذلك. لكن، ليست غرابة هذا "العالم" هي التي تجعل هذه الرواية رواية (رغم اختراق السيريّ كلَّ فصولها) بل السرد نفسه. ها نحن نتحدث عن الرواية والفن، لا عن الواقع. وهذا ما أحب أن أشير إليه. فعلى رغم غرابتها التي لم تصادف مثلها في حياتك، لم يكن ذلك سبباً كافياً لتكون عملاً روائياً ناجحاً. أحببت هذه الرواية (لا يتسع المجال للحديث عن عالمها أكثر). أحببت أبطالها، بالمعنى الواقعي، وليس الروائي، وأكبرت فيهم صراعهم الضاري من أجل البقاء. فمن في وسعه أن يقود دراجة هوائية، نحو أربعين كيلومتراً، كل يوم، من أجل الدراسة؟!

  • أعجبني
  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
  • 0

رواية «عساكر قوس قزح» تعد ملهمة على الرغم من بساطتها، كلماتها حافلة بالدفء والمرح والرقة. تترقرق بين سطورها دموع بريئة مجبولة بالدم والعرق لأطفال كُتب عليهم أن يخوضوا المعارك لتحصيل العلم، وأن يقفوا معًا بثبات ليواجهوا الظلم والاستغلال والاحتكار في بيئة تسيطر عليها أبشع صورة من صور الفقر. ولن يستطيع القارئ إلا أن يفلت عنان خياله تاركًا له حرية التحليق في أجواء الحكاية، وهو يلاحق بأنفاس متقطعة ومشاعر متناقضة تطور الأحداث التي تميل كفتها لصالح عساكر قوس قزح مرة، وتميل كفتها ضدهم مرات. تقودنا رواية «أندريا هيراتا» الأولى إلى بقعة من الأرض كثير منا لا يعرفها أو ربما لا يعرف عنها إلا القليل: جزيرة بيليتونج؛ جزيرة التماسيح الفتاكة والطيور الغريبة والأنهار المبهمة والغابات الغامضة والكهان ذوي القدرات العجيبة. الجزيرة الغنية بالقصدير والمستغلة من قبل المستعمر الهولندي سابقًا الذي أسس نظام الفوارق الطبقية، ثم من الدولة لاحقًا التي ارتأت أن تتابع النهج نفسه. ومن الجزيرة يحطّ بنا المقام في مدرسة المحمدية الفقيرة وتلاميذها العشرة الذين أطلقت عليهم معلمتهم لقب عساكر قوس قزح. وهناك نلتقي بإكال ورفاقه. يحدثنا إكال؛ راوي القصة وأحد أبطالها، عن نفسه وعن رفاقه العشرة بأسلوب يأسر القلوب. فإذا بنا ونحن نتابع سيرته بشغف، نضحك تارة ونبكي تارة وتعترينا الدهشة تارات. لكل واحد من أعضاء قوس قزح حكايته، ولكل واحد منهم إنجازاته وانتصاراته وهزائمه وأحزانه ومسراته، إلا أن ما يجمعهم في بوتقة واحدة هو إصرارهم على الصمود والدفاع عن مدرستهم، حتى لو اضطرهم الأمر إلى مواجهة السلطة العليا في جزيرتهم؛ تلك السلطة التي لم يجرؤ أحد من قبل على مواجهتها. وكل ذلك بفضل تشجيع معلمتهم ووقوفها إلى جانبهم. المعلمة التي عاهد إكال نفسه منذ حداثته أن يكتب لها كتابًا يخلد فيه ذكراها عندما يكبر.   يمكن القول إن رواية عساكر قوس قزح أقرب إلى السيرة الذاتية. وقد يجد القارئ أن الأسلوب التقريري يخالط بعض فقراتها. إلا أن هذه الفقرات تبدو بعد أن تتجمع جميع خيوط الرواية ضرورية لتسليط الضوء على الفكرة الرئيسة. نعيش مع إكال الفتى الحالم أجمل لحظات حبه الأول. ويأسرنا لينتانج بعبقريته الفذة. نعطف على هارون ونعجب باستقامة سهارى. نحيك المؤامرات مع مهار سرًا،  ونعنف كوتشاي. نترحم على المعلم العظيم باپاك هرفان الذي زرع في نفوس تلاميذه أجمل القيم وأسماها. أما بو مُس المعلمة التي لا تتجاوز الخامسة عشر من العمر، فلا يسعنا إلا أن نقف لها احترامًا ونحن نردد «كاد المعلم أن يكون رسولاً».   بمعزل عن العاطفة المتدفقة بلا تكلف في الرواية، ثمة مقاطع تستحث المرء على الوقوف عندها طويلاً، والتأمل مليًا في محور فكرتها. وأكاد أجرؤ على القول إنها تتضمن قوة دافعة تحرض على طرح جملة من التساؤلات.. وكأن لسان حال إكال هو لسان حال أي فرد منا إذا اختلى بنفسه وحاول رسم معالم الشخصية التي أصبح عليها مقارنة بالشخصية التي صبا إلى أن يكونها. يقول هيراتا عن روايته: «يشرفني حقا أن أضع روايتي عساكر قوس قزح بين أيديكم. وأتمنى لكم في رحلتكم أن تستمتعوا بقصة من قريتي في جزيرة بيليتونج الصغيرة، الجزيرة المجهولة التي لا تكاد من صغرها تظهر على الخريطة. قصتي هي قصة الناس المنسيين، وهي صوت من لا صوت لهم. وآمل أن تجدوا ما يجذبكم في جمال الطفولة، في المعلمة الصبية المهمّشة وتلاميذها العشرة وهم يحاربون أعداء لا يقهرون، ويكافحون من أجل العلم، ومن أجل الكرامة. وأن تجدوا البهجة في أحلام أولئك الأطفال المفعمة بالطهر والبراءة، وفي مرارة الحب الأول الحلوة.

  • أعجبني
  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
  • 0