عن إيزابيل الليندي

إيزابيل ألليندي يونا (بالاسبانية : Isabel Allende Llona) روائية تشيلية  وُلدت في 2 أغسطس 1942، وحاصلة على العديد من الجوائز الأدبية المهمة، ومن الأسماء المرشحة دائماً للحصول على جائزة نوبل. تُصنف كتاباتها في إطارالواقعية السحرية  ، وتنشط في مجال حقوق..

عن صالح علماني

مترجم من فلسطين، يترجم عن الإسبانية. ولد في سوريا / حمص عام 1949، و درس الأدب الإسباني. أمضى أكثر من ربع قرن في خدمة الأدب اللاتيني ليُعرّف القرّاء العرب على هذا النوع من الأدب يعمل صالح علماني منذ ربع قرن على ترجمة أدب أميركا اللاتينية والآداب المكت..

كتب أخرى لـِ إيزابيل الليندي، صالح علماني


thumb

thumb

thumb

thumb

thumb

thumb

قرّاء هذا الكتاب يقرؤون أيضاً


thumb

thumb

thumb

thumb

thumb

thumb

الكتاب على رفوف القـرّاء


إنيس .. حبيبة روحي (350 صفحة)

عن: دار المدى للثقافة والنشر (2007)

الطبعة : 1
أضافه : Mahmoud El-Shafey
التصنيفات : أدب

هل يلتقي الحب والمجد، في رواية ملحمية أو في الواقع والحلم معاً؟ هل يستحق الحب أن ترمي امرأة نفسها في أرض المخاطر المجهولة في آخر العالم؟ هل تستطيع امرأة وحيدة فريدة أن تحطّم القيود الإجتماعية في القرن السادس عشر أو القرن الحادي والعشرين؟ هذه بعض الأسئلة التي تجيب عليها إيزابيل الليندي التي تكتب عن الحب بحب وعمق وجنون.


  • الزوار (1,336)
  • القـٌـرّاء (10)
  • المراجعات (3)
ترتيب بواسطة :

في روايتها الجديدة "إنيس.. حبيبة روحي"، التي ترجمها صالح علماني بعد شهور قليلة على صدورها بالأسبانية، تعود الروائية التشيلية إيزابيل الليندي إلى القرن السادس عشر لتروي حكاية أسلافها الأوروبيين الذين تركوا بلدانهم وراحوا يتطلعون بشغف نحو المجد والثروة على تضاريس أرض بكر، مكتشفة منذ فترة قريبة: أميركا. كان الأوروبيون يعيشون - آنذاك - حياة مملة، كئيبة"فلم يعد هناك مجال لاجتراح مآثر نبيلة في أوروبا الفاسدة، الهرمة، الممزقة بالمؤامرات السياسية، ومكائد القصور، ودعوات الهراطقة...". في ظل هذا الإحباط، وما إن شاع خبر اكتشاف القارة الجديدة في العام 1492 حتى وجد الكثير من المغامرين الفضوليين أنفسهم في عرض المحيط، أملاً في الوصول إلى"بلاد الهند"المملوءة بالمــفاجآت حيث يمكن المرء أن يحــقق أسطـــورته الشـــخصية. إنيس سواريث، بطلة رواية الليندي الترجمة صادرة عن دار المدى، دمشق - 2007، هي واحدة من أولئك المغامرين الحالمين، وقد مرت بتجارب ومخاطر وأهوال تستحق أن تروى. هي الآن، في العام 1580، في السبعين من العمر. تعيش في مدينة سنتياغو دي استريمادورا. سيدة رفيعة المقام، وأرملة النبيل دون رودريغو دي كيروغا الذي بدأ"جندياً إسبانياً باسلاً"، ثم اصبح حاكم مملكة تشيلي تشيلي تعني في لغة السكان الأصليين"حيث تنتهي الأرض". عندما وجدت إنيس أن ثمة فائضاً من الوقت لديها، وان الذاكرة مثقلة بنصف قرن من الوقائع، والأحداث الأليمة التي رافقت وصول أفواج المهاجرين إلى القارة الجديدة، راحت تروي ذلك لإيزابيل، ابنة زوجها الأخير المتوفى. وهي إذ تفعل ذلك فكأنما تروي تلك الحكايات الخيالية التي ترويها الجدات للأحفاد قبل النوم، لكن ما ترويه هنا هي حكايتها الحقيقية، وقصة خروجها من إسبانيا، وحكايات عشقها... عبر مزاوجة موفقة بين السيرة الذاتية والوقائع الحقيقية التي أجريت في تلك السنوات البعيدة. إيزابيل الليندي، بدورها، تعود خمسة قرون إلى الوراء لتصغي لكلمات البطلة، ثم تدونها على شكل رواية. تروي إنيس حكايتها بضمير المتكلم، وتسلك خطاً تصاعدياً بحسب ما تسعفها الذاكرة،"فلا بد لرواية الأخبار من أن تتوالى بالتسلسل الطبيعي للأحداث، حتى لو كانت الذاكرة ركاماً مختلطاً بلا منطق". تعود إلى طفولتها في أوروبا حيث ولدت في العقد الأول من القرن السادس عشر في بلاسينثيا، وهي"مدينة إسبانية حدودية، محاربة ومتدينة". كانت تعمل في التطريز والخياطة، وتصنع الفطائر، وتملك موهبة اكتشاف أماكن المياه الجوفية، وموهبة مماثلة في اكتشاف الرجال الذين يبحثون عن الحب حقاً، لا عن نزوات عابرة. تزوجت في العام 1526 للمرة الأولى من خوان دي مالغا، وسرعان ما اكتشفت، أن"هذا الزواج كان خطأ". فالزوج اللامبالي كان يتطلع نحو الأرض الجديدة، وقد سافر فعلاً إلى هناك، بعد أن نقل عدوى الأحلام إلى شريكته:"من المستحيل تصور اتساع تلك المناطق، وخضرة غاباتها غير المتناهية، ووفرة أنهارها البلورية، وعمق بحيراتها ذات المياه الهادئة، وثراء مناجم الفضة والذهب فيها... بحيث يمكن لأي جندي أن يتحول إلى مالك إقطاعية باتساع مقاطعة إسبانية كاملة". بعد أن استمعت إلى روايات مختلطة، قادمة من تلك الأرض الساحرة، قررت إنيس الرحيل بذريعة البحث عن الزوج الغائب. لكن في أعماقها كان ثمة ما هو أقوى، فلئن تطلع الناس إلى الهجرة بحثاً عن الثراء والمجد، فإن إنيس كانت ترى بأن هناك ما هو اثمن من كل ذلك: الحرية."لا أحد هناك يحمل العار لزمن طويل، وحتى اشد الناس مهانة يمكنه أن يرتقي بنفسه". وأخيراً حصلت على الأذن الملكي بالإبحار إلى بلاد الهند بعد مساع استغرقت سنوات. حزمت حقائبها الخالية إلا من الأوهام، والآمال الغامضة، وأبحرت، برفقة ابنة أخيها، نحو"الأرض الجديدة"تلبية لنداء خفي قادم من وراء المحيطات. الفصول الأساسية للرواية تبدأ من هنا، إذ تتناول حكاية الفتح الأوروبي للقارة الجديدة، بلسان امرأة عاشت وقائعها بكل صخبها وعنفها ودمويتها. لدى وصولها علمت بموت زوجها في معركة بين الفاتحين الجدد وهنود المابوتشي. القدر كان يخفي لها مصيراً مختلفاً إذ تعرفت في البيرو على المحارب الأسباني بيدرو دي بالديبيا الذي كان منضوياً تحت رايات الإمبراطور الإسباني كارلوس الخامس، وينتظر أمراً ملكياً لفتح المناطق الجنوبية بعد أن أخفقت حملة مشابهة في تحقيق هذا الهدف. ستعيش إنيس مع هذا الفارس الشجاع حكاية حب فريدة، أضفت على حياتها، على رغم الهم والمشقة، مرحاً، وسروراً يصعب العثور عليهما في تلك البلاد الغارقة في العزلة، والقلق. الحب والمجد يجمعان بين دي بالديبيبا وإنيس. يصممان على التوجه نحو الجنوب حيث الأراضي التشيلية الفسيحة التي لم يدخلها الفاتحون بعد. تجد الحملة نفسها وسط صحراء قاحلة فسيحة، مرعبة، تمتد بلا انتهاء، وطقس يميل إلى برودة صقيعية أحياناً، أو ترتفع درجات الحرارة إلى حد مميت. على شاطئ الكاريبي تروي إنيس تفاصيل هذه الحملة بكثير من الحذر والدراية. إنها تراجيديا إنسانية قاسية، ومريرة، ففي حين بدت الأحلام التي حفزتهم ذات يوم للقيام بهذه المغامرة، أشبه بوهم قاتل:"الأدغال تحول الرجال إلى أوغاد وقتلة. فشواطئ البحر الكاريبي، بمياهها ورمالها البراقة، وأشجار نخيلها الأنيقة، استقبلت الشبان بهدوء مخادع لأنهم ما إن توغلوا في الخضرة الكثيفة حتى أحاطت بهم أدغال كابوسية"، فإن الموت، في المقابل، كان حدثاً يومياً مألوفاً في تلك البقاع المهجورة والجرداء. وكان الرعب يخترق الأرواح"ففي هذا العالم الحار، المستنقعي والشره الذي تجتاحه الزواحف والحشرات السامة كل شيء يتفسخ بسرعة، وخصوصاً الروح". وصلت الحملة إلى مجرى نهر بيو - بيو في تشيلي. هناك وضعوا الحجارة الأولى لمدينة سنتياغو التي ستغدو عاصمة البلاد، لكن الهدوء الذي كان يسود بين الحين والآخر لم يكن إلا ذلك الذي يسبق العاصفة. كانت الاشتباكات والغزوات متواصلة ويومية، والقتلى بالعشرات، وتمارس طرق تعذيب قاسية لا تخطر على بال أحد. إنه زمن النهب والجوع والحرق. والواقع أن الليندي، وبخلاف عدد من الكتاب والمؤرخين الذين تناولوا تلك الفترات، لا تملك نظرة نمطية مسبقة تشير غالباً إلى همجية الهنود وتمدن الفاتحين الجدد. هي تظهر عيوب الطرفين ومزاياهم من دون تحيز، فهي تكتب بصورة حيادية، ومثلما تستفيض في الحديث عن الفاتحين الشجعان، فإنها تكتب، كذلك عن هنود الكتشوا في البيرو، والمابوتشي في تشيلي"كانوا خيراً منا في نواح أخرى، فهم على سبيل المثال لا يعرفون الجشع، فالذهب والأراضي والألقاب والتشريفات لا تهمهم، وليس لديهم سقف سوى السماء، ولا فراش سوى طحالب الأرض، يمضون أحراراً في الغابة، وشعورهم تتطاير مع الريح". وهي تعترف بأن الفاتحين الجدد حاربوا السكان الأصليين بلا رحمة، وقضوا على حضارة الإنكا، التي كانت تملك معارف متقدمة في الفلك والتقويم الشمسي والإحصاء فضلاً عن إدارة تنظيم سياسي وعسكري متقن". لكن الهنود كذلك كانوا أصحاب قلوب قاسية يمارسون طقوساً غريبة وتروى عنهم حكايات مروعة لعل أكثرها غرابة هي انهم"كانوا يأكلون اللحم البشري". في ثنايا السرد الحزين والمؤلم تجد إنيس فسحة للحديث عن قصة حب جمعتها مع دي بالديبيبا، ومن بعده كيروغا،"فلا بد من الحب كي نستطيع مواصلة العيش"بحسب قولها. كما أن بطلة الليندي ماهرة جداً في الولوج إلى خبايا النفس البشرية. تشرح نبلها، ورغباتها، وخستها. وتتألق، كذلك، في وصف تلك البيئة بكل عناصرها وحيواناتها ونباتاتها وكائناتها الغريبة... مستعينة بمفردات وثقافة الهنود وعاداتهم وطقوسهم وبراءتهم وعفويتهم، وهي تضمّن الرواية اقتباسات وحكايات وأقاصيص تأتي على لسان الشخصيات، فتمزج كل ذلك لتصوغ رواية مشوقة، وأليمة في آن. رواية"إنيس... حبيبة روحي"تعيد إلى الأذهان مناخات تلك الروايات الكلاسيكية والملاحم الإغريقية التراجيدية. وهي مكتوبة بلغة أدبية رفيعة ترتقي في بعض فقراتها إلى مصاف اللغة الشعرية الرقيقة إذ تسمو بتفاصيل ومشاهد الحياة اليومية لغوياً. وترد خلال أحداث الرواية أسماء المدن والأمكنة والملوك والجزر في مسمياتها الحقيقية كشواهد على حقبة تاريخية عاشتها أميركا. الليندي صاحبة"بيت الأرواح"وپ"ابنة الحظ"وپ"الخطة اللانهائية"وپ"الحب والظلال"وپ"باولا"تثبت مجدداً في هذه الرواية قدرتها على السرد السلس. تقول الليندي، حفيدة أولئك الفاتحين، عن بطلتها إنيس:"كان من السهل جداً أن أضع نفسي مكانها وأن أتخيل أنني هي، لدرجة أنه جاءت لحظة شعرت فيها حقاً أنني هذه الفتاة، وأنني لو كنت في مكانها لفعلت ما فعلته هي: كنت سأتبع الرجل الذي عشقته وأبقى إلى جانبه وأدافع عن مدينته، شاهرة سيفي لأحمي ما أسسه وزرعه وشيده". مع ذلك تقر الليندي بأن البحث التاريخي قد أضناها، ذلك أن كتابة رواية من هذا النوع تتطلب العودة إلى المراجع والمصادر التاريخية، فهي تروي أحداثاً وقعت فعلاً ولا بد من الالتزام بتاريخ الأحداث، والحرص على نقل الواقع الاجتماعي والأخلاقي والثقافي والديني الذي كان سائداً في ذلك الزمن. ومع أن الرواية لا تدعي التوثيق، لكن في رواية كهذه يجد الكاتب نفسه ينبش في واقع دفن تحت الأنقاض، وحلت محله ثقافة مختلفة لا تكاد تربطها بهذا الفضاء الروائي إلا الشيء اليسير.

  • أعجبني
  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
  • 0

ترمي بنفسها الى المجهول متمردة على التقاليد والعادات الاجتماعية السائدة في بلادها،  تواجه المخاطر بمفردها محاولة تحطيم القيود التي تعاني منها، لعلها تجد فضاءً من الحرية والحب.. تبدأ بطلة رواية (إنيس حبيبة روحي) للكاتبة إيزابيل الليندي والصادرة عن دار (المدى) للثقافة والنشر بترجمة صالح علماني، رحلة البحث عن فارس احلامها،  انها إنيس سواريث امرأة اسبانية بسيطة من مدينة سنتياغو دي استريمادورا في مملكة تشيلي، ولدت على وجه التقريب عام 1580 بعد الطاعون الرهيب الذي اجتاح اسبانيا عند موت الملك فيليبه بسبب الرائحة التي كانت تنبعث من موكبه الجنائزي مخلفة طعم لوز مرّ عالقاً في الهواء بحسب ما يردده العامة. وتقول الكاتبة على لسان بطلتها إنيس:"الملكة خوانا، كانت لا تزال شابة جميلة، جابت انحاء قشتالة طوال أكثر من سنتين حاملة النعش الذي تفتحه بين حين وآخر لتقبل شفتي زوجها على أمل ان ينبعث حياً، غير ان الجميل كان يعبق برائحة النتانة.. عندما جئت الى الدنيا كانت الملكة التعيسة قد اصابها الجنون محتجزة في قصر تورديسيانس مع جثة قرينها". ومن تاريخ هذه الحادثة تخمن ان عمرها الآن سبعين سنة، وما دفعها للمغامرة نبوءة عرافة غجرية بأنها لن تموت بغير الشيخوخة. وانتهت مغامرتها بفتح مملكة تشيلي وإقامة مدينة على أراضيها الخصبة وتشييد حضارة جديدة قادمة من اسبانيا بجانب حضارة الأنكا في عالم بلاد الهند الذي يتشكل من قديسون وبيض وسود وسمر وهنود وخلاسون ونبلاء وخدم.. الهجرة من إسبانيا إلى اويكا اللاتينية وبالذات إلى البيرو المحطة الأولى ومن ثم الانطلاق إلى تشيلي حيث مناجم الذهب والفضة تحكي إنيس خلال أربعين سنة عاشتها ما بين حب يتمجد داخلها.. رجال مرقوا في حياتها واسهمت في إنارة أمجادهم واكتشافاتهم في تشيلي وبين مشاهد مروعة من دناءة الاستعمار وفظاعة جيوش اسبانيا والمعارك التي تدور تحت راية كارلوس الخامس، وبه يتم فتح أفقر مملكة في العالم الجديد صور كثيرة للجشع والتكالب على الثروات والأراضي التي تفتح بتصريح من الملك الإسباني.. وبعد عمليات سطو مسلح يتحول هنود الكيتشوا السكان الأصليين إلى عبيد وأعداء لجيش الإسباني الفاتح لأرضهم.. أربعون سنة تعيشها إنيس عشقاً مع زوجها الأول خوان الذي هجرها في إسبانيا.. ثم تعمل على تدريب حياتها وتوطينها على العيش في البيرو لتقع في عشق المحارب والقائد الأسباني  بيدرو دي بالديبيا وتكون له خليلة وعشيقة تشاركه فراشه ليلاً  ومعاركه وطموحاته في فتح تشيلي لتأسيس مملكة تقوم على المدنية.. وهكذا عبر عشرة سنوات محتدمة الأحداث نجدها تسافر معه عبر صحراء قاحلة وجبال وعرة ومستنقعات رطبة وغابات كثيفة وكان الحب يظللهما وهما يرتجفان عطشا ويحاربان بشراً متوحشين ويضعان اللبنات الأولى لبناء مدينتهما الحلم سنتياغو.. إنيس تروي الحقيقة كاملة بكل جمالها وبشاعتها، فتلك البطولات الخارقة التي رددها التاريخ لقرون لم تكن مجرد أعمال بطولية سامية، بل كانت ملوثة بدماء لزجة، جثث متعفنة وأعمال وحشية لا حصر لها.. وهي إذ تحكي ذلك توقظ الإنسان بداخلها ويقف قلبها بصدق مع ما يفعله الوطنيون في تلك الأراضي، فهم يستميتون دفاعا عن أرضهم التي جاء غرباء ليسلبوها منهم، ومن دون أدنى حق ينهبوا ثرواتها ويستعبدونهم فيها.. انها ملحمة حب لا ينتهي وهي تسعى بكل اخلاص خلف زوجها الذي مات وهو يبحث عن ذهب الدوراد.. نجدها تضع كل حبها لمالغا في صندوق وترميه من السفينة التي أبحرت بها وتحكم عقلها جيداً لتعيش.. تأسست انيس تشيلي بكل اصرار وحب يهبها وجه بيدرو الحياة معه وبعده من خلال رسالة الحب اليومية التي منحتها لنفسها قبل أن يمنحها اياه هو ببذخ وسمو، وليبقى هو حاكم سنتياغو.. ثم نجدها تبدأ سيرة عشق أخرى مع القائد ونائب حاكم تشيلي رودريغو وليكتب القدر زواجها برودريغو الذي أحبته فعلاً.. وان وارت انيس عاطفتها الأبدية لبيدرو باختبائها خلف رودريغو بإخلاص كما ذكَرَت, ونسيت انها بكت حدّ الجنون وهو يتعذب بيد الماوبوتشي لإحساسها العميق وادراكها بأن ثمّة موت يسلبه منها بوحشية، يسلبه منها رغم الثلاثون عاما التي لم تره فيها سوى مرات قليلة.. تبرز الرواية دور المرأة في الفتوحات الجغرافية للعالم الجديد، ذلك الدور الذي تم تجاهله لقرون عديدة وبرغم الحضارات لم تكن لتنهض لولا وجود المرأة إلى جانب الرجل.. تحبه وتدعمه وتؤازره وهي تطبخ له طعامه وتخيط ثيابه وتداوي جراحه، تبني بيته وتحارب معه إن استلزم الأمر.. تصنع الروائية ملحمتها من خلال تقنية التشويق باتكائها على ضمير المتكلم إنيس الشخصية الرئيسة فلأنا هنا تحيل إلى الذات عبر المناجاة والتكلم مع إيزابيل ابنة زوجها رودريغو التي احتضنها منذ إن كانت طفلة.. والمتأمل في اجواء الرواية لا يجدها مجرد سرد أحداث تاريخية في إطار سردي ممل بل تبني شخصيات حقيقية واقعية تحكي سيرهم وكيف عاشوا حياتهم في ظل المعارك والحروب التي خاضوها لإقامة مستعمراتهم.. ومن بين الشخصيات الكثيرة تبرز شخصية إنيس المحورية، فهذه البطلة وبعد أن نتعرف على نشأتها في إسبانيا وزواجها في ريعان شبابها برغم أنف جدها والعائلة بأكملها وادعاءاتهم بأن مواصفاتها الجسمانية والجمالية لا تصلح لتكون زوجة مع ذلك تستطيع جذب انتباه دون جوان أسباني الذي لا يجيد في حياته سوى ممارسة الحب والإيقاع بالفتيات فتؤدي مجموعة ظروف إلى الزواج بها بعدما خطبها لسنوات علمها فيها التعرف على جسدها وأماكن اللذة فيه.. وفي النهاية لا تحصد منه سوى هذه الخبرة إذ أنه سرعان ما يقرر السفر إلى الأرض الجديدة المكتشفة في أميركا.. وبعد سنوات من رحيله والعذابات التي لحقت بها بصفتها زوجة مهاجر تقرر المغادرة إلى أميركا ليس للحاق بزوجها في حقيقة الأمر وإنما للتخلص من الغبن اللاحق بها والذي من الممكن أن يمتد حتى وفاتها. لهذا تعمل للحصول على إذن ملكي بالسفر بحجة اللحاق بزوجها الذي كان أرسل إليها رسالتين أو أكثر بقليل يعلمها فيها عن أحواله.. وتقع لها أحداث كثيرة خلال رحلتها وهي تتقصى أخبار زوجها حتى تصل البيرو فتعلم بوفاته.. عندها تقيم في المدينة تعيل نفسها من بعض المهن التي اكتسبتها في أسبانيا مثل طهي الفطائر والخياطة ومداواة الجرحى.. ثم تتعرف على الرجل الذي تقود معه معركة فتح تشيلي بعد محاولة فاشلة قام بها أحد القادة الإسبان وأعدم بعد هزيمته في حرب أهلية جرت في البيرو بين الإسبان أنفسهم.. وهي تعيش ذكريات تلك المغامرة الطويلة تردد أهم ما يعذبها فيها: بينما كان بيدرو يتحمل نهايته الرهيبة، كانت روحي ترافقه عن بعد، تبكيه وتبكي كل ضحايا هذه السنوات.. وفي نوبات هذياني اسمع بوضوح صوته يودعني لآخر مرة وداعاً يا إنيس يا حبيبة روحي.

  • أعجبني
  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
  • 0

منذ أولى رواياتها ( بيت الأرواح ) وايزابيل الليندي تواصل مغامراتها صوب الابداع .. لا تكف هذه المرأة أبداً عن إدهاشنا ، لم تتعب من الغوص في تواريخ الشعوب والخوض في تجارب القراصنة واللصوص والعشاق ، تبحر نحو مجاهل الروح والجسد وتعشق الذوبان في الحب .. وها هي مرة أخرى تتحفنا بذاكرة لا تكل عن سرد الحكايات والتفاصيل في رواية ( انيس حبيبة روحي ) ، رواية الحب والسفر صوب المجهول ، والحروب المتكررة ، والغزاة والطغاة والفاتحين والأشباح ، والبحث الدائم عن شيء يفضي الى شيء آخر. انيس حبيبة روحي ، رواية ذاكرة لا تنضب من الحكايات ، ذاكرة حية ومفتونة بالماضي ، البعيد منه والقريب ، تأتي الحكايات على لسان انيس ، وهي امرأة في السبعين من العمر ، تكتب لابنة زوجها ايزابيل ، وايزابيل هذه كان عمرها ثلاث سنوات عندما ماتت أمها ، فتولى أبوها رودريغو تربيتها ، ومن ثم اعتنت بها انيس قبل وبعد زواجها من رودريغو . تحكي انيس دون خوف أو خجل ، تفتح دفاترها وتخط بيدها ما مر بها خلال أكثر من ثلاثين عاماً ، قبل أن تغرق ذاكرتها ويطويها الموت ، تعود الى سنوات عمرها الأولى وحبها الأول ومغامرتها صوب المدن الغريبة بحثاً عن زوجها الأول ، الذي التحق جندياً في الحروب التي قادها الغزاة الاسبان لفتح مدن العالم الجديد . وبعد معاناة مريرة من مكان الى آخر ، ومن موت محقق الى موت أقسى منه ، تصل انيس ، ولكن isabel allendiدون أن تعثر على زوجها ، لقد مات في الحرب الاّ أنها ترفض العودة الى اسبانيا ، فتقرر البقاء في مدينة كوسكو في البيرو وهناك تلتقي بالرجل الذي سوف تحبه كما لو انها لم تحب من قبل رجلاً آخر .. انه بالديبيا ، أحد القادة العسكريين ، الذي سجّل مدونو الأخبار مآثره البطولية في الحرب .. غير أن بالديبيا كانت له طموحات واسعة ، وهي فتح تشيلي ، وكان الذهاب الى هناك يعادل اجتياز الجحيم كما تصفه المؤلفة وكما سنقرأ حين يحدث الغزو ، الاّ أن بالديبيا أصر على ذلك ليقيم مجتمعاً عادلاً يقوم على حراثة الأرض بلا ثروات تُكسب بسهولة ، ومن دون عبودية كما في البلدان الأخرى التي تم فتحها . أصرت انيس على مرافقة عشيقها بالديبيا ، ومن أجل ذلك قابلت الحاكم وحصلت على تصريح لقاء ما ستقدمه من خدمات للجيش ، فهي تتقن الطبابة ولها موهبة في العثور على مصادر الماء في الصحراء الشاسعة . رحلة بعيدة مليئة بالمصاعب تلك التي خاضها بالديبيا وجنوده والهنود المحملون بالأثقال لمنعهم من الهرب ، امتدت لشهور وتخللها الكثير من المشاكل والمشقات والتعب والمواجهات مع السكان الأصليين حاملي الأقواس والسهام والفؤوس والسيوف والهراوات ، ومن معركة لأخرى ، من مشقة لمشقة ، من جوع وعطش وحمى تأكل الضعفاء ، وموت يتربص في كل زاوية ، يصلون أخيراً الى الجنة الموعودة ، ينزلون بواد ذي زرع وماء يسكنه عدد من قبائل السكان الأصليين الذين لم يبدوا أي اعتراض وان كانوا مرتابين . kh isabel alindiفي ذلك المكان ، عند جبل هويلين غرس بالديبيا راية قشتالة باسم جلالة ملك اسبانيا ، ثم شرع بتأسيس مدينة سانتياغو الجديدة ، حيث تم تحديد موقع الميدان الكبير الذي احتوى على منصة الاعدام ، وحددت الشوارع وموقع الكنيسة ، ثم بنيت البيوت من الخشب والطين ، وغرست الأشجار ، وقامت الحياة وتم توزيع الأراضي بعد انتزاعها من السكان الأصليين وإجبارهم على العمل فيها لمصلحة الأسياد الجدد . نُصب بالديبيا حاكماً على المنطقة التي دخلت فيما بعد عدداً من المعارك مع السكان الأصليين الذين أخضعوا بالقوة ، وأسر زعيمهم الذي عُرف منه بعد استجوابات عديدة أين تقع مناجم الذهب ، ولكن هل انتهت الحروب بين الطرفين ؟  تقول ايزابيل الليندي  على لسان بطلتها انيس على الصفحة 198 ( عند وصولنا إلى تشيلي لم نكن نعرف شيئاً عن شعب المابوتشي –السكان الأصليين – وكنا نظن أنه سيكون من السهل إخضاعه ، مثلما فعلنا بشعوب أكثر تحضراً منهم بكثير ، كالأزتيك والانكا ، وقد احتجنا لسنوات طويلة كي ندرك كم كنا مخطئين ، لم نكن نلمح نهاية لهذه الحرب ، لأننا اذا ما أعدمنا توكي ، ظهر آخر فوراً ، واذا ما أبدنا قبيلة ، خرجت لنا من الغابة قبيلة أخرى لتحل محلها ، كنا نريد تأسيس المدن والازدهار والعيش برفاه  واسترخاء ، بينما لا يتطلعون هم الاّ الى الحرية ) . رافق تلك الحروب الكثير من المآسي ، وأيضاً لم تغفل المؤلفة طقوس وعادات شعب المابوتشي وعشقه للحرية والسلام ، واضطرار هذا الشعب للحروب دفاعاً عن قراه وحياته بوجه الذين يريدون فناءه واحتلال أرضه . ولم يتوقف بالديبيا عند هذا الحد بل أصابته حمى تأسيس المدن برغم كل ما يعترضه من مصاعب ، وهكذا ما إن تنتهي حرب حتى تبدأ أخرى بكل ما يرافقها من موت وصرخات وصهيل خيول ودوي بارود وأسرى واضطرابات . . وبين حرب وحرب تقوم حياة من الرماد ، وتشتعل عاطفة وتمتلئ الذاكرة بالمزيد من القصص الخرافية ، وتضاف أعباء على عاتق النساء ، وتقوم انيس بعلاج الجرحى وايواء المشردين ، وإزالة الأنقاض واطفاء الحرائق . وبرغم قساوة المعارك التي قام بها السكان الأصليون ضد الغزاة وتدميرهم لسنتياغو فان حمى الحرب استمرت واستعرت ، فلا الغزاة استسلموا ولا المابوتشي رضخوا ، وكان الأمل الوحيد بالنسبة للغزاة من أجل البقاء هو وصول تعزيزات من البيرو ، وحتى تصل تلك النجدة واجه المستوطنون الهجران والعزلة ، والإنهاك ببناء سور للمدينة ضد الهجمات ، وحين وصلت التعزيزات أخيراً تبدل وجه الحياة فعادت سانتياغو بأفضل مما كانت ، وبدأت الحياة تنفتح على العالم المتحضر ، لقد وصلت الأسلحة والأغذية والملابس والحيوانات الداجنة ، ووصلت زوجات بعض المحاربين وأبناؤهم ، وعاد بعض السكان الأصليين المسالمين الذين هربوا من الحروب والخاسرات ،ولكن بالديبيا مات ميتة مريعة ولم يُعثر على جثته ، مات بعد أن أسس أكثرمن مدينة وأصبحت تشيلي قوية برغم الفقر الذي يعانيه الناس . يمكن القول ان شغف بالديبيا هو الذي قتله، لقد دخل العديد من المعارك ، وتطلب ذلك المزيد من الجنود والكثير من القسوة والإبادة .. وما آلم انيس أنه لم يأخذها معه في آخر معاركه ، غادر مع جنوده لمقاتلة المتمردين عليه والمتحالفين ضده ولم يفكر بالمرأة التي رافقته في جميع حروبه .. تكتب انيس لايزابيل عن ذلك بالكثير من المرارة والشعور بالخذلان ، لكنها تكتب أيضاً كيف أنها تجاوزت تلك الخيبة بالدخول في علاقة مع رودريغو – والد ايزابيل – ثم تزوجت من واعتنت بايزابيل .. وعلى الرغم من ذلك لم تنس أن بالديبيا تركها وتجاهل كل ما فعلته قبل وبعد فتح تشيلي وكانت تعتبر نفسها في مقام مساو لبالديبيا ، لكن الأمور جرت على غير ما تريد . لم تتوقف طبول الحرب ولم تكف عن الصراخ على مدى 350 صفحة ، لقد حفلت الرواية حتى آخرها بالمعارك ، هجمات وهجمات مضادة ، التحام وقتلى وأسرى ، تقدّم وانسحاب ثم تقدم وفتح مدن جديدة ، وكلما انطفأت حرب هنا ،اشتعلت حرب هناك وتمت إبادة المزيد من السكان الأصليين . هكذا تعرض ايزابيل الليندي تاريخ بلدها تشيلي ، تاريخ مكتوب بالدم والفظاعات وللاانسانية من أجل مجد القادة الذين لا تقف أحلامهم عند حد حتى وان كان ذلك على حساب السكان الأصليين لذلك البلد ، ولا تنسى أن تزرع وردة هنا وهناك تورق على أنقاض الخراب ، وتكتب قصص حب وان كانت معجونة بالخذلان .

  • أعجبني
  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
  • 0