عن محمد عبيدو

شاعر وناقد سينمائي سوري صحفي وناقد سينمائي سوري،شاعر وناقد سينمائي سوري . العمل بالكتابة الصحفية والنقدية السينمائية منذ عام 1983 في صحف سورية " تشرين " الاسبوع الادبي " المعرفة " الحياة السينمائية "ملحق الثورة الثقافي وغيرها . و فلسطينية " الحرية " ..

كتب أخرى لـِ محمد عبيدو


thumb

thumb

thumb

thumb

thumb

thumb

قرّاء هذا الكتاب يقرؤون أيضاً


thumb

thumb

thumb

thumb

thumb

thumb

الكتاب على رفوف القـرّاء


الغياب ظلك الآخر (90 صفحة)

عن: اتحاد الكتاب العرب

الطبعة : 1
أضافه : محمود محمد
التصنيفات : أدب

ن ردهة الغياب إلى بوابة الحضور في (( الغياب ظلك الآخر لمحمد عبيدو)) خولة رمضان رقيق كالحزن نبتلعه مع لقمة الخبز ، نستنشقه مع الهواء ، نألفه مع البسمة ... هو الظل الآخر في الغياب ، أما الحضور فقد أبهظه الدمع . هكذا يطل علينا محمد عبيدو في ديوانه الثاني (( الغياب ظلك الآخر )) .. من بين أصابعه تنسل الكلمات متوهجة ، مفتتنة بالحب والعطاء .. وفي بؤرة الروح ندية ، مشغولة بكفكفة الجراحات الآتية على الدوام .. أما الزمن : ف (( عويل يتوارى في أزقة المدينة )) . خمس عشرة قصيدة وأربعون لوحة تلامس دفء راحتي طفل وتنادي بصوت الشاعر من أجل العودة إلى نبرة القلب القديمة لأن : (( القصائد لا تدفئ أجسادنا الباردة أيها الشعراء مزقوها وعودوا إلى نبرة قلبي القديمة )) ولأن الشاعر يجسد في صوته غموض الزمن (( فيتدلى من علامات الاستفهام )) ولأن الشعر خفق القلب ونور العينين ، في حلكة دهر يكابد التمزق والقهر الواعي ... فيكون في فسحة من العذاب المارق صوت الإنسان الذي يدأب على تجميع شتات الضحكة متوغلاً عبر أزمنة متداخلة، متكسرة ، لا ينظمها إلا ذاكرة مترفة بالألم ، موجوعة بصراخ مكتوم وهموم متمادية ... ومن أجل هذا نحمل أمانينا المحطمة ، نراكمها على أبواب الشعراء ليحيلوها إلى برهة سرور ونقطة التقاء كوني حافل بالبهجة ، وإن كثرت الشكاوى على (( الشعر المستحدث )) فلأن الإلحاح صفة العصر شديد التوتر ، ولأن الأوجاع طالت رؤوس الأصابع وأثقلت الحس البشري وقد يكون في أحيان عديدة ما يبرر للقارئ العربي بعض الاستهجان إزاء ما ينتحل للكلمات من صفة القصيدة فيكرس الاغتصاب والقهر . في قصائد الشاعر محمد عبيدو تتناثر المسرات الصغيرة التي فلتت منا في دروب قرى مهجورة وتطالعنا الأمنيات المنحورة في صخب شوارع المدن الصماء ، وتدهشنا السجية الأولى وقد أعجزت أسوار اللغة المبتكرة ... يزفها إلينا الشاعر بعد أن أمضّ سغب قديم جفنيه فغفونا ونهض ليغنيها لنا عودة بهية : (( أغني ... وفي حنجرتي بكاء القصب ..)) ثم يمنحنا إياها : (( إلفة مع الغابات حب موزع على الوجوه نظرة تشعل جمال العينين صدى غناء أكبر من النسيان )) لقد صهرت التجربة الإنسانية الذات الشاعرة التي تسكن شاعرنا بما يتميز به من إحساس مرهف يتوجس قلقاً مباغتات الزمن المحاصَر / المحاصِر ... ويتطلع واجفاً نحو حب شامل ، حب متأصل للإنسان ، للعيش الإنساني ، فغدت التجربة الشعورية لديه إنسانية عامة ، يتضافر فيها الموضوعي والذاتي ، ويتعانق الماضي مع الحاضر من أجل المستقبل ، وتتصارع الحياة ضد الموت فتكون الحركة هادرة أحياناً ، متكسرة كمياه تمزقها صخور المستحيل ، ومنسابة أحياناً أخرى ، بسيطة نابضة كالحياة العصية على الركون أو الثبات على حال من الأحوال . من هنا يكون التنوع محبباً في نمط القصيدة ، فهناك القصيدة المقطع الواحد ، إنها السؤال الهامس ، وهناك القصيدة المبنية بناء تراكمياً متصاعداً ، متنامياً في مشاهد متلاحقة ، أو بتعدادي الطقوس في مقاطع متتالية ومتباينة معاً . ولعل هذا ما ينظم القصيدة في ناظم جوهري واحد . إنه التناقض المتفاهم ، الموحد ، باعثه الصراع بين ثنائيات لا متناهية ، وأنها الحياة في زخمها وفي أعراضها ، يكثفها الشاعر في لغة ثرّة وفيرة الشعور ، مكتنزة بالإيماءات ، متناغمة بدفق اغتباط لا يزال يهديه إلينا ذلك الإنسان : (( العابر في عزلته غموضه منفتح على حركة تتدثر بالغياب ووجهه الصمت ... وحزن طويل )) وإذا ما تساءلنا عن سر العزلة فإننا لن نتعب كثيراً كي نصل إلى قلبه المشرّع للبراءة والألم )) . لا يعني هذا أن الشاعر يضرب على نفسه جدران العزلة ، إنما هي عزلة إنسان مترع وجدانه بأحاسيس حادة الشفافية يواجه بها عالماً من اللامبالاة ، فيتحنى مشمراً عن ساعديه من أجل أن يصوغ لنا : (( وطناً تنبت فيه الحريات والأقمار )) وتطلع فيه : (( شمس لا ترتب حزم أشعتها على موعد موتنا )) آنذاك تورق هباته الطيبة (( أوراق )) فتلون المدى القاحل الذي نحياه بربيع الروح والأرجوان . بعيون ترقب وتمنح فلا يوقفها المنح بل يوقفها ألا تكون ينابيع عطاء : (( كرعاة البراري مع قصباتهم النحيلة وألحانهم العتيقة )) . إن شاعرنا يعي مكانه ، ويعي القيمة الإبداعية للقصيدة ، ويعرف كيف تؤدي وظيفتها ما بين النص والمتلقي ، فهو – حتماً – يستبعد الصورة القبلية للمتلقي لأن القصيدة أولاً معانقة الذات فيما نصبو إليه وبما يتعامل داخلها فإذا ما استجلاها بصدق كان اللقاء بين المبدع والمتلقي لقاء رهيفاً واعداً بالإثمار : (( ومن كلماته يبتكر البؤساء نشيد اللقاء الأبدي لجمهورية الروح )) . ويأتي ابتعاد الشاعر عن الرمز المعد سلفاً أو عن الفكرة الجاهزة داعماً لتكوين النص المتفرد والمتفاعل مع أعقد ميزات العصر والقادر على الوصول من بين الآلاف من القصائد التي تتراكم يومياً ، ومن ثم - بالصدق ذاته – استطاع الشاعر أن يتعامل مع الطبيعة التي يستقي منها الحلم وإليها تعود الذكرى المحصنة بالحزن ، فأهدى إلى الصفصاف ثغراً يبتسم (( لأجل الموحشة الأكثر غياباً )) وأنصت إلى (( البكاء الأخير للعنب )) وشهد النرجس المحترق لغيابها ، وعانق الحنين إلى (( هديل الطفولة )) وقد نثر دمه في الياسمين . هكذا غدت الطبيعة في قصائد محمد عبيدو نسغ حياة ، لا تقتصر وظيفتها على القيمة الجمالية الشكلانية ، بل هي حامل أساسي لاسقاطات غنية تصب في جوهر القصيدة وتساهم في بناء هيكلها في آن واحد ، فكانت بديلاً أغنى وأوفر من الإشارة المعيارية التي كثيراً ما نراها وقد قسر عدد من الشعراء الشباب قصائدهم على احتوائها . وجاءت الصورة الفنية أكثر قدرة على تلبية حاجات النفس المتلهفة إلى إعادة النبل البشري المسفوح على موكب يدخل مراهقة جديدة ، مما طالعتنا من (( عناوين جديدة لمذابح ومؤامرات وسجون ومقاصل أبدية )) . وبرغم تنوع الصورة الشعرية في قصائده ، وبرغم تعددها فإنها واحدة ، بمعنى أنها تمكنت من التوحد والانصباب المتناسق في جسد القصيدة وصولاً إلى الانسجام التام بين العناصر المكونة لها ، حيث تتلاحم الصورة باللغة بالمعنى البؤري للقصيدة لترتيل نشيد له إيقاعه المستقل والمنطلق من شفافية اللغة ومن استيعابها كمخزون هائل من الحزن والفرح المستلبين . بهذا برع الشاعر في خلق عمل متميز وجميل حين أخلص لخصوصية تجربة ذاتية معاشة وحين استطاع أن يكتشف جوهرية التجربة الشعورية بوحاً يلمع إلماعاً ماهراً إلى روح يجلوها نقاء متصوفٌ يستعذب الحزن من أجل صون السمة الإنسانية الأسمى ... روح تغني للإنسان في مدى من التفسخ القبيح ، لعلها تعيد لنا احتمال الإنسان كما (( صوتك النشوة والندى أعاد لي احتمال صوتك )) . لذلك كله كانت العزلة في قصائد محمد عبيدو رفضاً لما هو هش سائد ، وما كان الغياب استلاباً ، لأن الظلال تبشر بملامح القادم الأجمل والأبهى .


  • الزوار (844)
  • القـٌـرّاء (3)