عن فرناندو بيسوا

أنطونيو فرناندو نوغيرا دي سيابرا بيسوا (13 يونيو 1888–30 نوفمبر 1935) هو شاعر، وكاتب وناقد أدبي، ومترجم وفيلسوف برتغالي. عرف بصفته واحداً من أغرب الشعراء الذين عاشوا في القرن العشرين. وهذه الغرابة لا تنبع من شعره الذي يبدو، على أي حال، عصياً عل..

كتب أخرى لـِ فرناندو بيسوا


thumb

thumb

thumb

thumb

thumb

thumb

قرّاء هذا الكتاب يقرؤون أيضاً


thumb

thumb

thumb

thumb

thumb

thumb

الكتاب على رفوف القـرّاء


كتاب اللاطمأنينة (476 صفحة)

عن: المركز القومي للترجمة (2008)

رقم الايداع : 9774378318
أضافه : محمد خالد
التصنيفات : أدب

فرناندو بيسوا [1888-1935] هو شاعر البرتغال الأول وأحد أكبر شعراء العالم في القرن العشرين وفي كل العصور. وكتاب اللاطمأنينة - على الرغم من طبيعته غير الشعرية - هو في قلب أثر بيسوا الأدبي الذي تتكشف من خلاله أصالة إبداع ذي أهمية كونية فريدة

بدأ بيسوا نشر أحد النصوص النثرية التي يتألف منها الكتاب في عام 1913 , ومنذ ذلك التاريخ وحتى وفاته لم يتوقف بيسوا عن كتابة الشذرات والمقاطع من كتابه المدهش وإن بطريقة متقطعة جدا, وتوفي قبل أن يتمكن من نشر الكتاب

ظهر الكتاب في طبعته الكاملة للمرة الأولى في لغته البرتغالية الأصلية عام 1982, أي بعد سبعة وأربعين عاما على رحيل بيسوا.


  • الزوار (1,892)
  • القـٌـرّاء (6)
  • المراجعات (1)
ترتيب بواسطة :

عليَّ اختيارُ ما أمقتهُ- الحلم الذي يكرهه عقلي، أو العمل الذي تشمئزُّ منه حساسيتي؛ العمل الذي لم أولَدْ لأجله، أو الحلم الذي لم يولدْ لأجله أحد. كارهاً كليهما ، لا أختارُ أياً منهما؛ لكن، و لأنه عليّ أن أحلمَ أو أعملَ كلما اقتضى الأمر، فإنني أمزجُ كليهما معاً. ‏ سألتُ الحياة النزرَ اليسير، لكنها حرمتني حتى من هذا النزر. حقلٌ قريب، شعاعُ شمس، قليلٌ من السكينة مع كسرةِ خبز، أن لا يعذّبني ما أشعرُ به لأنني أعرفُ اني موجود، أن لا أطلبَ شيئاً من الآخرين، و أن لا يطلبَ الآخرون شيئاً مني- هذا ما حُرِمْتُ منه مثلما نحرمُ شحّاذاً من الصدقة، لا لأن قلوبَنا عديمةُ الشفقة بل لأننا لا نشعرُ بضرورة أن نفكَّ أزرارَ معاطفنا. ‏ حزيناً أكتبُ في سكون غرفتي، وحيداً كما كنتُ دائماً، و حيداً كما سأكونُ على الدوام. و أتساءلُ فيما إذا كان صوتي المهملُ كلَّ الإهمال يجسّدُ جوهرَ آلاف الأصوات،و توقَ آلاف الحيوات للتعبير عن ذواتها، و صبرَ ملايين الأرواح المسخَّرةِ مثل روحي لمشاغلها اليومية و أحلامها العديمةِ الجدوى و آمالها اليائسة. في مثل هذه اللحظات يشتدُّ خفقانُ قلبي لأنني أعي ما أفكرُ به. أعيشُ أكثرَ من سواي لأني أحيا عالياً. أشعرُ بقوةٍ دينية في داخلي، ضربٍ من الصلاة، نوعٍ من صرخة تنوبُ عن سائر الناس... لكنّ عقلي يعيدني على عجَلٍ إلى مكاني... فأتذكّر أنني في الطابق الرابع في شارع دورادوريس، و ألقي على نفسي نظرةً ناعسة. أرفعُ ناظري عن الصفحة نصف المكتوبة و أرمقُ الحياة، عقيمةً و عديمةَ الجمال، و أرمقُ السيجارة الرخيصة التي سأطفئها في المنفضة أمام الورقة المهترئة المشبعة بالحبر. ‏ أنا، في هذه الغرفة من الطابق الرابع، أستجوبُ الحياة! أقولُ ما تشعر الأرواح به! أكتبُ النثر مثل مؤلفٍ مشهور أو عبقري! أنا،هنا، عبقريّ! ‏ كلما حاولتُ أن أعتقَ حياتي من سلسلة الظروف التي لا تني تقهرها ، تطوّقني على الفور ظروفٌ أخرى مماثلة للأولى، كأنّ شبكةَ الوجود الغامضة لن تفضَّ أبداً نزاعَها معي؛ أزيلُ عن عنقي يداً كانت تخنقني، فأرى يدي مغلولةً إلى أنشوطةٍ تلتفُّ حول عنقي بينما أنا أحرّره من يدِ الغريب. عندما أفكُّ الأنشوطة بحذرٍ شديد أوشكُ أن أخنقَ نفسي بيدي. ‏ نحنُ جميعاً نواري جريمةً اقترفناها، أو جريمةً تتوسّلُ إلينا أرواحنا كي نقترفَها. ‏ أحسدُ جميع الناس لأنني لستُهم. و لأنّ هذه الرغبة تبدو لي كالمستحيل الأكبر بين كلِّ المستحيلات، فهي ما أتوقُ إليه كلَّ يوم، و هي ما أيأسُ منه في كلِّ لحظةِ حزن. ‏ لقد نحتَتْني العزلة على صورتِها و شَبَهها. حضورُ شخصٍ آخر- أياً كان هذا الشخص- يبطىءُ تفكيري على الفور؛ و في حين يكون التواصلُ مع الآخرين بالنسبة لإنسانٍ طبيعي محفّزاً على الكلام و التعبير والفطنة ، فإنه، في حالتي، محفّزٌ مضادّ- إذا جازت لغوياً هذه الكلمةُ المركّبة . عندما أنفردُ بنفسي، أستطيعُ أن أفكرَ بكلِّ صنوف الملاحظات الذكية، بانتقالاتٍ سريعة إلى الوراء نحو ما لم يقُلْهُ أحد، و بومضاتٍ من التواصل الاجتماعي الفطن مع اللاأحد. ولكن، كلُّ هذا يتلاشى عندما أقابلُ شخصاً ما وجهاً لوجه: أفقدُ ذكائي، أعجزُ عن الكلام، و بعد نصف ساعة ينتابني التعب و حسب. أجل، محادثةُ الناس تجعلني أشعرُ بأني أنام. وحدهم أصدقائي الأطيافُ و الخياليون هم الحقيقيون و الجوهريون، و كذلك الحواراتُ التي تدورُ في أحلامي حيث يلمعُ الذكاءُ كصورةٍ في مرآة. ‏ محضُ فكرة إن عليّ الدخول في تواصلٍ مع شخصٍ آخر يصيبني بالقلق. دعوةٌ بسيطة لتناول الغداء مع صديق تُحدِثُ فيَّ ألماً يصعبُ عليَّ وصفُه. فكرةُ أي واجب اجتماعي- حضور جنازة، التعامل مع شخص في شؤون المكتب، الذهاب إلى المحطة كي أنتظرَ شخصاً أعرفهُ أو لا أعرفه-مجرد الفكرة يبثُّ في أفكاري اضطراباً يدومُ نهاراً بأكمله، و أحياناً يبدأ قلقي في الليلة السابقة فأنامُ نوماً سيئاً. و عندما تقعُ المواجهةُ التي أخشاها يتّضحُ لي إنها عديمة الأهمية تماماً، و لا تسوّغُ شيئاً من قلقي، غير أني أكرّرُ الشيءَ نفسه في المرة التالية: لن أتعلّمَ أبداً أن أتعلم. ‏ «طباعي هي طباعُ العزلة، و ليست طباعَ البشر»، لا أعرف من قال هذا، روسو أم سينانكور. لكنه كان عقلاً يتحدرُ من نسبي ، و ربما قالَ الكثير عن السلالةِ التي أنتمي إليها. ‏ و اليوم، مفكراً فيما كانتْهُ حياتي، أحسُّ و كأنها حيوانٌ محمولٌ في سلة تحت ذراعٍ منثنية بين محطتي قطار في الضواحي. الصورة حمقاء، لكن الحياة التي أمدّتني بها أشدُّ حمقاً. ‏ لهذه السلال عادة غطاءان نصف بيضويين، فإذا رُفِعَ أحدهما من هذا الطرف أو ذاك لاذَ الحيوانُ بالفرار، لكنّ الذراع التي تحمل السلة تتكىء قليلاً على مفصل الغطائين و لن تتيح لهذا المخلوق الضعيف غير أن يرفعَ الغطاء رفعاً خفيفاً و لا مجدياً مثل جناحين متعبين لفراشة. ‏ لقد نسيتُ اني كنتُ أتحدثُ عن نفسي و أنا اصفُ السلة. أنا أراها بوضوح و أرى ذراعَ الخادمة البدينة و الملوَّحة بالشمس و هي تحملها، كل ما أستطيع رؤيته من الخادمة هو ذراعها و الوبر الذي يكسوها، و لا ينتابني أي شعور بالراحة إلا عندما تهبُّ بغتةً نسائمُ باردة خلل العيدان و الشرائط التي ضُفِرَتْ منها السلّة التي أتلوّى في داخلها- حيواناً يدركُ أنه يمضي من محطةٍ إلى أخرى. أرتاح مستلقياً على ما يبدو لي مَقعداً طويلاً، و أسمعُ الناس يثرثرون خارجَ سلّتي. ‏ كل شيء هادىء. و لهذا أنامُ ريثما يرفعون الغطاء عند الوصول إلى محطة أخرى. ‏ لا أغضبُ لأن الغضب حقُّ الأقوياء؛ لستُ مستسلماً لأن التنازل حقُّ النبلاء؛ لا أصونُ طمأنينتي لأن الصمت حقُّ العظماء؛ و أنا لستُ قوياً و لا نبيلاً و لا عظيماً. أنا أتعذّب و أحلم. أشكو لأنني ضعيف. و لأنني فنان أسلّي نفسي فأحوّلُ تشكّياتي إلى موسيقا، و أرتّبُ أحلامي بما ينسجمُ مع فكرتي عن الجمال. ‏ ما يؤسفني هو أنني لستُ طفلاً، لأنني آنذاك كنتُ قادراً على الإيمان بأحلامي بدون أن أكون مجنوناً، و لأنني آنذاك كنتُ أستطيع أن أمنعَ سائرَ المحيطين بي دون المساسِ بروحي. ‏ الاستعاضةُ عن الواقع بالأحلام، معايشةُ ما أحلمه على نحوٍ بالغِ الكثافة، قد أضافَ هذه الشوكة إلى الوردة الزائفة لحياتي المحلوم بها: حتى الأحلامُ لا تبهجني، لأنني أرى عيوبها. لا أستطيعُ أن أكتمَ ضوضاء الحياة في الخارج إذا صبغتُ نافذتي بألوانٍ متنوعة، الحياة التي لا تعرفُ أني أراقبها. ‏ كم هم مغتبطون صنّاعُ الأنظمة الفكرية المتشائمة. فبالإضافة إلى كونهم يلوذون بحقيقة أنهم قد صنعوا شيئاً ما، فبمستطاعهم أن يغتبطوا بتفسيرهم للعذاب الكوني و يدرجوا أنفسهم ضمنه. ‏ لا أشكو العالم و لا أحتجُّ باسمِ الكون. لستُ متشائماً. أنا أتعذّب و أشكو، لكني لا أعرفُ هل العذابُ أمرٌ طبيعي، كما لا أعرف إن كان العذابُ شأناً إنسانياً. و لماذا أكترث بأن أعرف؟ ‏ أتعذب بدون أن أعرف هل أستحقُّ هذا العذاب(غزالٌ مأسور). ‏ لستُ متشائماً. أنا حزين. ‏ .... و أنا الذي يكرهُ الحياة كراهيةَ الجبان، أخافُ الموت و أنبهرُ به، أخافُ هذا العدمَ الذي قد يكونُ شيئاً آخر، و أخافهُ كأنه عدمٌ و شيءٌ آخر في آن، كأنّ الذعرَ الكامل و اللاوجود قد يترافقان هناك، كأنّ تابوتي سيحبسُ التنفسَ الأبديّ لروحِ جسدي، كأنّ الخلودَ سيشقى بهذا التواطؤ بينهما. تبدو لي فكرةُ الجحيم التي لم تخترعها إلا روحٌ شيطانية مشتقّةً من هذا الصنف من الاضطراب- مزيجاً من خوفين مختلفين كلاهما يناقضُ الآخر و يدنّسه. ‏ إذا امتلكتَ رأياً فأنت تبيعُ نفسك. و إذا لم تمتلكه انوجدتَ. بامتلاك كلّ الآراء تصيرُ شاعراً. ‏ الحزنُ العميق الذي يسكنُ كلَّ الأشياء العظيمة: الجبالَ الشاهقة و الرجالَ العظماء، الليالي العميقة و القصائدَ الخالدة. ‏ أن نرى كلَّ الوقائع التي تجري معنا كأنها أحداثٌ أو وقائعُ في روايةٍ لا نقرؤها بعيوننا و إنما بحياتنا كلها. فقط إذا اتخذنا هذا الموقف، سنستطيع التغلبَ على تفاهةِ الأحداث و تعاسةِ كلّ يومٍ يعبر. ‏ لا يزالُ التفكير شكلاً من أشكال العمل. في حلم اليقظة المحض و حسب، عندما لا يقاطعنا أيُّ عمل، و حتى إدراكنا لأنفسنا يصلُ إلى الحضيض- هناك وحسب، في تلك الحالة الندية و الدافئة من اللاوجود، نستطيعُ الوصولَ إلى التخلي المطلق عن كلّ فعل. ‏ أن نكفَّ عن محاولات الفهم، أن نكفَّ عن التحليل... أن نرى أنفسنا كما نرى الطبيعة، أن نشاهدَ انطباعاتنا كما نشاهدُ حقلاً- تلك هي الحكمةُ الحقّة. ‏ ملامستك لقدمي المسيح لا يسوّغ لك ارتكابَ الأخطاء في علامات الترقيم. ‏ لو كان امرؤ لا يجيدُ الكتابة إلا إذا سكَر فسأقول له: اسكر؛ وإذا قال إن هذا يضرُّ بكبده فسأجيبه: و ما هو كبدك؟ شيءٌ ميت يعيش أثناء حياتك، بينما القصائد التي تكتبها سوف تحيا من دونك. ‏ كلُّ عواطفي تحدثُ على السطح، لكنها صادقة. لقد كنتُ ممثلاً على الدوام، و ممثلاً جاداً. كلما أحببتُ زعمتُ انني أحبُّ ، زاعماً ذلك حتى أمام نفسي. ‏ نعبدُ الكمال لأننا عاجزون عن حيازته، و إذا ما حزناهُ فسنرفضه؛ الكمال لا إنساني لأن الإنسانية ناقصة. ‏ نحن نضمرُ بغضاء سرية للفردوس و اشتياقاتنا شبيهة باشتياقات الفقير المحطم الذي يأمل بالريف في الجنة. ‏ ما بوسعه أن يسحر روحاً حساسة ليس النشوات المجردة و لا أعاجيب الغيب، و إنما أعمدةُ البيت و سفوح التلال، الجزر الخضراء في بحار زرقاء، الدروب المحفوفة بالأشجار و ساعات الراحة التي تنقضي بين مزارع الأجداد، حتى لو لم نمتلك مثل هذه الأشياء أبداً. ‏ ما لم توجد هناك أرضٌ في الجنة فخيرٌ لنا أن لا توجد أيةُ جنة، و خيرٌ لنا أن يكون كلُّ شيء لا شيئاً، و أن تصلَ الرواية العديمة الحبكة إلى ختامها. ‏ بلوغُ الكمال يقتضي بروداً غريباً عن الإنسان، يفقد أثناءه القلبَ الذي يجعله يعشق الكمال. ‏ مذعورين نعبدُ غريزةَ الكمال لدى الفنانين العظماء، نعشق اقترابهم من الكمال، نعشقه لأنه اقترابٌ فحسب. ‏ عشقُ العبث و المفارقة هما السعادةُ الحيوانية لدى الرجل الحزين. مثلما يتفوّهُ الرجل الطبيعي بالترّهات و يصفعُ الآخرين على ظهورهم عندما ينفعلُ و يتحمّس، كذلك يتسلّى العاجزون عن الحماسة و المرح داخل عقولهم، و يؤدّون- بطريقتهم الخاصة الباردة- إيماءاتِ الحياة الدافئة. ‏ كلُّ جهدٍ جريمة لأن كلَّ إيماءة حلمٌ ميت. ‏ كلُّ متعةٍ رذيلة، لأن البحث عن المتعة هو ما يقومُ به الآخرون جميعاً في الحياة، و الرذيلةُ السوداء الوحيدة هي أن تفعلَ ما يفعلهُ الآخرون. ‏ كلُّ ما أسألهُ من الحياة هو ما سأله ديوجين من الإسكندر: لا تعترضْ طريقَ الشمس. كانت ثمة أشياء أردتُها ،و لكني حُرِمتُ من كلِّ الأسباب التي تجعلني أريدها. أمّا ما عثرتُ عليه، فكان خيراً لي لو عثرتُ عليه في الحياة الواقعية. أحلمُ.... ‏ ***** ‏ عندما أتمشّى أصوغُ عباراتٍ باهرة لا أستطيعُ أن أتذكّرها فورَ وصولي إلى البيت. لستُ واثقاً إن كان الشعرُ الخالص في هذه العبارات يعودُ بأكمله إلى ما كانتْهُ ( و قد نسيتُه)، أم يعود جزئياً إلى ما لم تكُنْه. ‏ ***** ‏ الحالمون بالمثاليّات- الاشتراكيون، المحبُّون للغير، و الإنسانويون أيّاً كانت مِلّتُهم- يجعلونني أشعرُ بالغثيان في معدتي. إنهم مثاليون بلا مثال، مفكّرون بلا فكر. إنهم مأخوذون بسطح الحياة، لأن قدرَهم هو أن يعشقوا النفاياتِ التي تطفو فوق المياه و يحسبوها جميلة، فالأصدافُ المبعثرة تطفو أيضاً فوق المياه. ‏ أحلامي: في أحلامي أخلقُ أصدقاء أبقى بصحبتهم فيما بعد. إنهم ناقصون بطريقة أخرى. ‏ اِبقَ نقيّاً، لا كي تكونَ نبيلاً أو قويّاً، بل كي تكونَ نفسك. أن تمنحَ الحبّ هو أن تفقدَ الحب. ‏ اِنزوِ عن الحياة كي لا تنزوي عن نفسك. ‏ النساء منهلٌ جيد للأحلام، فلا تلمسهنَّ أبداً. ‏ تعلّمْ كيف تفكّكُ أفكار المتع الحسية و اللذّة . تعلّمْ كيف تتلذذُ بالأشياء كلها، لا من أجل ما هي عليه، بل من أجل الأحلام و الأفكار التي توقدُها (إذ ما مِنْ شيءٍ هو ما هو عليه، أما الأحلام فهي أحلامٌ دائماً). كي تستكملَ ما ذكرتُ، يجبُ ألا تلمسَ شيئاً، إذ حالما تلمسه يموتُ حلمك و يشغلُ الشيءُ الملموس مقام مقدرتك على الإحساس. ‏ السمعُ و الرؤية هما الشيئان النبيلان الوحيدان في الحياة. الحواس الأخرى شهوانية و مبتذلة. الأرستقراطية الوحيدة هي أن لا تلمسَ أبداً. تجنّبِ الاقتراب- ذاك هو النبلُ الحقيقيّ. ‏ بعد أن رأيتُ منطقَ بعض المجانين و صفاءَ ذهنهم عندما يبرّرون أفكارَهم الممسوسة أمام أنفسهم و أمام الآخرين، ما عدتُ قادراً البتة على الوثوق بصفاءِ ذهني الصافي. ‏ العبدُ الذي أخفيهِ في شخصيتي و تحت وطأةِ ظروفي، لا تهينهُ لامبالاةُ الآخرين فحسب ،بل يهينهُ أيضاً تعاطفهُم مع الشخص الذي يعتقدون انه أنا- هكذا يُراكِمُ القدَرُ فوقي إهانات البشر.- ‏ مدركاً السهولةَ التي تستطيعُ بها أضألُ الأشياء أن تعذّبني، فإنني أتعمّدُ أن أتحاشى التواصلَ معها. إذا كنتُ سأتعذّبُ حينما تعبرُ غيمةٌ أمام الشمس، فكيف لن أتعذّبَ من ظلامِ هذا اليوم المهمَلِ إلى الأبد و هو حياتي؟ ‏ ليست عزلتي سعياً إلى السعادة (التي لا تعرفُ روحي كيف ستشعرُ بها)، و لا سعياً إلى السكينة (التي لن ينالها أحدٌ ما لم يفقدها في الواقع)، إنها سعيٌ إلى النومِ و المحوِ و التخلي المتواضع. ‏ الجدران الأربعة لغرفتي الحقيرة هي زنزانةٌ و بريةٌ في آنٍ، سريرٌ و تابوت. أسعدُ لحظاتي هي تلك اللحظات التي لا أفكّرُ خلالها بشيء و لا أريدُ شيئاً و لا أحلمُ شيئاً. أكونُ ضائعاً في خدَرٍ كمثل نبتةٍ طلعت بالصدفة، كمحض طحالبَ تنمو على سطح الحياة. أتذوّقُ دونما مرارةٍ هذا الإدراك العبثي لكوني لاشيئاً، هذا التذوق المسبق للموت والفناء. ‏ لم يكنْ لي أحدٌ قط أناديه بالمعلم، ما مِنْ مسيحٍ مات لأجلي، ما مِنْ بوذا أرشدني إلى الطريق، ما مِنْ أبولو أو أثينا، في أرقى أحلامي، تجلّيا كي يُنيرا روحي. ‏ عندما نحيا على الدوام في عالم المجرّدات، سيّان مجردات الفكر أو أحاسيس الفكر، فإن أشياء العالم الواقعي- ضد إرادتنا و عواطفنا- تغدو حينئذ أوهاماً، بما فيها الأشياءُ التي تخصُّنا شخصياً و علينا أن نشعرَ بها على أعمق نحو. ‏ مهما كنتُ مخلصاً و متفانياً في صداقتي مع شخصٍ ما، لا يحرّكُ فيَّ نبأُ مرضهِ أو وفاته سوى انطباعٍ مبهم و كئيب و متعذرِ التحديد يزعجني أن أشعرَ به. وحده التواصلُ المباشر، المشهدُ الواقعي، يشعلُ عاطفتي. عندما نحيا في الخيال فإننا نستنزفُ مقدرتنا على التخيُّل، ولا سيما تخيّلُ ما هو واقعي. بالمعايشةِ الذهنية لأشياء لا وجودَ لها، و لن توجدَ أبداً، فقدنا مقدرتنا على تأمُّلِ ما هو ممكنُ الوجود. ‏ اكتشفتُ اليوم ان صديقاً قديماً ، صديقاً لم أرَهُ منذ وقت طويل لكنني أحتفظُ تجاهه دائماً بذكرى أحسبُ انها الحنين، قد دخلَ للتوّ إلى المستشفى لإجراءِ عملية جراحية.الإحساسُ الوحيد، المحدّد و الواضح، الذي أثاره فيَّ هذا النبأ هو التعب، التعبُ من التفكير بأنّ عليّ زيارته، مع الفكرة الهزلية البديلة و هي أن أتغاضى عن الزيارة و أشعرَ بالذنب. ‏ ذاك هو كلُّ شيء... لفرطِ ما تعاملتُ مع الظلال، أنا نفسي صرتُ ظلاً- في كلّ ما أفكرُ به و أشعرُ به و ما أنا عليه. جوهرُ وجودي هو الحنينُ إلى الشخصِ الطبيعي الذي لم أكُنْهُ قط. ذاك فقط هو ما أشعرُ به. حقاً، لا أشعرُ بالأسف على صديقي الذي سيخضعُ للعملية. حقاً، لا أشعرُ بالأسف على أيّ شخصٍ سيُجري عملية أو أيِّ شخصٍ يتعذّبُ و يأسى في هذا العالم؛ لا أشعرُ بالأسف إلا لأنني لستُ شخصاً يستطيعُ الشعور بالأسف. و بغتةً، أنقادُ يائساً للتفكير في شيء آخر، خاضعاً لقوّةٍ لا أعرفُ ما هي. فكأنّ الهلوسات تنتابني، فيختلطُ كلُّ ما عجزتُ عن الإحساسِ به و كلُّ ما عجزتُ عن أن أكونَهُ مع حفيفِ الشجر و ترقرقِ المياه في البحيرات و مزرعةٍ لا وجودَ لها.... ‏ أسعى كي أحسَّ، لكني ما عدتُ أعرفُ كيف أحسّ. لقد صرتُ ظلَّ نفسي، كأني قد تنازلتُ عن وجودي لهذا الظلّ. خلافاً لبيتر شليمل في الأقصوصة الألمانية ، لم أبِعْ ظلّي فقط للشيطان بل بعتُهُ ماهيّتي أيضاً. يعذّبني اني لا أتعذّب، و لا أعرفُ كيف أتعذّب. هل أنا على قيد الحياة أم تُراني أزعمُ فحسب اني كذلك؟ هل أنا نائمٌ أو مستيقظ ؟ ‏ ونسمةٌ خفيفة تنبعثُ عليلةً في قيظِ النهار فتجعلني أنسى كلَّ شيء. جفوني مثقلةٌ بالمتعة... يخطرُ لي ان هذه الشمس إياها تسطعُ فوق حقولٍ لستُ فيها و لا أتمنى التواجد فيها....من قلبِ المدينة الصاخب ينبثقُ صمتٌ شاسع... يا لنعومته! لكن، ربما كانت نعومتهُ ستزداد لو استطعتُ أن أحسَّ بها!... ‏ 

  • أعجبني
  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
  • 0
أضف مقتطفاً

يؤلمنا العيش لأننا نعلم أننا نعيش، الموت لا يخيفنا لأننا فقدنا المفهوم المعتاد عن الموت.


  • تعليق
  • مشاركة
  • 0



في هذه الخواطر المفتقرة إلى الترابط وإلى الرغبة في أي ترابط، أسرد بلا اكتراث سيرتي الخالية من الأفعال، تاريخي الذي بلا حياة،إنها اعترافاتي الخاصة.

  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
أكتب لأخفض من حمى الإحساس. بفضل المرارة وحدها أتفهم جيداً النساء المشتغلات بالتطريز، اللاتي يصنعن غرزة تلو غرزة لأن الحياة موجودة.
أن تعيش معناه أن تضع الغرزة تلو الغرزة بنفس قصدية الغير، لكنك ما إن تنهمك في وضعها حتى يغدو الفكر حراً..

  • تعليق
  • مشاركة
  • 0

تقرفني الحياة مثل دواء لا نفع فيه، كم سيكون سهلاً أن أبتعد عن هذا الضجر لو كنت أمتلك ببساطة قوة الرغبة في الابتعاد عنه بالفعل.

  • تعليق
  • مشاركة
  • 0

سأكون ما أرغب في أن أكون، لكن علي أن أرغب أولاً، علي أن أريد أي شيء. النجاح يكون بتحقيق النجاح وليس بامتلاك مؤهلات لتحقيق النجاح.

  • تعليق
  • مشاركة
  • 0


ما تسلبني إياه الحياة وما تهبني لا يعنيني ولا يبكيني.. بالمقابل، لطالما أبكتني بضع صفحات من النثر.

  • تعليق
  • مشاركة
  • 2

أكره الاستعمال اللامضبوط لقواعد الاملاء، كما لو أن الأمر يتعلق ببصقة مباشرة. أجل، ذلك أن قواعد الإملاء هي كائنات بشرية بدورها، الكلمة كائن كامل مرئية ومسموعة.

  • تعليق
  • مشاركة
  • 0

كل شيء يفلت مني حياتي كلها، ذكرياتي، مخيلتي بما تحتويه، شخصيتي الكل يتبخر، أحس باستمرار أنني كنت شخصاً آخر..

  • تعليق
  • مشاركة
  • 0

أحياناً أعثر في الفوضى الخاوية لأدراجي الأدبية، على أوراق كتبتها منذ عشر سنوات، منذ 15 سنة وربما أكثر، والكثير من هذه الأوراق يبدو لي منتمياً لرجل غريب.

  • تعليق
  • مشاركة
  • 0

أنا هوامش مدينة ليس لها وجود، أنا التعليق المسهب على كتاب لم يكتب، لست بأحد أنا، لا أحد. لا أعرف كيف أحس، لا أعرف كيف أفكر، لا أعرف أن أرغب، أن أريد.

  • تعليق
  • مشاركة
  • 0