قرّاء هذا الكتاب يقرؤون أيضاً


thumb

thumb

thumb

thumb

thumb

thumb

الكتاب على رفوف القـرّاء


بكاء الطاهرة: رسائل قرة العين (264 صفحة)

عن: دار المدى للثقافة والنشر (2008)

التصنيفات : مذكرات شخصية و سير

قرة العين موضوع "بكاء الطاهرة" شخصية دينية ملتبسة بحق على ما جاء في توطئة الطبعة، حكم عليها بالموت في طهران عام 1852 بعد سلسلة من المحن والمحاججات والمواجهات الدينية، والسبب الذي خلفته المصادر المؤيدة والمناوئة، سبب لا يمكن تجاوزه، تركز في فكرة الخروج عن الشريعة، عبر تأويل مقولة خروج صاحب الزمان في الوقت الذي بقيت فيه قرّة العين بالنسبة لأتباع الباب وبهاء الله، بطلة معاصرة، وداعية من دعاة التحرر والتمرد على التقاليد، والحض على تحرير المرأة. وهي لا تزال ماثلة في أذهان بعض الفرق الدينية الهامشية رمزاً من رموز الحداثة الدينية حيناً، ومثالاً رائعا للمهووسين بفكرة الخلاص الدنيوي حينا آخر، وفي ظروف اخرى كمتحللة ملأت خيال رجالات الشرق من الذين لم يألفوا أن يرتفع صوت الأنثى، بخاصة في المحافل الدينية.


  • الزوار (1,657)
  • القـٌـرّاء (6)
  • المراجعات (2)
ترتيب بواسطة :

حسنة هذا الكتاب تميط اللثام عن ما تنطوي صفحات كثيرة من كتب بليغة، بارزة في علم الاجتماع وبقيت في غيهب النسيان، بالرغم من إنها كتبا خالدة تحلل طبيعة مجتمع، وتعدّ أهم مصادر (الانثروبولوجيا) الثرة التي تكشف بواطن ثقافة مؤشرة لطبيعة فئة سياسية معينة استغلت وضعا معينا فطورت فكرة ما، وناصرتها وفقا لمصلحتها، وإن بقيت تلك الفكرة حبيسة أسرار، ولفها الغموض أي كانت مقاصده، فمن الصعب العودة لها اليوم حيث تسمي شخصيات اتخذت من الدين طابعاً، وعنوانا فدخلت عتمة التقديس من بعد أن تلقت الدعم من حكام وقادة زمانهم، ولتفهرس ضمن حركات فئوية قد كان لها التأثير في الكثير من المردين و تلك الأفكار على الأغلب والأعم يعدها علم الاجتماع السياسي (حركات سياسية تريد أن تضع موطئ قدما هنا أو هناك)، والتكتم يقيها التفكيك والمحاجة المنطقية، حيث تبقى ويطول عمرها وربما تلد أفكار أخرى، تناسب المراحل التالية، فيرسم لنا كتاب (بكاء الطاهرة) الصادر عن دار المدى 2009م الفضاء الذي عاشت به امرأة، أسفرت عن وجه مشرق جميل، حاطه الكثير من المؤيدين والمناوئين، ليضعنا أمام بوابة الأسئلة المثيرة للإجابة المشوقة عن جملة أمور مقلقة بقيت معلقة بتفاصيل دارت وتركت أثراً في المجتمع الإسلامي بحيثيات مسست كثير المساس بجانب ما من ثقافته، ونظامه الأخلاقي، وقيمه من مكان، ورؤية المجتمع لذاته وللآخر من مكان آخر؛ ولا يمكن غض النظر عنها أبداً، لكونها تحديات صارت شاخصة في مبحث بنية العقل العربي، ونظمه الثقافية المتفرعة، والمتغيرة بمتغيرات الزمان والمكان، فالكتاب الذي يقع في (264) صفحة من القطع المتوسط؛ هو مفتاح يجمع لما أغلق عليه في (إيران) منذ عام 1852م.
يأخذنا الكتاب الذي يبدأ بمقدمة مثقفة، ذكية، بلغة شفافة، موجزة قد اختزلت الكثير من الكلام في تسليط ضوء كاشف عن هذه المرأة الجريئة والتي نشأت بين محب وكاره، حيث مزقتها الفرقة ما بين أعمامها المختلفين بالحب والعداء، من جهة، وأخوالها المتفرقين أيضا، فصارت المرأة (الشيخة) علامة فارقة يتصل بها الزمان، والمكان، فتحركت من (قزوين) مكان ولادتها وتحدت به زمانا عصيا مبعوث من الرماد فوصلت بندائها من (إيران) إلى مركز (العراق) الديني وأسست لذاتها ميدانا واسعا فاثأر فكرها واعتقادها جدلا وغيرة، أينما حلت خطوتها، وصارت بخاصتها علامة صعبة تذلل أمامها المعترضين، والموالين: فتلك المرأة كانت تحمل فكرة مطورة، مستقلة بذاتها لفتت إليها أنظار عصرها فكسبت مكانا ووصالا ومغلاه في كل من كان حولها، حيث رمت من جانب، والهت من جانب آخر، تركزت بكونها امرأة قائدة أرادت أن تنصر أية امرأة ظلمتها التراجم والتفاسير، فوقفت بقوة بلاغتها، وحسن تفسيرها إلى جانب النصف الأنثوي من المجتمع. فكيف وهي الأنثى التي بغت التقديس، وقصتها يرويها الرواة كانت تمثل تحديا لإرادة الزوج ووالده، فشاءت الظروف أن تتمحور كليا حتى الممات تماشيا لذلك التحدي، إذ (حاول زوجها أن يدس لها السم أكثر من مرة ولكنه فشل- ص58)، فكتاب مثل (بكاء الطاهرة رسائل قرة العين) يسلط ضوءا على مكان ما من التاريخ الذي حذفته المصالح والمطالح، بالرغم من أهمية تلك الفكرة المندرجة من فكرة أخرى فهو لم يأت بجديد ينفرد به على الإطلاق وأكثر مما أضاء الكتاب البديع لـ(علي الوردي).. أهمية كتاب (يوسف أفنان ثابت) تكمن في جمع للقراء والدارسين مجموعة واضحة النية، والمقصد من نصوص مثيرة للجدل، وفق ما تبنت (قرة العين) من مفاهيم قد آمنت بها، وأعلنتها منهجا خاصا بها، وقد وقع الكتاب بثلاث أقسام الأول منه اشتمل بتعريف عن مشايخ وتلامذتهم، وعن وجه جميل لامرأة رائعة الجمال (حسب وصفها وتأثيرها في الأخر من حضور، أجادت مخارج العربية بإتقان، ونقلت الكثير من لغة العرب إلى لغة قومها) فاستطاعت أن تقف ببطولة وتقول ما لم تقله أية امرأة؛ فامرأة مثلها أمت الناس في الصلاة، والرأي، والمسألة (احتوت صوراً غريبة أثمرت عن معرفة فريدة من بني عقلية تمنعت عن المعرفة العلمية، اتخذ الشروع العاطفي المشحون بالروايات مساراً سيخط الأطر العامة لأسطورة الأنثى التي أغرمت بفكرة الغائب المقدس، وأضفت عليه لمسة بشرية كامنة في صلب التقاليد الدينية الصلبة- الكتاب- ص31)، وكما يقول سليمان إبراهيم العسكري: (تكثر لدينا الكتب التي تتناول التاريخ، ولكن تندر لدينا الكتب التي تحسن تناول التاريخ)، فـ(تلك الشاعرة الداعية إلى الخلاص من ارث الديانات السابقة، فدفعت المؤمنين بدعوتها إلى أزمة روحية، فهي التي صرخت بأعلى صوتها في مؤتمر “بدشت” وقد كشفت عن وجهها وتزينت:- إني أنا الكلمة التي ينطق بها القائم والتي يفر منها نقباء الأرض ونجباؤها- ص8). كانت شخصية تابعة وتحولت إلى متبوعة، امتازت بتمكنها من اللغة العربية، وصارت شارحة لآياته البيّنه وفق ما تراه هي، فصار أتباعها ومريدوها يسيرون ورائها من بلد إلى آخر (سافرت قرة العين إلى كربلاء عام 1843م، وكان عمرها آنذاك ثلاثة وعشرين عاماً، إلا أن رواية أخرى ذكرت إنها كانت في عمر السادسة والعشرين، وكانت قد رزقت بولدين وبنت، وشاع عنها أنها عالمة شابة على قدر كبير من الجمال.. وصلت قرة العين إلى كربلاء، وذهبت على نحو مباشر إلى بيت السيد الرشتي، ووجدت في انتظارها مفاجأة مؤلمة لم تكن في الحسبان عندما علمت إن الرشتي قد مات قبيل وصولها بعشرة أيام، فاستأذنت عائلته أن تبقى في بيتهم، وسمح لها في الاطلاع على تراثه الذي لم يكن الرشتي قد نشره من قبل، فراحت تدرس كل المخطوطات بشغف ولهفة، حدّ إنها صرخت يوماً وهي تخاطب تلاميذه: تأملوا كم ترك لنا الشيخ لقد أورثنا بحرا من العلوم- ص 40). ومن الجدير بالذكر فقد (ختم الرشتي حياته التي قضاها يروج لظهور الإمام بكلامه لتلاميذه: إن الموعود الذي تنتظرونه موجود وسطكم، وترونه بأعينكم، ولكنكم لا تعرفونه، وقال لأحد تلاميذه انك ستراه- ص 19).. وانه قد لمّح (وصرح بقائمية الباب الشيرازي- ص 13). أما القسم الثاني تضمن مجموعة من رسائلها الأولى (يا ذكر الله الأكبر) والرسالة الثانية (خطاب عام وجهته لأهالي كربلاء بعد خروجها منها) أما الرسالة الثالثة (خطاب التبليغ والتفهيم) والرابعة (رسالة لدفع شبهات مفتي بغداد) فالخامسة في (بيان منزلة باب الباب الملا البشروئي) والسادسة في (نصرته) السابعة الموجهة (إلى جناب الميرزا النهري) أما الثامنة فهي الموجهة إلى (ابنة فاطمة خانم شقيقة الميرزا صبح أزل)، فالتاسعة كانت في (الرد على خليفة الرشتي)، وأخيرا رسالة وجهتها إلى أهالي أصفهان).. أهمية تلك الرسائل فيما ما أقامته من جسر عاطفي عبر بها فكرا واليته ووسع مخيلته التي تفضح محتواه..
أما القسم الثالث من الكتاب فقد حوي الجزء الأكثر تشويقاً؛ فكيف كانت تقرأ رسالة الشاملة (قرة العين) ومنزلتها الفكرية بمنظور جلي بما كتبه (الآغا محمد مصطفى البغدادي)، وما كتبه (عباس أفندي) عن قرة العين يعدّ الأكثر ميلا لطروحاتها وما سارت عليه من منهج. أما ما كتبه (علي الوردي) فقد جاء محايدا إلى حدّ الإنصاف في شخصية أثرت وبانت واضحة حول ما جاءت به من (قزوين- إيران) ووصلت به إلى (كربلاء-الكاظمية)، فأمست من مشاهير النساء، فأورد في متنه نسخا من كتاب لمحات اجتماعية من تاريخ العراق (ج2)، مثبتاً بان المرحوم الدكتور (علي الوردي) هو الأشمل والأكثر موضوعية عن غيره، ورسالة هذا الكتاب المشوق: على كل باحث أن يكشف أي نقاب، وأي محجوب مهما كانت أهميته من عدمها، فهكذا جهد يعد مراجعة بحاجة للنشر ليتم الوقوف جديا أمام منحيات العقل عن مساره الحق فالمكتبة الثقافية تسفر عن وجهها غير المألوف ومراجعها التي دمرها التكتم.


  • أعجبني
  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
  • 0

من هي قرّة العين؟ وأيّ دور لها في كشف المسكوت عنه؟ وهل شهد القرن التاسع عشر دورا قياديا لجيل من الشباب يقوم بانتفاضة تقودها امرأة؟ هذه المرأة كانت تجلّي مباشر لروح التجديد والجرأة في العبور إلى الضفة الأخرى. فهل كانت قرّة العين تحمل روح التمرّد والسعي الدؤوب نحو فضاءات أرحب، وإن بدت بسياقات تدور حول الموروث الديني الموغل في الأسطورة وعقائد التضحية بالذات؟

 

هذا ما يحاول الإجابة عليه الكتاب الصادر عن دار المدى للثقافة والنشر والذي يحمل العنوان التالي: بكاء الطاهرة – رسائل قرّة العين، لمجموعة من المؤلفين وقام بتقديم الكتاب يوسف أفنان ثابت. ولدت قرّة العين في قزوين في العقد الثاني من القرن التاسع عشر وقد سميّت (زرين تاج) وهو الاسم الفارسي لها الذي يعني (التاج الذهبي) لأنها كانت ذات شعر أصفر، كانت أسرتها من الأسر الدينية المعروفة في قزوين ذات جاه ومكانة تدعى بـ(آل البرغاني). تميّزت قرّة العين بجمالها الفتان وذكائها المفرط، وقد بدأ نبوغها بالظهور منذ صباها الباكر. قيل إنها كانت تحضر دروس أبيها وعمّها التي كانا يلقيانها على الطلبة، فكان يوضع لها ستار لتستمع إلى الدروس من ورائه، وسرعان ما أخذت تشارك في المجادلات الكلامية والفقهية التي تثار بين رجال أسرتها، وكثيرا ما كان أبوها يظهر أسفه قائلا: (لو كانت ولدا لكانت أضاءت بيتي وخلفتني). هذه المرأة التي شغلت المجتمع العراقي في السنوات الأخيرة من ولاية نجيب باشا عندما أسفرت عن وجهها وارتقت المنبر، وخطبت وجادلت، فكان ذلك أوّل حدث من نوعه في تاريخ العراق، وربّما في تاريخ الشرق كله، طيلة عقود عديدة وامتد تأثيرها في العراق وإيران. وقد أعلنت مرارا وبوضوح أن ليس لها هدف سوى وجه الحقيقة التي تستحق أن نكون شهداء من أجلها، بل أن نكون عشّاقا مخلصين لها مهما كلّف الأمر، وذلك ما حرّض ضدّها رجالات الدين في كربلاء في حملة لا هوادة فيها، وهي مواجهة مألوفة في شكلها الخارجيّ، لها الكثير من النظائر في التاريخ الإسلاميّ، سوى أنّ الطرف المستهدف في هذه المواجهة أنثى تسلحت بالعلم الدينيّ التقليديّ، وهضمته، لتقٌدم مقولتها المستجدّة فراحت تتحدث بضرورة التمرّد عليه.

كانت قرّة العين من الأركان الأساسية في حركة الباب الشيرازي، فمنذ تعرّفها على فكر الشيخ الإحسائي مصادفة في قزوين في بيت أقربائها، اتّضح أمامها الطريق الذي ستسلكه لخوض حياة قدّر لها أن تكون الأعقد والأجرأ والأخطر بالنسبة لامرأة عاشت حياة اجتماعية ودينية صارمة في القرن التاسع عشر، امرأة خرجت من الحاضنة الشيعية الإيرانية للخلاص المهدوي. إنّ ارتباط الدعوة الدينية بالأنوثة على هذا النحو لم يكن نموذجا متاحا في المتخيل الإسلامي العامّ، سوى على شكل جنون متمرّد تنفرد به بعض الشخصيات المدعية معرفة الاتصال مع السماء، وهو ما فهم من حركة قرّة العين في كربلاء أوّل الأمر، ولم يكن من اتخاذها من بيت كاظم الرشتي مكانا للدرس إلا تحدّيا لمخالفي الشيخ الرشتي، واستكمالا لمواجهات فكرية تعود للصدامات الأولى مع فكر الشيخ الإحسائي، لذا تعرّضوا لمواقفها بوصفها نموذجا للجنون المنفرد، واستلهاما لفكرة الشيطان الأنثى، فكرة جسّدتها امرأة تدّعي معرفة أسرار الظهور المهدوي، لذا أعلن عن نشاطها بوصفه هدفا شيطانيا لا يمتّ بصلة للاهوت الشيعي، إلا أن هذا الهدف تضمّن من ناحية ثانية وعي الحرمان الأنثويّ في التاريخ الإسلاميّ، وقدّم هذا الحرمان على أنه قيمة من خارج مسار الحياة البطولية في الإسلام، بل قدّم في جزء منه على إنه مسار خياليّ لن يصمد أمام الإجماع الرصين للارثوذوكسية الشيعية.

 

إنّ رفض قرّة العين بدا تجاوزا منفردا. حرثٌ في أرض بكر لا تقدّر عواقبه، وإن كان في الأصل أطروحة سمو تضامني مع المعذبين مدعّم بدعوة الباب ذات الطابع الذكوري كما هو الحال في كلّ حركة دينية، وهو ما حصل في كربلاء أوّل الأمر، فقد تبعها عدد من الرجال فراحت تبحث عن أنصار من النساء، وإن كان برفقتها كلّ من والدة الملا حسين كاتب وحي الباب، وأخته خورشيد بكم (شمس الضحى) إلا أنها استطاعت أن تضمّ إلى دعوتها مجموعة من النساء الشهيرات هناك، وممن تبعنها في الأصل من إيران، فقدّمت تلك المجموعة شخصية قرّة العين بوصفها مصدرا مغايرا لمعنى الخلاص، كما أنّ المجتمع هناك بذكوريته الطاغية استقى موقفا جديدا تسبّب به النفور العام من التواريخ المقدسة السابقة، تلك السير التي قادها رجال طالما احتقروا المرأة، وقدّموها بوصفها مكملا محتملا لمشهد البطولة العامّ. إنّ الكشوفات التي قدّمتها قرّة العين في تلك المرحلة صدرت عن تفكير شاعرة متنبّئة اعتمدت سياقا نبويّا معلومة تفاصيله للكثير من مؤرخي الحركات الدينية هناك، فحتى الذين سلّموا بأنّ لكلّ حركة أو دين جديد أنثاه، أو امرأته الأنموذج، فإنّ قرّة العين كشفت، بالنسبة لهم، عن بعد شيطاني سيعبث - لو تركت على حالها- بقضية مقدّسة ينتظرها الناس منذ أكثر من 1300 عام. لكنّ هذه الملاحظة لا تتعارض بطبيعة الحال مع الصورة التي طرحت فيها قرّة العين في المشهد البابي أو حتى البهائيّ، فقد كانت قرّة العين بالنسبة للباب الصورة الأكمل للعالمة الربانية التي انطوت على قدرة فهم وتحليل مسارات حركته وصياغتها بالنتيجة لفكرة الانسلاخ عن الشريعة الإسلامية كما حدث في مؤتمر (بدشت) في ما بعد.

 

إن جرأة الباب بإعلان الانفصال عن الدّين الإسلاميّ بعد إشهاره كتاب البيان أدّى إلى ضرب سلطة المراجع الدينية كافّة، وحشد جميع المراكز الإسلامية ضدّه، فضلا عن السلطة السياسية. بينما راحت الحركة البابية تنتظم يوما بعد آخر، وعمّت المدن الإيرانية مواجهات دموية، مثل تلك التي حدثت عام 1848 في مازندران وفي عام 1849 في قلعة الشيخ الطبرسي واتخذت طابع المواجهات المسلحة، وبلغت زنجان ويزد. ولما أعدم الباب سنة 1850 لاحقت السلطات أتباع الحركة البابية في كلّ مكان، وقتلتهم في مجازر قلّ نظيرها في التاريخ القديم والحديث، حتى إنه يمكن القول إنّ أغلبهم قد أبيد سنة 1852 وضمنهم أبرز رموز الحركة ومنهم قرّة العين. ليس من الممكن هنا أن ننفي أنّ طرائق الحياة العلمية في إيران لم يكن مشاعا فيها أن تدرس المرأة العلوم الدينية، لكنّنا يمكن أن نستخلص أنّ دراسة (قرّة العين) احتوت صورا غريبة، أثمرت عن معرفة فريدة من بنى عقلية تمنّعت على المعرفة العلمية، اتّخذ فيها النزوع العاطفيّ المشحون بالروايات مسارا سيخطّ الأطر العامّة لأسطورة الأنثى التي أغرمت بفكرة ظهور المقدّس، وأضفت عليه لمسة بشرية كامنة في صلب التقاليد الدينية الصلبة. إنّ بعض الحالات الدينية التاريخية القليلة لتشير حقيقة وبكلّ وضوح لاستبدال بعض الذوات الإنسانية وضعا اجتماعيا مرموقا كالذي كانت فيه قرّة العين، والرخاء المادي الذي تعيشه أسرتها وفضاء طفولتها في أحد القصور الفخمة في قزوين. أن تستبدله فتاة في عشرينيات عمرها بمغامرة دينية محفوفة بالمخاطر، وأيّ نفس حسنة السريرة لا تعدّ هذا الاستبدال إذا ما قبلت بحقيقة ظهور مخلص العالم من العذاب يمكن أن تستوعب كلّ طريق المحن والأزمات اللاحق في لحظة تتجسّد فيها المنة الإلهية بكلمات قليلة قالتها قرّة العين وكررتها كهواجس ذات نبرة تنبؤية:( يا إلهي امنحني الفرصة لأهب حياتي هذه لتثبيت هذا الدين بين عبادك).

 

لقد اخترقت قرّة العين العالمين الإسلاميّ والغربيّ، في لحظة بدا فيها العالم على تخوم الخروج من ظلام دام قرونا عدّة، عالمين متناقضين في نظرتهما للماضي، ربطت بينهما (قرّة العين) وفرقتهما في الوقت نفسه، أعطت للشرق دفقة من المروق الجديد، أشار في خلاصته إلى أن العدل لن يتحقق أبدا لو لم نبتكر ظهورنا الجديد، أو نجسّد غائبا منتظرا بصور متعدّدة. ونبّهت في الوقت ذاته ضمير العالم الآخر إلى الفرص التاريخية النادرة التي تتخلل العذاب الإنساني في الانتصار لفردية معاصرة تُستوحى من المقّدس المعاصر. لقد أتمت قرّة العين مصادرها الدينية منذ بدايات صباها الاستثنائي، الذي وفّر لها فرصة هضم كلّ المدونات التي كانت متاحة في بيت رجل الدين الأشهر في المدينة، وهو والدها الملاّ صالح القزويني شقيق إمام جمعة قزوين والعدو الأكبر لطروحات الشيخ الاحسائي. لذا لم يكن متوفّرا للباحثين اللجوء إلى قضية أن تكون قد صدمت بفكرة خارج سياق مصادر معرفتها، خاصّة أنّ المصادر القريبة من لحظة موتها والتي تلته، موثقة على نحو كشف عن تفرد في متابعة دراستها الدينية اليومية طوال سنوات التعلم المعروفة في إيران حينها، الأمر الذي أنهى إمكانية الجدل في نقطة كهذه كانت ستسهم كثيرا في البحث عن تحليل أقرب إلى المتوقع من أزمتها الروحية، حيث أنهت قرّة العين المراحل التقليدية في الدراسة الدينية بشهادات معارضيها الأوائل.

 

قبل أن يدخل الكتاب إلى عالم الرسائل التي سطرتها قرّة العين في مناسبات متعدّدة يقول : “لقد حوكمت قرّة العين على عجل من أجل دعوى خرجت من أطراف الغلو الشيعي، مشتقة مواقفها من ميل عولمي تسمح به فكرة العدالة المطلقة، فهل كان كافيا ذلك الأيمان الحماسي بأفكار الباب للحكم عليها بالكفر؟ إن النظام الديني في الإسلام محكوم اجتماعيا بقوة أخلاقية واحدية، تربط بين التفكير المحدث، والحقّ التأديبي، ولم تكن فكرة إنشاء مذهب ديني أو حتى ديانة مستقلة قد أقيمت في وعي مجموعة من الشباب الإيرانيين لم تتجاوز أعمارهم الخامسة والعشرين، عندما وجدوا أنفسهم في مواجهة سلطة دينية وثقافية وعسكرية، أعطتهم وهما بقدسية مسعاهم، إذ غدت أرواحهم ثمنا زهيدا من أجل فكرة ظلت معلقة في السماء، قرونا، وأنّ لها أن تختبر قوتها أرضيا، فبدا أنّهم فرسان كلّفتهم”السماء بتقديم أجسادهم قربانا."


  • أعجبني
  • تعليق
  • مشاركة
  • 1
  • 2
أضف مقتطفاً

مجرد التفكير بنزع الحجاب في القرن التاسع عشر في إيران، ضرب من ضروب الخيال، وهو ما فعلته قرّة العين بهدوء وقصدية، متبنية موقفا عبّر عن طموحاتها بدور المبشر. جرأة وذكاء مفرطان، وجمال ولغة وأسلوب تفكير، صفات تضعنا أمام أنثى حالمة بتغيير وجه الشرق. ظروف تعليمها المبكر في قزوين واطلاعها المفرط على الأدبيات الشيعية، وميلها الى فكر الشيخ الإحسائي، أدت الى اندماجها في ظلال تفاصيل الظهور المهدوي (كما جاء في الكتاب) لها عيش تلك التجربة، وإعادة إنتاجها، متحدية السلطة الدينية في مدينة مثل كربلاء، متمردة على الشعائر، محاججة لدرجة تكفيرها بالخروج عن الدين، التهمة التي بقيت تلاحقها حتى آخر لحظات حياتها، فضلاً عن تعرضها لأزمات نفسية شديدة العنف للعبور الى عالم معاصر، حتى لو كانت التضحية أكثر من الفكرة ذاتها.
  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
في رسالتها التي وجهتها الى الشيعة بعد خروجها من كربلاء نقتطف الآتي تحت عنوان: "خطاب التبليغ والتفهيم":

"اللهم أنت الشاهد على أني توجهت الى جنابك، وأقبلت بكلي إليك لا حاجة لي في غيرك، وأنت تعلم حالي، وتسمع مقالي لا خوفي إلا فيك، ولا رجائي إلا بك، وقد كنت بعزتك عمن سوى قدرتك معرضاً وغنياً. اسمعوا ندائي يا معشر الشيعة، واعرفوا أني ما خرجت من الأرض المقدسة إلا لأجل الدعاء في أمر دينكم، وتوضيح أمر الله الواضح المشرق في وسط السماء، وهذا من نعم الله عليكم لو كنتم تشكرون، واعلموا أن الذين أنكروا الحق وتشبثوا بالباطل، واتبعوا أهواءكم أهون عندي من جناح بعوضة ميتة، وخيالاتهم المنسوجة أوهن من نسيج العنكبوت!!!".

  • تعليق
  • مشاركة
  • 0