عن إدوار الخراط

إدوار الخراط كاتب مصري ولد بالإسكندرية في 16 مارس عام 1926 في عائلة قبطية أصلها من الصعيد، حصل على ليسانس الحقوق من جامعة الإسكندرية عام 1946م، عمل في مخازن البحرية البريطانية في الكبارى بالإسكندرية، ثم موظفا في البنك الأهلى بالإسكندرية، عمل بعدها مو..

كتب أخرى لـِ إدوار الخراط


thumb

thumb

thumb

thumb

thumb

thumb

الغجرية ويوسف المخزنجي (136 صفحة)

عن: دار البستاني للنشر والتوزيع (2004)

رقم الايداع : 9775383560
الطبعة : 1

سقط وضاح الحداد علي الرمل بثقل، رفع ذراعيه العضلتين، بدأ يجذب الخيمة المطوية الضخمة، يساعده عواد أبو مزمار الذي بدأ مبتسم السن، هو ضاحك وسعيد باستمرار، مكشوف الرأس، يلبس جاكته كاكي لها جيوب كثيرة، جيبه العلوي اليمين واسع تثقله وتجذبه إلي الأمام أشياؤه: علبة سجاير مارلبورو، ولاعة ذهبية كبيرة- من اين استولي عليها؟- ويطل منه منديل محلاوي كبير مربعات يبدو طرفه المتغضن غير تام النظافة. يعتلان الخيمة المطوية، يسقطانها علي الرمل بصوت هدة مكتومة. يذهب كل منهما إلي طرف يشده ويقيم عوجه. بينما آخذ رواد أبو رق، مدور الجبهة، عاقد الحاجبين بعكوف الاستغراق فيما هو بسبيله، يدق الأوتاد الخشبية القصيرة المتينة في المواقع التي يراها صلبة أو حجرية تحتمل الثقل الذي سوف توكل بعبئه، يسندها بصخور قوية جمعها بخفو من حول العربة الكارو، وقد رفع الحمار الفاره رأسه الضخم عالياً وصدر عنه نهيق عال متراوح متردد الجنبات، يحيى خفة الحمل الذي كان ملقى عليه. إذ أخذت الخيمة يشتد قوامها وتنبسط جوانبها العريضة وسقفها الواطئ، ظهرت من خلفها جماعة صغيرة خطفت عيني المخزنجي إذ يلمح خطوطها من بعيد، الملابس النسائية الملونة زاهية الخضرة تنسدل علي الأفخاذ المدكوكة والسيقان المخروطة، والأحزمة الحمراء العريضة تحيط ببطون هضمية. سوف يعرفهن المخزنجي معرفة الحميم للحميم. مانورة عين الليل، مدورة الوجه، مدورة الجسم، الملكة الغجرية فاحشة الجمال، فاحشة السطوة. ريم قمر القلوب، رقيقة رهيفة يعينين فاحمتي السواد ثاقبتين بالنعومة والحزن غير المبرر غير المفهوم، محاسن المطيباتية التي فاتها الحسن ولم تفتها المناغشة الدائمة كأنما تستغفر بها عن افتقارها لبهاء مانورة الساحق ووداعة ريم الآسرة، لواحظ نجمة الجماعة المتألقة، سوف ترقص وتغني للصبح. ومعهن، وعلي رأسهن، أم رضوان، العجوز الحكيمة عارفة الأسرار ومهيئة الأقدار.


  • الزوار (352)
  • المراجعات (1)
ترتيب بواسطة :

يمكن اعتبار"الغجرية ويوسف المخزنجي"دار البستاني، القاهرة اصغر رواية كتبها ادوار الخراط على مستوى الحجم، وكأنما يريد ان يلفت النظر الى انها تتويج واستقطار للنصوص التي سبقتها. فهي - على نحو ما - محاورة وتجريد للطرائق الفنية والتأملات الواردة في روايات سالفة. إلا ان التشابه او التقارب لا يعني التطابق او التكرار. ذلك ان المبدع، مهما ظل حريصاً على إعادة كتابة النص نفسه، فإن شطحات الإبداع وخبراته المتراكمة، تطوّح به الى افق مغاير يشتمل على إيحاءات اضافية. أو كما يقول المخزنجي:"كل شيء هو نفسه، هو ذاته. كل شيء متغيّر، مختلف في الوقت نفسه". لا يُخفي النص، في بنائه العام، قرابته الوطيدة بالتخييل الذاتي، لأن إشارات تُحيلنا إلى عناوين بعض روايات الخراط، ولأن"صوت الكاتب الخالص"يتدخل من حين لآخر، عبر الميتا - سرد، ليُشركنا في سيرورة كتابة الرواية، او ليردّ على بعض منتقديه من امثال صلاح فضل وفيصل دراج وسواهما من الذين يرون ان روايات الخراط تتناسل من نفس ضرع،"رامة والتنين"ص96. من ثمّ، يعمد الكاتب الى إدماج ذاته بالمواقف والأحداث المسرودة، مازجاً بين مرجعية السيرة الذاتية والتخييل، وهو ما يفسح حيزاً للكتابة المنطلقة، الملامسة للتأملات والمشاعر الحدسية حول الحب والجنس ومنطق المتصوفة واستبصارات ابن عربي... ويتعلق المحكي المرجعي بتجربة عاشها يوسف احد اقنعة ادوار الخراط في بدايات الأربعينات من القرن الماضي، بمخزن للتوريد في ميناء الاسكندرية تابع لشركة كانت تشغّل الطلبة او المتخرجين الجدد باعتبارهم"مخزنجية"، توفيراً للمرتبات المرتفعة. وبالقرب، حطت قافلة للغجر عربتها وأقامت خيمتها حيث يتساكن الرجال والنساء والحيوانات المرافقة لهم... وكان لقاء لا يخلو من مفارقة بين يوسف، دارس الفلسفة والمتشبّع بالعقلانية، وأولئك الغجر بمظهرهم الغريب ونسائهم الجميلات، وما يُحكى من خرافات عن توحشهم وأكلهم لحم البشر! عند هذه الحدود المتجاورة بين يوسف العقلاني، وما تحت ارض العقل الغجر، كائنات اللاوعي، كما يسميهم، تنقدح شرارة التخييل والحبك الروائي لتجعل يوسف المخزنجي يتولّه في حب مانورة الغجرية فاحشة الجمال، وأيضاً في حب اختها ريم، الرقيقة، الناعمة، الرهيفة... وهو حب متشابك يعيشه يوسف بذاكرة اول الشباب، وبحصيلة التجارب التي تراكمت الآن بعد رحلة العمر الطويلة. هو حب مركّب لأن يوسف يستحضر الماضي بوعي الحاضر ويستمزج الأحداث والمواقف والعواطف ليجعل منها مجلى لرؤيته واختياراته. انه ينتمي الى قبيلة الغرباء، المضطهدين، ويتعاطف مع تاريخ الغجر في مصر والعالم، ويساند الطلبة الذين تظاهروا في الأربعينات مطالبين بالاستقلال والحرية، ويساند ايضاً الذين يتظاهرون اليوم لأجل تحرير فلسطين والعراق. وما يبرر هذا السرد المتداخل الأزمنة، هو ان يوسف يؤمن بوجود"أنا"متعالق بالجوهر والمتبدّل في آن:"انا أتغيّر، هناك"أنا"آخر، وكذلك النهر، آخر. قال: غير صحيح ايضاً، هناك"انا"الجوهري، بؤرة، بذرة، نواة، كيانه لا يتغير ولا يتحول. وهناك ايضاً"جوهر"ثابت، سيّال ممكن، متقلّب صحيح، لكنه واحد..."ص75. تطالعنا ايضاً قصدية التخييل الذاتي في الفصل السابع يتكون النص من تسعة فصول، وذلك عندما تتمرد احدى الغجريات على يوسف، قائلة:"- انت التي تصنعنا ... انت فقط ترسم مصائرنا نحن صنيعة يديك ... اما كفاك فصول سبعة تراوح بيننا وبينك ... انت الذي تدير حوارات لا نعرف فيم تدور ..."تصطنع"احداثاً لا ندري نحن لماذا تجريها علينا ... انت لا تعرفنا، لا تعرف شياً حقيقياً عنا ... هل حقاً أقمنا مضاربنا على يسار مخزنك هذا الذي أقمت جدرانه من محض وهمك ومن هلاهيل ذكريات غائمة، بائدة عن المخزن رقم 6 في كُفر عشري؟..."ص97. ويحاول السارد - الكاتب ان يرد على مانورة مسترجعاً"وقائع"من الأربعينات، لكنه سرعان ما يعود الى فسحات التخييل لينقض صدقية السيرة وصحة مجراها، وليفتح الباب امام دفق الأسئلة المقلقة، المأزقية، وأمام المحكيات الشذرية التي تسعى الى لملمة الأجزاء المبعثرة لهوية متشظية تستعيد ملامحها وتكوينها عبر"الرمزي والمتخيل والواقع"إذا ما استعرنا مفهوم"لاكان"للبنية النفسية، ذلك المفهوم الذي يعتبر الواقع معادلاً للمستحيل، والرمزي هو حقل اللغة والمتخيله والصور والاستيهامات والتمثيلات والتشابهات... وإذا كان يوسف - الخراط يسمي الغجر بكائنات اللاوعي ويسأل عن المانع من ان تتجسد"وتأخذ لنفسها اجساداً لها كتلتها وجرمها ولها اشكال هي التي تختارها لنفسها خارج منطق العالم المعهود"ص14، فإن لنا ان نعتبر بنية هذا النص بمثابة توليد لخطاطة مرتسمة في اللاوعي تقوم على مزج الرمزي والواقعي والمتخيّل داخل فضاء بلا حدود أو أسيجة. اكثر من إشارة وعبارة تحيل إلى الطابع الميتا - روائي للنص. ووظيفة هذا الخطاب الميتا - روائي تستهدف غرضين: - الدفاع عن المسار الروائي الذي انتهجه الكاتب منذ"رامة والتنين". - استحضار ولملمة الثيمات والتأملات المبثوثة في نصوص الخراط السابقة. لكن الكاتب، هنا، لا يسلك سبيل الخصام الجدالي المباشر، بل يتدثر بغلائل السرد والتخييل الذاتي بصفته شكلاً يتيح التأرجح بين المرجعي والمتخيل ويفسح حيزاً متسعاً للكتابة المتحررة من قيود التعبير الوظيفي. ويتخذ الحوار في النص اكثر من وجهة، فهو تارة بين الكاتب ونقاده، وتارة بينه وبين شخوص الرواية الذين يتمردون ويتهمونه بأنه لا يعرفهم، ومرة ثالثة يحمل الحوار اصداء اسئلة الذات المنقسمة، وترجيعات شكوكها واستيهاماتها... من هذا المنظور، يمكن اعتبار"الغجرية ويوسف المخزنجي"نصاً حاملاً لأجوبة على اسئلة طرحها نقاد، او على أسئلة يطرحها الكاتب على نفسه وهو يعرف مسبقاً ألاّ إجابة عنها... ليست هي اذاً، اجوبة بقدر ما هي تفريع لأسئلة اخرى:"... ام كانت رحلة المواجهة بين قسمين متنافرين من ذات المخزنجي - وربما بطموح غير مبرر، للذات الجماعية للمخزنجي - بين عنصري الحلم من ناحية وما يسمى الواقع من ناحية اخرى؟ ام هي في آخر الأمر، حلقة دائرية مغلقة على ذاتها ولا بدء ولا نهاية لها من الموت الى الحلم، من الواقع الى اغوار الذات؟"ص121. بالنسبة الى علاقة الخراط بشكل الرواية، نجده هنا يؤكد ما عبر عنه في نصوص سابقة، مثل"طريق النسر"2002، من انه لا يعتقد بوجود"اصول للرواية"تستوجب المراعاة والاحترام. ويقول، في هذا النص:"ليس في حكايتي نظام وتسلسل وإحكام وحسن صنعة وتوضيب. كيفما جاء الحكي فليجئ ... أُنظم كون الروايات بينما الكون كله، في كل فوضاه وعشوائيته وجوره ولا إنسانيته، هناك قائم لا يمكن إنكاره ولا الفرار منه - طوعاً على الأقل! مع الزعم بأنه له وفيه قوانين صارمة الدقة، قوانين هي من صنعنا نحن لا من صلبه"ص96. هذا التصور المفتوح لشكل الرواية هو ما يتيح للخراط ان يمرر تجاور صوت الراوي المتدثر بالتخييل واللغة والسرد، و"صوت الكاتب الخالص"الذي له علائق بالواقع الزئبقي، ويحيلنا على ما هو مرجعي فيه. ومن ثم، لا يقتصر النص الروائي على التخييلي، بل تتلاقى داخله الأخيلة والأفكار والتأملات والإحالات إلى نصوص غائبة، وإسماع الرأي الخاص، وكل ذلك في شكل يمت بصلة الى شكل"رواية - محاولة"Roman-essai. من هذه النافذة، نجد الخراط في"الغجرية ويوسف المخزنجي"يلمح الى مواقف وأفكار تندرج ضمن رؤيته العامة للحياة المنطلقة من جدلية الرفض والانصياع للواقع، ومن التعلق بالمطلق والحب المستحيل على رغم ما يوليه من اعتبار للتنسيب والحسية الجسدانية وتفاعل الأنا مع الآخر... ولأن"المحبة اصل الموجودات"كما قال ابن عربي، فإن يوسف المخزنجي لم يتردد في ان يُدرج نفسه ضمن"قبيلة الغرباء، المضطهدين أو المرفوضين"اي انه يتعاطف مع الغجر بصفتهم فئات تعرضت للاجتثاث والتهميش والإبادة النازية... ومن صلب الغجر - في هذا النص - تنحدر ريم العذراوية الشكل، ومانورة الشهوانية المثيرة، لتمتزجا:"معاً في روحه كياناً انثوياً واحداً، انثى تموء وتتأوّه"، ولتشعل قلبه بمثل الحب الذي شغف به حيال عشيقاته - الرموز الأخريات:"لا كمال لي إلا بها ولن تعرف الكمال إلا بي، نسبتي الى الوجود الحق هي نسبتها، نسبتهن جميعاً، معاً، مانورة، ريم، رامة، مريم البتول، نعمة رامية السهم المريش الرسم والرؤيا والمسار والسماء الصغرى، النسبية هي المطلق بلا نقصان"ص52. ولأن"التأنيث اصل الوجود"، فإن المرأة تحظى في نسبيتها ومطلقها، بالمكانة المرموقة في وجدان يوسف المخزنجي وذاكرته الأنثوية:"الفاعل والمنفعل - الحق والخلق - الذكر والأنثى، عين واحدة فرقت بين شقيها عوارض عابرة مآلها الى الزوال. هل تراني فهمت مغزى كلامك يا شيخنا؟ رقصة اشواقي وشبقي نزوع نحو ألوهية الحق، ام تعلّق بها واندماج في سطوعها الذي لا يُتصور؟"ص91. لكن التعلق بما هو جميل وفتان لا يحول دون نشوب الشر والعنف، وهو ما ترمز إليه الصفحات الأخيرة بعد ان امتدت النار الى خيام الغجر، وظل يوسف متابعاً لحبيبته مانورة:"زهرة النار اليانعة تنبثق من خواء الساحة خواء الوجود تتحدى الزمن تتحدى الجفاف تتحدى العسف والجور والعفن، عنيدة لا يحيطها شيئ، اوراق الشعاليل الحمراء تكتنز في صميمها عصارة غنية لا تذوي..."ص130. وكانت مانورة قد قالت له:"في طريقنا إليك، في طريقنا الى هنا، احترقت البلاد، بلداً بعد بلد، فما عادت فيها غضارة ولا نُضرة. قال المخزنجي في ما بعد: هل كانت تتنبأ بما سيحدث؟ ام ترصد حقيقة التدهور التاريخي - هكذا قال! - وتنتظر ما سيجيء؟ امكانية الخصوبة؟"ص131. إلا ان الخراط، على رغم المعاينة وإدراك الملموس الصارخ، لا يقرّ برجحان كفة التدهور التاريخي، لأن حدسه يؤكد ان زهرة النار ستونع من جديد. ما يترسب في النفس، بعد قراءة"الغجرية ويوسف المخزنجي"هو قوة النشيد، قوة المديح لتلك المشاعر والحدوس المتعلقة بالمرأة رمز الحب المطلق في نسبيته، وبالصراع الأبدي بين الحلم والواقع، بين المستبدين والمضطهدين. ثم، تلك الرحابة في التشكيل التي تُسمعنا صوت الذات مفردة وجمعاً، حاضرة او مشرفة على ماضيها يحفها التخييل واللغة الدقيقة المملوءة بالصور والاستعارات. ما يتبقى في النفس كثير، لأن كتابة الخراط، على امتداد اكثر من خمسين سنة، هي بلورة لرؤية - رؤيا، تصر على ان تواجه قساوة العالم بحدس الصوفي، وعقلانية المفكر ولغة الشاعر.

  • أعجبني
  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
  • 0