عن ألبرتو مانغويل

مؤلِّف موسوعيّ مشهود له عالمياً ومترجم وكاتب مقالات وروائي.. حازت كتبه جوائز عديدة وكانت الأكثر مبيعاً. ولد في بوينس آيرس، وانتقل إلى كندا سنة 1982، ويعيش الآن في فرنسا حيث عيِّن مديراً لهيئة الفنون والآداب...

كتب أخرى لـِ ألبرتو مانغويل، سامي شمعون


thumb

thumb

thumb

thumb

thumb

thumb

قرّاء هذا الكتاب يقرؤون أيضاً


thumb

thumb

thumb

thumb

thumb

thumb

الكتاب على رفوف القـرّاء


تاريخ القراءة (384 صفحة)

عن: دار الساقي (2002)

رقم الايداع : 1855165481
الطبعة : 3
التصنيفات : فنون

"القراءة ضرورية للحياة كالتنفس"، يقول آلبرتو مانغويل. قام هذا الرجل، الذي يتحدث ويكتب بلغات عديدة، باقتفاء آثار "النصوص المكتوبة والمقروءة والمطبوعة" عَبْر مختلف العصور التاريخية: بحث عنها في الكثير من مكتبات العالم، لكنه بحث عنها داخل نفسه أيضاً. مثل كورس شكسبيري يقدم لنا مانغويل "مفتاح فهم العالم". إنه يتذكر الكلمة الأولى التي قرأها، ويتحدث عن شغفه الكبير بالقراءة منذ نعومة أظفاره، ويروي قصة علاقته بالكاتب الكبير الكفيف خورخه لويس بورخيس الذي كان يقرأ عليه في بوينس آيرس مدة عامين كاملين يوماً بعد يوم. ثم ينتقل إلى بدايات الكتابة وإلى فن طباعة الكتب والأدب وشكل الكتاب، وإلى فعل القراءة وسلطانها. يقدّم مانغويل نخبة من عظماء العالم الذين كانوا يكتبون ويحبون القراءة مثل أرسطو، ولوفكرافت، وابن الهيثم، وأولفر ساك، وماريا المجدلية، والقديس أوغسطينُس، وريلكه. ويحدثنا عن قصة الأمير الفارسي الذي كان يصطحب مكتبته المؤلفة من 117000 كتاب على ظهر قافلة من الجمال مصنفة بحسب الأحرف الأبجدية. ولا ينسى أيضاً حكاية أكبر سارق للكتب في العالم، الدوق ليبري، أو قصة عمال التبغ في كوبا الذين كانوا يحبون الاستماع إلى قراءة الكتب مما جعلهم يطلقون أسماء أبطال الروايات الأدبية على أنواع سيجارهم. مانغويل يتحدث عن القراءة بهيام عظيم كالذي نشعر به نحن معشر القرّاء في جميع أرجاء العالم. هذا الكتاب حكاية حبّ كبير، إنه جدير بالقراءة.


  • الزوار (2,847)
  • القـٌـرّاء (19)
  • المراجعات (5)
ترتيب بواسطة :

هذا الكتاب ليس تاريخ القراءة فحسب، انه تاريخ القراء العاديين أيضاً أي أولئك الذين أظهروا على مر العصور شغفهم بهذه الكتب أو بتلك انه تاريخ انتصاراتهم الصغيرة وآلامهم المحجوبة عن الأنظار، أخبار عن أناس عاديين، تقارير عن الحياة في أماكن قصية وأزمنة بعيدة، كتاب مستمد من مصادر مختلفة، ويقدم فيه ألبرتو مانغويل نخبة من عظماء العالم الذين كانوا يكتبون ويحبون القراءة مثل أرسطو ولوفكرافت وابن الهيثم وأولفر ساك وماريا المجدلية والقديس أوغسطين وريلكه ويحدثنا كذلك عن قصة الأمير الفارسي الذي كان يصطحب مكتبته المؤلفة من 117000 كتاب على ظهر قافلة من الجمال مصنّفة بحسب الأحرف الأبجدية، ولا ينسى أيضاً حكاية أكبر سارق للكتب في العالم (الدوق ليبري) أو قصة عمال التبغ في كوبا الذين كانوا يحبون الاستماع الى قراءة الكتب مما جعلهم يطلقون أسماء أبطال الروايات الأدبية على أنواع سيجارهم.


يقسم الكاتب الأرجنتيني ألبرتو مانغويل كتابه الشيّق هذا (تاريخ القراءة) الى فصلين رئيسين، الأول بعنوان (فعل القراءة) والثاني بعنوان (سلطان القارئ) وبينهما يأخذنا في رحلته عبر مجاهل الكتاب والقراءة والقارئ والكتابة، كيف نفهم الكتابة وكيف تقرأ عيوننا الكلمات المدوّنة على الصفحات، وهنا يشير الكاتب الى ان البروفسور أندريه روش لكور توصل، تماشياً مع نظرية ابن الهيثم، الى ان عملية القراءة تشمل على الأقل مرحلتين: رؤية الكلمة ومن ثم معالجتها وفق قواعد تعلمها الانسان، والمؤلف يقف هنا أمام الكلمات كما كان الكاتب السومري يقف قبل آلاف السنين أمام ألواحه، يراقبها، يراها، ثم ينتظم ما رآه وفق رمز أو نظام كان قد تعلمه وتقاسمه مع آخرين من عصره ومحيطه، رمز قبع في مراكز معينة من الدماغ، ومع ذلك فإن التوصل الى تحليل كامل لما نفعله عندما نقرأ سيكون غاية المنى بالنسبة الى البحوث السيكولوجية لأن ذلك سيعني وصف الكثير من الأداء المعقد للعقل البشري كما يشير الى ذلك الباحث الأميركي "إي بي هوي"، لكن الغريب في هذا الأمر هو أننا لا ننقطع أبداً عن ممارسة فعل القراءة على الرغم من اننا لا نملك تفسيراً مرضياً لما نفعله.


وكما هو فعل القراءة فإن تاريخ القراءة يقفز نحو الأمام الى وقتنا الحاضر، إلينا، الى تجربتنا كقراء، ومن ثم الى قرن بعيد مندثر، إنه يتجاهل فصولاً، ويستعرض كتباً ويعود الى موضوعات معينة، ويرفض الانصياع للنظام المتعارف عليه، وحول هذا يشير مانغويل عبر تجربة حياته الى انه من المفارقات ان الخوف من وجود تناقض بين القراءة والحياة الذي كانت تنطلق منه أمه عندما كانت تنتزع الكتب من بين يديه وترسله لاستنشاق الهواء هذا كله كان يتضمن حقيقة جدية: ان المرء لا يستطيع ان يبدأ الحياة، هذه الرحلة الوحيدة، من جديد بعد ان تكون قد انقضت، مستشهداً بقول الكاتب التركي أورهان باموك في روايته (الحصن الأبيض) لكنه يضيف: انه عندما نمسك كتاباً بيدينا، أياً كان هذا الكتاب معقداً أو صعباً على الفهم، فإننا نستطيع بعد الانتهاء منه، العودة الى البداية إن أردنا ذلك، وان نقرأه من جديد، كي نفهم ما هو صعب وبالتالي فهم الحياة أيضاً.


في فصل القراءة الممنوعة يشير مانغويل الى تاريخ منع العبيد من تعلم القراءة ويورد على ذلك الكثير من الأفكار والملاحظات والرؤى والحقائق فهو يقول مثلاً: "ان مجرد التفكير في شعب أسود متعلّم كان يبعث الخوف في قلوب المستعمرين البريطانيين من احتمال عثور عبيدهم على أفكار انقلابية في الكتب"، لكنه أيضاً يشير الى جانب آخر في هذا الفصل، إذ يرى ان القراءة لا تقدم دوماً إثراء داخلياً، ذلك ان العملية نفسها التي تملأ نصاً ما بالحياة، نستخلص منه ما يوحي به، وتضاعف من معانيه، وتعكس فيه الماضي والحاضر والمستقبل، يمكن أيضاً من أجل تشويش النص والقضاء عليه، فكل قارئ من القراء يحقق لنفسه طريقة قراءته الخاصة به التي تنحرف أحياناً عن النية الأصلية للنص، لكن التي لا تمثل بالضرورة تزويراً، غير ان القارئ يستطيع تزوير النص عن قصد ان أراد، عند وضعه في خدمة عقيدة معيّنة، وإساءة استعماله في تبرير الاعتباطية، والغبن والعنف، وإن كان ذلك للمحافظة، على منافع شخصية، أو لإضفاء الشرعية على النظم الدكتاتورية أو الرق.


في العديد من فصول هذا الكتاب الضخم الشيّق والممتع، يتم وضع مهمة رواية الأحداث مقابل تصوير الحقائق، إن الفصول عن أدب الوقائع والتي تشمل نظريات أفلاطون والملاحظات النقدية لهيغل وبرغسون وغيرهم جافة بعض الشيء، أما الفصول التي تتحدث عن الروايات الأدبية فشيّقة أكثر لأنها تتضمن رأيين متناقضين وملحّين في الوقت نفسه، أما الطريقة التي يؤثر فيها إيقاع قراءة النصّ على الآخرين، فتجري معالجته في الفصل الحادي والخمسين.


إن تاريخ القراءة لا نهاية له في الواقع، كما هي الحال في قراءة هذا الكتاب أو الكتابة عنه، فمانغويل يتحدث عن القراءة بهيام كبير كالذي نشعر به نحن معشر القراء في جميع أنحاء العالم، ويقدم لنا مفتاح فهم العالم من خلال القراءة، إنه يتذكر الكلمة الأولى التي قرأها، وشغفه بالقراءة منذ نعومة أظفاره، ويروي علاقته بالكاتب الكبير الكفيف خورخه لويس بورخيس الذي كان يقرأ عليه في بيونس آيرس ولمدة عامين كاملين ويومياً الكثير من الكتب والحكايات والقصص والروايات، إنه باختصار كما جاء على غلافه الأخير حكاية حب كبير، انه كتاب جدير بالقراءة.


ولا ضير ان أورد هنا بعض ما جاء في أقوال لكتاب وصحف حول هذا الكتاب الممتع والشيّق:


ـ كتاب يفتح الأبواب من أجل الدخول الى عالم محفوف بالأسرار، كتاب لا يترك القارئ لحظة واحدة وحيداً على الرغم من كثرة المعلومات والاقتباسات والملاحظات القيّمة التي يتحفنا بها.


(أو غلوبو، ريودي جانيرو)


ـ لقد تبنى ألبرتو مانغويل تعطشنا الى الكتب وحوّل هذا الموضوع بنجاح باهر الى كتاب رائع.


(نيويورك تايمز)


ـ وأخيراً وصلتنا الحكاية: حكاية الحب العظيم بين الإنسان والكتب.


(لاربو بليكا، روم)

الكتاب: تاريخ القراءة الكاتب: ألبرتو مانغويل المترجم: سامي شمعون الناشر: دار الساقي/ بيروت/ لبنان 


  • أعجبني
  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
  • 0

يقدم لنا الكاتب الأرجنتيني آلبرتو مانغويل في كتابه “تاريخ القراءة” دراسة حقيقية حول مراحل القراءة والقرّاء منذ الكتابة على الألواح السومرية، قبل أكثر من ستة الآف عام، إلى يومنا هذا حيث ضغط الكتب في الأقراص المدمجة.


ماذا يعني أن تكون قارئاً؟ ممَ يتكون فعل القراءة الغامض؟ “تاريخ القراءة” يحاول الإجابة عن هذين السؤالين، فيأخذنا في سياحة فكرية ممتعة، رحلة حقيقية عبر التاريخ الإنساني، ليكشف لنا “فعل القراءة”، و”سلطان القارئ”.

القراءة فعل تحرر، مفتاح الحرية، الفردية والعامة، أو هي إحدى أهم المفاتيح. هي طريقنا إلى فهم أعمق وأوضح للعالم، طريق لتحقيق الذات. هي فوق كل ذلك، الفعل الذي يزودنا بالرؤية النقدية ويرفعنا فوق مستوى القطيع الراكد.


“تاريخ القراءة” ليس كتابًا، بل هو أقرب إلى الأطروحة، مدهش ومعقد في آن واحد. يتكون من أربعة أجزاء، كل جزء يكمل الآخر. ومع ذلك فإن كل جزء يشكل أطروحة مستقلة لوحده، فليس مهما أن تقرأ الاجزاء جميعها بنفس الترتيب الوارد في الكتاب لتفهم وتستمتع بالبقية.


في الجزء الأول المكون من فصل واحد ويحمل نفس عنوان الجزء الاخير، “الصفحة الأخيرة”، يصحبنا الكاتب في رحلته الشخصية مع القراءة، منذ اكتشافه لها في سن الرابعة، مرورًا بعمله قارئًا للكاتب الأرجنتيني العبقري، الكفيف، خورخي بورخيس، إلى قراءاته المستقلة؛ موضحًا تجاربه هذه ومسلطًا الضوء على الكثير من المفاهيم المتعلقة بالقراءة: “سرعان ما أدركت أن القراءة كانت فعلًا تراكميًا يحدث بصورة هندسية: كل قراءة كانت تتراكم على القراءات السابقة”، ص 32.


يشرح مانغويل ويعاين قيمة القراءة كفعل بالغ الأهمية، ويعكس بعمق العلاقة الغامضة تقريبًا بين القارئ والكتاب. من يقرأ لا يشعر بالعزلة أبدًا :”أعطتني القراءة عذرًا مقبولا لعزلتي، بل ربما أعطت مغزى لتلك العزلة المفروضة علي”. القراءة هي طريق الروح لتذهب عميقًا في الحياة. وهي مرعبة للسلطات، أي سلطة كانت :”إن النظم الشمولية ليست الوحيدة التي تخشى القراءة. بل وحتى ساحات المدارس، وفي خزائن الملابس، وفي دوائر الدولة والسجون تجري مراقبة جمهرة القراء بعين الارتياب، نظرًا لما يشعر المرء به من سلطان القراءة وقوتها الكامنة”، ص34.


 “القراءة ضرورية للحياة مثل التنفس”. قد نتمكن من العيش بدون كتابة، لكن ليس من دون قراءة.


في الجزء الثاني المعنون “فعل القراءة”، يحاول بشكل موسع معالجة الآليات اللغوية، والنفس-لسانية، والإدراكية التي تدخل في لعبة فعل القراءة. لذلك فهو يعالج قراءة الظلال، والقراءة بصوت مسموع أو القراءة الصامتة، كذلك الذاكرة والتخيل، وقراءة الصورة التي شكلت قفزة في نهر المعرفة، إذ لم تعد القراءة مقصورة على النخبة، فالفقراء صار بإمكانهم المعرفة من خلال قراءة الصور.

في الجزء الثالث يعالج الكاتب العلاقة المعقدة بين القارئ والكتاب، تحت عنوان “سلطان القارئ”. وبسرد مفعم بالشغف يبدأ من تحليل أصل الكتابة، وبالطبع القراءة، فكل الاحتمالات تشير إلى أنهما بدآ سوية، ربما في أواسط الألفية الرابعة قبل الميلاد في بلاد الرافدين. وقد بدأت الكتابة، مثل القراءة، لدوافع اقتصادية، فقد أراد الناس معرفة عدد مواشيهم وملكياتهم وتداولها، وظلتا إلى الآن مرتبطتين بالدوافع الاقتصادية. ويقول الكاتب: “بيد أن الكتابة ليست الاكتشاف الوحيد الذي له علاقة بهذا الفعل: في الوقت نفسه تطور فعل آخر. فنظرًا لأن الغرض من فعل الكتابة كان المحافظة على نص من الضياع -أي قراءته- جرت مع اكتشاف الكتابة عملية خلق القارئ”، ص 207.


والكتابة لم تنشأ لدوافع اقتصادية وحسب، بل أيضا خلقت واقعًا طبقيًا اقتصاديًا جديًدا، خلقت طبقة جديدة: “جميع كتاب بلاد الرافدين بأيديهم الكثير والكثير من أدوات القوة مما جعلهم يرتقون السلم الاجتماعي ليصبحوا نخبة أرستقراطية”، ص 208.


في هذا الجزء أيضًا سنقرأ فصولًا شيقة منها تنظيم الكون، قراءة المستقبل، القارئ الرمزي، سرقة الكتب، الولع بالقراءة، وفصل القراءة الممنوعة، وهو أكثر فصل يربط بين القراءة والتحرر والحرية وهلع السلطات من القراءة.


معالجًا التعقيدات التي كان يواجهها العبيد في القراءة، يقول مانغويل: “لم يكن تعلم القراءة بالنسبة إلى الرقيق المفتاح المباشر لنيل الحرية، إنما أحد الطرق للحصول على مداخل أحد أهم أدوات القوة التي كان يستخدمها مستعبدوهم- إلى الكتاب (…) إذ أن أصحاب الرقيق كانوا يخشون (مثل جميع الحكام الديكتاتوريين والطغاة، والملوك المستبدين وغيرهم من الحكام غير الشرعيين) إلى حد كبير قوة الكلمة المكتوبة لأنهم يعرفون تمامًا أن القراءة قوة، ومن يتعلم قراءة بضع كلمات فقط يستطيع آجلًا أم عاجلًا تعلم كل الكلمات، والأسوأ من كل ذلك، التفكير بهذه الكلمات، وفي نهاية المطاف تحويل أفكاره إلى أفعال”، ص 309.


إشارة: في هذا الفصل يرد ذكر العبد المسترق سولومون نورثب، الذي شاهدنا عنه العام الماضي فيلم “12 عامًا عبًدا”، إذ كانت القراءة طريقه للتحرر من نير العبودية، والفيلم مقتبس من مذكراته التي تحمل نفس عنوان الفيلم.


يخصص الكاتب صفحات كثيرة لما يطلق عليه “اختراع القارئ”، وفي الترجمة العربية “اكتشاف القارئ”، وهي أقرب إلى اختراع بالنسبة لي، أي دفع القارئ إلى القراءة والمشاركة في النص. وكل نص يتطلب قارئًا، بل ومشاركًا. يقول مانغويل: “فعندما يبدأ سرفانتس مقدمته لكتاب دون كيخوته بعابرة “القارئ الخامل” يجعلني بهذا، أنا قارئه، جزءًا من اكتشافه، أو اختراعه بحسب فهمي للنص، أي شخصًا له وقت كثير يخصصه لقراءة كتاب”، ص 340.

في الجزء الأخير من الكتاب، “الصفحة الأخيرة”، نشعر وكأننا أمام أسلوب معلم الكاتب ومواطنه خورخي بورخيس، إذ يضعنا في وهم أو خداع عن كتاب “تاريخ القراءة”، الكتاب الوحيد الذي لم يقرأه الكاتب، بعد أن كتبه، رغم شغفه به. هل هو نفس الكتاب الذي بين أيدينا؟ ربما. في هذا الفصل يعالج الكاتب تاريخ القراءة كما لو كان يقدم ملخصًا أو إحاطة شاملة لكتابه.


من هو خير حافظ للكتاب، الكاتب أم القارئ؟ من هم حراس الكتب فعلا؟ يقول: “فالكتاب الموجود أمامي ليس تاريخ القراءة، إنما تاريخ القراء العاديين أيضًا، أي أولئك الذين أظهروا على مر العصور شغفهم بهذه الكتب أو بتلك (…) أولئك الذين انتشلوا الكتب من طي النسيان”، ص 336.


في النهاية فإن حارس الكتب وحافظها هو القارئ. وتاريخ الكتابة كتاب لا ينتهي، كـ”كتاب الرمل”، الذي تخيله بورخيس، لا مبتدأ له ولا نهاية، وحرقه قد يخنق العالم بدخانه.


إن أفضل ما في كتاب البرتو مانغويل، ليس مئات بل آلاف الكتب التي عالجها واستخدمها، وليس أسلوب الكاتب الشيق والمعقد في آن، إنما قد يكون في خلاصاته الضرورية: قيمة القراءة، الطريق نحو المعرفة.


أخيرًا، نكتب هنا عن كتاب غير مسبوق في تاريخ التأليف، كتاب ضروري ومهم لكل قارئ وباحث، ولكل مهتم في معرفة علاقة القارئ بالكتاب.


“تاريخ القراءة” هو أطروحة في شغف القراءة.


*عن المؤلف: آلبرتو مانغويل، ولد في العاصمة الأرجنتينية، بوينس آيريس، عام 1948، وهو كاتب، وناقد أدبي، ومحرر لعدة صحف، ومترجم، وروائي له عدة روايات منها: “ستفنسون تحت شجر النخيل” و”بوابة مارفيل”.


*عن الكتاب: صدر الكتاب عام 1996، وترجمه إلى العربية سامي شمعون، صدرت أول طبعة عربية عن دار الساقي عام 2001، والرابعة عام 2013.


  • أعجبني
  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
  • 0

عندما ينتهي المرء من قراءة كتاب «تاريخ القراءة» يشعر برغبة في أن يقوم إلى مكتبته الخاصة، صغيرة كانت أم كبيرة، فيتطلع إليها وكأنه يراها للمرة الأولى. تتملكه الغبطة، لأنه يمتلك هذا الكنز الثمين، وقد يلوم نفسه لأنه تعامل مع هذه الكتب وكأنها جزء من ديكور المنزل.


هذا الكتاب، تاريخ القراءة، يرد الاعتبار والبريق إلى المكتبة بأسرها، لأنه يهزّ بعنف علاقتنا بالكتاب، وبشكل دعوة لا تقاوم إلى إعادة تقويم هذه العلاقة التي نسميها «القراءة».


مؤلف الكتاب هو الأرجنتيني ألبرتو مانغويل. وهو شخص شغوف بالقراءة، وقد احترفها لبعض الوقت، إذ عمل قارئاً عند الأديب خورخيه لويس بورغيس، لأن هذا الأخير كان ضريراً كما هو معروف. وبعدما أمضى عمره وهو يقرأ ويجوب العالم بحثاً عن كل شاردة وواردة تتعلق بالقراءة والكتابة، كان مؤلفه الفريد من نوعه.

عندما بدأنا بقراءة هذا الكتاب – تاريخ القراءة – كانت عندنا مجموعة أسئلة، بعضها حظي بأجوبة، وبعضها كان خارجاً عن مضمون الكتاب. ولكنها تساقطت جميعها أمام سؤال جديد لم يكن ليخطر على بالنا. وقبل طرح السؤال، نتوقف أمام الدافع إليه، أي مضمون الكتاب.


القراءة بصمت، القراءة على الآخرين، شكل الكتاب، القراءة الوجدانيّة، قراءة المستقبل، القارئ الرمزي، سرقة الكتب، الكاتب كقارئ، المترجم كقارئ، الولِع بالكتب. هذه بعض عناوين العشرين فصلاً التي يتألّف منها هذا الكتاب.

وعلى العكس مما يرد في ذهن القارئ من أن كتاب مانغويل هو غوصٌ في تاريخ الكتابة والكتب، كما يبدو من بعض هذه العناوين، نشير إلى أنه لم يتطرّق إلى الكتابة وأشكالها إلا من زاوية تأثيرها في القراءة، فنجده

لا يتطرّق مثلاً إلى الحديث عن أدوات الكتابة، ولكنه يفرد عدة صفحات للنظارات الضروريّة للقراءة، بدءاً من ظهورها الأول الذي وصل إلينا في لوحة إيطاليّة تعود إلى القرن الرابع عشر وصولا إلى تبجّح الباحثين عن مظهر أكثر أهميّة في العصر الحديث… إذن كل شيء عن القراءة… والقراءة فقط.


ليست بهذه البساطة

من أبرز ما يتضمّنه الكتاب بحث في عنصري القراءة: بصوت عالٍ أولاً ومن ثم بصمت. فالعنصر الأول امتد منذ عصر ألواح الصلصال وحتى العصور الوسطى، والعصر الثاني ابتدأ في القرن السابع الميلادي تقريباً، ولم يستقر إلا قبل خمسة قرون فقط، فتطوّرت أشكال الكتابة وظهرت النقاط والفواصل التي تُسهّل عمليّة التوقف على الزمن، بعد أن كان يُعتمد في ذلك على موهبة القارئ -الخطيب-، فصارت «للأحرف قوّة إيصال أقوال الغائبين إلينا بصـمت» على حد تعبير إيزيدور الإشبيلي.


ولكن ما تضمّنه كتاب مانغويل يتجاوز في نظرنا هذا التأريخ للمعطيات وتسجيلها المباشر، فما بين الأسطر وعلى مدى صفحات الكتاب بأكمله يكشف عن أن «النخبة المثقفة» التي تستحق فعلاً هذا الاسم أولت القراءة أهميّة تفوق إلى حدّ بعيد ما يمكن أن يكون منطبعاً سلفاً في الأذهان.


فمن الزخارف الجميلة الواردة في الكتاب حديث عن العلاقة بين شخصيّة القارئ والكتاب الذي يحمله، فالكتاب يحدّد هويّة القارئ ويعرّف عن شخصيّته، خاصّة خلال أسفاره. ويضرب المؤلف مثالاً على ذلك إحدى قريباته التي يقول عنها: إنها كانت تعرف تمام المعرفة دورَ الكتاب في التعرّف إلى الآخرين والتواصل معهم، فكانت تختار عند السفر مواد القراءة بعناية فائقة.. فلم تكن تأخذ معها كتاباّ لرومان رولان تحاشياً للتبجح، وكانت أغاثا كريستي تبدو لها بسيطة وعاديّة جدّاً. وهكذا فإن ألبير كامو كان ملائماً للرحلات القصيرة، وكرونين للرحلات الطويلة، أما الروايات البوليسيّة فكانت تعتبر الكتب الملائمة للقراءة خلال عطل نهاية الأسبوع في الريف. وكانت كتب غراهام غرين ملائمة خلال رحلة في الباخرة أو في الطائرة..


ومن الزخارف التي يتوسّع فيها المؤلّف نذكر أيضاً الأماكن المفضّلة للقراءة، فيذكر أن عمر الخيّام كان يوحي بقراءة الأشعار بالخارج تحت الأغصان. وبعده بعدة قرون، نصح الكاتب الفرنسي سانت بوف بقراءة مذكّرات مدام دي ستايل «تحت أشجار نوفمبر». وفي نهاية حياته كتب آلان بروست على نور مصباح خافت: «إن الكتب الحقيقيّة يجب ألاَّ تولد من ضوء النهار الساطع ومن الدردشة في الحديث، وإنما في الظلمة والسكون».


ويدرس الكاتب بعمق مسألة القراءة في الفراش فيقول إنها أكثر من مجرّد تمضية للوقت، إنها تمثل نوعاً من الوحدة. فالمرء يتراجع مركّزاً على ذاته، ويترك الجسد يرتاح.. وهنا يستعرض المؤلف أشكال الأسرّة في التاريخ، وما إذا كان هذا الطراز أو ذاك يساعد على القراءة أم لا، ولمعرفة ما إذا كانت القراءة في غرفة النوم معروفة في هذه الحضارة أو تلك. ويتوقّف بإسهاب أمام حالتي الكاتبتين، الأمريكيّة إديت وارتون، والفرنسيّة كوليت، اللتين اشتهرتا بالعزلة في غرفة النوم للقراءة والكتابة.


القارئ السيد

في إهدائه الكتاب إلى القارئ، استخدم مانغويل سؤالاً كان قد طرحه الفيلسوف الفرنسي ديدرو: لكن من سيكون السيّد؟ الكاتب أم القارئ؟ وعلى مدى صفحات هذا الكتاب، يؤكد المؤلف أن القارئ هو السيّد، وأنه هو الذي فرض تطوّر الكتاب وأشكاله عبر التاريخ، بدءاً بالانتقال من اللفافة، إلى الكتاب المجلّد وصولاً إلى كتاب الجيب الذي ظهر في العصر الفيكتوري، وانتشر بشكل ساحق في العصر الحديث. ويجزم أن فعل القراءة هو الذي أسقط بعض أشكال الكتب مثل الكتب الكبيرة التي عادت إلى الظهور في القرن التاسع عشر لبعض الوقت، ولكن صعوبة التعامل معها أدت بها إلى الانقراض.


وفي هذا السياق التاريخي نكشف بعض الأجوبة لعدد من الأسئلة التي طرحت في السنوات الأخيرة، حول مصير الكتاب في عصر الحاسوب على سبيل المثال.


ففي تعليق على اختراع الطباعة على يد يوهان غوتنبرغ يقول مانغويل: «إن فن الخط الجميل تطوّر في القرن السادس عشر وترك بصماته على ثقافة ذلك القرن بكامله.»


ويضيف: «من الشيّق أن نرى كيف أن بعض التطورات التكنولوجية- مثل اختراع غوتنبرغ – تشجّع في الواقع ذلك الشيء الذي جاءت لإزاحته عن الطريق، منبهة إيّانا بضرورة المحافظة على القيم القديمة والتقاليد… ففي يومنا هذا مثلا نرى أن تقنية الحاسوب وطباعة الكتب على أقراص مبرمجة لم تؤثر – كما تُظهرالإحصائيّات – في إنتاج وبيع الكتب. وبعد أن يشير إلى أن عدد الكتب المطبوعة التي دخلت مكتبة الكونغرس الأمريكي سنة 5991م. بلغ 734953 كتاباً، يفاجئنا في اتخاذ موقف متحرر جداً بالنسبة للقارئ الكلاسيكي الشغوف بالورق وملمسه ورائحته فيقول: «إن من يرى في الحاسوب عملاً ضد الكتاب، فإنه يبجّل الحنين إلى الماضي على حساب التطور والتجارب والخبرات.»


وبثقة لا تتزعزع بالكتاب المطبوع على الورق، يقول في مكان آخر: «إن القراءة على شاشة الحاسوب تمثل عودة إلى أسلوب قراءة اللغات القديمة، التي كانت قد انهارت أمام ظهور الكتاب الذي يتضمن صفحات متتالية.»


الشغف .. سيد الأعمال

في القرن الأول الميلادي أبدى الشاعر ماريتال دهشته من السلطان السحري لذلك الشيء الصغير الملازم لليد والذي كان يحتوي على أشياء نفيسة لا تقدّر بثمن:

هوميروس على صفحات الرق

الإلياذة ومغامرات أوليس عدو مملكة بريام

كلها مغلفة ضمن قطعة من الجلد

مطويّة إلى صفحات صغيرة عديدة!

بعد ذلك بعشرين قرناً كان الشغف نفسه في نفس ألبرتو مانغويل، وعبّر عنه في بداية مدهشة لكتابه. إذ استهلّه بثماني عشرة صورة من مختلف الحضارات والثقافات لأناس يقرؤون. وبعد تعليقات مقتضبة على هذه الصور كتب: «كل هؤلاء قرّاء. كل إيماءاتهم وقدراتهم ومسرّاتهم ومسؤوليّاتهم، والطاقات التي تقدّمها لهم القراءة معروفة لدي تماماً. إذن أنا لست وحيداً».


فماذا عنّا..؟

إن كنّا غصنا في بعض التفاصيل التي انتقيناها عشوائياً من هذا الكتاب، فالأمر عائد إلى إيضاح المزاج العام الذي يسيطر على القارئ العربي عند مطالعته. والوصول إلى السؤال المستجد الذي أشرنا إليه في البداية، ونطرحه هنا: ماذا عنّا في البلاد العربيّة؟ هل تعاملنا فعلاً مع فعل القراءة على هذا المستوى من الأهمية؟


الكثيرون منا يتحدثون عن تدهور حركة النشر وحركة التأليف. ولكن لا أحد يلوم القارئ. فعندما ينصرف الملايين عن الكتاب إلى شاشة التلفزيون مثلاً، ألا يجدر بنا أن نراجع مفهومنا للقراءة ودورها في حياتنا، ونظرتنا إلى القراءة على المستوى الموازي لأهميتها في صيانة شخصيتنا وأفكارنا ونظرتنا إلى العالم؟


في هذا الكتاب جواب واضح وإن كان غير مباشر، فعندما تتدنّى القراءة وتنهار، فهذا يعود إلى أنها لم تكن أصلاً على مستوى عالٍ من الوعي لأهميتها، فللقراءة مفهوم يتجاوز ما نتعلمه في المدرسة.. إنها مسألة رغبة وإصرار على التواصل مع ما دار في رؤوس أناس آخرين يعرفون ما لا نعرفه.


  • أعجبني
  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
  • 0

يقتبس ألبرتو مانجويل (Alberto Manguel) في كتابه (تاريخ القراءة) مقولة إيتالو كالفينو (القراءة تعني الاقتراب من شيء في اللحظة التي هو فيها على وشك أن يُخءلَق) من كتابه (If on a winter night. 1979) "إذا في ليلة شتاء" للتدليل على خطورة فعل القراءة. تلك الخطورة التي تجعل للكلمة المقروءة حداً أمضى من السيف وفتكاً يفوق فتك الأسلحة المتطورة، لذا نجد أن حروب اليوم تعتمد بالدرجة الأولى على الإعلام وعلى الكلمة المُنَاورَة والكلمة الساحقة أو المُهَمّشَة للعدو أو المُزيفة لما يجري في أرض المعارك، يقول ألبرتو:


(في 1966قبل عام من تخرجي من المدرسة الثانوية، وعندما كانت الحكومةُ العسكرية للجنرال أونجانيا قد استلمت الحكمَ، اكتشفتُ طريقةً لتصنيف الكتب غير اتباع التصنيف الأبجدي حسب اسم الكتاب أو مؤلفه أو موضوعه وذلك حسب منعها أو فسحها رقابياً. إذ أنه وتحت وطأة الاتهامات بالشيوعية والفحش، فلقد تم ضمَّ بعض عناوين الكتب وبعض المؤلفين لقوائم الممنوعات رقابياً. وفي ظل سياسة حملات التفتيش المفاجئ للجميع في محطات القطارات والمقاهي بل وحتى في الشوارع صار القبض عليك وأنت تحمل أياً من تلك الكتب ذات العناوين المثيرة للشبهة يضاهي في خطورته القبض عليك وأنت لا تحمل أوراقك الثبوتية، وكلاهما يجعلك عرضة لأقسى العقوبات. مما جعل الكُتَّاب الممنوعين مثل بابلو نيرودا، وجي دي سالينجر، ومكسيم غوركي، وهارولد بنتر يشكلون مرجعية خاصة من الأدب تربطها نظرة الرقيب المُشككة بل والمُدينة).


ليست فقط الحكومات الديكتاتورية التي تعاني هذا الخوف من القراءة، لأن القُرَّاء ظلوا يُضطَهَدون ويُخَوَّفون في ساحات المدارس ويخضعون لحملات تفتيش خزائنهم وأدراجهم الخاصة بحثاً عن الكتب الممنوعة تماماً كما يُضطَهَدون في مكاتب الحكومات والسجون. يمكننا القول إنه وتقريباً في كل مكان تنشأ لجماعة القُرَّاء سمعة غامضة والتي تأتي من السلطة والقوى الغامضة التي تمنحها الكتب. كما أن هناك حس بالقوة أو بالحكمة لا يمكن القبض عليه في العلاقة بين القارئ والكتَاب، ولكن القارئ وفي ذات الوقت يُنءظَرُ إليه بصفته الكائن المنعزل والعازل لما عداه، إن الانغماس في القراءة هو فعلٌ مُمَيّزٌ للقارئ ونافٍ للمُرَاقب، وذلك ناجم ربما عن أن منظر الفرد المنعزل في مقعد بركن قصي، الذاهل عن تذمر الكون وفوضاه، يُوحي بحصانة واعتكافٍ لا يمكن اختراقه، حصانة تنطلق فيها عينُ القارئ بأنانية وتسمح له بممارسة أكثر الأفعال سريّة. كانت عبارة أمي (أخرج للهواء الطلق وعشء.) تلاحقني بها كلما رأتني منعزلاً أقرأ، كما لو أن نشاطي الصامت يتعارض مع مفهومها لما يعنيه كون المرء حياً. وإن الخوف الشائع مما يمكن أن يرتكبه القارئ ضمن صفحات الكتاب يماثل الخوف الأزلي الذي يحمله الرجال عما يمكن أن ترتكبه النساء في المواقع السرية بأجسادهن، ويماثل ما يمكن أن يرتكبه السحرة والكيميائيون وراء الأبواب الموصدة. الانغماس في القراءة فعل يوحي بخطورة القارئ لذا يُتَهَم القراء بالبعد عن الواقع والتحصن في برج عاجي وفقاً لسانت بويف، ولقد وَصَمَ فيرجيل العاج بأنه المادة التي سُبكَتء منها بوابات الأحلام الزائفة، أي أن القارئ معزول في أحلام زائفة بعيداً عن الأرض وواقعها الجارح.


لقد أخبرني بورخيس يوماً بأنه، وخلال إحدى المظاهرات الشعبية التي نظمتها حكومةُ بيرون عام 1950ضد المثقفين المعارضين، جأر المتظاهرون فيها رافعين شعار (أحذية نعم، كتب لا)، وأن الصيحات التي واجهت ذلك الشعار بشعار نقيض يقول (أحذية نعم، كتب نعم) لم تُفلح في إقناع أحد. وإن الواقع (أو ضرورات حقيقة الواقع القاسية) سيظل يُنءظَر إليها بصفتها تتعارض بشكل لا يمكن تفاديه مع عالم الكتب الذي لا يمكن حصره ولا القبض عليه. بهذا العذر وبتأثير يتعاظم تقوم رموزُ السُلطة بتشجيع الانفصام بين الحياة والقراءة. المستأثرون بالسلطة يريدون لنا أن ننسى وأن نفقد الذاكرة، لذلك يصمون الكتب بالرفاهية الزائفة، الأنظمة الديكتاتورية تتطلب ألا نفكر لذا تقوم بحظر الكتب والقراءة ومنعها، وبالتالي تَتَطَلَّب منَّا أن نكون أغبياء وأن نقبل إذلالنا بخنوع تام لذا يشجعون إدماننا للامتيازات والأرباح التي تُسءتَجءدَى من الرعاية الرسمية وفي مثل تلك الظروف لا حياة للقارئ المدمن على عوالم الكتب التي تتسم بذاكرة حادة وتفتح الآفاق والبصائر وتشجع على الترفع.


في عام 1984، تم العثور على لوحين من الفخار، في تل براك في سوريا، يرجع تاريخهما للألفية الرابعة قبل الميلاد. ولقد رأيتهما قبل حرب الخليج بعام واحد معروضين في متحف الآثار ببغداد. لقد كانا في غاية البساطة، ولا يميزهما شيء خاص ولا حلية ولا تعقيد في الصياغة والتشكيل، ويحمل كل منهما علامات حذرة: نقوش أو انبعاجات صغيرة عند القمة، وحيوان يشبه العصا مرسوم بالمركز. أحد الحيوانين قد يكون ماعزاً، والآخر ربما كان نعجة، ويقول علماء الآثار بأن النقش يُعَبّر عن الرقم عشرة. كل تاريخنا بدأ بذينيك اللوحين البسيطين. واللذين (فيما إذا نجحا في النجاة من الحرب والنهب) هما بين أقدم أمثلة الكتابة في تاريخنا البشري.


هناك شيء مؤثر بعمقٍ في اللوحين، ربما لأننا وبمجرد تحديقنا في اللوحين من الصلصال نشعر بأننا محمولون بنهرٍ انقرض، نُبحر بينما نحن نراقب النقوش الدقيقة التي تُصَوّر حيوانات تحولت لغبار منذ آلاف وآلاف السنين، ونصير واعين بصوتٍ يُسءتَحءضَر، بفكرةٍ، رسالة تُخبرنا بأنه: "كانت هنا عشر معزات". "عاشت هنا عشر نعاج"، كلمات نَطَقَها مزارعٌ حريص في الأيام التي كانت فيها الصحراء سهولاً من الرخاء والخضرة. بمجرد النظر لذينيك اللوحين ينتابنا بأننا قد قمنا بتخليد ذكرى، بمدها من بداية الزمن لوقتنا الحاضر، بتلك النظرة قمنا بحفظ فكرةٍ لدهورٍ ودهورٍ بعد أن كَفَّ المفكر عن التفكير، ولقد نجحنا بذلك في جعل أنفسنا جزءاً من فعل الخلق والذي سيبقى قائماً ومشرعاً ما دام ذلك النقش منظوراً وقابلاً للتفسير والقراءة....).


يذكرنا ذلك بالألواح التي رجع بها موسى من جبل الطور، والتي تحمل وصايا الله، والتي تكسرت بالبلبلة التي احتلت مكانتها بين قومه الذين شاءوا عبادة العجل من ذهب، ليفضح الشرخ الأزلي بين عالم الذهب وآفاق القراءة، وكيف صار عليه أن ينتخب رجالاً من قومه للصعود معه لحمل الوصايا، شاء موسى أن تُنقش الوصايا بصدور الرجال، أن تأتي القراءة طي الجسد فلا يعود محوها ممكناً إلا بإبادة الجسد، الأمر الذي يُحيل لبداية تنزيل القرآن، الكتاب الذي نزل في الصدور، منقوشاً بأحرف في اللحم والدم، ليدوم زمناً حيّاً يتنفس قبل أن يتم تفريغه في الأوراق، إلا أن مرجعه الأخير الصدور، حين يُرفع في آخر الزمان ويُقءبَضُ حَفَظَتُه وتَرثُ الأرضَ الشياطينُ.


  • أعجبني
  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
  • 0

تاريخ القراءة.. يالها من فكرة! عشرات الانطباعات الاستباقية تتحفز وأنت تطالع هذا العنوان، ستشفق مقدما على الكاتب الذى «ورط» نفسه فى التصدى لهكذا تيمة. تتساءل عن المنهج الذى اختاره لتتبع ذلك الأثر، المتناثر بتناثر القراء ذواتهم، فى سياقاتهم الخطية والطولية، وتقول إن لكلِّ منا تاريخه الخاص مع ذلك الأسر المحبب.. فتجد الكاتب متفقا معك تماما على أن: «التاريخ الحقيقى للقراءة هو فى الواقع تاريخ كل قارئ مع القراءة»، قابضا بذلك على مدخله الشخصى لذلك البهو الواسع.. ومدخلك أنت أيضا.  

من تاريخه الخاص والأقدم يبدأ الكاتب الأرجنتينى «ألبرتو مانغويل» تتبعه لتاريخ القراءة انطلاقا من طفولته القرائية، وقت كان يقيم العلاقات بين الصورة وحروف الكلمة التى تعنيها وهو ابن الرابعة، تدرجا لقراءة كل ما تقع عليه عيناه من قصاصات ومطويات وحتى إعلانات الشوارع، واستغلالا لمنحة وجود مكتبة ضخمة لدى والده الدبلوماسى، ثم العمل أوائل المراهقة بمكتبة «بجماليون» كمنظف للغبار عن الكتب، الوظيفة التى لم تشبع فضوله تجاه الكتب، لكنها قادته للصدفة العظيمة، يوم أن اختاره مواطنه الأديب الكبير «خورخة لويس بورخيس» للعمل كقارئ خاص له، بعد أن خبا نور عينيه.. فأعاد أرشفة وربما تكوين انطباعاته عن قراءاته السابقة والتالية، بعد مشاهدة ردود أفعال بورخيس وتعليقاته على ما كان يقرؤه الشاب مانغويل، وربطه بقراءات نثرية وشعرية وتاريخية أسبق.  

«فى البداية أصدرت أحكاما متسرعة على القصص التى كان بورخيس ينتقيها ــ فنثر «كيبلينج» بدا لى مرتكزا على عكازين، ونثر ستيفنسون طفوليا، ونثر جيمس جويس غير مفهوم. غير أن الأحكام المسبقة المتسرعة استبدلتها بالتجارب، وبدأت القصص تبعث فى نفسى الفضول للتعرف على قصص أخرى كانت بدورها متشبعة بذكريات تعود إلى نوعية رد فعل بورخيس، ورد فعلى انا الآخر عليها».

 

دون أن يفارق، تماما، حكايته الشخصية كقارئ، يذهب مانغويل فى كتابه إلى تاريخ القراءة، أو بمعنى أدق أحد تواريخ القراءة، لأن «تاريخا واحدا من تواريخ القراءة الذى يعتمد على نيات معينة وسيرة حياة شخصية لا يمكن أن يكون إلا تاريخا من جملة تواريخ كثيرة»، وفى سرده هذا يمزج الكونى بالشخصى والعام بالخاص، مقتربا بالعلاقة بين القارئ والكتاب إلى المستوى الجسدى الموصول بالحواس «العين تجمّع الكلمات على الصفحة، والأذن ترجّع صدى الكلمات المقروءة، والأنف يشمّ رائحة الورق والصمغ والحبر والورق المقوّى أو الجلد، والأنامل تتحسس الصفحات الناعمة أو الخشنة، والتجليد الناعم أو القاسى، وحتى حاسة الذوق تشارك فى العملية عندما يرفع القارئ إلى فمه الأصبع الموجودة على الصفحة».

 

يتتبع مانغويل فى القسم الأول من كتابه مسارات فعل القراءة وقوفا عند جانبه التشريحى البيولوجى، موردا العديد من خلاصات، وجدالات العلماء البصريين والسيكولوجيين واللغويين، كذلك، منتهيا إلى أن القراءة ليست عملية يستطيع المرء تفسيرها بالاعتماد على نموذج آلى، ومن ثم تصبح مهمة القارئ هى بحسب الحسن بن الهيثم «إيضاح ما قد تفصح عنه الكتابة من كلمات وظلال». ويشرح الكاتب أشكال القراءة، كقراءة الظلال، وقراءة الصور، وكيف تطلق للقارئ مساحاتٍ من الحرية والتأويل، انتقالًا إلى طقوس القراءة، وما الذى يرتبط بالقراءة الوحدانية أو المنفردة، وكيف كانت القراءة الصامتة بدعة جديدة أدهشت القديس أوغسطينس فى القرن الرابع للميلاد، وهو يلاحظ القديس أمبروسيوس، أسقف مدينة ميلانو وهو يقرأ بعينيه بينما قلبه يستقبل المعانى. ويتطرق مانغويل كذلك لمكان القراءة وكيف تستهوى القراءة فى الفراش أفرادا عديدين مثل الروائية الأمريكية «إيدث وارتون» التى كانت تعد غرفة نومها المهرب الوحيد من التزامات القرن الـ 19، حيث كانت تستطيع أن تقرأ وتكتب فى فراشها بكل هدوء، ومثلها الكاتبة «آنى دلارد»، والكاتب مانغويل ذاته، الذى استغل الحديث عن القراءة الوحدانية فى الفراش لاستعراض أشكال الأسرة وغرف النوم فى القرون المختلفة، وكيفية تعليق الستائر فى الغرف وبين الطبقات.

 

 هذا الاستعراض الشائق، الذى يتخلل فصول الكتاب كافة، حتى لتظن أن تلك الحاشية أو ذاك الاستطراد هو موضوع الكتاب أصلا، هو السمة التى جعلت كتاب مانغويل يبدو ككتب عديدة، أو أنه كتاب مصغر للكون، يسرد تاريخ هذ الكون، انطلاقا من تاريخ القراءة، ومرورا بعمليات الإدراك، وظروفها، وطقوسها المحيطة، والمرور بالطبع على اختراع الطباعة وعمليات إنتاج الكتاب، بتدرجاتها من الحضارة البابلية، والفرعونية، والسومرية وغيرها.

 

فى كل ذلك وبصورة أجلى فى القسم الثانى من الكتاب المعنون بـ«سلطة القارئ» يظهر الكاتب، ولا أقصد هنا مانغويل، ولكن عشرات الكتاب الذين استدعاهم هو، عبر كتاباتهم وآرائهم ومكاتباتهم وردود أفعالهم التى شكلت عصب وعظام تاريخ القراءة، ومررهم من خلال عدسته هو كقارئ، من أمثال «بورخيس، وريلكه، وكارل ماركس، ونكوصا بالزمن حتى هوميروس ومن قبله، أفلاطون وسقراط، وأرسطو، مرورا بأغسطينس، وفرجيل، وكافكا» وغيرهم، وهؤلاء أمسك بهم الكاتب فى مواضع عديدة ضمن فروع القسم الثانى مثل: القارئ الرمزى، والمترجم القارئ، والكاتب كقارئ، والمتولع بالكتب، وغيرها انطلاقا من رؤية مانغويل لأن» النظر إلى الكاتب كقارئ، أو إلى القارئ ككاتب، أو إلى الكتاب كإنسان، أو إلى الإنسان ككتاب، أو إلى العالم كنص أو إلى النص كعالم ـ كل هذه الأشياء ليست سوى أوصاف مختلفة لفعل القراءة».

 

نهاية كتابه يتخيل مانغويل فى «الصفحة الأخيرة» أن ثمة، ضمن الكتب التى لم يكتبها ولم يقرأها، كتابا عظيما اسمه «تاريخ القراءة»، هو يتصور أنه فى أحد أقسام مكتبته الشخصية، ويصف غلافه، وملمسه، وشكل عنوانه، ويروح يصف أقسامًا ومحتويات وفهارس افتراضية، ورسومًا داخلية وأعمالًا واقتباسات ضمنية، كأن كل هذه الأشياء، اقتراح لكتاب كبير ربما عليه أن يكتبه أو على الآخرين كتابته كسيرة أخرى لتاريخ الكتابة، ذلك الشديد التعقيد والتشابك حتى على مستوى كتاب مانغويل» الذى يعتبره هو على تشعبه فصل فى سيرة، أو تاريخًا واحدًا ضمن تواريخ عديدة.

 

إن عملًا كهذا الذى أنجزه «ألبرتو مانغويل» فى سبع سنوات، يكفى أن يكون الكتاب الأوحد لكاتبه، رغم أنه ليس كذلك، فهو الذى ينبه فى مواضع عدة منه، أنه مجتزأ مما يصح أن يطلق عليه تاريخ الكتابة، يفرغ علينا حصاده العقلى على مدى حياته قاطبة، منذ مسه سحر القراءة فشعر أنه: «أصبحت إنسانًا جبارًا»، ويقدم لنا مئات، ضمن آلاف سيره الذاتية كقارئ «يجب أن يكون للقارئ ألف سيرة ذاتية»، مجيدًا دائمًا لعبة وصل الموضوعات والتواريخ الذاتية للأشياء بموضوعه الكبير الواسع، اللاهوت مؤنسنا، وحواديت العهدين الجديد والقديم، والقرآن الكريم، وشروح اللسانيات، وجدليات العلوم البصرية، ونمائم أروقة البلاط الملكى من انجلتر لليابان، لزمن الإسكندر الأكبر، وعراق ما قبل الحرب ومنحوتات سوريا القديمة، وفهارس مكتبة الإسكندرية، ونظرة أمه وجدته إلى استبدال مانغويل الحياة بالقراءة، وعشرات المواضيع الأخرى يتلوها هذا الكاتب ضمن التاريخ الأسطورى للقراءة بنفس واحدٍ، دون حشرجة أو لهاث، تاركا إياك أيها القارئ مع مئات الاقتراحات للكتب والموضوعات التى لم تقرأ بعد، وضمنها اقتراح موازٍ بكتابة فصلك الخاص فى تاريخ القراءة، محفزا إياك بهذه العبارة التى اختتم بها آخر سطوره من أجل أن تبدأ أنت:

 

«أضع الكتاب على الطاولة جنب سريرى، كى أستطيع أن أقول لنفسى اليوم أو غدا أو بعد غد: «إنه لم ينته».


  • أعجبني
  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
  • 0