عن رضوى عاشور

رضوى عاشور كاتبة وأستاذة جامعية، يتوزع إنتاجها بين الرواية والقصة القصيرة والنقد الأدبي والثقافي. ولدت رضوى عاشور في القاهرة عام 1946، وتخرجت من قسم اللغة الإنجليزية بكلية الآداب جامعة القاهرة عام 1967، وحصلت على الماجستير في الأدب المقارن عام 1972 م..

كتب أخرى لـِ رضوى عاشور


thumb

thumb

thumb

thumb

thumb

thumb

قرّاء هذا الكتاب يقرؤون أيضاً


thumb

thumb

thumb

thumb

thumb

thumb

الكتاب على رفوف القـرّاء


فرج (222 صفحة)

عن: دار الشروق (2012)

رقم الايداع : 9789770923865
الطبعة : 1
التصنيفات : أدب،فنون

في سرد روائي جذاب تقدم رضوى عاشور سيرة ندى عبد القادر التي عاشت تجربة ثلاثة أجيال من المساجين؛ أبيها الأستاذ الجامعي، ثم هي شخصيًا، ثم أخيها الذي لا يتجاوز عمر ابنها المفترض. كما تعيد قراءة الستين عامًا الأخيرة بحروبها التي لم تكن أولاها في 1956 ولا أخرها في 2006، مازجة كل هذا - وبعمق - مع مقولات وحكايات مثقفين مصريين وفرنسيين قاوموا هزائمهم، وآخرين قتلتهم الهزائم ذاتها. صدر للدكتورة رضوى عاشور عن دار الشروق: ثلاثية غرناطة 2001، وتقارير السيدة راء 2001، وقطعة من أوروبا 2003، وفرج2008 ، وأطياف2008 .


  • الزوار (3,719)
  • القـٌـرّاء (29)
  • المراجعات (4)
ترتيب بواسطة :

الرواية جميلة بشكل عام ، مشوقة في بعض المقاطع ،مملة في أخرى اسلوب جميل وطريقة مميزة في السرد والوصف، ولكن فيها بعض الحشو او لنقل (زيادة في الكلام)جعلتني اشعر بالسأم ،وكانت هي السبب في استغراقي وقتا طويلا لانهاءها

  • أعجبني
  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
  • 0

كانت أول تجاربي في القراءة لـ “رضوى عاشور” موفقة جدًا. فحين قرأت “فرج”، اندمجت داخل العالم -الواقع- وضللت طريق الخروج منه، وبقيت الرواية من الأعمال المفضلة لدي على الإطلاق. لا ألبث أن أقابل شخصًا لا أعرفه حتى أسأله: هل تقرأ لرضوى عاشور؟ هل قرأت “فرج”؟ لا؟ إذًا يجب أن تقرأها. ومن وقتها وأنا أتابع كل أعمال “رضوى” الأخرى بِنَهَم. فقد أثّرت في شخصي لدرجة أني اهتممت بالتاريخ أكثر واخترته مجالًا لدراستي الجامعية. فيمكن القول إن “رضوى عاشور” تتبع مذهب التأريخ بالرواية -وهو ذكر أحداث تاريخية في إطار روائي شيق- سواء عن قصد أو دون قصد. وتُظْهِر من خلال أعمالها المختلفة الكفاح المضني الذي بذلته خلال حياتها الشخصية. كما تُسقط شخصيتها وشخصيات من تعرفهم على أبطال أعمالها. تُرَكّز هذه الرواية الحديث عن المعتقلات والقمع في العصور الثلاثة. عبد الناصر والسادات ومبارك. ولكن يمكن القول ‘ن عصر السادات حاز على نصيب الأسد في الرواية. ليس فقط من حيث كَم الصفحات، ولكن من خلال التفاصيل. حيث إن البطلة “ندى عبد القادر” وزملاءها كانوا مشتركين في الثورة الطلابية آنذاك. تبدأ “رضوى عاشور” سردها الروائي بالحديث عن الصغيرة ذات الفستان الأحمر “ندى عبد القادر” المولودة لأم فرنسية وأب مصري معتقل في سجون عبد الناصر. تذهب “ندى” مع أمها لمحطة القطار ليسافرا إلى أسيوط ليزورا والدها المعتقل في سجن المحاريق. فلا تتعرف عليه في الزيارة. وتظل تبكي ظنًا منها أنه هو الذي لم يتعرف عليها لتعود مريضة بالحمى. ندى عبد القادر تلك الفتاة الصغيرة التي يختفي والدها فتخبر أمها بأنها تكذب عليها وأنه ليس مسافرًا كما أخبرتها، بل مات مثل أرنبها الأليف لترد عليها أمها بأنه لم يمت، بل إن هناك رجلًا مثقفًا يقول الأمور يجب أن تسير هكذا، ولكن رأيه مخالف لرأي الضباط فوضعوه في السجن. – يعني إيه سجن؟ – يعني مكان مقفول لا يمكن الخروج منه. – مثل الأسد في حديقة الحيوانات؟ – مثل الأسد في حديقة الحيوانات. ثم تنتقل بنا رضوى في فصلها التالي “أيّ الرجلين أفضل؟”، لتتحدث عن زميلة “ندى” “منى أنيس” والتي كان أبوها أيضًا معتقلًا في سجون عبد الناصر، وكان ابن عبد الناصر زميلها في الفصل الدراسي فطلبت منها “ندى” أن تعرفها عليه حتى تسأله لماذا يسجن أبوه آبائهم؟ فوقفت “منى” في الفصل يومًا لتسأل المدرسة أمام الفصل كله: “من الأفضل أبي أم أبوه؟”، أبي كان مدرسًا جامعيًا في لندن، وعندما اعتدت بريطانيا على مصر احتج وقام بالمظاهرات ثم عاد لمصر ليخدم بلده. فمن الأفضل أبي المدرس الجامعي أم أبوه الضابط؟ لا تجيب المدرسة طبعًا بحجة أن كل التلاميذ بمثابة أبنائها. يخرج والد “ندى” أخيرًا من المعتقل لتبدأ الخلافات بينه وبين زوجته الفرنسية إلى أن يصل الأمر للانفصال. فتعود الزوجة إلى فرنسا وتبقى “ندى” مع والدها -لأنها شعرت أنه بحاجة إليها أكثر من أمها-. في أحد المشاهد الروائية، تذكر الكاتبة أن ندى وأبيها كانا يسهران ليلًا ليقيما مسابقات في الشعر. بأن يلقي أحدهم بيتًا من الشعر ويلقي الآخر بيتًا، ولكن بشرط أن يبدأ البيت الجديد بأول حرف انتهى به البيت الأول: “ولاذ بصخرة من رأس رضوى بأعلى الشعبِ من شعفِ منيفِ“. ليرد الآخر: “فرع نبع يهتز في غصن المجد غزير الندى شديد المحال“. وأرى أن رضوى عاشور أوردت هذين البيتين تحديدًا، لأن الأول يحتوي على اسمها والثاني على اسم ندى. وفي الواقع، فإن هذا النوع من المنافسات كانت تقام بالفعل في منزل رضوى عاشور، بين زوجها الشاعر “مُريد البرغوثي” وابنهما “تميم البرغوثي” وذلك واحد من الإسقاطات الشخصية للكاتبة والتي تحدّثت عنها في بداية المقال. يتزوج الأب مرة أخرى بـ”حمدية” التي تصفها ندى بأنها (كومبارس في أفلام فريد الأطرش -تضع طنًا من مساحيق التجميل- توشك على الرقص عندما يشرع هو في الغناء). تقرأ “ندى” في نَهَم زائد عندما تأتي (الكومبارس) إلى المنزل ليصبح لها أسلوبها الأدبي الخاص. الأمر الذي يدفع أبيها لاقتراح دراسة الأدب بديلًا عن الهندسة، لكن ندى تتمسك بدراسة الهندسة. ويجب أن أتوقف هنا عزيزي القارئ لأوضّح لماذا اختارت رضوى عاشور لبطلتها “ندى” دراسة الهندسة -في باديء الأمر- بدلًا من آداب والتي هي كلية رضوى أصلًا، وأن ترفض نصائح والدها، لسببين: أولهما، أن الحركة الطلابية في ذلك الوقت نبعت من كليات هندسة جامعتي القاهرة وعين شمس ثم انتقلت كالعدوى لباقي الكليات، فيجب أن تبقى الشخصية في بؤرة الحدث. ثانيهما، أن الشخصيات القيادية في الحركة الطلابية كسهام صبري وأروى صالح -اللتين سأتحدث عنهما لاحقًا- كانت في كلية الهندسة، فودت رضوى أن تبقي بطلة روايتها بالقرب منهم. تشترك ندى في مظاهرات الطلبة في السبعينيات (1972-1973) وتتعرف على الشخصيات القيادية التي سبق ذكرها وتتأثر بسهام بالذات. وعندما تبدأ حملات الاعتقالات يسفّرها والدها إلى أمها في فرنسا. فتظل طول العمر تشعر بالذنب لأنها لم تُعتقل معهم. وهنا نعود للكاتبة ولمَاذا لم تترك ندى، تُعتقل مع زملائها؟ الجواب هنا أن رضوى عاشور مرضت بمرض أرقدها في المستشفى وقتها ولم تُعتقل ضمن من اعتُقِلوا، فظلت تشعر بالذنب وتعبر عنه بشكل أو بآخر في أعمالها الكتابية -بالرغم من أن رضوى عاشور كانت وقتها معيدة في الجامعة وليست طالبة-. تفشل ندى في سنتها الأولى في كلية الهندسة فشلًا ذريعًا، فبين مظاهرات الثورة الطلابية واعتقالات الزملاء وسفرها إلى فرنسا، لم يكن أمامها سوى السقوط بالإضافة إلى أن المواد الدراسية في الكلية لم تستهوها بشكل المرجو. فتحوّل أوراقها لكلية الآداب قسم اللغة الفرنسية. اعتُقِلت ندى في السنة التالية، وتتحدث رضوى عن تجربة اعتقالات الفتيات، لم يضربهن أو يعذبهن أحد. وكان أقصى ما يفعلوه معهن، أن تُحجز إحداهن في عنبر الجنائيات كنوع من (التكدير). ثم أسهبت في وصف نوعية الملفات والمحاضر والاستجوابات التي كانت تُعد لهم والتي استمدت معلوماتها عنها من بعض الكتب التي تحدثت عن تلك النوعية من الاستجوابات ككتاب: (سهام صبري: زهرة الحركة الطلابية). حازم الشخصية الرئيسة التالية في الرواية (خيالية)، وإن كنت لا أحبذ هذا الوصف في هذة الرواية تحديدًا. فهنا لا توجد شخصيات خيالية، فكلها شخصيات نُسِجَت خيوطها من شخصيات ومواقف حقيقية، فلا يجوز الادّعاء أنها خيالية. قابلت “ندى” “حازم” أول مرة في الاعتصام الأول الكبير. يبدو عليه أنه أصغر سنًا منها فتوجهت له قائلة: “ندى عبد القادر، إعدادي هندسة القاهرة. قال: حازم كامل، طب القاهرة”. هذه هي الحقيقة التي لم تصدقها “ندى” في أول لقائين. فحازم يكبرها بخمس سنوات وليس في الصف الأول الثانوي كما خدعها في اللقاء الأول، ومسؤول فعلًا عن ثلاثة أولاد وأمهم -إخوته وأمه الذين ترِكوا في مسؤوليته بعد رحيل والده- كما قال ولم يكن يمزح. يُقدّم تلك المسؤولية على أي شيء. يُتهم بالتكاسل في الحركة الوطنية وأنه ينتمي لأهله بشكل مريض، فلا يهتم ولا يتخلى عن مسؤليته أو ينحيها عن قائمة أولوياته. أعطى “حازم” السند لـ”ندى” على مدار سنين، وخصوصًا بعدما رحل والدها وصارت العائل لأسرتها وأخويها حديثي الولادة. “لا نلتقي لسنوات، ثم نعود لنلتقي، فيجد كل منا صاحبه تمامًا كما غادره”. تدور بينهم المشاجرات والخلافات، ثم يعودا كما كانا وكأن شيئًا لم يكن. إلى أن رحل “حازم”، وكانت تلك قاصمة من القواصم التي مرت بندى، وبالتالي مرت بالقارئ. رحل في هدوء فجأة دون مقدمات. لتشعر ندى بالذنب ولا تستطيع أن تتخلص منه: “أشعر بالذنب تجاه أبي وتجاه أمي، ذنب لا علاج له لأنهما رحلا. وأشعر بالذنب كلما مات زميل من زملائي كأنني تركته يتحمل عبئًا لم أشاركه فيه”. أروى صالح تلك المرّة الشخصية حقيقية تمامًا. أحد قيادات الحركة الطلابية في السبعينيات. كتبت شهادتها في كتاب أو كتيب بوصف أدق، وأسمته (المبتسرون). لجأت إليه رضوى عاشور وهي تصف حالة ندى عند قراءته. وصفت “أروى” حلمهم بالحلم المُجهض، حلم الثورة الذي انتهى بنجاح طفيف –انصياع السادات ودخوله حرب 73 ورفض الحل السلمي- وفشل كبير عظيم أَلَمَّ بكل الحالمين -معاهدة السلام وتضييق الخناق على الحركة الطلابية الوطنية حتى ماتت تمامًا-، ليتشتتوا وينشغلوا في أمورهم الشخصية. فمنهم من اكتأب ولم يستطع ممارسة حياته الطبيعية. ومنهم “أروى” التي حاولت الانتحار مرتين مرة بإلقاء نفسها في النيل وأنقذوها ومرة ألقت بنفسها من الدور الثاني عشر وماتت؛ لتترك زملاءها في حالة حطام. فتصف رضوى “حازم” بعد أن سمع خبر انتحارها بأنه كان غاضبًا غضبًا غريبًا أشبه بقوة طاردة في إعصار. وكأن أروى انشطرت أمامه إلى اثنين. قتيلة يبكي في وهن فقدها، وقاتلة يضطرم سخطًا عليها. “بصقت أروى في وجوهنا جميعًا. أسامحها على كل شيء إلا انتحارها”. لم تنتحر أروى بعد فشل الحركة الوطنية مباشرة، بل بعدها بفترة طويلة قرابة الخمسة عشر عامًا. عمة ندى امرأة من صعيد مصر. مثال للمرأة الشرقية. غير متعلمة، ورغم ذلك لديها من البلاغة والحكمة ما يكفي طلاب مصر ويفيض. تزوجت صغيرة جدًا، وأنجبت عشر مرات، عاش منهم خمسة فقط. لديها ما لا يحصى من الأحفاد وأحفاد الأحفاد. لم تجالسها ندى كثيرًا أو تعِش معها، ولكن كانت تسافر لها بين الحين والآخر عندما كانت تدرك أنها لم تعيش مع والدها بالشكل الكافي، وتريد أن تعرف عنه أكثر لتنهال على عمتها بالأسئلة. لتحكي العمة أنها عندما اعتقلوا أخيها أرسلت لجمال عبد الناصر جواب لتسأله كيف يعتقلوا أخيها الذي سافر للخارج ليتلقى العلم ثم عاد به إلى بلده؟ وتسأله بعد أن خرج من معتقل: “ضربوكم يا حبّة عيني؟”، ليجيب: “ضربونا يا أختي بس ما سلمناش”، وإن كان الضرب صفة مهذبة رقيقة لما حدث ويحدث للمعتقلين والذي أرّخت له الكاتبة في الفصول الأولى من الرواية، عندما كانت تقرأ “ندى” عن المعتقلين لتتعرف على والدها وتجربته. تحكي “ندى” لعمتها عن انتحار أروى لتفاجئها العمة بأنها لم تقل الانتحار حرام والروح أمانة ربنا ولا يجوز أن يردها قبل أوانها. بل إنها سألتها عن أروى لها أولاد؟ متزوجة؟ ثم:”وكنتم فين لما انتحرت؟. ماهو يا بنت أخويا لازم تختاروا يا إما طريقتنا: جواز وعيال وأهل وعشيرة. يا إما تدفوا بعض. والصاحب يبقى عزوة صاحبه. ماحدش يقدر يعيش وحده عريان! الله يرحمها!”. لم تزد في الكلام ولكنها وَفَّت. سهام صبري زهرة الحركة الطلابية، هكذا لقبها زملاؤها في الحركة، وهكذا أطلقوا على الكتاب الذي أصدروه عنها، بعدما رأوا أنه سيكون الوداع اللائق بها في حفل تأبينها. تصف رضوى في الصفحة الأول من فصل سهام -لم يكن أول الحديث عن سهام- صورتها في الصفحة الأولى من كتابها، ولن أنقل لكم الوصف وسأكتفي بعرض الصورة. 1186153_10202840613806701_661741197_n (2) بحثت عن هذا الكتاب منذ أن قرأت وصف الكاتبة للصورة ووصفها للشخصية عبر صفحات الرواية لمدة عامين، إلى أن وجدته أخيرًا. طُبع الكتاب على نفقة أهلها في 500 نسخة. عدد من قرأوه قليل، معظمهم من زملائها وأصدقائها. وأرى أنه من الغريب أن لا تأخذ شخصية كـ سهام حقها ولا يعرفها كل الناس. وسهام صبري، هي المقصودة في قصيدة أحمد فؤاد نجم (أنا رحت القلعة) قائلًا: “وقابلت سهام في كلام إنسان منقوش ومأثر في الجدران”.. وفصل (سهام) هو اختصار لما وَرَدَ حرفيًا في الكتاب السابق ذكره. كان أول لقاء لندى بها في مظاهرات الجامعة في كلية هندسة. فوقفت ندى مشدودة ومدهوشة بالشخصية التي أمامها والتي تحتوي على خليط من شجاعة وجسارة ولطف ورقة. تصرخ في مندوب الرئيس “إذا كنت أنت وزير الشباب تعترف بأنك مجرد “بوسطجي” فاذهب وأخبره أننا لن نتحرك من هنا إلا إذا حضر هو بشخصه للإجابة على تساؤلاتنا”، ضحك بعض الواقفين ولكن ما لبث أن جاء الرئيس فعلًا بنفسه. تتخيل ندى فجأة بعد مرور سنوات أنها سَمِعَت صوت سهام لتلتفت ورائها لتجد سيدة بدينة فقط تكبرها بأعوام. لتظل في حيرة لأيام، هي سهام أم لا؟ تظل تسأل عنها المقربين فيقولوا أن أخبارها انقطعت من فترة. تذهب لبيتها ليخبرها البواب أنها لا تجيء منذ فترة طويلة. تتصل بمنزل والدتها ليردوا في أدب: لا تستقبل أحد. عانت سهام من الاكتئاب لمدة عشرين عامًا حاولت الانتحار فيهم أكثر من مرة وفي كل مرة تم إنقاذها. إلى أن زهدت في المحاولة وصارت تدعو الله أن يقبض روحها وينيلها الشهادة: “يارب أنا لا أطلب سوى الشهادة فخذ روحي في صباح غد قبل أن تنفتح عيناي على صباح آخر”، “خلصني يا إلهي لأن آلام قد غرست على آلام على آلام وأبكي كثيرًا جدًا وأنت تعلم”. ماتت سهام في الثالث عشر من مارس عام 2003 الموافق العاشر من محرم 1424 قبل غزو أمريكا للعراق بأيام. صدفة أم قرار لا أحد يعلم. في الكتاب، وصف الكثير من أصدقائها خبر موتها، أنه جاء صادمًا. كأن تصل أحد أصابعك بسلك كهربائي، رغم انقطاع أخبارها عنهم بفترة طويلة جدًا. سهام صبري الشجاعة الجسورة التي تصرخ في الهتاف هي نفسها سهام الرقيقة الخجولة بين زملائها. نابغة في دراستها بجانب نبوغها في النضال الوطني. سافرت للاتحاد السوفييتي لإنجاز رسالة الدكتوراه ثم أخذت قرار بقطعها والعودة إلى مصر. قرار تصفه بأنها ستتخذه لو عادت بها السنوات -ربما لما رأته من فساد ورشوة وظلم في منبع الاشتراكية للعالم فصُدِمَت-. مارلين والدة ندى مارلين الفتاة الفرنسية القروية العاملة على النسخ بالآلة الكاتبة. تزوجت عبد القادر بعد قصة حب وعادت معه إلى مصر لتشعر بالغربة والغرابة. فقد صارت تعامل كمدام سليم وتُدّرس الفرنسية في مدرسة معظم طلابها من الطبقة العليا. لم تتكلم العربية ولم تفهم أبدًا جدة ندى ولا عمتها. تحمّلت اعتقال زوجها وبعد أن خرج تحمّلت تغيّرات شخصيته واختلقت له الأعذار إلى أن وصفها بالعمياء بعد أن رأته يبكي على خطاب التنحي لعبد الناصر. عبد الناصر الذي اعتقله! فصرخت فيه بهستيريا، فنعتها بالعمياء. لم تطلب الطلاق بسبب المسبة بل لأنها أدركت أنها لا تستطيع أن ترى ما يراه. هكذا عادت وحيدة إلى فرنسا وتزوج هو وأنجب في حين أنها لم تستطيع الارتباط بغيره. لم تعود مارلين الفتاة القروية -لأن قريتها صارت قرية سياحية- ولا مارلين المصرية ولا مارلين الباريسية، فظلت تشعر دومًا بالغربة والغرابة، التوأمين نادر ونديم. فبعد أن حاربت ندى والدها حتى لا يجبر حمدية على الإجهاض، أوكلوا لها مهمة تسميتهم. مات والدها فجأة وبدون مقدمات ليترك لها مسؤوليتهم أيضًا. لتضعهم طيلة الثمانية عشر عامًا الأولى في حياتهم على قائمة أولوياتها. يشبهان بعضهما كأي أخوين ولكن ليسا متطابقين. قرر نادر أن يدرس في مجال هندسة الكومبيوتر وربما يفلح في العمل في مايكروسوفت ويسافر للخارج. بينما قرر نديم أن يدرس العمارة. ضحت “ندى” بفكرة الزواج من أجلهما. علاقتها بأمها خَفَتت لسوء أحوالها الاقتصادية وعدم القدرة على السفر إليها. ولأن أمها كانت دومًا ما تتهمهما بأنها السبب في بُعدها عنها. سافر نادر إلى دبي واعُتقل نديم في عصر مبارك في المظاهرات المنددة بالغزو الأمريكي للعراق، اتهمت حمدية ندى بأنها السبب في ذلك. فرج فصل الختام والتي أرادت رضوى أن تجعله فصل المقدمة ولكن ما لبث أن تزحزح شيئًا فشيئًا حتى صار فصل الختام. فرج فرخ حمام أبيض الريش تركه سرب الحمام البري الذي هبط على مُعتَقَل”تزمامارت”. فاعتني به أحد المعتقلين إلى أن صار ذكر حمام، فطار وجلب وليفته وعشش في المعتقل. يرفرف بجناحيه هنا وهناك فترفرف قلوب المعتقلين. هوّن عليهم سنوات الهوان والسجن إلى أن خرج المُعتَقَل الذي سبق واعتنى به لينظر له نظرة أخيرة ويتمتم: شكرًا . فلولاه ربما ما كان نجا. هكذا تنتهي الرواية ولكن لا ينتهي أثرها من النفوس، فبعد مرور أكثر من ثلاث سنوات على أول مرة قرأتها فيها لازلت تترك فيّ نفس الأثر من الشجن والأمل: “وحين أقول إنها صديقتي أشعر بقدر من الزهو كأن هذه الصداقة تضيف إلى جسدي الطفل شيئًا من طولها، وتمنحني بعضًا من سلطة معارفها”. هكذا قالت “ندى” عن صديقتها “منى”، وهكذا أقول أنا عن صديقتي ندى، فندى صديقة كل من دخل عالمها فتركت هي في عالمه بصمات لا يسهل محوها. ندى ليست خيالية بالمعنى الكامل كما وضّحت سابقًا ولا معارفها خياليين. فقد أبدعت رضوى عاشور في صنع تلك الرواية ودمج حوارها بين الحاضر والماضي، ولكن بشكل لا يجعلك تتوه وانت تقرأها. فأنا الآن أريد أن اقرأها مرة أخرى وستظل وكأنها المرة الأولى.

  • أعجبني
  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
  • 0

مشروع رضوى عاشور الروائى يرتكز إلى علاقة المثقف الثورى بالسلطة، وكأن هذه العلاقة فى مجملها هى التى تدفع وتحرك وعى الكاتبة الروائى. هذا المثقف المهموم دوماً بتغيير الواقع الآسن، وهذه السلطة القامعة التى تتشكل عبر متاريس ودساتير قوية وشبه أبدية. لذلك تستدعى هذه العلاقة وعياً خاصاً ومعالجة نوعية. ولأن رضوى عاشور عاصرت عهوداً ثلاثة من تجليات السلطة فى مصر، فهى قادرة على النفاذ إلى أعماق تلك العلاقة ومنحنياتها منذ آخر الخمسينات، لحظة الصدام الشرس بين هذا المثقف وتلك السلطة، حتى مطلع الألفية الثالثة، فى ظل انتشار آليات دفاعية حديثة، أبرزها منظمات حقوق الإنسان الملتبسة، والتى لا يرد لها ذكر فى رواية رضوى عاشور الجديدة "فرج" الصادرة حديثاً عن دار الشروق فى القاهرة. تبدأ رواية "فرج" بمشهد لبطلتها "ندى عبدالقادر"، وهى طفلة تستعد لمصاحبة والدتها الفرنسية لزيارة والدها المعتقل فى جنوب مصر. وبالطبع لابد من أسئلة بريئة توجهها ندى إلى الأم، مثل: هل بابا سيعرفنى؟ تبدو ندى متمردة منذ طفولتها، عبر إصرارها على تثبيت بعض الأفكار التى تراودها، هذا التمرد ظل مصاحباً لها طوال رحلتها فى الرواية، كابنة وتلميذة وطالبة فى الجامعة تحمل علم مصر فى المظاهرات، ثم كحبيبة لا تسلم بكل ما يطرحه حبيبها من أفكار. فى الرواية تستدعى الساردة كثيراً من أفكار وآراء ميشال فوكو، وعلى غلظة هذه الأفكار وجمودها، نجدها - فى السرد - تلين وتتفكك أمام حكايات ومعان عميقة. وهنا تبرز ميزتان: الأولى تتعلق بالمزج بين الدرامى والمعرفى، والثانية بالواقع الصريح والمتخيل المحض. فالواقع الصريح هنا يستدعى أشخاصاً معروفين أو مشهورين وبارزين فى نطاق اليسار المصرى فى حقبة السبعينيات مثل أروى صالح وسهام صبرى ومنى أنيس، ومعها حكاياتها المتعلقة بمعضلة الرواية الأساسية، وهى "صراع المثقف وآليات القمع". وإلى جانب حكايات هذه الشخصيات الواقعية، هناك حكايات تبدو من صنع الخيال وحده. وهكذا يتجادل الواقعى والخيالى على مدى الرواية كلها. تثير الرواية إشكالات تستحق التوقف عندها، أولها يتمثل فى استدعاء الشخصيات الحقيقية التى أخذت أبعاداً شبه أسطورية، ومنها شخصيتا أروى صالح وسهام صبرى، اللتان كان لهما حضور مهيب فى الحركة الوطنية الديموقراطية المصرية عموماً والحركة الطلابية خصوصاً. لكنّ الرواية آثرت أن تقتنص مراحل الإحباط والهزيمة للشخصيتين. وإذا كان العمل الروائى عندما يتعامل مع الواقعى، ينتقى بالطبع، فلا ينبغى له أن يغفل جوانب ناصعة فى هذا الواقعى. وإذا كانت المتابعات الصحفية التى أعقبت رحيل أروى صالح اختصرتها فى كتابها "المبتسرون"، ووجد بعض الناس فيه حجة لوصم الحركة الطلابية المصرية بالتناقضات الحادة، فإن الرواية انجرفت فى هذا التيار، وركزت فى شكل أساسى على المرحلة الانهزامية لأروى. وربما لا يعرف الكثيرون أن أروى صالح انتمت إلى فصيل "حزب العمال الشيوعى المصرى"، وهو أشد الأحزاب راديكالية فى حقبة السبعينيات، ومُثِّلت فى أعلى هيئاته، ووضعت كتابات مهمة تحت اسم حركى هو "صفاء إسماعيل"، وأهمها كتاب آخر ترد فيه على كتاب الراحل محمد سيد أحمد "بعد أن تسكت المدافع"، وتهاجم الرؤية الميكيافيلية التى تبناها. ولأروى كتاب يرد على وثيقة تقدم بها فصيل من الحزب محتجاً على توجهاته فى ذلك الوقت، فضلاً عن مقالات نقدية صدرت فى كتاب بعنوان "سرطان الروح". وتكرر الأمر نفسه بالنسبة إلى سهام صبرى على رغم استدعاء لحظات قليلة مضيئة من مسيرتها النضالية. ويلاحظ أن رواية "فرج" تركز على المشهد الأخير فى حياة سهام صبرى، وهو مشهد مفعم بالشعور بالإحباط.

  • أعجبني
  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
  • 0

سأبدأ معكم من فصل الختام , وهو ما يمكن وصفه ب ” مسك الختام ” أيضا , وفيه عرضت لنا الروائية د. رضوى عاشور مقتطفات من كتاب” الزنزانة رقم 10 ” والذي يروي فيه أحد السجناء ذكرياته عن معتقل تزمامارت في الصحراء المغربية .. تقول الرواية :  ” ثم كان يوم الثاني من أغسطس حين سمع السجناء صوت شيء يسقط من السقف . من احتفظ بقدرته على الحركة والمشي , اقترب من باب زنزانته , وتطلع عبر طاقتها الصغيرة , فرأى بقعة بيضاء على أرضية الممر . قدروا أنه بعض أسمنت سقط من الحراس , قدروا أنه ثعبان , هل هناك ثعبان أبيض ؟ وعندما فتح الحارس أبواب الزنازين لتوزيع كمية الماء المقررة كل يوم , مد مرزوقي يده بسرعة والتقط الشيء الأبيض قبل أن يراه الحارس. أغلق الحارس الزنازين وذهب . هتف مرزوقي : فرخ حمام ! طار الخبر إلى كل في زنزانته , من زنزانة إلى زنزانة , ثم التفاصيل : شبه عار إلا من زغب . ريشه جديد وقليل , فقط على ظهره . يرتجف .ساقه مثنية ورأسه يسقط على صدره .قلبه ينبض , ينبض بشدة . جنبه متورم .سقطة كبيرة .السقف يعلو الأرض بحوالي أربعة أمتار . صاح مرزوقي : سميته فرج !” ثم تواصل الرواية عرض حكاية فرج , واعتناء السجناء به , ومنحه ما تيسر من طعامهم حتى يكبر ويكسوه الريش , ثم مناقشاتهم حول مستقبله , هل يطلقونه في الممر الواقع بين الزنازين ؟ وماذا لو امسك به الحراس وذبحوه ؟ ولكنهم في النهاية يقررون أن إتاحة تلك الفرصة له تستحق المغامرة . واخيرا ينجح فرج في الخروج من بين القضبان ..ويرحل ثم يعود لزيارتهم ومعه رفيقته ..حمامة بديعة الهيئة .. ” هذه المرة لم يحاول فرج الدخول , كان منتفخ الأوداج ,واثقا من نفسه ” رواية ” فرج ” ثرية بالتفاصيل , تلح فكرة الحرية والاعتقال على بطلة الرواية ” ندى ” إثر تأثرها بغياب والدها الذي تعرض للاعتقال فترة أثناء طفولتها , كانت تقرأ كتابات السجناء لتستطيع تخيل الحياة التي عاشها والدها , ثم تجربة السجن الذي تعرض له زملاؤها في الكلية بسبب مناقشاتهم الثورية , ونجت هي منه بسفرها إلى باريس حيث والدتها الفرنسية . ” لم تتوفر راحة البال, رغم محاولات أمي ورغبتها في أن تخفف عني. انقطاع تام عن أخبار زملائي. لم يكن ذلك زمان الفضائيات والشبكة الإلكترونية , لا شيء تقريبا عن الطلاب المعتقلين” ثم عودتها ثانية وإصرارها على المشاركة , وتعرضها هي نفسها لفترة اعتقال .. ” لم نعذب , لأننا طلاب تعي السلطة حجم ما نمثله من تهديد , أو لأن الرئيس الجديد كان قد اعتلى سدة الحكم مؤخرا وهو يحمل كارت الديموقراطية .. ديموقراطية تسمح باعتقال آلاف الطلاب أو غير الطلاب بين حين وآخر في ليلة , وتعاقب المختلفين بعصي عصرية , أو تحمل لهم سلالا ممتلئة بالجزر وتربت عليهم بلطف وهي تراهم يتحولون إلى أرانب أليفة” وتفرد الرواية فصلا كاملا أسمته ” السيارات الزرقاء ” عن سيارات الترحيلات التي سببت هاجسا لبطلة الرواية في فترة ما , كأنها كانتت تتنبأ باعتقال أخيها أثناء مظاهرات الطلبة الرافضة للهجوم الأمريكي على العراق . ” حين أفرج عن نديم وزملائه كانت بغداد قد سقطت واحتل الأمريكيون والإنجليز العراق . بعدها بأسبوعين سافر نديم إلى الإمارات للعمل في دبي واللحاق بأخيه ” على مدي ثلاثة أجيال مختلفة تتناولها الرواية , يظل الشد والجذب بين الرغبة الدائمة في الحصول على الحرية ومحاولات القمع المستمرة . هكذا قرأت الرواية ,قبل أن تأتي ثورة 25 يناير لتعدنا بحياة جديدة , وربما هذا ما تنبأت به د . رضوى وتمنته حين كتبت: ” في كتاب عن السجن, سأفرد فصلا للخيام,يتناول على غير الفصول الأخرى , لحظة التحرير , وربما أفرد له فصلين , فصلا يكون واسطة العقد في الكتاب عن الحياة في المعتقل , ثم فصلا أنهي به الكتاب , عن التحرير ” سلام لكل أبطال التحرير ...سلام على أرواح الشهداء الأطهار ... وكل التمنيات بالشفاء العاجل للعزيزة د . رضوى عاشور

  • أعجبني
  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
  • 0
أضف مقتطفاً

عادة ما أشعر انى خفيفة قادرة على ان أطير وأنا مستقرة فى مقعد أقرأ رواية ممتعة. حين أشعر بنفسى ثقيلة أعرف أنى على مشارف نوبة جديدة من الاكتئاب
  • تعليق
  • مشاركة
  • 11
الحزن قوة جاذبة تشد لأسفل، تسحب الرأس والكتفين إلى تحت، كأن الجسم في حزنه يُمسي واهناً خفيفاً فتستقوي الجاذبية عليه وتستشرس
  • تعليق
  • مشاركة
  • 10
الجاهل بالمكان أعمى، لا أقصد بالمكان خريطة الشارع ولا أين يبدأ وأين ينتهى، بل المكان الذى يخصنا وتسكن فيه حكايتنا وذاكرة حواسنا الخمس فيه
  • تعليق
  • مشاركة
  • 10
لا يمكن ان يكون الحب اعمى لانه هو الذي يجعلنا نبصر
  • تعليق
  • مشاركة
  • 10
غريب أن أبقى محتفظة بنفس النظرة إلى شخص ما طوال ثلاثين عاماً، أن يمضي الزمن وتمر السنوات وتتبدل المشاهد وتبقى صورته كما قرّت في نفسي في لقاءاتنا الأولى
  • تعليق
  • مشاركة
  • 10
أن البشر كالمرايا يعكس الواحد منهم الكثير من وجه صاحبه
  • تعليق
  • مشاركة
  • 10
يبدو الذهاب الى العمل أو الخروج من البيت مهمة مستحيلة. أتحاشى الخروج ما أمكن. أتحاشى الناس، وأشعر بالوحشة أننى بعيدة عنهم فى الوقت نفسه. لحظة استيقاظى من النوم هى الأصعب. حين أذهب الى العمل وأنهمك فيه، يتراجع الخوف كأنه كان وهماً أو كأن حالتى فى الصباح لم تكن سوى هواجس وخيالات
  • تعليق
  • مشاركة
  • 11
لا يمكن أن يكون الحب أعمى، لأنه هو الذي يجعلنا نبصر! ـ
  • تعليق
  • مشاركة
  • 10
كنت فى حالة خاصة غير معتادة تمزج بين ارتياح عميق أشبه بالسكينة وان يصعب وصفها بالسكينة، وقلق غامض لا أحيط تمتما بماهيته، كأن سؤالا غير ما دونته من أسئلة فى الخاطرة التى كتبتها، معلق فى مكان ما وإن استعصى علىّ الامساك به
  • تعليق
  • مشاركة
  • 10
ولكنني أكره العدمية، وأكره تيئيس الناس عندما يسقط الإنسان هو شخصيا في اليأس فيعلن هكذا بخفة وبساطة أن كل مسعى يلجأ إليه الناس لخلق معنى لحياتهم ليس سوى أوراق توت! ـ
  • تعليق
  • مشاركة
  • 10